تحميل رواية «دمعات قلب» PDF
بقلم رباب فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أيام من حياتي...عالفاضي ضيعتها كنت صفحة فحياتي...دلوقتي قفلتها كان قلبي ف حبه ليك قرب يضيع نفسه وبدل ما يكمل بيك أحلام جوايا نقصوا إيه خدته من حبك ليا غير جرح بيموت فيا جيتلك أنا خدت بإيديك جيت انت بخسارة عليا 11- جلست(هالة) إلى جوار طفلتها الصغيرة تهدهدها لتنام, وشرد ذهنها بعيداً في حوارها مع(طارق). لقد فتح لها قلبه وصارحها بكل ما بداخله, صارحها بما شعرت به منذ البداية وتمنت لو كان خيالاً... صارحها بأن قلبه ليس لها, بل لأخرى. أخرى تحبه بشدة, أخرى ذات قلب كبير, أخرى ذاقت مثلها مرارة اليتم, أخرى...
رواية دمعات قلب الفصل 0 0 - بقلم رباب فؤاد
أيام من حياتي...عالفاضي ضيعتها
كنت صفحة فحياتي...دلوقتي قفلتها
كان قلبي ف حبه ليك قرب يضيع نفسه
وبدل ما يكمل بيك أحلام جوايا نقصوا
إيه خدته من حبك ليا غير جرح بيموت فيا
جيتلك أنا خدت بإيديك جيت انت بخسارة عليا
11-
جلست(هالة) إلى جوار طفلتها الصغيرة تهدهدها لتنام, وشرد ذهنها بعيداً في حوارها مع(طارق).
لقد فتح لها قلبه وصارحها بكل ما بداخله,
صارحها بما شعرت به منذ البداية وتمنت لو كان خيالاً...
صارحها بأن قلبه ليس لها, بل لأخرى.
أخرى تحبه بشدة,
أخرى ذات قلب كبير,
أخرى ذاقت مثلها مرارة اليتم,
أخرى ارتضت أن تقاسمها أسرة أخرى حبيبها من أجل مصلحة أطفال فقدوا الأب وبعدهم في سني طفولتهم الأولى.
يالها من فتاة, فتاة شجاعة.
والأهم أنها واثقة من حب(طارق) لها.
ودون أن تدري انسابت دموعها تغرق وجهها وعقلها يعمل في جميع الاتجاهات.
فحتى حينما كان عقلها يحذرها من وجود أخرى في حياة(طارق) لم تحاول اتخاذ أي موقف استعداداً لمثل هذا اليوم, لم تفكر في وضعها الجديد, وبالتأكيد لم تفكر فيما ستفعله لحل مشكلة(طارق).
إنه الآن يقضي أغلب أوقات فراغه بصحبة أبنائها, ولكنه حين يرتبط بحبيبته تلك لن يروه باستمرار كما اعتادوا؛ فماذا ستقول لهم حينها؟ أتخبرهم بزواجه من أخرى أم تخفي عليهم الخبر رأفة بطفولتهم؟
أفكار عديدة استغرقتها ودموعها تواصل الانهمار على وجنتيها, فلم تشعر بدخول أمها الغرفة إلا حين سمعتها تسألها في قلق ـ"أتبكين يا(هالة)؟ ماذا حدث؟"
رفعت(هالة) عينيها في سرعة إلى أمها ومسحت دموعها بأصابع مرتجفة وهي تزدرد لعابها قائلة بصوت مختنق ـ"لا شيء يا أمي, لم يحدث شيء."
جلست الأم أمام ابنتها وأشارت إلى عينيها الباكية قائلة ـ"إنها ليست دموع تثاؤب, لقد كنت تبكين. أخبريني بالحقيقة."
صمتت(هالة) للحظات قبل أن تقول بخفوت ـ"لقد تحدث(طارق) معي هذا الصباح في غرفتنا."
ارتسمت السعادة على وجه الأم وهي تقول ـ"الحمد لله, هذا مؤشر جيد. لماذا تبكين إذاً؟"
تنحنحت(هالة) قبل أن تقول بتردد ـ"لقد صارحني بسبب ابتعاده عني منذ زواجنا".
لمحت الفضول في عيني والدتها فتابعت في سرعة ـ" إنه مرتبط بزميلة له ويريد الزواج منها, وهي التي شجعته على الزواج مني في مقابل أن يكون زواجنا صورياً, مجرد ورقة تبيح له دخول البيت ومتابعة الأولاد دون حرج, وهو وافقها لأنه رأى ذلك أبسط حقوقها."
اتسعت عينا أمها في دهشة وهتفت باستنكارـ"ماذا تقولين؟"
داعبت(هالة) شعر صغيرتها وهي تقول ببرود يخفي غليان أعصابها ـ"ما سمعته."
ازداد استنكار الأم وهي تسألها ـ"وهل يعلم الحاج(حفني) بذلك؟"
هزت(هالة) رأسها نفياً قائلة ـ"كلا, لقد توفى(حازم) قبل أن يفاتح (طارق) والده بأمر زواجه, وبعدها أصّر عمي على زواجنا فلم يجد وقتاً لإخباره."
قالت أمها بثقة ـ" ولماذا يخبره من الأساس ما دام تزوج بالفعل؟ هل هي أجمل منك؟"
تنهدت(هالة) في عمق قائلة ـ"المسألة لا تتعلق بالجمال بل بالقلب, إنه يحبها ولا يتخيل سواها زوجة له. كما أن من حقه أن يكون له زوجة خاصة به هو فقط, فتاة لم يسبق لها الزواج ولم تكن لرجل من قبله."
أشاحت أمها بيدها في ضيق قائلة ـ"سيرفض الحاج(حفني) مجرد الكلام في الموضوع. لقد قال بنفسه أنه لن يجد لابنه زوجة أفضل منك و.."
قاطعتها ابنتها قائلة ـ"بل سيوافق يا أمي. مع استمرار ابتعاد(طارق) عني سينفذ أباه تهديده ويزوجه كي يفرح بأبنائه كما قال."
ربتت على كف ابنتها قائلة بحنان ـ"ألهذا كنت تبكين؟"
أومأت(هالة) برأسها في صمت, ثم قالت بصوت خنقته الدموع ـ"كنت أبكي قلة حظ أبنائي, لقد ورثوه مني. في البداية فقدوا أباهم, وبعد أن ظننت أن الدنيا ابتسمت لي ولهم بوجود عمهم إلى جوارنا اكتشفت موضوع زميلته تلك, وانقلب كل شيء حولي."
رمقتها أمها بنظرة طويلة قبل أن تسألها مباشرة قائلة ـ"فيم تفكرين الآن إذاً؟"
هزت كتفيها في حيرة مجيبةـ"لا أدري. رغم توقعي لوجود أخرى في حياته، لم أكيف نفسي على هذا الوضع. لقد كان خالصاً لأولادي, والآن سيقسم وقته بيننا وبينها. ماذا سأقول للأولاد حينها؟ وإذا طلبت الطلاق فهل سيوافق؟ وهل سيسمح حماي بذلك؟"
ربتت أمها على كفها ثانية وهي تنصحها بحكمة وثقةـ"لا تتسرعي في طلب الطلاق أو حتى التفكير فيه. فكري أولاً وأخيراً في أبنائك. تذكري ضحكاتهم معه كلما جلسوا سوياً, وتذكري أن ابنتك لا تعرف أباً سواه, وأول كلمة نطقتها كانت’بابا‘ وكانت موجهة إليه مثلما فعل أولادك دون استشارتك. لو فكرت ووجدت أن أبنائك سيصبحون أسعد حالاً بعد انفصالك عن عمهم فالرأي الأخير لك."
سالت دموع(هالة) ثانية وهي تقول في حيرة ـ"إنهم الآن أسعد حالاً مما كانوا في حياة(حازم), كما أنهم تغلبوا على حزنهم لفقده وعادت درجاتهم الدراسية للارتفاع ثانية, وأصبحت الضحكة لا تفارق وجوههم. أنا نفسي أشعر بالأمان في وجوده, ولا أدري ماذا سأفعل حين تقاسمني فيه أخرى."
صارحتها أمها بالحقيقة المؤلمة بقولها ـ"إنه لم يكن لك يوماً كي تتقاسمينه معها, إنه لها منذ البداية. ثم أن وضعك معه لن يتغير, ستظلين زوجته على الورق شئت أم أبيت, وإذا استخدمت عقلك ستظلين سيدة الموقف."
عقدت(هالة) حاجبيها ومسحت دموعها في سرعة وهي تسأل أمها باهتمام ـ"كيف؟"
قالت أمها ببساطة ـ"إذا كانت هي كريمة كوني الأكرم. ساعديه في الزواج منها وحوليه إلى أخ لك, وقتها لن تعودين إلى الشعور بالخجل كلما رآك وشعرك مكشوف أو وقميصك مرفوع الأكمام. لقد صارحك بأنه يحب أخرى, وضمنياً بأنه لن يحولك من خانة زوجة الأخ إلى خانة الزوجة. لذا يمكنك استغلال ذلك الوضع لتتحولي إلى خانة الأخت أو الصديقة التي يخبرها بكل ما يضايقه, وقتها حين تنصتين إليه وتهتمين بإبداء النصيحة ستصبحين بالنسبة إليه أهم من زوجته الجديدة. أفهمت؟"
هزت رأسها إيجاباً وهي تقول ـ"نعم, سأحاول."
ربتت أمها على كتفها قائلة ـ" حاولي وانجحي. أنت تعرفين مسبقاً الغرض من هذه الزيجة, اجعليها إذاً لهذا الغرض فقط."
وبدت هذه النصيحة أفضل نصيحة في الوقت الحالي.
رواية دمعات قلب الفصل الأول 1 - بقلم رباب فؤاد
وقفت في منتصف ردهة شقتها تتأمل أركانها في صمت, وذكرياتها تتدفق بسرعة البرق عبر عقلها منذ ارتبطت بزوجها وحتى رحيله.
فالطبيعي أن يحمل كل ركن من أركان المنزل ذكرى لها مع زوجها على مر سني زواجهما العشر, إلا أنها اعتادت أن تكون جميع أحدث حياتها غير طبيعية.
منذ صغرها وهي مختلفة, ليس لسواد عينيها الغامض ولا للشلال الحريري الفاحم الذي يتوج رأسها ولا لجمالها البريء ورقتها ولا حتى لأصلها الطيب.
ولكنها كانت مختلفة..فقط مختلفة.
حتى ارتباطها بزوجها كان مختلفاً..
صحيح أنه كان "زواج صالونات" كما يطلق عليه إلا انه كان مختلفاً عما عهدته في زواج مثيلاتها.
وحياتها مع زوجها كذلك كانت مختلفة..
لقد عاشت معه عشر سنوات في إحدى دول الخليج حيث كان يعمل مهندساً بشركة بترول,
عشر سنوات لم تزر فيها أمها سوى مرات قليلة صادفت مواعيد ولاداتها لأطفالها الثلاثة. وفي هذه المرات كان زوجها يعد شقتهم ويجهزها لانتقالهم إليها.
ونسيت أن أقول أنها, بحكم كونها مختلفة, تزوجت دون أن يكون لديها شقة..
لقد اشترى زوجها الشقة ولم يبدأ في تأثيثها إلا بعد أن تزوج وأنجب ولدين واكتشف حمل زوجته للمرة الثالثة.
وهكذا فعلى عكس أي زوجة تدخل عشها لأول مرة مع زوجها مرتدية ثوب الزفاف الأبيض, دخلت هي شقتها برفقة أطفالها وأمها مرتدية السواد حداداً على زوجها الراحل.
لم لا وقد اعتادت أن تكون مختلفة!!!
ومن أعماقها انطلقت زفرة ملتهبة حملت بعضاً من حزنها وخوفها وتوترها, وأقول بعضاً لأن زفرة واحدة مهما بلغت قوتها لن تستطع حمل أكثر من عُشر ما يعتمل في نفسها.
ولهذا لم تشعر بالراحة إلا عندما قفزت دمعاتها السريعة إلى عينيها الجميلتين وفرت خارجهما لتغرق وجهها الحزين.
كان من الصعب عليها أن تُفاجأ بوفاة زوجها وعودتها إلى مصر في منتصف العام الدراسي وما ترتب على ذلك من مشاكل لا حصر لها واجهتها, كعادتها, وحدها في الغربة بحكم اختلافها عن سائر بنات حواء. اختلافها الذي لم تختره ولم تسعد به يوماً.
فقد ذاقت مرارة اليُتم وهي بعد برعمة صغيرة تتفتح للحياة, وحُكم عليها أن تعيش التجربة مرة ثانية وهي ترى أولادها يجرعون من نفس الكأس التي لم تفارق مرارتها حلق أمهم بعد.
فرغم صغر سنها وجمالها الهاديء,رفضت (أم هالة) أن تُحضر رجلاً غريباً ليحتل مكان ومكانة زوجها الراحل ويتحكم في مصير ابنتها الوحيدة, وقضت أحلى سني عمرها راهبة في محراب ابنتها لا يهمها سوى سعادتها.
وعندما وضحت معالم الأنوثة على وجه(هالة) تقدم الكثيرون لخطب ودها ويدها في ذات الوقت إلا أنها رفضتهم جميعاً لأن هدفها كان أسمى من ذلك بكثير.
كان هدفها هو أن تسعد أمها,التي طالما شقت من أجلها, برؤيتها طالبة في الجامعة ثم معيدة ثم دكتورة جامعية...
هكذا كان حلمها.
وفي سنتها الأخيرة بكلية التربية أعلنتها ساكنة الشقة المواجهة لشقتهم بالخبر الذي تسعد لسماعه أي فتاه.."لدي العريس المناسب لك يا (هالة) ".
وتخضب وجه الفتاه يومها في شدة وفرت مع حيائها إلى غرفتها,
ولكن ذلك لم يمنعها من أن تسمع والدتها تستفسر عن أخلاق العريس وعائلته وغيرها من تلك الأمور, بل وسمعتها تحدد موعداً مع جارتها بعد أن أكدت لها هذه الأخيرة طيب أصله وأنه شاب تتمناه أي فتاه, وختمت قولها بأنها لم تكن لتفرط فيه لو كان لديها ابنة, وأن (هالة) هي ابنتها التي لم تنجبها.
وفي حضور خالها حضر العريس بصحبة والده ' العمدة المهيب' الذي شملها بنظرة فاحصة أعادت إلى ذهنها جميع المشاهد السينمائية التي وصفت حزم وشدة العمدة رغم أن هيئة الرجل لم تكن تدل على مهنته,
فعدا طول قامته الواضح كان أنيقاً في السترة الكاملة..
كان نموذج العمدة المعدل.. 'العمدة العصري', ولا عجب في ذلك إذ كان يعمل محامياً قبل أن يرث المنصب عن والده.
وبلمحة سريعة للعريس أدركت (هالة) أنه نسخة مصغرة من والده..طول القامة الواضح, ملامح الوجه, لون العينين الأسود الذي ينافس سواد شعره, حتى الوقار والحزم, وهو ما جعل (هالة) تقول لنفسها' حقاً لكل أمريء من اسمه نصيب, صدق من أسماه (حازم)'
وبعد أن تبادلا الحديث قليلاً, وبعد أن أعملت (هالة) فكرها طويلاً وترددت كثيراً وافقت أخيراً على الارتباط بـ(حازم) وقلبها يتمزق لأنها ستترك أمها وحيدة, إلا أن أمها أقنعتها بأنها ستقيم مع أخيها ولن تكون وحدها, وأن ما يسعدها حقاً هو رؤية ابنتها الوحيدة تعيش في سعادة.
وفي غضون أسبوعين تمت الخطبة وعاد(حازم) إلى عمله في الخليج على أن يعود فيما بعد ليتزوجا.
ولكنه لم يعد,
لقد رفض رئيسه السماح له بالنزول فما كان منه إلا أن أرسل لوالده توكيلاً عقد به على (هالة)... ألم أقل أنها مختلفة؟
وبدلاً من أن ترتدي ثوب الزفاف وتجلس إلى جوار عريسها وسط الأهل والأحباب في حفل زفافها, ارتدته وجلست على مقعد في الطائرة المتجهة إلى حيث زوجها وسط أناس لم ترهم من قبل.
وهكذا بدأت حياتها الجديدة في بلد لا تعرفه ولا تعرف أهله ولا عاداتهم.
صحيح أن (حازم) كان معها إلا أنه....
"هل ستظلين واقفة هكذا يا(هالة)؟"
انتبهت (هالة) لصوت أمها الهاديء فمسحت دموعها سريعاً وهي تقول بصوت لم تفارقه الدموع ـ"هل نام الأولاد؟"
تنهدت أمها في عمق قائلة ـ"نعم, بعد جهد جهيد...إلا أنهم في انتظار قبلتك المعتادة."
هزت ابنتها رأسها في هدوء واتجهت ببطء إلى حجرة أبنائها لتقبلهم, وعندما عادت جلست إلى جوار أمها على الأريكة وشردت ببصرها بعيداً إلا أن أمها بادرتها قائلة بحنان ـ"لابد وأن تتماسكي جيداً يا حبيبتي, فأولادك بحاجة إليك."
تنهدت(هالة) في عمق وهي تقول ـ"الأمر ليس بهذه السهولة.. لقد حدث كل شيء فجأة."
ربتت أمها على كتفها في حنو قائلة ـ"إنه قدره يا ابنتي, وقدرك أنت الأخرى."
قالت بصوت يحمل نبرة ضيق وحنق ـ"قدره؟! قولي عادته, فهو دوماً يفعل ما يشاء وقتما يشاء."
قالت أمها في سرعة ـ" 'وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت', استغفري لربك ولا ترددي هذا القول ثانية."
عادت دموع(هالة) للانهمار ثانية وهي تستغفر الله قبل أن تقول في حنق ـ"ولكنه كان يعلم أن عمله خطير وأنه من الممكن أن يموت في أي لحظة."
سألتها أمها في حيرة ـ"وماذا أردته أن يفعل؟ أن يترك عمله وأن يجلس إلى جوارك؟ لو أنني وغيري اتبعنا منطقك هذا لكان أباك وآلاف الشهداء على قيد الحياة ولما تحررت سيناء. أهذا ما تريدينه؟"
ازداد انهمار دموعها وهي تقول بصوت مختنق ـ"على الأقل كان يتوخى الحرص, لقد أخبرني قبل وفاته أن حفار النفط الذي يعمل عليه ليس على ما يرام وأنه أخبر المسئولين في الشركة بذلك إلا أن الشركة لم تحرك ساكناً, والنتيجة انفجار الموقع بأكمله ومصرع ثلثي العاملين به. والأدهى أن مدير الشركة يتهم عمال ومهندسي الموقع بالإهمال حتى يتهرب من دفع قيمة التأمين على حياتهم."
ربتت أمها على كتفها ثانية قائلة بحنان ـ"يا حبيبتي أنت لست بحاجة لقيمة التأمين مهما بلغت."
قالت(هالة) بعناد ـ"إنها ليست لي, إنها لأبنائه مهما بلغت حتى لو كانت خمسة قروش, لقد حرمتهم هذه الشركة من أبيهم ويعلم الله كم طفلاً أخر فقد والده بسبب هذه الذمم الخربة. لذا لن أتوقف عن مقاضاتهم, ووالد(حازم) معي في هذا الأمر."
استسلمت والدتها لإصرارها واكتفت بهز رأسها وهي تسأل ابنتها في اهتمام ـ"وهل ستعملين مدرسة كما أخبرت حماك؟"
أومأت (هالة)برأسها إيجابا وهي تجيب أمها في ثقة قائلة ـ"نعم, لقد اتفقت مع مديرة مدرسة الأولاد الجديدة على أن أعمل معها مدرسة علوم لطلبة الإعدادي, وسأعمل حتى نهاية الفصل الدراسي تحت الاختبار إلى أن يتم تعييني مع بداية العام الدراسي الجديد. فأنت تعلمين أنني لم أتسلم تعييني الحكومي وبالتالي فقدته"
مطت أمها شفتيها قائلة بعدم اقتناع ـ"مازلت غير مقتنعة بمسألة عملك تلك..فـ.."
قاطعتها ابنتها في هدوء قائلة ـ"يا أمي يا حبيبتي...لو أنفقت على أولادي من ميراث أبيهم لن يبق منه شيء عند تخرجهم, تكفينا مصروفات المدرسة الخاصة التي قبلت أبنائي بها في منتصف العام الدراسي. وجود راتبي سيخفف الحمل قليلاً ولولا بعد نظر حماي ما حصلت على معاش(حازم). يبدو أنه كان يشعر بما سيحدث يوماً ما عندما أشرك(حازم) في التأمينات الاجتماعية, وهكذا سيمكننا العيش في مستوى قريب من مستوى معيشتنا السابق."
أضافت أمها في حنان ـ"لقد نسيت معاشي أنا الأخرى و...."
قاطعتها(هالة) قائلة في سرعة ـ"أمي...يكفيك ما قاسيته من أجلي منذ وفاة أبي'رحمه الله' وحان الوقت لأرد إليك بعضاً من أفضالك...معاشك خاص بك وبأدويتك و..."
قاطعتها أمها بدورها قائلة باستنكار ـ"هل تدفعين لي ثمن إقامتي معك؟"
اغرورقت عينا(هالة) وقالت وهي تحتضن والدتهاـ"معاذ الله...أنا بحاجة إليك يا أمي, بحاجة شديدة إليك."
مسدت الأم شعر ابنتها قائلة بعد تنهيدة طويلة ـ"أعلم ذلك يا بنيتي...أعلم ذلك."
رواية دمعات قلب الفصل الثاني 2 - بقلم رباب فؤاد
بخطوات واهنة متثاقلة اقتربت (هالة) من حميها الجالس بردهة المنزل، والذي أدهشها وقوفه لها واستقباله لها للمرة الأولى منذ معرفتها به
وما زاد دهشتها كانت قبلته الأبوية الحانية التي طبعها على جبهتها وهو يصافحها قائلاً بود ـ"أهلاً بك يا بنيتي".
لم تستطع إخفاء دهشتها وهي تجلس إلى جوار والدتها على الأريكة المواجهة له قائلة ـ"مرحباً بك يا عماه. آسفة لم استطع استقبالك عند الباب".
منحها ابتسامة ذكرتها بابتسامة (حازم) ليلة موته وهو يقول بحنان ـ"لا عليك. أدرك أنك مرهقة بسبب الحمل. أعانك الله وأتم حملك على خير".
كادت تستجيب لشيطانها وتدعو في سرها بسقوط الحمل، لكنها قالت بخفوت وهي تخفض رأسها ـ"آمين".
بادرها بسؤال قلق ـ"ماذا بك يا بنيتي؟ لماذا كل هذا الشحوب؟ ولماذا ذبلت عيناك هكذا؟"
رفعت عينيها إليه مذهولة باهتمامه الغريب وتبادلت نظرة دهشة مع والدتها قبل أن تجيبه قائلة بخفوت ـ"أنت تعلم إرهاق الحمل يا عماه. أما ذبول عيناي فربما لأنك اعتدت رؤية الكحل بهما وأنا لم أضعه اليوم".
مال بجذعه إلى الأمام ليقترب منها قائلاً ـ"ولماذا لم تضعه؟ لقد اطمأننت على (هيثم) والحمد لله، ولا يوجد ما يجعلك تهملين صحتك وجمالك و..".
قاطعته بضيق قائلة ـ"معذرة لقطع حديثك يا عماه. لكنني في أسوأ حالاتي النفسية. وأعتقد أن والدتي أخبرتك بالسبب".
تنهد الرجل في عمق وعاد يسند ظهره على خلفية المقعد قائلاً بأسى ـ"نعم أخبرتني. ولهذا أتيت اليوم لأعرف ما الذي يرضيك".
قالت في سرعة وانفعال ـ"لا بد وأن يطلقني, هذا هو ما يرضيني."
مط حموها شفتاه ثم قال مهدئاً ـ"اهدئي يا ابنتي, هذا ليس منطقياً."
سألته بحنق ـ"وما هو المنطقي؟ أن تكون لي ضُرة؟ أتقبلها أنت؟"
قال بهدوء ـ"ألم تساعديه أنت في الزواج منها؟ ما الجديد إذاً؟"
اندفعت تجيبه بكلمات سريعة منفعلة كطلقات الرصاص ـ"الجديد هو أنني حينها كنت أحمل صفة أخته أو صديقته أو أي صفة أخرى غير صفة الزوجة وكنت سعيدة لسعادته؛ أما الآن فالوضع مختلف. لقد أوهمني بأنه يحبني أنا وأنه كان مخطئاً في زواجه منها. وبعد أن صدقته وحقق غرضه وتأكد من حملي أعادها إلى عصمته وكأن شيئاً لم يكن. ابنك في اختصار شديد مثّل علّي في براعة منقطعة النظير وصدقته كالبلهاء, ضرب عصفورين بحجر؛ من ناحية ضمن أنه سيصبح أباً كما يتمنى وتتمنى أنت أيضاً, ومن ناحية أخرى لن يفترق عن حبيبة عمره, وهذا مالا أرضاه. ثم لماذا كذب علّي بشأن عودتها إليه؟ لماذا الخيانة والكذب؟ أنا لست ضد عودته إليها لأنه من الأساس لها وحدها ولم يكن لي يوماً, لكنه أوهمني بعكس ذلك؛ لذا يكفيني ما أنا فيه وليذهب كل منا في طريق, وسيظل البيت..."
قاطعها حماها بإشارة من يده قائلاً بنفس الهدوء الذي يحمل مسحة حزن ـ"اسمعيني جيداً يا(هالة)؛ هل تعلمين لماذا زوجتك (طارق)؟ ربما ظننتم جميعاً أنني ظلمتكما بهذه الزيجة، لكنني رأيت شيئاً آخر. رأيت فيك صورة أم (حازم) رحمهما الله. لم يتحملني سواها، ولم يفهمني سواها، ولم أعشق سواها. لكن الأجل لم يمهلني كي اعبر لها عن هذا الحب كما تستحق. هي طبيعة جُبلت عليها وليس لي أن أغيرها بعد كل هذه السنوات. والمشكلة أن (حازم) كان نسخة عني. نسخة في كل شيء، ولم أتخيل أن تتحمله أنثى أبداً. لكنك تحملته وأسعدته، ولم أره يتذمر منك يوماً. أما (طارق)، فمختلف منذ صغره. عاطفي وحنون كأمه الراحلة، وكان بحاجة إلى زوجة تحيطه بحنانها مثلما يحيطها بحنانه. ربما كنت أنانياً لأنني شعرت بأن وجودك في أسرتنا هي عودة أخرى ل( ماجدة) زوجتي الحبيبة. أردتك أن تظلي بيننا وأن تكوني الابنة التي لم أرزق بها".
ثم رفع إليها عينين تلتمعان بدموع لم ترها من قبل وهو يواصل ـ"لقد زوجتك منه لأنني رأيت فيك الزوجة المثالية له مثلما كنت لأخيه وليس ليحمي أبناء أخيه فقط كما ظننتم جميعاً. حتى وإن تزوجتما رغماً عنكما في البداية، فقد كنت على حق لأن الحب ربط بين قلبيكما بعد الزواج، وأسعدكما معاً. لكنك اليوم أنت وأبنائك أهم عندي من أي شيء آخر, حتى ابني. لذا سأفعل كل ما بوسعي كي أعيد لك حقك كاملاً بعيداً عن الطلاق. فقط أجيبيني بصراحة هل ما يضايقك أنه كذب عليك بشأن عودته لـ(سمر), لأن هذا حله أبسط مما يمكن, سيعتذر لك ويركع تحت قدميك لو أردت وينتهي الموضوع. أما لو ما يضايقك هو عودته إليها من الأساس بعد أن استقرت حياتكما معاً فهنا الحل هو أن يطلق(سمر) ويعود إليك وإلى أبنائك وابنه القادم."
أجابته في سرعة ـ"لا يرضيني أن يطلق(سمر) لأن ما بها لا يد لها فيه, ولا أستطيع أن أنكر كم ضحت في سبيلي وسبيله. ماداما حبيبين فلا مكان لي بينهما."
تدخلت أمها في الحوار قائلة ـ"إنك تعقدين الأمور هكذا يا(هالة)."
التفتت إليها ابنتها قائلة ـ"أنا لا أعقدها, لقد سألتموني عما يرضيني وأجبتكم بكل صراحة, فأنا لا أستطيع النظر في وجهه ولا أطيق الوجود معه في مكان واحد, كما لا أظنني سأسامحه يوماً على ما فعله معي. وكلما طال الجدل حول هذا الأمر ستزداد حالتي سوءاً وربما أضر هذا بالجنين."
تبادلت أمها وحموها نظرات حائرة قبل أن يقول حموها بهدوء ـ"لقد أخطأ(طارق) حينما أعاد(سمر) إليه دون أن يخبرك من ناحية, وأخطأ في إعادتها من الأساس من ناحية أخرى ويحق لك معاقبته, وسآخذ لك حقك كاملاً منه. لكنك بطلبك الطلاق تعاقبين أبنائك وطفلكما القادم وهذا ما لن أسمح به على الإطلاق, وإذا كان وجوده معك في الوقت الحالي يثير أعصابك فسيظل في شقته أو معي ولن يحتك بك حتى تلدين, وحتى ذلك الحين يمكنك إعادة التفكير في السبب الحقيقي لغضبك, لأنني واثق من أن حبك له ورغبتك في أن يكون لك وحدك هما المحرك الأساسي لغضبك, وهذا حقك مائة في المائة. وكل ما أطلبه منك في الوقت الحالي هو أن تحافظي على صحتك وأن تعتني بالتغذية قليلاً. ألا ترين كيف ذبلت؟ اتفقنا؟"
قالت بعناد ـ"ولكن..".
قاطعها حموها قائلاً بحكمة ـ"بفرض أنك أصررت على الطلاق وأن (طارق) وافق عليه ومنحك إياه، ستظلين زوجته شرعاً حتى تلدين، وهذا يعني نحو ستة أشهر أخرى. لذا سأبعده عنك طيلة هذه الفترة حتى تلدين بسلامة الله، وبعدها لك ما تريدين. ربما تعيدين التفكير في أمر زواجكما، وربما يظل رأيك كما هو. لكنه على أي حال سيكون قراراً حكيماً اتخذته بكامل إرادتك وبعد تفكير عميق واستخارة لله سبحانه وتعالى. حينها لن يجرؤ أحدنا على الاعتراض. هل يرضيك هذا؟"
تبادلت مع أمها نظرات سريعة جعلتها تومئ برأسها إيجاباً دون اقتناع، فعاد يسألها ـ"إذاً تعدينني بالاهتمام بصحتك وأن تلقي بما حدث خلفك وتعودين (هالة) التي أعرفها؟"
هزت رأسها وهي تتمتم ـ"سأحاول".
ثم عادت تنظر إلى حميها قائلة بحرج ـ"بإذنك يا عماه. سأدخل لأساعد (هاني) في دروسه ريثما يعود (هيثم) من المستشفى".
سمح لها بمغادرته وتابعها ببصره قبل أن يلتفت إلى والدتها قائلاً ـ"حاولي أن تقنعيها يا حاجة بالعدول عن فكرة الطلاق. وسأحاول أنا مع (طارق) وأفهم منه مبرراته لما فعل. وإذا ثبت لي أنه لا يحبها كما يقول فثقي في أنني سأقف إلى جوار (هالة) ضده. أدرك شعورها العميق بالجرح والخيانة، حتى أنها لم تحتمل الذهاب مع ولدها إلى المستشفى وتظل إلى جوار (طارق) طوال الطريق، ولديها كل الحق في ذلك، ولكن ربما يتغير رأيها بعدما تهدأ قليلاً".
تنهدت الأم في ضيق وهي تجيبه بنبرة حزينة ـ"صدقني يا حاج (حفني)، أنا لا أقل حزناً وصدمة عنها. (طارق) كان ابني الذي لم أنجبه، حتى قبل زواجه من ابنتي. فشهامته معنا وحنانه على أبناء أخيه أمر لا يحتاج إلى إثبات. لكنه خذلنا أيضاً. خذل (هالة) مرتين. مرة في بداية زواجهما، والأخرى الآن. بالطبع لا أريد طلاق ابنتي ومعها أربعة أطفال، لكنني لا استطيع إجبارها على البقاء معه ولا على التفريط في كرامتها. أقصى ما أستطيعه الآن هو أن أقنعها بالتفكير بروية والاستخارة حتى تلد. لكنني سأساندها في قرارها أياً كان".
هز الحاج(حفني) رأسه بصمت قبل أن يعقب قائلاً ـ"معك حق. أنا نفسي لا أعلم كيف يمكنني الدفاع عنه أمامها. سأنتظر معرفة مبرراته قبل أن أحكم عليه. ما يهمني الآن بعد صحة (هالة) هو الأولاد. لا ينبغي أن يشعروا بأي من التوتر الحالي بين (هالة) و(طارق)، ولا ينبغي أن تهتز صورته أمامهم".
وافقته بإيماءة من رأسها وهمت بالرد عليه حينما سمعت صوت مفتاح يدور في باب الشقة الذي فُتح بهدوء ودخل منه (هيثم) بخطوات بطيئة نسبياً وخلفه عمه حاملاً علبة حلوى كبيرة وضعها على أول طاولة قابلته في الردهة واستدار ليغلق باب الشقة حينما لمح والده فابتسم بود وهو يقترب منه قائلاً ـ"والدي؟ حمداً لله على سلامتك. متى وصلت؟ لم أر سيارتك أسفل العمارة."
قالها وهو يصافح والده ويقبل ظهر كفه في احترام ثم يتجه إلى (أم هالة) فيقبل رأسها بنفس الاحترام وهو يهمس _"كيف حالك يا أماه؟ كنت نائمة حينما أتيت ل(هيثم)".
ربتت على كفه بحنان الأم وهي تقول بهدوء ـ"بخير والحمد لله يا بني. كيف حالك أنت؟"
ارتسم الحزن في عينيه وهو يتابع بعينيه (هيثم) وهو يقترب من جده ويقبل ظهر كفه ويجلس إلى جواره، قبل أن يعود بنظره إلى (أم هالة) هامساً ـ"ضائع دونكم يا أماه..ضائع".
عادت تربت على كفه وهي حائرة بينه وبين ابنتها الوحيدة.
أما هو فاستدار إلى والده قائلاً ـ"متى أتيت يا والدي؟"
ابتسم والده وهو يداعب شعر (هيثم) الناعم وأجابه ـ"بعد نزولك مباشرة. أخبرني رويترز أن الجميع نيام وأنك اصطحبت (هيثم) إلى المستشفى".
ضحك (طارق) بقوة محاولاً أن يفرغ توتره في الضحك وهو يقول ـ"تقصد (هاني) بالطبع. فهو وكالة أنباء البيت. أعتقد أنه سيكون مراسلاً ناجحاً لأنه دائماً الأول في الوصول إلى موقع الحدث والأول في نقل الأخبار. بالمناسبة أين هو؟ لم يستقبلني كعادته".
أشار والده إلى غرفة الأولاد وهو يجيبه مبتسماً ـ"بالداخل يذاكر مع أمه. لقد دخلا قبل قليل".
نهض (طارق) نحو علبة الحلوى الكبيرة وهو يقول ل(هيثم) ـ"اذهب ونادهما يا (هيثم) وسأعد أنا المائدة".
ثم ما لبث أن عاد يسأل والده ـ"لم تجبني يا والدي..أين سيارتك؟"
أجابه والده برزانته المعهودة ـ"حينما لم أجدك ذهبت إلى صلاة المغرب وطلبت من السائق أن يشتري ما ينقص البيت من السوق ريثما أبارك للحاجة (أم هالة) بسلامة العودة من الحج".
تأمل (طارق) علبة الحلوى الأخرى على المائدة، والتي تحمل علامة الحلواني المفضل لوالده قبل أن يقول شاكراً ـ" سأظل أتعلم الأصول منك يا والدي".
قال والده بثقة ـ"يا بني الريف المصري هو أساس الأصول والتقاليد التي لا ينبغي أن نتنصل منها مهما أبعدتنا المدنية عن جذورنا. ثم إن قدر (أم هالة) كبير لدينا جميعاً. نعم النسب والله".
تضرج وجه المرأة بحرج ذكر (طارق) بحياء زوجته معه، بينما قالت هي بصوت خفيض ـ"بارك الله فيك يا حاج (حفني). وشكراً على ذوقك".
أما (طارق)، فانهمك في فض العلبة الكبيرة عن الكعكة التي تتوسطها وهم بقول كلمة ما حينما خفق قلبه في قوة.
لم يكن قد رأى (هالة) بعد، ولكنه شعر بقربها
ربما سمع حفيف خطواتها المتثاقلة،
وربما تسللت رائحتها المميزة التي افتقدها إلى انفه،
أو ربما هو قلبه الذي شعر بقرب حبيبته فرقص طرباً وحاول الخروج من موضعه ليستقبلها
المهم أنه رفع رأسه فجأة ناحية غرفة الأولاد وانتظر لحظات بدت له كالدهر قبل أن تشرق شمس حبيبته
وتعلقت عيناه بها وبوجهها الشاحب وعينيها الذابلتين
ورغم ذلك هتف قلبه "يا إلهي..كم أحبها وأحترق في بعدها عني".
وراودته رغبة مجنونة في أن يهرع إليها ويحتويها ليطفئ بعضاً من ظمأه لها
ظمأ أسبوع لم يرها أو يسمع صوتها أو يتنسم عبيرها فيه
لكنه عاد إلى أرض الواقع حينما التقت نظراتهما قدراً ولمح فيهما ضيقها من وجوده
حينها فقط تنحنح ليخرج من محيط مغناطيسيتها وهو يقول للجميع دون تحديد ـ"هيا جميعاً إلى المائدة. فالكعكة أروع من أن تنتظرنا".
قالها وعيناه تعودان إلى معشوقتهما وهو يمد كفه إليها مرسلاً في نظراته توسلاً صامتاً بأن تأتي إلى جواره وتحاول التظاهر بأن الأمور بينهما طبيعية
وكعادتها فهمت رسالته، وانتابها الغيظ من أنها لا تزال تجيد لغته
ولوهلة فكرت أن تتجاهل كفه وتقف في الجانب البعيد من المائدة، لولا أن لمحت نظرة أمها الجادة التي تحذرها من أن يشعر الأطفال بأي شيء
حينها اقتربت منه على مضض، ووقفت إلى جواره بتردد استغله هو وهو ينحني على أذنها هامساً بشوق ـ"افتقدتك".
رمقته بنظرة حادة رغماً عنها ثم مالبثت أن هربت بعينيها إلى المائدة
ولكن عينيها سرعان ما اتسعتا في دهشة وهي تتأمل الكعكة الكبيرة
فقد كانت كعكة مستطيلة تحمل في أحد جانبيها قطعة شوكولاتة تحمل اسم معرض حلوى مشهور
وعلى الأطراف كانت تحمل أسماءهم جميعاً
أما أكثر ما أثار دهشتها فكان منتصف الكعكة
فقد كان يحمل بوضوح صورتها مع (طارق) والأولاد.
نفس الصورة التي كانت تضعها على المنضدة المجاورة لفراشها، والتي أخفتها الآن في درج بعيد
نفس الصورة التي كانت تتأملها كل يوم في حب وتتحسس فيها وجه حبيبها الباسم
نفس الصورة التي كانت تحبها لأنها جمعتها به...لكنها أصبحت تحمل ذكرى اكتشافها لخيانته
كادت معدتها تقفز إلى حلقها كعادتها في لحظات التوتر، لكنه سارع بوضع كفه على ظهرها وهو يقترب منها بابتسامة مدروسة قائلاً ـ" تجاهلي معدتك المتوترة يا حبيبتي. وهيا لنقطع الكعكة احتفالاً بعودة أمي وشفاء (هيثم)".
قالها وهو يتناول السكين ويضعها في يد (هالة) ثم يضع كفه فوق كفها ليقطعا الكعكة سوياً وسط تهليل الصغار
أما هي فلم تشعر بأي مما حولها، ولم تسمع أي من تعليقات أطفالها الضاحكة وهم يمدون الأطباق لتناول الكعكة
لم تشعر سوى بتملكه واستبداده وهو يحاول أن يثبت للجميع أن كل شيء على ما يرام
لم تشعر سوى بقشعريرة غزت جسدها كله وهي تشعر براحته تعتقل كفها فوق السكين
لكنها لم تستطع أن تجزم..أهي قشعريرة حب أم قشعريرة اشمئزاز
كل ما استطاعته هو أن تهرع بقوة غريبة نحو حمام غرفتها حتى لا يصل صوت قيئها إلى الباقين
وفي أسى تبادل (طارق) النظرات مع والده وحماته التي أعادت طبقها إلى المائدة وهي تستأذن لترى ابنتها
وما أن وصلت الأم نحو غرفة ابنتها حتى رأت (هالة) تخرج من غرفتها وعلى شفتيها ابتسامة منهكة وهي تقول بسخرية ـ"لا عليك...إنذار كاذب. لم يحدث شيء".
ربتت أمها على كتفها في تعاطف وهي تصحبها إلى الردهة لتتسع أعينهما بشدة في اللحظات التالية
فقد هرع (هاني) إلى أمه واحتضن ساقيها وهو يقول بلهجة غريبة ـ"لو لم يكن القادم أخي لقتلته".
تبادلت (هالة) نظرة متوترة مع والدتها وحميها قبل أن تخفض وجهها وتداعب شعره قائلة بمزيج من الحنان والجزع ـ"لماذا يا حبيبي؟"
ازداد تمسكاً بها وهو يقول بصدق ـ"لأنه السبب في ضيقك واختفاء بسمتك. وأنا لا أسمح لأحد بأن يضايقك".
حينها ركعت على ركبتيها واغرورقت عيناها بدموع غزيرة خانتها وسالت على وجنتيها وهي تحتضن صغيرها وتقول بصوت متحشرج ـ"لا حرمني الله منك يا حبيبي.. لا حرمني الله منك أو من أخوتك".
اقترب حينها (طارق) وهو يحمل هاتفه الجوال ويقول بابتسامة هادئة ـ" دكتور (سامي) يرسل تحياته ويطمئن على (هيثم) لأننا تركنا المستشفى قبل أن يخرج هو من غرفة العمليات. قلت له فاتتك الكعكة اللذيذة و.."
بتر عبارته حينما لمح (هالة) راكعة على ركبتيها وتحتضن صغيرها فعقد حاجبيه وأدار عينيه إلى والده في تساؤل
ولم يتأخر والده في التعقيب، إذ قال بصوت متهدج ـ"بل أنت فاتك أهم مشهد".
وعاد الجد ببصره إلى أحفاده قائلاً بفخر ـ"بارك الله لك يا ابنتي في أبنائك..ربيت رجالاً بحق".
رفعت عينيها الدامعة إليه وحاولت الابتسام وهي تقول ـ"هذا الشبل من ذاك الأسد يا عماه. فالنخوة ليست بعيدة عنهم ما دمت جدهم".
ثم عادت بنظرها إلى ابنها وداعبت شعره ثانية وهي تقول ـ"كل أم يا حبيبي تعاني قليلاً في بداية الحمل، لكنها تنسى كل الآلام حينما تحمل صغيرها بين ذراعيها".
حينها عقد الصغير حاجبيه وهو يسألها ـ"هل أتعبتك أنا أيضاً وضايقتك هكذا؟"
قبلت جبهته في حب وهي تضحك من سؤاله قائلة ـ"ممممم..إلى حد ما نعم..كلكم أتعبتموني. لكنكم أجمل ما في حياتي".
ثم فتحت ذراعيها لتضم (هيثم) و(هند) أيضاً إليها وتشبع رئتيها برائحتهم قائلة ـ"لا حرمني الله منكم".
سالت دمعة حانية على وجنة والدتها التي لم تفقد رونقها بعد فمسحتها في سرعة وهي تقول بمرح ـ"هيا إلى الكعكة..إنها لن تنتظر. سألتهمها كلها مالم تأتوا جميعاً".
حينها أفرجت (هالة) عن أبنائها الذين هرعوا في مرح إلى أطباق الحلوى يأكلونها في براءة، بينما مد (طارق) كفه لزوجته كي تستند عليها لتقوم.
لكنها تجاهلت كفه واعتمدت على قبضتيها المضمومتين وهي تقوم كما لو كانت في الصلاة وهي تغمغم ـ"لم افقد قوتي بعد. وإذا فقدتها يوماً فسأجد أبنائي حولي إن شاء الله".
تلفت حوله ليجد كل في اتجاه، فعاد بنظره إليها وهمس وهو يقترب منها ـ"(هالة)..ألم تصفحي عني بعد؟ أعدك بأن أخبرك بكل شيء ولكن امنحيني الفرصة أولاً. (هالة) أنا ضائع بدونكم. روحي تفارق جسدي حينما أغادر هذا البيت. اعتدت أن يكون وجهك أول ما أرى في الصباح وآخر ما أرى في المساء. اعتدت ضجيج الأولاد ونزاعهم على من يستقبلني عند الباب ومن ينام في أحضاني كل ليلة. اعتدت هرولتك خلف (هند) في أنحاء البيت كي تطعميها تارة وكي تغيري ملابسها تارة أخرى. اعتدت أن...".
قاطعته وهي تنظر بقسوة في عينيه وتقول بقوة لم تدر من أين أتتها ـ"ألم تنتبه بعد؟ كل هذا البيت مجرد عادات. اعتدت (هالة) كما اعتدت طهيها وأبنائها والجو الذي تعيشه معها. لكنك لم تحبها ولم تحارب من أجلها ولم تقف في وجه الجميع لتنالها. للأسف هذا هو الحال مع كل ما تحصل عليه بسهولة. لقد كنت سهلة المنال بالنسبة لك منذ البداية، لذا تعاملت معي كما يحلو لك. تعاملت معي بشروط حبيبتك وليس بشروط عقد الزواج الذي ربطنا. لهذا أشعر كل يوم كم كنت رخيصة لأنني ..."
قاطعتها أنامله على شفتيها وهو يرتجف ويهمس بها غاضباً ـ"كفى..أنت لم تكوني سهلة المنال أبداً ولم تكوني رخيصة. أنت فوق الجميع، ولن أسمح لك بالتقليل من شأن نفسك".
أبعدت رأسها عن أنامله لكنه اقترب أكثر منها وهو يهمس بدفء ـ"أحبك يا (هالة) ولم تكوني شخصاً ثانوياً في حياتي منذ أحببتك. أحبك و..".
لم تنصت له، وكأنه كان يحدث نفسه
كيف تصدقه بعد ذلك؟
بل كيف تستعذب حروفه وهو يصارحها بحبه
كيف تتقبلها وجرح قلبها منه مازال ينزف دماً ودموعاً
حاولت أن تسد أذنيها عن همسه الذي اعتاد أن يدغدغ حواسها
لكنها فشلت
حتى حينما أغلقت عينيها بقوة محاولة الهرب بعيداً بذهنها، لم تنجح
لذا فتحت عينيها فجأة وواجهته قائلة بقوة جديدة عليها ـ"(طارق)...لا داعي لهذا. لقد انتهى كل شيء".
اتسعت عيناه حتى أصبح لونهما أكثر وضوحاً أمامها وهو يضغط على ساعدها الأيسر قائلاً بنفس الرجفة ـ"كيف تقولين انتهى؟ ما بيننا لن ينتهي حتى..".
قاطعته بغيظ وهي تتناول السكين الحاد بيمناها من جوار الكعكة وتغرسه بتهور قائلة ـ"انتهى هكذا".
وأصاب السكين قلب الهدف..... بدقة.
رواية دمعات قلب الفصل الثالث 3 - بقلم رباب فؤاد
أنا ليه وازاي أآمنك...على نفسي كل دا
وما خدتش بالي انك...حد بوشين كدا
أنا لما مشيت وراك
كنت مغمض عنيا
سبت مشاعري لهواك
ومشاعري ضلوا بيا
إيه خدته من حبك ليا غير جرح بيموت فيا
جيتلك أنا خدت بإيديك جيت انت بخسارة عليا
دلفت (هالة) في سرعة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها في قوة وهي تقاوم دموعها التي تخنقها وتحرق حلقها
وأخيراً أفرجت عن دموعها وهي تنهار على فراشها باكية وكأنها تخلص صدرها من كل الضغوط بداخله
ورغم أن البكاء غالباً ما يريح القلب، لم تكن تشعر بذلك
بل كانت تشعر بمزيد من الاختناق كلما تذكرت الموقف الأخير
فحينما أمسك (طارق) ساعدها بقوة وسمعته يستنكر عليها حقها في أن تنهي علاقتها به لم تشعر بنفسها
كل ما شعرت به هو غليان الدماء في رأسها
كيف يتعامل بهذا البرود؟
كيف يتخيل أنها ستسامحه بعد هذا الجرح الغائر؟
بل كيف يعيش الوهم بأنها قد تعود إليه
أعماها غضبها عن كل شيء حتى ودت لو تقطع حديثه بأي وسيلة
تقطع!!!!
حينها وقع نظرها على السكين التي كانت تحملها قبل دقائق وتقطع بها الكعكة معه
لم تدر بعدها ما حدث
كل ما تتذكره هو نظرة الألم والصدمة في عيني (طارق)
بل قل نظرات الذهول
وفي سرعة التفتت إلى حيث كان كفها الأيمن لتجده لا يزال ممسكاً بالسكين بقوة
السكين المغروس في.....صورتهم الجماعية
ربما لم تشعر بما فعلته تحديداً، لكن السكين كان حاسماً
فقد فصل الجزء الذي يقف فيه (طارق) من الصورة والكعكة بالتبعية
كانت رسالة مبطنة قذفها عقلها الباطن في وجه (طارق)
رسالة صامتة تحمل معنى واحد
لم يعد لك مكاناً في قلبي
وفهمها (طارق)
رغم ذهوله من حركتها السريعة وعيناه تراقبانها
فقد فهم الرسالة
وشعر بالسكين يخترق قلبه
ربما إذا أصابته جسدياً لكان أهون عليه
ولكن هكذا...
لا يدري لم شعر بأن قطع صورته بهذه الكيفية قد يكون فالاً سيئاً
وللحظة لام نفسه لأنه اختار أن يضع صورتهم
فيم كان يفكر
كانت الصورة ستُقطع عاجلاً أو آجلاً
ولكن ليس بهذه الطريقة
ظل يطالعها للحظات انتبهت فيها لنفسها وما فعلته
فهرعت إلى غرفتها لتهرب منه إلى دموعها
وصوت خافت في زوايا قلبها يلومها على ما فعلت
أما هو..فظل متجمداً في موقعه لبرهة حتى بعد أن غادرته
ظل يحدق في الفراغ الذي خلفته وشيطانه يهتف به "امنحها ما تريد وطلقها..لقد أهانتك ولا يمكن أن تصبر على تلك الإهانة".
ليدافع قلبه عنها قائلاً ـ"لا تقلل من حجم جرحها. فهي لم تكن لتتأثر من عودة (سمر) لولا حبها لك"
عاد ببصره إلى الكعكة وصورته المنفصلة عنها وكاد يدخل في جدل جديد أنقذه منه صوت والده الواثق ـ"(طارق)...هل ستقف عندك طويلاً"؟
حينها انتبه لوالده فالتفت إليه قائلاً بابتسامة شاردة ـ"آسف يا والدي...سأحضر طبقي وأجلس معك لنتحدث".
نهض والده بوقار وهو يقول له ـ"سنتحدث بالتأكيد ولكن ليس الآن. اجلس انت مع أبناء أخيك وراجع دروسهم كما اتفقت معهم. وغداً أنتظرك في مسجد القرية لنصلي الجمعة سوياً إن شاء الله، وبعدها بيننا حديث طويل".
عقد (طارق) حاجبيه وهو يقترب من والده مستفهماً ـ"القرية؟! خيراً إن شاء الله. ولماذا لا تبيت معنا الليلة و...".
قاطعه والده بإشارة حازمة من كفه قائلاً ـ"لقد أنهى السائق المشتريات وينتظرني أسفل المنزل، وأنت تعلم أنني لا أستطيع المبيت بعيداً عن بيتي ومزرعتي. فلابد أن يحضر العمدة صلاة الجمعة في المسجد الكبير كالعادة، وإلا ظن الرجال أني مريض".
التقط (طارق) كف والده يقبل ظهره باحترام وهو يقول بحب ـ"أدام الله عليك صحتك وأطال عمرك في طاعته. سأكون عندك مبكراً بإذن الله لنذهب سوياً إلى المسجد".
ربت والده على كتفه في حنان قلما يظهره وهو يقول بهدوءـ"بارك الله فيك يا بني. سأذهب الآن واعتن انت بأسرتك".
رافقه (طارق) حتى سيارته ولم يتحرك من موقعه إلا حينما غابت السيارة عن ناظره
حينها عاد ثانية إلى الشقة وعلامة استفهام كبيرة فوق رأسه
ترى لماذا يريدني أبي في القرية؟!!!!
رواية دمعات قلب الفصل الرابع 4 - بقلم رباب فؤاد
انطلق (طارق) يقود سيارته بشرود في طريق العودة من قرية والده إلى القاهرة وصدى حديثهما الأخير يتردد في ذهنه ويطبق على أنفاسه حتى يكاد يخنقه
فبعد أن أديا صلاة الجمعة في المسجد الكبير كما اتفقا، عاد معه إلى منزله، أو بالأحرى الفيلا الأنيقة التي أقامها من طابقين وسط حديقة كبيرة
وهناك أصر والده على أن يتناولا الغذاء أولاً من يدي زوجة السائق
وكأنه كان متأكداً أن الحديث قبل الغذاء سيقضي على ما تبقى من شهية ولده
وبعد أن وصل ترقب (طارق) إلى مداه، تحدث العمدة أخيراً
فابتدره قائلاً بهدوء ـ"ماذا ستفعل مع (هالة)"؟
حينها أدرك (طارق) أن الهدف من هذه الزيارة هو مناقشة حياته الخاصة، وقفز إلى ذهنه تساؤل مفاجئ عما إذا كان والده رأى ما فعلته (هالة) بالأمس أم لا.
لكنه أجاب والده بكل الهدوء الذي توافر لديه في تلك اللحظة قائلاً ـ"لا شيء. لقد تركت لها المنزل منذ عودة والدتها لأمنحها فرصة تهدأ فيها قبل أن..".
قاطعه والده قائلاً بحزن غامض ـ"أتدري ماذا قال (هاني) لأمه وأنت تحادث صديقك هاتفياً؟ لقد احتضنها وقال ’لولا أن القادم أخي لقتلته لأنه يضايقك وأنا لا اسمح لأحد بأن يضايقك‘. هل تتخيل ذلك؟ طفل في السابعة يتحدث بهذا الغيظ عمن يضايق أمه، فما بالك إذا اكتشف أن عمه الوحيد الذي يعشقه هو سبب هذا الضيق؟"
اتسعت عينا (طارق) بصدمة، وحار للحظات في الرد على والده قبل أن تعود إليه الكلمات باهتة وهو يقول بشرود ـ"ألهذا قلت لي إنني أضعت أهم مشهد؟"
ربت والده على كتفه قائلاً بتعاطف ـ"اتق الله في أخيك الراحل وزوجته وأبنائه و..".
قاطعه (طارق) بحدة تختلف عن طبعه الهادئ واحترامه لوالده وهو يهب من مقعده هاتفاً ـ"(هالة) لم تعد زوجة (حازم). إنها زوجتي أنا وتحمل طفلي أنا. علاقتها ب(حازم) كزوج انتهت منذ وفاته".
غامت عينا والده بسحابة حزن قاتمة انعكست على صوته الذي تهدج لمجرد ذكر ولده الراحل وهو يقول بخفوت ـ"رحمه الله".
وكأن صوت والده الحزين أعاده إلى هدوءه فعاد يجلس بالقرب منه ويقبل ظاهر كفه في احترام قائلاً ـ"آسف لانفعالي يا والدي. لم أقصد أن يرتفع صوتي عليك. سامحني".
ربت والده على كفه قائلاً بتفهم ـ"أدرك يا ولدي صعوبة الموقف. لكنني لا أستطيع الوقوف صامتاً أمام ما يحدث. ألم تلحظ كيف اختلفت (هالة) عن ذي قبل؟ ألم تلحظ اختفاء ابتسامتها وتزايد نظرة الحزن في عينيها. لقد منحها الهم عمراً يفوق عمرها بعشر سنوات على الأقل بعد أن كانت تبدو كفتاة لم يسبق لها الزواج. (هالة) في تدهور جسدي ونفسي مستمرين، ولن أسمح بالمزيد من ذلك. وإذا حدث لها مكروه فلن تخسر زوجة وطفل فحسب، بل ستخسر أبناء أخيك أيضاً لأنهم سيلقون عليك باللوم في ذلك بشكل أو بآخر."
التقت عينا (طارق) بعيني والده وهو يقول بصوت يخنقه الضيق ـ" ألم تلحظ أنت كل ذلك في وجهي؟ أنا أشعر بالضياع يا والدي منذ تركت (هالة) والأولاد. لقد أصبحوا حياتي كلها، ولم أعد أستطيع الحياة دونهم".
قال والده بنفس الضيق ـ"لكنك ستضطر إلى ذلك بشكل أو بآخر".
عقد (طارق) حاجبيه بتساؤل وهو يراقب شفتي والده التي ألقت قنبلة شديدة التفجير في وجهه
فقد أضاف والده بحزم ـ" امنح (هالة) ما تريد يا ولدي. طلقها واتركها لأبنائها، فهم أولى بها".
للحظات ظل (طارق) يحدق في والده بذهول قبل أن يقول باستنكارـ"للمرة الثانية تطلب مني نفس الطلب، وكأنني لست ولدك. دفعتني إلى تطليق (سمر) في البداية لأنها لا تنجب. وهاهي (هالة) تحمل طفلي، ومع ذلك تطلب مني أن أطلقها؟ لماذا؟"
أجابه والده بهدوء حازم ـ"لأنني لا أستطيع المخاطرة بفقد أحفادي وأمهم. يكفيني فقدان ابني البكر، ولابد أن أعتني بأمانته. لقد سلمتك هذه الأمانة بثقة، لكنك لم تُجد رعايتها".
حينها فقد (طارق) سيطرته على أعصابه تماماً وهو يهب ثانية من مقعده ويحرك ذراعيه في الهواء قائلاً بحنق ـ"لا تستطيع المخاطرة بأمانة ابنك الراحل لكنك تستطيع المخاطرة بابنك الباقي، أليس كذلك؟ تتحدث عن أمانته وكأنها صندوق ثمين وضعته أنا في ركن مهمل حتى كسته الأتربة، وليس كأنها مسؤولية أرغمتني عليها آنذاك. أرغمتني على الزواج من أرملة شقيقي وأطعتك كيلا ابتعد عن أبنائه. أطعتك وأجلت حلمي في أن تكون لي زوجتي الخاصة. وجدتني أهتم بزميلة على النقيض تماماً من (هالة) لأعيش معها حياتي باختياري. ربما كنت معجباً ب(سمر) قبل وفاة (حازم) وأردت أن أخطبها بالفعل، لكنني ازددت تعلقاً بها منذ فاتحتني في أمر زواجي من أرملة أخي بمجرد انتهاء عدتها. لم استسغ تحول علاقتي ب(هالة) من خانة زوجة الأخ إلى خانة الزوجة، وظلمتها كثيراً رغماً عني. أتدري لماذا؟ لأنه من الصعب أن يُجبر رجل بالغ مسؤول على شيء ما، حتى وإن أراده في زوايا قلبه. لكنني أقنعت نفسي بهذه الحياة، وتعايشت معها بشكل أفضل بعدما صارحت (هالة) بحقيقة علاقتي ب(سمر)."
صمت قليلاً ليزدرد لعابه الذي جف من التوتر قبل أن يضيف في ألم ـ"كنت مستعداً للبقاء مع (سمر) حتى بعد معرفتي بعقمها. كنت ألهي نفسي عن عقمها بوهم الحب. لكنها كانت تتوقع موقفك، لذا أصرت على الطلاق. أصرت عليه بطريقة جعلتني أوصد قلبي في وجهها. كلاكما أصر على الطلاق دون أن يهتم بما يعنيه ذلك لي. ذبحتني أنصالكم الباردة بلا رحمة وأنا ممزق بينكما حتى كدت أفقد مستقبلي. واليوم، بعد أن وجدت طريقي مع (هالة) وتعافيت من صدمتي السابقة تكرر طلبك لأطلقها؟ على جثتي".
ذُهل الحاج (حفني) من لهجة ولده العصبية التي لم يشهدها من قبل، لكنه هتف به في حزم ـ"ماذا تعني؟"
خلل (طارق) شعره بأصابعه كعادته وقت التوتر قائلاًـ" أعني أنه يؤسفني أن ارفض طلبك، ولكنني لن أتنازل عن (هالة) إلا في حالة موتي".
عقد والده حاجبيه قائلاً بحيرة ـ"ماذا دهاك يا (طارق)؟ إنك لم تعص لي أمراً قط".
لاح شبح ابتسامة ساخرة على طرف شفتي (طارق) وهو يجيبه بمرارة ـ"من الطبيعي أن أتمرد. دخلت كلية الطب بناء على رغبتك بعدما أصر (حازم) رحمه الله على دخول كلية الهندسة. تخصصت في الجراحة بناء على رغبتك رغم موافقتك على إصرار (حازم) على دراسة هندسة النفط. رفضت بعثة إتمام دراستي في الخارج بناء على رغبتك رغم موافقتك على سفر (حازم) للعمل بالخارج. تزوجت (هالة) بناء على رغبتك وطلقت (سمر) أيضاً بناء على رغبتك. دائماً كنت تسمح ل(حازم) بما يريد، وتجبرني أنا على ما تريد. بالله عليك ما الذي فعلته في حياتي بناء على رغبتي أنا باستثناء زواجي من (سمر)؟ لماذا تحرمني الآن من حقي في الاعتراض وأن أعيش حياتي كما أريدها؟ كيف يُعقل أن أقترب من منتصف الثلاثينات دون أن افخر باختياراتي وحريتي وأنا رجل، بينما تتمتع فتيات بحرية أكبر من ذلك؟ أتريد مبررات أخرى لتمردي أم تكفيك هذه؟"
شعر الحاج (حفني) بمرارة كلمات ابنه الأصغر وملامح الألم المرتسمة على وجهه،
ولأول مرة يلحظ الإرهاق الجسماني والنفسي اللذان ارتسما على ملامح ابنه الشاب وتحت عينيه، وجعلته بالفعل يبدو وكأنه في الأربعين
حينها نهض بكل وقار مقترباً من ابنه وربت على كتفه بتعاطف قائلاً ـ"منذ صغرك وأنت تميل إلى الهدوء والطرق السلمية، بينما كان شقيقك رحمه الله مثابراً طيلة حياته. كنت أعلم بقدراتكما العقلية المتفوقة، ولهذا أردت أن أدفعكما إلى الأمام دوماً. (حازم) رحمه الله كان يعرف ماذا يريد دائماً ومستعد للقتال من أجل تحقيق أهدافه. أما أنت فكنت تتقبل دوماً ارشادتي وتنفذها دون جدال. لذا كان من الطبيعي أن أرسم لك مسار حياتك طوال الوقت كيلا تتوقف في المنتصف أو تفقد حماسك".
أدار (طارق) عينيه لتلتقي بعيني والده قائلاً بسخرية مريرة ـ"إذاً كنت تراني عديم الأهلية وغير جدير بالثقة، ولهذا حركتني كقطع الشطرنج كما يحلو لك. وأنا أطعتك بكل سذاجة كيلا أكون الابن ا
لعاق".
هتف به والده مدافعاً ـ"أنا لم أقل ذلك. لقد ربيت رجالاً يُعتمد عليهم يدركون قيمة العمل والنجاح والمسؤولية. كل ما هنالك أنك لم تحدد حلمك منذ البداية، ولهذا تطوعت أنا لأرسمه لك. ولو كان اختياراتي لك مخطئة لما نجحت كجراح، ولما سعدت مع (هالة)."
ضيق (طارق) حدقتاه وهو يتأمل والده بتمعن ويعترف في قرارة نفسه بذكاء والده ومكره
فهاهو يربط تحريك حياة ولده بنجاحه في العمل وحتى في زواجه الذي لم يكن متحمساً له
ورغم ذلك، خرجت كلمات (طارق) الباردة وهو يقول ببرود ـ"ومن قال إنني لم أحدد حلمي؟ ربما كانت دراسة الطب حلماً لأغلب الشباب، لكنها لم تكن حلمي...لم تكن حلمي الأول على الأقل. هل لاحظت يوماً شغفي بكتب الفضاء؟ هل لاحظت صورة عالم الفضاء المصري الدكتور فاروق الباز على مكتبي؟ هل سألتني يوماً لماذا أضعها؟ كنت أضعها لأنه كان مثلي الأعلى، ولأنني أردت أن أكون مثله. لكنني كما تقول كنت مسالماً، ولم أحارب من أجل هذا الحلم الذي ضاع كأحلام كثيرة غيره".
قالها وهو يبتعد عن والده الذي وقف ذاهلاً للحظات قبل أن يهمس بصوت متحشرج ـ"عالم فضاء؟ ابني عالم فضاء؟! لماذا لم تصارحني بأحلامك يا ولدي؟ لماذا لم تصر عليها؟"
تنهد (طارق) في عمق وهو يولي والده ظهره، ثم ما لبث أن استدار يواجهه قائلاً ـ"لم أصارحك لعلمي بأنني لست (حازم). منذ طفولتنا و(حازم) هو ابنك المفضل لأنه يشبهك، وأنا ابن والدتي المفضل لأنني أشبهها. ربما استطعت تحقيق أحلامي إذا طال عمر والدتي قليلاً لأنها كانت ستدعمني، لكنها إرادة الله. صدقني يا أبي أنا لا ألومك على ماضي انقضى. فأنا سعيد بحياتي الآن حتى وإن لم أخترها. لكن أرجوك لا تنه حياتي بطلب جديد. بالله عليك لا تقتلني بطلب الطلاق".
التقط والده شهيقاً عميقاً حبسه في صدره للحظات قبل أن يطلقه قائلاً في ضيق ـ"لماذا أعدت (سمر) إلى عصمتك؟"
شد (طارق) قامته باعتداد وهو يجيبه بهدوء ـ"لدي أسبابي".
سأله والده بلمحة من العصبية ـ" وماهي أسبابك؟ كيف أدافع عنك أمام زوجتك وأنا لا أعرف مبرراتك؟"
هز (طارق) رأسه بإصرار قائلاً ـ"لن أصرح بأسبابي ولن أجرح (سمر) بالحديث عنها خلف ظهرها. أشكرك لمحاولتك الدفاع عني، لكني لن أتحدث. وأعتقد أنه لم يعد هناك حاجة إلى المزيد من الحديث و...".
خرج من ذكرياته على صوت أبواق السيارات المحيطة به وهي تستحثه على التحرك بعد تحول الإشارة إلى اللون الأخضر، وانتبه وهو يحرك سيارته إلى أنه اقترب كثيراً من منزله
وبالفعل لم تكد تنتهي خمس دقائق حتى كان يوقف سيارته أمام المبنى الذي توجد به شقته الخاصة مع (سمر).
وفي تكاسل ارتقى درجات السلم وأنامله تعبث بسلسلة مفاتيحه بشرود حتى اقترب من باب الشقة وفتحه ليجد أمامه مفاجأة
فأمامه، وجد (طارق) حقيبة ملابس كبيرة وبضعة صناديق كرتونية فوق بعضها تسد_تقريباً_ طريق الدخول والخروج.
وفي دهشة_ وبعد محاولات عدة لشق طريقه_ هتف ب(سمر) قائلاً ـ"ما كل هذا؟ هل سنترك هذه الشقة إلى مكان آخر دون علمي؟"
خرجت(سمر) من غرفة النوم وهي تحمل في صعوبة حقيبة ملابس أخرى وضعتها أرضاً وهي تلهث قائلة ـ"حمداً لله على سلامتك. كنت أنتظرك منذ الصباح".
اقترب منها عاقداً حاجبيه وهو يسألها بقلق ـ"خيراً؟ ماذا حدث؟"
أزاحت خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها وهي تحاول التغلب على لهاثها قائلة ـ"لا شيء. أعتقد أنه حان وقت حديثنا المؤجل".
تجاوزها (طارق) إلى الردهة وجلس في إرهاق على أول مقعد صادفه وعيناه تجوبان أرجاء الشقة وتلاحظان اختفاء ما يخص زوجته من مقتنيات، ثم رفع عيناه إليها قائلاً ـ"ماذا تفعلين؟"
جلست على مقعد مواجه له وحاولت أن تبدو طبيعية وهي تقول ـ"طلبت منك أن نتحدث سوياً منذ فترة ولكنك لم تكن مهيئاً للحوار، وأنا لا يمكنني الانتظار أكثر من ذلك. لذا أرجوك دعنا نتحدث الآن".
تراجع في مقعده محاولاً الاسترخاء وأشار بيده قائلاً ـ"تحدثي، أنا لا أمنعك. رغم أنك اخترت توقيتاً سيئاً".
تنهدت في عمق وهي تقول بخفوت ـ"ومنذ متى لم يكن التوقيت سيئاً؟"
عقد حاجبيه مستفهماً دون أن ينطق فعادت تقول بضيق ـ"(طارق)..لقد انتهى السبب الذي أعدتني لأجله".
لم يجد بداً من الاعتدال في جلسته وهو يسألها باهتمام ـ"ماذا تقصدين؟"
تنهدت ثانية وهي تقول بحزن وانكسار ـ"لا داعي للتظاهر بعكس الحقيقة. فأنا أدرك جيداً أن عودتي إلى بيتك موقوتة، وأن الهدف منها أن يتم الطلاق بشكل صحيح وبلا رجعة".
هم (طارق) بالاحتجاج لكنها أشارت إليه بالصمت وهي تضيف بألم ـ"لا داعي للإنكار يا (طارق). لقد رأيت ذلك جلياً في عينيك منذ كنا معاً في دار الإفتاء. كنت مرغماً على إعادتي، بل وظللت تنام على الأريكة أو غرفة الضيوف ولم تدخل غرفتنا ولو مرة واحدة. لم يخف علي تجاهلك لي ورفضك الاقتراب مني وتعاملك الجاف معي. في البداية ظننت أنك لا تزال غاضباً مني بسبب غبائي السابق، ولكن بعدما رأيت (هالة) وعرفت بأمر حملها أيقنت أنه لم يعد لي مكان في حياتك بعدما أضعت اتفاقنا".
تأملها للحظات قبل أن يتنهد في عمق ويقول بضيق ـ"أنت التي أضعت مكانك في حياتي. كنت تعلمين جيداً أنك وحدك زوجتي وأنني مستعد للتضحية بكل شيء من أجلك ورغم ذلك تركتني...بل وأهنتني أمام الجميع. أتنكرين أنني كنت نعم الزوج لك حتى يوم طلاقنا؟"
اختنق صوتها بألم وهي تقول بمرارة ـ"كنت نعم نصف الزوج. كنت معي بجسدك فقط, لكن عقلك و روحك كانت هناك مع(هالة) وأبنائها."
لوح بإصبعه محذراً وهو يقول بحزم ـ"لا تنس أنهم أبناء أخي الراحل أيضاً وأقسم لك أنني لم أفكر في(هالة) كزوجة إلا بعد انفصالنا."
هتفت بمرارة ـ"لماذا إذاً كنت تقارنني بها دوماً؟ مجرد محاولة لإغاظتي؟"
أشاح بذراعه قائلاً ـ"لقد كنت أحاول أن أجعلك..."
قطع عبارته فجأة حينما لم يدر كيف يكملها وأكملتها هي بسخرية تقطر مرارة قائلة ـ"أن تجعلني مثلها. قد رأيت فيها الزوجة المثالية, وكي لا تفعل ما يعاقبك ضميرك عليه حاولت أن تجعلني مثلها كي أروق لك, لكن في أعماقك كنت معجباً بكل ما تفعله(هالة). لقد أحببتها أكثر مما أحببتني_ لو أنك أحببتني من الأساس. أنا بالنسبة إليك كنت محاولة للتمرد, محاولة لتحقيق شيء تريده أنت وليس والدك."
عقد حاجبيه هاتفاً باستنكار ـ"ماذا تقولين؟ أنا لم أحبك؟ كيف واجهت والدي والجميع بحبنا إذاً؟ كيف..."
قاطعته قائلة بصوت مختنق ـ"أنت لم تفعل ذلك حباً فيّ؛ لقد فعلته رغبة في التمرد فحسب, ولو أن والدك كان ضد زواجك من(هالة) لتزوجتها كي تتمرد على أوامره. هذه هي الحقيقة يا(طارق), للأسف. حبنا لم يكن من القوة التي حسبناها."
هم بالهتاف معترضاً فتابعت هي في سرعة قائلة, ودموعها تنهمر على وجهها في غزارة ـ"لو كان حبنا قوياً لما انفصلنا, لما انتظرنا اكتشاف خطأ الطلاق حتى نعود ثانية, ولما أصبحت(هالة) أماً لطفلك القادم. لقد أعدتني إلى عصمتك مجبراً بما قاله الشيخ وليس بدافع الحب، وهذا ما تأكدت منه طيلة الفترة السابقة. لقد رضيت بأن أكون نصف زوجة في البداية لعلمي بأنك تلعب دور الزوج معي أنا فقط, ودور الأب مع أبناء أخيك. أما الآن فستلعب هناك دور الأب والزوج معاً, وحينها سأحمل لقب زوجة دون زوج؛ دون زوج خاص بي وحدي."
وبأصابع مرتجفة حاولت مسح دموعها المنهمرة وهي تواصل قائلة ـ"وجودي معك الآن سيعذبك و يعذبني, إذاً لا طائل منه لأنني أعلم جيداً أن قلبك وروحك هناك معهم. لقد اتفقنا عند زواجك من(هالة) أن يكون زواجكما صورياً من أجل تربية الأطفال, وحيث أنك خالفت الاتفاق فمن حقي أن أطلب فسخ العقد بيننا للأبد. عد إلى زوجتك يا دكتور واتركني لو سمحت. طلقني يا(طارق)."
هاله مرأى دموعها الغزيرة لأول مرة، وشعر بانكسار عجيب بداخلها يختلف عن انكسارها يوم اكتشفت عقمها
شعوره هذا دفعه إلى تغيير مقعده ليجلس إلى جوارها ويمد يده في تعاطف ليمسح دموعها، إلا أنها نهضت مبتعدة عنه ومسحت دموعها بأصابعها بعصبية, فسألها بخفوت ـ"هل أنت واثقة هذه المرة؟"
أجابته بثبات ـ"نعم. لقد تهورت وهدمت ما بيننا يوم طلبت الطلاق لأول مرة. وعودتنا لم ينتج عنها سوى الآلام لي ولك ولـ(هالة). ما دمت تحبها وهي تحبك فلماذا تعذب نفسك وتعذبها وتعذبني معكما؟ طلقني يا(طارق) وعد إليها. أنا لا أقبل أن تكون لي ضُرة أو شريكة في زوجي وحبيبي, ولا أعتقد أن(هالة) قد تقبل بذلك."
تنهد في عمق وهو يعود برأسه إلى الخلف قائلاً بإرهاق وأسى ـ"(هالة) طلبت الطلاق هي الأخرى. تقول إنك أولى بي منها وإننا متحابان منذ البداية, وعلى هذا فلا مكان لها في حياتي."
اقتربت منه في هدوء قائلة ـ" هذا ما أوهمنا به أنفسنا ومن حولنا, أكذوبة حبنا الكبير؛ لكن هناك خطأ ما, قد يكون في حبنا أو في زواجنا أو حتى في أسلوب تربية والدك لك ولأخيك, خطأ لا بد من تصحيحه الآن. عُد إليها يا(طارق)."
رفع رأسه ليواجهها وهو يسألها بضيق ـ"هل تعلمين لماذا طلبت (هالة) الطلاق؟ لأنني لم أخبرها بالسبب الحقيقي لعودتنا. لم أرد أن أجرحك ثانية. وللأسف هي تعتقد أنني مثلت عليها أكذوبة الطلاق حتى تنجب هي لي بينما أظل معك ننعم بحبنا. برأيك من المخطئ فينا؟ أنا أم هي أم أنت؟"
لمست كفه بتعاطف قائلة ـ"(طارق) كفى...إلى متى ستحمل نفسك فوق طاقتها؟ لقد كانت عودتنا دليلاً على نبل أخلاقك الذي أعرفه جيداً، واليوم تؤكد ذلك بعدم حديثك عني في غيابي. ولكن كفى. لن اسمح لك بالمزيد من الضغوط على أعصابك. أنت بحاجة إلى لحظة صدق مع نفسك تتأكد فيها من أولوياتك، وأثق أن (هالة) ستكون على رأس هذه الأولويات. ليس فقط لأنها تحمل طفلك القادم، ولكن لأنك تحبها حقاً. هي أيضاً تحبك، ولولا غيرتها عليك ما تركتك لي".
تأمل ملامحها الهادئة بتمعن قبل أن يسألها بغتة قائلاً ـ"لماذا لا تصرخين؟ لماذا لا تطلبين مني الطلاق بصوت مرتفع وانفعال شديد كما فعلت في المرة السابقة؟"
سمحت لشبح ابتسامة بالتسلل إلى طرف فمها وهي تبتعد مجيبة ـ"لأنني أرى الأشياء بوضوح أكبر الآن. في المرة السابقة كان حزني هو سبب انفعالي, حزني لأني عاجزة عن تحقيق حلمك وحلمي في أن يربطنا طفل. كنت منفعلة لأني أفقد إنساناً أحبه. ولكن بعد انفصالنا عرفت حقيقة مشاعري تجاهك، كما لا بد وأنك فعلت. حتى عودتنا لم تكن برغبة متبادلة منا، وإنما بدافع شرعي، وبالتالي خلت من أي حرارة متوقعة. لهذا طلبي الطلاق هذه المرة بمثابة...لا أدري كيف أصفها لكن...على أي حال يعتبر إنهاء لتعاسة ثلاث أزواج."
قالتها وهي تهم بالهروب إلى غرفتها لتتم ترتيب حقائبها حينما سألها بصوت خفيض ـ"ماذا تنوين بعد الطلاق؟"
التفتت إليه للحظات قبل أن تعود ببصرها إلى اتجاه الغرفة قائلة بصوت حاولت أن تجعله واثقاً ـ"سأرتب لتعاقدي الجديد. لقد أخبرتهم بأن لدي أسباب تمنعني من السفر الآن وهم يقدرون ذلك. وبعد انتهاء العدة سأسافر إن شاء الله إلى المستشفى الذي تعاقدت معه في الخليج".
هز رأسه متفهماً ثم مط شفتيه للحظات قبل أن يهمس ـ"بالتوفيق إن شاء الله. يمكنك أخذ ما تريدينه من المنزل حسب قائمة المنقولات،
وسيصلك مؤخر الصداق على حسابك بالبنك".
تمتمت بكلمة شكر موجزة وهمت باستئناف طريقها إلى الغرفة لكنها عادت فتوقفت واستدارت إليه وهي تلعب بأصابعها في توتر قائلة ـ"(طارق)...أريد أن أخبرك شيئاً أرجو ألا يجعلك تغير رأيك فيّ. كانت لدي شكوك في احتمال عقمي من قبل زواجنا ولذا شجعتك على الزواج من(هالة). وبعد الزواج ماطلت في إعادة الفحوصات كيلا أُحرم من سعادتنا. ظننت أنك ستنسى الإنجاب طالما رأيت أبناء أخيك ينمون أمام عينيك. أعلم أنني كنت أنانية لكن هذا ما حدث. لقد أردت أن أخبرك كي أوقف تأنيب ضميري المستمر, وأرجو بعد أن عرفت الحقيقة أن نظل زملاء عمل وأصدقاء...فقط."
تأملها والدهشة تعقد لسانه للحظات شرد فيها بعيداً قبل أن يعود بانتباهه إليها قائلاً بهدوء ـ"أنت طالق...طالق يا(سمر)."
رواية دمعات قلب الفصل الخامس 5 - بقلم رباب فؤاد
انطلقت(هالة) تهرول في طرقات المستشفى التي يعمل بها(طارق) بحثاً عن حميها والفزع يرتسم على محياها, وحينما وجدت بغيتها أخيراً, وما أن وقع بصرها عليه حتى انخلع قلبها من موضعه في عنف وهبط إلى قدميها...
فحميها ذو البنيان القوي-رغم سني عمره الستون- كان شاحب الوجه حتى الهزال وعيناه منتفختان بشكل عجيب يوحي بكثرة بكائه, وهو الصلب رابط الجأش.
وابتدرته(هالة) بسؤالها المنفعل المذعور قائلة ـ"ماذا بك يا عمي؟ لقد أتيت فور أن هاتفتني. كيف تشعر؟"
استند الرجل إلى ذراعها وقال في ضعف وهي تساعده في الجلوس على أقرب مقعد ـ"أنا على وشك الإصابة بذبحة صدرية ثانية."
شهقت في عنف قائلة ـ"لا تقل هذا يا عمي؛ ستكون بخير إن شاء الله. أين أطباء هذا المستشفى؟ ألا يعلمون من أنت؟"
تشبث حميها بذراعها وهو يقول بصوت مختنق ـ"(طارق)."
عقدت حاجبيها في ضيق حينما سمعت اسمه, ثم ما لبثت أن ازدردت لعابها وقالت في هدوء ـ"سأستدعيه لك حالاً و..."
قاطعتها ضغطة قوية من يد حميها رغم ضعفه الواضح وهو يهتف بها في ألم ـ"(طارق) في خطر؛ إنه يموت, ولا أستطيع تحمل مثل هذه الصدمة."
اتسعت عيناها في هلع رغماً عنها وهي تهتف بدورها ـ"ماذا به؟ ماذا حدث؟"
طفرت عينا العجوز بالدمع وهو يقول بحنان أبوي ـ"لا أدري, إنه ينزف. لقد اتصل بي زميله وأخبرني بما حدث, وهو الآن في غرفة العمليات. أخشى ألا يستطيعوا إسعافه."
وضعت يدها على فمها في ذعر بالغ قبل أن تسأله والدموع تخنق صوتها ـ"هل فقد الكثير من دمائه؟ وما هو سبب النزيف من الأساس؟"
قلب الرجل كفيه في حيرة قائلاً ـ"لا أدري؛ لم أره منذ أسبوع منذ كان لدي في القرية. وصديقه يقول إنه كان جالساً معه وفجأة وجده ينزف من أنفه في غزارة قبل أن يفقد اتزانه ويقع فاقداً الوعي, ولا أعرف أكثر من ذلك."
ارتفعت دقات قلب(هالة) حتى صارت كدقات الطبول في أذنيها وهو تهمس في ضراعة قائلة ـ"يا إلهي...اللهم الطف بنا في قضائك وقدرك."
لم تكد تتم دعائها حتى لمحت أحد زملاء(طارق) قادماً نحوهما فابتدرته في لهفة قائلة ـ"كيف هو الآن؟"
ارتسمت ابتسامة مرهقة على وجه الطبيب وهو يطمئنها قائلاً ـ"الحمد لله, لقد أعطيناه دماً بدلاً عما فقده وقمنا بكي الشعيرات الدموية التي كانت السبب في النزيف. لا داعي للقلق. إنه الآن في غرفته ويمكنكم الاطمئنان عليه بعد حوالي ساعة من الآن."
شكره والد(طارق) بحرارة وهو يدعو له بالنجاح في حين سألته(هالة) بقلق ـ"ماذا حدث بالضبط؟ أنت صديقه الذي أجرى معه جراحة ابني(هيثم). دكتور (سامي) أليس كذلك؟ أصدقني القول... هل هو في خطر؟"
قال (سامي) بهدوء شديد ـ"لا تخافي؛ سيكون بخير إن شاء الله, وإذا لم يكن لديك ما يمنع أريد التحدث معك بعيداً عن والده."
رمقت حميها بنظرة جانبية مترددة وهي تشعر بتسارع دقات قلبها من التوتر، قبل أن تمط شفتيها قائلة ـ"وهو كذلك. أنا بحاجة لمعرفة ما حدث له."
أشار إليها بأن تتبعه إلى مكتبه حيث جلسا وقال بهدوء يميز شخصيته ـ"أنا(سامي طولان) زميل دراسة وعمل لـ(طارق) وتقريباً صديقه الوحيد. صداقتنا تعود إلى الطفولة لأننا كنا جيران أيضاً, على اعتبار أن منازل الأرياف كلها جيرة واحدة. وأنت بالطبع تعلمين أن(طارق) كتوم للغاية فيما يتعلق بحياته الخاصة, لذا لم يخبرني بأمر زواجكما إلا يوم جراحة(هيثم) ابنك. بالطبع كان الخبر مفاجئاً لي خاصة وأنني أنا من شجعه على العودة إلى(سمر) وقربت وجهات النظر بينهما."
عقدت حاجبيها وحاولت ألا تبدو الغيرة في صوتها وهي تسأله ـ"بالمناسبة, أين هي؟ أليس من المفروض أن تكون مع(طارق) الآن؟"
ازدرد(سامي) لعابه قبل أن يقول ـ"لقد انتقلت(سمر) للعمل في مستشفى آخر منذ حوالي أسبوع."
أومأت برأسها متفهمة في صمت لم يعكس علامات الاستفهام الكثيرة بداخلها، ثم ما لبثت أن سألته في اهتمام ـ"ماذا حدث لـ(طارق)؟"
تنهد(سامي) في عمق وهو يقول بحرج ـ"اسمحي لي يا سيدتي أن أتطرق لموضوع شخصي إلى حد ما. لقد كنت آخر من تحدث إلى(طارق), وما رواه لي يعطيني الشجاعة لأن أحدثك بصراحة."
عدلت(هالة) من وضع حجابها حول رأسها بحركة عفوية وهي تسأله ـ"أي موضوع؟"
تنحنح(سامي) في تردد ثم ما لبث أن سألها ـ"في البداية...احم...إنه سؤال خارج الموضوع الأساسي لكن...هل عرفت يوماً أن ضغط دم(طارق) مرتفع؟"
عقدت(هالة) حاجبيها ثانية وهي تسأله في حيرة ـ"ضغطه؟! لقد كان دوماً يقول لي أن ضغط دمه معتدل على عكسي تماماً؛ هذا عندما كان يفحص ضغطي في بدايات الحمل وكان يقول أن عصبيتي هي سبب ارتفاع ضغطي وبالتالي نوبات الصداع التي كانت تداهمني, ولكن ما السر وراء هذا السؤال؟"
أجابها بهدوء قائلاً ـ"كل ما حدث لـ(طارق) اليوم كان سببه ارتفاع ضغط دمه المفاجيء؛ ارتفاع غير عادي كان من الممكن أن يؤدي إلى انفجار في المخ لا قدر الله, لكن نزيف الأنف أنقذه والحمد لله."
سألته وحيرتها تتزايد ـ"وما سبب ارتفاع ضغطه إلى هذا الحد؟"
تنهد في عمق قبل أن يجيبها قائلاً ـ"مدام(هالة), أنت تعرفين جيداً مدى حساسية(طارق)؛ فهو لا يحب أن يجرح أحداً ولا أن يجرحه أحد. وقبل أن ينزف كان يحكي- أو بالأحرى يشكو- من الضغوط النفسية القوية المحيطة به؛ وصدقيني أكثر شيء كان يؤلمه هو ابتعادك عنه".
ثم تابع في سرعة ـ"كما أخبرتك من قبل ف(طارق) كان يخفي عني زواجكما كعادته الكتومة، ولم يكن ليتحدث معي اليوم إلا لأنه لم يعد يحتمل كبت ضيقه ومشاعره أكثر من ذلك، وهذا يعني أن (طارق) بالفعل وصل حداً لا يتحمله بشر. لا تتخيلي مدى حزنه حين كان يروي لي ما حدث في زياراته الأخيرة لمنزلكم. في المرة الأولى حينما فصلت صورته عن صورتكم في الكعكة، والمرة الثانية أمس عندما أتى كما وعد الأطفال ليراجع معهم دروسهم كعادته كل أسبوع وطلب رؤيتك ولكنك رفضت, بل وأدرت وجهك بعيداً عنه حينما دخل حجرتك, ولم تنطقي بحرف واحد رداً على أي مما قاله. موقفك هذا كان يمزقه من الداخل".
لاحظ بعض الضيق على وجه (هالة) الذي تضرج بحمرة حرج خفيفة زاد من وضوحها حجابها الأسود الأنيق الذي عدلته بارتباك حول وجهها الذي خفضته أرضاً، فتنحنح بحرج هو الأخر قائلاً ـ"لا أدري هل من حقي أن أقول هذا أم لا..لكن(طارق) يشعر بالذنب الذي ارتكبه في حقك وضميره يؤرقه في كل وقت؛ لقد كان منهاراً للغاية وهو يحدثني حتى أنني لاحظت شيئاً غريباً أخافني, لقد كانت يداه ترتجفان بشكل...بشكل مرعب. من الممكن أن يفقد مستقبله كجراح لو استمرت هذه الحالة طويلاً معه."
أعادت كلماته إلى ذهنها مشهد(طارق) حينما كان منهاراً بعد طلاقه(سمر), ووجدت نفسها ترفع وجهها لتسأله بغتة ـ"هل عاد للتدخين؟"
اتسعت عيناه في دهشة وهو يسألها ـ"كيف عرفت؟ لقد كان يدخن بشراهة بالفعل قبل أن ينزف."
مطت شفتيها قائلة ـ"إنه يعود دوماً للتدخين كلما واجه موقفاً صعباً."
هز رأسه في أسف قبل أن يقول ـ"أرأيت كم هو بحاجة إليك إلى جواره؟ بل إلى أبنائه أيضاً؟ إنه بحاجة للشعور بأن لديه أسرة خاصة به تحبه كما يحبها."
كاد لسانها يقول في سخرية ’لديه أسرة أخرى بالفعل', وضغطت فكيها كي لا تنطق. لكنها لم تستطع منع نفسها عن الانفجار وهي تقول بتهكم ـ"ألا ينبغي أن تكون زوجته الأخرى إلى جواره الآن؟ فهما على الأقل متحابان".
تنهد (سامي) في ضيق قائلاً ـ"للأسف لست مخولاً بأن أخبرك الأسباب الحقيقية خلف عودتهما، أو بأن أخبرك بوضعهما الآن. فهذه أسرار (طارق) وله وحده حق الإفصاح عنها. كل ما استطيع قوله هو إنني لم أكن اعلم بزواجه منك حينما سعيت وزوجتي لإعادتهما وظننا أننا نسديهما صنيعاً سيدركانه فيما بعد. حتى حينما كنت أرى ضيق (طارق) من العودة إليها لم أتخيل أن هذا بسبب زواجكما. وصدقيني هو لم يعترف لأي شخص بأسباب العودة الحقيقية حتى لا يجرح (سمر)".
رفعت احد حاجبيها قائلة في كبرياء جريح ـ"واضح أنه لم يرد جرح مشاعرها، أما مشاعري أنا فلا بأس أن يجرحها، بل لا داعي للاهتمام بها من الأساس".
تنهد (سامي) في عمق وهو ينظر إلى كفيه للحظات قبل أن يرفع وجهه إليها قائلاً ـ"هذا ما تظنينه. لو أن مشاعرك لا قيمة لها عند (طارق) لما كان بين الحياة والموت اليوم".
ثم عدل من وضع نظارته الطبية على أنفه بارتباك وهو يحاول السيطرة على مشاعر جاش بها صدره ودفعت بالدموع إلى مقلتيه وهو يقول بصوت مهزوز مختنق ـ"لقد كنت على وشك فقدان صديقي الوحيد اليوم وأنا أقف عاجزاً مشلولاً من الصدمة. لم أتصور أن غياب امرأة من حياته قد يدمره هكذا، حتى حينما ترك (سمر) لم يكن بهذا الضعف. ألا يعني هذا لك شيئاً؟ ألا يعكس أهميتك في حياته؟"
شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها وهي ترى الصدق واضحاً في عينيه وصوته فتنحنحت لتجد صوتها وهي تقول بارتباك ـ"أنا لا انتقم منه، ولكن جراح قلبي منه أعمق من أن أتغاضى عما فعل بي".
ثم تابعت وهي تعتصر كفيها في توتر قائلة ـ"لقد اهتزت صورته في عيني وأخشى ألا تعود لسابق عهدها أو أن يلحظ أبنائي ذلك في عيني. لذا أتجنب لقاؤه".
قال بخفوت حزين ـ"ألا تخشين أن تفقديه إلى الأبد؟ وقتها كيف ستواجهين نفسك وأولادك وطفلكما القادم؟ ربما اخطأ (طارق) في حقك، ولكنه نادم. بل إن ندمه يأكله من الداخل ويقضي عليه. ألا يستحق منك أن تمنحيه فرصة ثانية؟ ألا يستحق أطفالك هذه الفرصة في بيت طبيعي بين أب وأم كسائر الأطفال؟ أنا لا أتدخل في حياتكما، لكنني أقول ما يمليه علي ضميري كانسان وكصديق لا يحتمل رؤية صديقه يتعذب".
ثم رفع عينيه وهو يضيف بحزم ـ"ولست في حاجة لأن أنبهك إلى أن(طارق) كان في حالة موت مؤكد اليوم, ومن الممكن أن يتعرض لنفس الحالة مرة أخرى وتكون نهايته, خاصة مع استمرار الضغوط النفسية المحيطة به."
خفق قلبها في قوة وهي تسمعه باهتمام حتى أنها نهضت تهتف في لهفة دون أن تشعر قائلة ـ"أريد أن أراه الآن."
تأملها قليلاً ثم أشار لها بيده قائلاً ـ" وهو كذلك, لكن أرجو ألا تحدثيه في أي من أمور الخلاف بينكما. من المهم أن يبقى في حالة هدوء أعصاب تام كي لا يرتفع ضغط دمه ثانية. أهذا صعب عليك؟"
هزت رأسها نفياً وتبعته إلى غرفة(طارق) ودقات قلبها تتزايد, وفي داخلها تتصارع قوتان؛ بل في داخل قلبها لو أردنا الدقة.
فقد كان أحد شطري قلبها يهتف باسم(طارق) في لوعة, بينما يرفض الشطر الآخر مجرد دخول الغرفة ومبرره في ذلك أنه لا يستطيع أن يسامح من تسبب في جرحه في عمق.
كانت حالة فريدة من نوعها؛ فالمعتاد أن يتصارع العقل والقلب, لا أن يتصارع القلب مع نفسه.
لكن(هالة) اعتادت أن تكون مختلفة فلم تعر بالاً لهذه الحالة النادرة, ربما لأنها لم تعتبرها نادرة كما نراها نحن.
فقلبها هو الذي أحب(طارق) وكان ضحية هذا الحب.
قلبها هو الذي ذرف دمعاته حين كان(طارق) بعيداً عنه وذرفها أكثر حين اقترب.
قلبها هو الذي عشق(طارق) حين لم يكن له ويرفض الآن أن يكون له شريك فيه.
يااه, إنه قلبها ثانية, قلبها ثانية يوقعها في المشاكل, بل هو أصل المشاكل.
هو أصل الخلاف بينها وبين(حازم) رحمه الله,
والآن...هل ستتركه يعمق المشاكل بينها وبين(طارق) حتى يصير هو الأخر في رحمة الله؟
وفي حزم شديد فتحت باب الغرفة لتنهي الصراع, صراع قلبها.
رواية دمعات قلب الفصل السادس 6 - بقلم رباب فؤاد
رغم برودة مقبض الباب المعدني, لم تشعر بها(هالة),
ربما لأن كفها كان أكثر برودة منه وهي تدلف إلى غرفة(طارق) تقدم خطوة وتؤخر أخرى, ورائحة مطهر قوية تزكم أنفها وتثير أعصابها.
واستغرقتها مشاعرها للحظات جعلتها تجفل حين همس(سامي) قائلاً ـ"كما اتفقنا, حافظي على هدوء أعصابه وسأنتظرك بالخارج."
أومأت برأسها في صمت وبصرها معلق بفراش(طارق), أقصد بوجه(طارق).
فالوجه الذي طالما عشقت عيناه وابتسامته الصافية كان شاحباً مسبل الأجفان.
لم يكن شاحباً فحسب, بل ناحلاً أيضاً.
لم يكن ذات الوجه المضيء,
كان وجهاً آخراً وضعته الهموم والأحزان بدلاً من وجهه المألوف.
واليد التي طالما استعذبت لمستها الحانية كانت راقدة إلى جواره وقد غُرست فيها أنابيب المحلول والدم لتعيد إليه بعضاً مما فقده.
وقفز إلى عينيها مشهده وهو يضع أنبوب المحلول بهدوء ورقة في ذراعها حينما فقدت الوعي آخر مرة أمامه.
لقد حملها بين ذراعيه إلى فراشها وظل إلى جوارها حتى أفاقت.
كان يتعامل معها بكل رقة وحنان رغم عنفها معه.
الحنان....
طالما كان الحنان نقطة ضعفها
كما كان نقطة ضعفها أمامه
طالما افتقدت حنان الأب واعتادت ذلك، وكان أملها في زوج حنون
لكنها لم تجد مبتغاها في (حازم)
وحينما أقنعت نفسها بأن تكون مصدراً للحنان بدلاً من أن تتلقاه،
اقتحمها (طارق) بحنانه الفطري وقلبه الكبير
اقتحم كل حصونها دون أدنى مقاومة منها
ووجدت نفسها فجأة أسيرة حنانه وصوته الدافئ
وجدته نبعاً صافياً تنهل منه دون ارتواء
نبعاً عوضها حنان كل الرجال
حنان الأب والأخ والصديق
وجدت في حنانه عوضاً عن ابتعاده عنها كرجل وارتضت ذلك
وتأقلمت معه
بل وساعدته بطيب خاطر كي يحقق حلمه في زوجة تخصه وحده
وظلت طيلة زواجه المرفأ الذي يلجأ إليه كلما كان ضائق الصدر
لم تحاول اجتذابه إليها والحصول على حقوقها كاملة رغم حاجتها إليه
وارتضت أن تكون أخته وصديقته والكتف الذي يتكئ عليه كما كان هو الكتف الذي تتكئ عليه
وأخيراً أتاها
أتاها معترفاً بحبه وحاجته إليها
ولمحت الصدق في عينيه
وحتى لو لم تلمحه كانت ستستجيب له
كيف لا وحلمها يتحول إلى حقيقة
كيف لا وهو يطلب منها أن يكون زوجاً وحبيباً، وهو في الأساس حبيبها الوحيد
كيف لا وهي تتوق إلى أن يصبح نبع حنانه ومعين قلبه ملكاً لها وحدها
هل كانت أنانية؟
ألا يحق لها أن تستمتع بحبه ودفء قلبه؟
أليس زوجها وأول من أحكم سيطرته على قلبها؟
ليس قلبها فحسب
بل قلب أبنائها أيضاً
قفزت ذاكرتها إلى يوم بعيد...في بداية زواجهما
يومها كان صراخ ابنتها الصغيرة يرج أرجاء المنزل وهي لا تدري ما بها
حاولت هي وأمها إسكات الصغيرة بشتى الطرق دون جدوى
حتى شقيقاها ظلا يتقافزان أمامها لإلهائها عن البكاء دون جدوى
إلى أن وصل (طارق)
حينما لمحت انعقاد حاجبيه بمجرد دخوله المنزل هوى قلبها بين ضلوعها
توقعت أن يهتف بها أن تخرس طفلتها وتتوقف عن إزعاجه
أو أن يتأفف ويلعن حظه السيئ الذي أوقعه في أرملة وثلاثة أطفال
أي أب في موقفه سيفعل ذلك، فما بالك بزوج الأم، حتى وإن كان الزواج صورياً
لكنه لم يفعل ذلك
يومها اكتفى بدخول غرفتهما وتغيير ملابسه في هدوء
ثم عاد إليها ومد كفيه ليلتقط الصغيرة من بين ذراعيها
لا تدري لم انقبض قلبها في هذه اللحظة وهي تحاول مقاومته
لكن نظرة عينيه الباسمة جعلتها ترخي ذراعيها عن الطفلة التي أصبحت فجأة بين ذراعيه وهي لا تزال تصرخ
وابتعد عن ناظريها
للحظات ظلت مشدوهة في مكانها وهي ساهمة في نظراته
لكن شيطانها دفعها إلى الإسراع إلى غرفتهما خلفه، لاسيما بعدما اختفى صوت الصغيرة
لا تدري لماذا تخيلته ألقى بالصغيرة من الشرفة
وزادت هواجسها قبل أن تصل إلى الغرفة حينما شعرت بلفحة هواء بارد تستقبلها
حينها أسرعت بدخول الغرفة ثم الشرفة ذات الباب المفتوح لتجد (طارق) يعطيها ظهره ويقف في هدوء
لم تستطع التماسك وهي تهتف به في انهيار ـ"أين ابنتي؟"
قفزت ذاكرتها إلى يوم بعيد...في بداية زواجهما
يومها كان صراخ ابنتها الصغيرة يرج أرجاء المنزل وهي لا تدري ما بها
حاولت هي وأمها إسكات الصغيرة بشتى الطرق دون جدوى
حتى شقيقاها ظلا يتقافزان أمامها لإلهائها عن البكاء دون جدوى
إلى أن وصل (طارق)
حينما لمحت انعقاد حاجبيه بمجرد دخوله المنزل هوى قلبها بين ضلوعها
توقعت أن يهتف بها أن تخرس طفلتها وتتوقف عن إزعاجه
أو أن يتأفف ويلعن حظه السيئ الذي أوقعه في أرملة وثلاثة أطفال
أي أب في موقفه سيفعل ذلك، فما بالك بزوج الأم، حتى وإن كان الزواج صورياً
لكنه لم يفعل ذلك
يومها اكتفى بدخول غرفتهما وتغيير ملابسه في هدوء
ثم عاد إليها ومد كفيه ليلتقط الصغيرة من بين ذراعيها
لا تدري لم انقبض قلبها في هذه اللحظة وهي تحاول مقاومته
لكن نظرة عينيه الباسمة جعلتها ترخي ذراعيها عن الطفلة التي أصبحت فجأة بين ذراعيه وهي لا تزال تصرخ
وابتعد عن ناظريها
للحظات ظلت مشدوهة في مكانها وهي ساهمة في نظراته
لكن شيطانها دفعها إلى الإسراع إلى غرفتهما خلفه، لاسيما بعدما اختفى صوت الصغيرة
لا تدري لماذا تخيلته ألقى بالصغيرة من الشرفة
وزادت هواجسها قبل أن تصل إلى الغرفة حينما شعرت بلفحة هواء بارد تستقبلها
حينها أسرعت بدخول الغرفة ثم الشرفة ذات الباب المفتوح لتجد (طارق) يعطيها ظهره ويقف في هدوء
لم تستطع التماسك وهي تهتف به في انهيار ـ"أين ابنتي؟"
وكم كانت دهشتها في اللحظات التالية
فقد استدار إليها بهدوء ونفس النظرة الباسمة لتجد صغيرتها مختبئة بين ذراعيه وقد أسندت رأسها الصغير على صدره واستكانت كأنها تستمع إلى دقات قلبه
وخرجت من دهشتها على صوته الهامس ـ"ششش...لقد نامت".
سألته والدهشة تملأ خلجاتها ـ"كيف نامت بهذه السرعة"؟
أجابها بهمس كمن ينقل سراً ـ"سأخبرك ولكن لا تضحكي".
بدا الاهتمام على ملامحها وهي تقترب لتسمعه يهمس بجذل ـ"لقد غنيت لها".
تراجعت بحدة وكادت تهتف بشيء ما لولا أن تابع بابتسامة ساخرة ـ"وبالطبع اضطرت المسكينة إلى النوم هرباً من صوتي النشاز".
يومها ظلت تحدق فيه وقد عقدت الدهشة لسانها وعقلها يهتف بها معنفاً ‘أين غابت عنك هذه الفكرة’؟
وعادت تتأمله وهو يحيط الصغيرة بذراعيه بحنان دافق وقد أخبأ قدميها الصغيرتين في جيبي معطفه الصوفي ليقيها البرد
هكذا وبكل سهولة توصل إلى ما لم يخطر ببالها وهي أم لثلاثة أطفال وهو لم يجرب الأبوة بعد
هكذا هداه تفكيره إلى ما كان والد (هالة) يفعله معها في صغرها، رغم أنها لم تخبره بذلك
غريزة الأبوة فيه كانت أقوى مما تخيلت
إذا كان هذا هو المسمى الصحيح
دائماً كان يتعامل مع أبنائها بأسلوب عفوي يجعلهم يتعلقون به في كل دقيقة أكثر من سابقتها
دائماً كان حنانه الغريزي يحركه معهم
يومها تنازعتها مشاعر متضاربة تجاهه
لكن هذا الموقف رفع رصيده في قلبها
وتوالت المواقف
وتزايد الرصيد
تزايد حتى أصبحت لا تطيق تنفس هواء لم يمر على رئتيه أولا
تزايد حبه في قلبها حتى أعمتها الغيرة وتناست أنه كان لغيرها قبل أن يكون لها
وأن هذه الأخرى لها في قلبه مكانة خاصة شاءت أم أبت
وبسبب هذه الغيرة ابتعدت عن قلبه الحنون وتفننت في عقابه انتقاماً لكرامتها الجريحة
ولكن هل انتقمت؟
هل انتقمت منه أم من نفسها؟
فإذا كان هو يتألم في غيابها درجة...فكيف بها وهي التي اعتادت على وجوده كطفل لا يفارق أباه
كيف بها وهي التي أصبحت تتلمس رائحته في صوان ملابسه وزجاجة عطره ووسادته المجاورة لها
عادت إلى الحاضر وهي تتأمل حبيبها
ودون أن تدري انسابت الدموع من عينيها وهي تراه عاجزاً هكذا أمامها؛
يا الله... من أين أتتها هذه القسوة؟
كيف تحملت غيابه عنها كل هذه الفترة؟
وكيف وصل به الحال إلى ذلك؟
ألهذا الحد فقد رغبته في الحياة حتى نحل جسده وذبلت نضارته؟
ألهذا الحد يحبها؟
‘كلا, إنه يحب طفله القادم ويخاف عليه حتى الموت وليس عليك. أنت بالنسبة إليه حاوية فقط’
هتف شطر قلبها المعارض بهذه العبارة لها وكاد ينجح في تحويل موقفها, لولا أن هتف شطر قلبها الثاني قائلاً ـ"المهم أنني أنا أحبه, ولا يهمني سوى سلامته. إنني لن أتبعك ثانية حتى أفقد زوجاً آخر."
وفي رد فعل سريع اتجهت إلى(طارق) تتأمله في صمت ومدت يدها تتناول كفه اليسرى لتضغطها في رفق وهمست قائلة ـ"(طارق) هل تسمعني؟"
لم يصلها رد يوحي بأنه في وعيه بأي حال فالتقطت نفساً عميقاً قبل أن تقول بصوت مختنق وعيناها لا تفارقان وجهه ـ"هل من عادتكم أن ترحلوا دون وداع؟ لقد تركني(حازم) فجأة وظللت لفترة لا أصدق أنني لن أراه ثانية أمامي, وها أنت ذا تكرر فعلته؟! تتركني فجأة؟ حتى لو فعلتها فلن أصدق أبداً. ستظل أمامي وفي قلبي. ستظل لأنني أحبك. قد لا أسامحك لكنني سأظل أحبك. لن أسامحك لأنك تركتني, ولن أسامحك لأنك أهملت في صحتك حتى أصبحت هكذا. لو كان أبنائي بحاجة إليّ قيراطاً, فهم بحاجة إليك أربعة وعشرون قيراطاً. ماذا أقول للقادم؟ (حازم) ترك أولاده رغماً عنه, لكنك أنت تفعل هذا بنفسك, أنت لا تريد أن ترى ابنك الذي انتظرته طويلاً, أنت تريد أن تهزمك السجائر والضغوط رغم انك أقوى منها. نعم أقوى منها وستنتصر عليها, من أجلي وأجل أطفالنا, من أجل ابنك القادم."
وهنا غلبتها دموعها واندفعت تسيل على وجهها في غزارة وشعرت بالأرض تميد تحت قدميها فاستندت بحركة عفوية إلى منضدة مجاورة للفراش. ويبدو أن حركتها كانت عنيفة حتى أنها صدمت المنضدة بالحائط وسقط من فوقها شيء معدني تدحرج حتى توقف أمام قدم(هالة).
وفي سرعة مسحت(هالة) وجهها وعينيها كي ترى جيداً ما هو موضوع على المنضدة, فقد كانت ساعة يد(طارق) وهاتفه الخلوي؛ وحينها خفضت عيناها أرضاً لترى ما وقع, كانت دبلته الفضية. لا بد وأن الممرضة خلعتها من يده مع الساعة حينما كان في غرفة العمليات.
وانحنت لتحضر الدبلة وتعيدها إلى المنضدة ثانية.
شيء ما جعلها تنظر في داخل الدبلة قبل أن تضعها في مكانها القديم,
ربما الفضول, وربما غيرتها الأنثوية.
المهم أنها نظرت, ثم أعادت النظر, ثم دققت النظر جيداً, وفي كل مرة كانت ترى ما يزيد دهشتها.
فحصت الدبلة من الخارج وأعادت الفحص,
إنها هي نفس الدبلة التي يرتديها(طارق) حول إصبعه منذ زواجه من(سمر), لا يمكن أن تخطئها عيناها لأن شكلها غير تقليدي ولا يوجد الكثير منها.
أما مصدر دهشتها فقد كان الاسم المحفور بداخلها,
فعلى عكس توقعها لم يكن اسم(سمر),
بل اسم(هالة).
تأملت الدبلة ثانية في ذهول وهي تنقل بصرها بين وجه(طارق) الهاديء ودبلته وعقلها يعمل بسرعة الصاروخ في جميع الاتجاهات.
ما معنى هذا؟!
أكان يحبها منذ البداية؟
وماذا عن(سمر)؟
لقد صارحها بأنه يحب(سمر) ولا يرى غيرها زوجة له, فلماذا كتب اسمها هي على دبلته إذاً؟
أيكون كتبها بعد انفصاله عن(سمر)؟
لكن الدبلة لا تحمل أثراً لاسمها في أي اتجاه؛
وازدادت حيرتها والأسئلة تتصارع بداخلها, وكل سؤال يناقض ما قبله.
وفي يأس وضعت الدبلة على المنضدة وهمست لنفسها قائلة ـ"أياً كان ما تعنيه الدبلة, فأنا أحبه ولن أخسره هو الآخر. لقد احتملت موت(حازم) لأنني كنت أظن نفسي قوية, أما الآن فلا أظنني قادرة على تحمل فقد(طارق), ليس بعد أن أشعرني بحاجتي إليه بجواري, ليس بعد أن أعاد لي ثقتي في أن الدنيا أجمل من أن نراها بمرآة داكنة."
قالتها وعادت ببصرها إلى وجه(طارق) المستكين, وعادت تحتضن كفه اليسرى بين كفيها قبل أن ترفعها إلى شفتيها وتلثمها في حنان وعيناها لا تفارقان وجهه.
وبعد برهة من الصمت همست ثانية لزوجها ـ"(طارق), أما زلت لا تسمعني؟على أية حال يمكنك اعتبار ما قلته بعد جراحة(هيثم) لاغياً. لقد عفوت عنك ولن أطلب الطلاق. لا تتخيل مدى حزن الأولاد لأنك لا تقيم معهم كما اعتادوا. (هند) تسأل عنك طوال الوقت, و(هاني) واثق من عودتك حسب ما وعدته.(هيثم) هو الوحيد الذي يخشى أن تفعل مثل أبيه, أن تتركه دون وداع."
ورغماً عنها انسابت دموعها ثانية وهي تقول بصوت مختنق ـ"لقد صُدمنا جميعاً بوفاة(حازم) وكانت الصدمة قوية على(هيثم) لتعلقه الشديد بوالده, وهذا ما جعله ينضج قبل الأوان. كان من الممكن أن تظل عمهم فقط وألا تتطور علاقتكم هكذا, لكن بعد ما حدث وتعلق الأولاد بك, لو تركتهم أنت الآخر ستهتز صورة العالم أمامهم, لن يحتملوا فقدانك, لن يحتملوا فقدان الأب مرتين. والدك هو الآخر لن يحتمل فقدان ابنه الثاني, ولا تتخيل حالته الآن من قلقه عليك. وأنا, أنا دفنت زوجاً ودعوت الله ألا أدفن حبيباً آخر, وما زلت أدعو الله أن أموت قبل أن أفقد أحداً من أحبائي, وأنت أولهم. لو كنت تسمعني ستتعجب مما أقول, لكن الحقيقة هي أنك ذكرتني كم هي قصيرة حياتنا لنضيعها في خلاف لا طائل وراءه. ولهذا أريد أن نعيش جميعاً كأسرة واحدة كبيرة, أنا وأنت وأولادنا و أهلنا و(سمر). لا بد وأن..."
قاطعتها ضغطة من أصابع(طارق) لكفها فمسحت دموعها في سرعة وهي تهتف في سعادة ـ"(طارق)!! كيف حالك الآن يا حبيبي؟"
فتح(طارق) عينيه في تهالك وهو يقول بصوت متحشرج ـ"ماذا حدث؟ هل كنت أحلم؟"
داعبت وجنته بأناملها قائلة بابتسامة عذبة ـ"ما حدث ليس مهماً, المهم أنك بخير. حمداً لله على سلامتك."
فتح عينيه عن آخرهما في ذهول وحاول النهوض وهو يهتف بانفعال ـ"أهذا حقيقي؟ أنت معي يا(هالة)؟"
دفعت كتفيه برفق ليعود ثانية إلى وضعه الأول قائلة ـ"نعم أنا وأنت لا تحلم, وأرجوك لا داعي للانفعال."
حدق في وجهها بعينين ذاهلتين وهو يقول مشدوهاً ـ"لقد كنت معي في الحلم, كنت تبكين وأنت تحتضنين كفي بين راحتيك وقلت كلاماً كثيراً, كلاماً لم أتوقع أن أسمعه منك. والأهم أنك قلت لي حينها إنك تحبينني وإنك..."
وضعت أناملها على شفتيه لتمنعه من الكلام وهمست هي قائلة ـ"لم يكن حلماً يا(طارق), كان حقيقة. كل ما سمعته كان حقيقياً. لقد قلت إنني أحبك بالفعل."
لثم أطراف أناملها قبل أن يزيحها عن فمه قائلاً ـ"أيعني هذا أنك سامحتني؟"
جلست على طرف الفراش قائلة بدلال ـ"لقد تنازلت عن حقي في مقابل أن تغادر هذا الفراش."
ثم تابعت بابتسامة خاصة ـ"ولا تظن أنك من الممكن أن تتركنا هكذا بسهولة, لن أسمح لك."
تأمل ملامحها بتمعن وكأنه يراها لأول مرة ثم قال بثقة ـ"لن يبعدني عنكم سوى الموت."
وضعت أناملها على فمه ثانية وهي تشهق في عنف قائلة ـ"لا تقل هذا, لا أريد أن أسمع هذه الكلمة ثانية. مازال أمامنا مشوار طويل لنقطعه سوياً, وليس كل منا على حدة؛ ونحن مازلنا في البداية."
عاد يتأملها بوله ويتناول كفيها بين يديه وهو يسألها باشتياق ـ"كيف حالك؟ وكيف حال الأولاد وأمي؟ لقد افتقدتكم جميعاً في الفترة الماضية, فالبعد عنكم أقوى من احتمالي."
منحته ابتسامة عذبة وهي تقول ـ"من اليوم لن نبتعد عنك ولن تفتقدنا ثانية. سنعود إلى نظامنا القديم, ثلاثة أيام عندي وثلاثة عند(سمر), والغذاء عندي في أيامها وعندها في أيامي و..."
قاطعها هو هذه المرة وهو يضع أصابعه على شفتيها قائلاً بهدوء ـ"لا عودة لهذا النظام ثانية, لقد ألغيته."
رفعت حاجبيها في دهشة فتابع هامساً بصدق ـ"لم يعد هناك سواك, بل لم يكن هناك سواك من الأساس. لقد كنت أنت من خفق قلبي باسمها حين عرف معنى الحب الحقيقي. لقد كانت(سمر) على حق, لقد حاولت أن أجعلها نسخة منك حين ظننتك لا تحبيني. كذلك إحساسي أنك كنت لأخي من قبل جعلني أحاذر في الاقتراب منك. كان بداخلي هاجس أنك ستسيئين فهمي إذا صارحتك بميلي لك بعد سنة واحدة من وفاة أخي, أحسست بأني سأبدو كمن كان بانتظار وفاة شقيقه ليخلو له الجو مع أرملته. كل هذه المشاعر جعلتني أرى(سمر) كمحاولة للتمرد على أبي, محاولة ساعدتني أنت فيها حينما ظننت أن سعادتي بها, وجعلتني أراك في صورة مختلفة. لقد أحببتك ولكني كنت أنكر هذا الحب؛ والآن لم يعد هناك فائدة من الإنكار, فانا متلبس بحبك ومستعد لتلقي أقصى عقوبة تحددينها, حتى لو كانت الموت تقبيلاً."
ازدردت(هالة) لعابها في صعوبة وهي تسأله ـ"وماذا عن(سمر)؟هل...؟"
قاطعها قائلاً بثقة ـ"(سمر) صفحة طويتها قبل أربعة أشهر حينما طلقتها لأول مرة، وحان الوقت لتعرفي سبب عودتها إلى بيتي".
حاولت جذب كفيها من راحتيه وهي تقول بصوت مختنق ـ"لا أريد أن أعرف".
شدد قبضته على كفيها واعتدل جالساً بمساعدتها وهو يقول بحنانه الذي يسري في عروقه مسرى الدم ـ"بل لابد أن تسمعيني. لقد حاولت مراراً وكنت ترفضين الإنصات، لكنك ستنصتين الآن. لقد أعدت (سمر) إلى بيتي كي يكون الطلاق نهائياً ولا رجعة فيه".
عقدت حاجبيها في دهشة فتابع في سرعة ـ"كان طلاقاً بدعياً لأنها كانت حائضاً، وزوجة (سامي) هي من اكتشفت الأمر وطلبت منا مراجعة دار الإفتاء. كان هناك خلاف فقهي حول وضعنا وكان الأسلم أن تعود إلى بيتها معي إلى أن تتوافر شروط الطلاق الصحيح، وهذا ما كان".
ثم ركز بصره في عينيها قائلاً بصدق ـ"لكن أقسم بأنني لم ألمسها طيلة وجودي معها بمنزلنا. صحيح هي زوجتي، لكنني شعرت بأنني أخونك إذا جلست معها في نفس الغرفة. لذا كنت أنام في غرفة الضيوف بعيداً عنها حتى طلبت الطلاق ثانية ومنحتها إياه في هدوء، وللمرة الأخيرة منذ أسبوع".
حدقت في ملامحه لثوان وهي تجاهد لتجد صوتها، ثم ما لبثت أن قالت بحرج ـ"وماذا عن حبكما"؟
دفن وجهه في كفيها وهو يتنسم رائحتها ليملأ رئتيه بعبيرها الذي اشتاق إليه، ثم رفع وجهه إليها هامساً ـ"لقد ظلمنا أنفسنا-أنا وهي- بالجري وراء أكذوبة حبنا. أنا لم أحب سواك, وهي لم تحب بعد. لابد وأنها ستقابل الرجل المناسب يوماً ما, الرجل الذي يستطيع إسعادها ويكون لها وحدها؛ مثلي الآن, أنا لك وحدك."
اغرورقت عيناها ثانية بالدموع وهي تحتضن وجهه بين كفيها قائلة بصوت مختنق ـ"سامحني حبيبي...لقد ظلمتك كثيراً".
احتواها بكل جوارحه وهو يدفن وجهه في كتفها ويهمس في أذنها بعمق ـ"بل سامحيني أنت لأنني أذيتك دون قصد. كنت أحاول أن أرضي الجميع لكنني فشلت. أدري أنني كنت فظاً في بعض الأحيان، وربما عنيداً، ولكن الحمد لله أنني لم أستجب لمحاولاتك المستميتة الانفصال عني".
غاصت في أحضانه وتجاهلت رائحة المطهر التي زكمت نفسها وهي تهمس بدورها ـ"غيرتي كانت أقوى مني. كلما تخيلت أنك أوهمتني بالحب كنت أتمزق من داخلي. غيرتي كانت تقتلني وأنا أتخيلك مع غيري".
ابتسم بخفة وهو يشدد ذراعيه حولها بكل ما تبقى لديه من قوة قائلاً ـ"لقد قلتها لك من قبل وسأقولها إلى الأبد...أنا لك وحدك".
أبعدت رأسها عن صدره قليلاً لتغوص بعينيها في عينيه قائلة بشقاوة يعشقها ـ"ليس تماماً, هناك أربعة شركاء لي فيك, (هيثم)و(هاني)و(هند) والأستاذ القادم بعد ستة أشهر."
سألها وهو يتحسس ملامحها بأنامله ـ"وماذا لو كانت أستاذة؟"
هزت كتفيها قائلة ـ"لا يهم. المهم أن يشبهك."
سند جبهته إلى جبهتها وسألها مشاكساً ـ"أمازلت مصرة على أن تبلي البشرية بطفل يشبهني؟"
أجابته بدلال ـ"ليس طفلاً واحداً فحسب."
ضحك قائلاً ـ"وماذا عن تنظيم الأسرة؟"
ضحكت هي الأخرى وأجابته وهي تهز كتفيها ثانية ـ"سيشكرونني لأنني أُحَسن السلالات."
تأمل وجهها الباسم ثانية ثم همس بصدق ـ"أحبك."
ابتسمت في خجل وخفضت عينيها وهي تهمس بدورها ـ"أنا أيضاً أحبك."
سألها باهتمام ـ"إذاً نبدأ حياة جديدة؟"
أومأت برأسها إيجاباً في حماس وهي تجيبه ـ"نعم, حياة جديدة بدون دموع وبدون ألم. حياة بالحب وللحب فقط. اتفقنا؟"
صافحها في قوة لا تناسب ضعفه قائلاً بحزم ـ"اتفقنا."
وحينما أراحت رأسها على كتفه كان قلبها ينبض بحبه وبالتفاؤل بحياة جديدة مع من منحته قلبها عن طيب خاطر ومسح بحبه دمعات قلبها.
انتهت احداث الرواية نتمنى ان تكون نالت اعجابكم وبأنتظار اراؤكم فى التعليقات وشكر
لزيارة عالم روايات سكير هوم
لمتابعة
رواية دمعات قلب الفصل السابع 7 - بقلم رباب فؤاد
جلست(هالة) على فراشها ترتب الملابس النظيفة التي غسلتها في غياب(طارق) الذي يمنعها من القيام بأي مجهود زائد ووافق_على مضض_ أن تقوم هي بالطهي حتى تعود والدتها من رحلة الحج.
وفي هدوء شردت بذهنها بعيداً وهي تتذكر الأيام التالية على معرفة (طارق) بحملها وبحور السعادة التي أغرقها فيها زوجها بحبه وحنانه ورقته معها.
كانت لمعة عينيه وابتسامته العذبة تثير في جسدها قشعريرة لذيذة كلما نظرت إليه وتزيد من دقات قلبها التي تبدو وكأنها تهتف باسمه.
وهو كان لا يألو جهداً في سبيل إسعادها وتعويضها الأيام السابقة...وتعويض نفسه أيضاً.
كانت تشعر بالصدق في عينيه وصوته وهو يهمس في أذنيها بكلمات العشق والغزل.
كما كانت تشعر بلهفته عليها وهو يساعدها بأعمال المنزل منذ أصبح زوجها فعلياً وكأنه يخشى أن يرهقها بطلباته.
كانت تشعر ب(طارق) مختلف...مختلف كزوج وحبيب و...رجل.
وارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وهي تتذكر خروجها معه كزوجة تتأبط ذراعه للمرة الأولى أمام العالم وهو يصحبها وأطفالها في رحلة سريعة إلى الملاهي.
وبعينين حالمتين رفعت كفها اليسرى إلى مستوى نظرها لتتأمل دبلته الذهبية الجديدة التي أحاط بها بنصرها خلف دبلة أخيه التي رفض أن تخلعها.
وبكل الحب الذي تحمله بين شرايينها لهذا الرجل قربت كفها لتلثم دبلته بعمق وهي تهمس ـ"حفظك الله لي ولبنائنا".
ثم أعادت كفها لتتحسس برقة بطنها الذي يحمل ثمرة هذا الحب.
كانت سعادتها بهذا الحمل لا تضاهيها سعادة، سوى سعادتها بحملها الأول.
فحينها كانت سعيدة لأنها ستصبح أماً
ولكنها الآن سعيدة لأنها ستصبح أماً لطفله...لكائن صغير نصفه لها ونصفه له.
لحظتها تذكرته حينما طلب منها ألا تنظر إليه حتى لا يشبهه المولود
وبابتسامة ناعمة نقلت عينيها إلى المنضدة المجاورة لفراشهما، والتي حملت صورة جماعية لها معه ومع أبنائها.
تناولت الصورة ذات الإطار الأنيق وتأملتها قليلاَ
لا تزال تذكر اليوم الذي أصر فيه (طارق) على أن يذهبوا جميعاً إلى المصور ليلتقط لهم صورة جماعية.
حينها برر إصراره هذا بأنه لا توجد صورة تجمعهما سوياً كزوجين، وهذه الصورة بدلاً عنها
ولكن المصور أوقف كل منهما في جانب بينما وقف الأطفال في المنتصف وكأن (طارق) و (هالة) يحيطانهما بالحب والحماية.
وبكل الحب الذي تغلغل في أعماقها لهذا الرجل تحسست ملامحه في الصورة وهي تتأمل نظرة عينيه الحنونة، والتي لا تخلو من نظرة شقاوة تذكرها بإبنها الأوسط (هاني).
ثم ما لبثت أن قربت الصورة من وجهها لتلثم وجهه في الصورة بحنان وتتخيله أمامها وهي تبثه حبها
كانت تفتقده في شدة هذا الصباح، وكأن وجوده معها هو وحام الحمل الجديد
فقد خرج إلى المستشفى بعد صلاة الفجر مباشرة ولم يوقظها كعادته منذ علم بحملها، خاصة وأنه يوم السبت ولن يذهب الأولاد إلى المدرسة
ولهذا فهي تشعر وكأنها لم تره منذ زمن، رغم أنها كانت بين أحضانه طوال الليل
تنهدت في عمق وهي تعيد الصورة إلى موضعها وتسللت ابتسامة شقية إلى شفتيها وهي تتخيل رد فعل(طارق) حين يعلم أنها غسلت ملابسه المتسخة دون علمه؛ وتوقعت أن يهتف بها في عصبية قائلاً ’ألم أقل لك ممنوع الإرهاق أو المجهود الزائد؟ ألم..."
وعلى حين غرة قطع تخيلاتها دخول ابنها(هاني) المفاجئ إلى غرفتها هاتفاً في فزع ـ"ماما...(هيثم) يمسك بطنه ويتأوه من الألم."
ألقت(هالة) ما في يدها ونهضت مسرعة إلى حجرة ابنيها لتجد(هيثم) يتلوى من الألم واضعاً يديه الصغيرتين على جانبه الأيمن فسألته في جزع ـ"ماذا بك يا(هيثم)؟ أين الألم؟"
أشار إلى جانبه الأيمن ولسانه لا ينطق سوى بتأوهاته من شدة الألم, وهذا ما جعل قلب(هالة) يهوي من بين ضلوعها؛ لا بد وأنه يشكو من الزائدة الدودية, إلا أن قلبها دعا الله أن يخيب ظنها وحاولت تهدئة ولدها قائلة ـ"لا تقلق يا حبيبي. إنه مغص عادي وسيزول سريعاً. هل تستطيع تحريك ساقك اليمنى؟"
قالتها وهي تلمس ساقه عفواً فازداد صراخ(هيثم) وأيقنت خطورة الموقف فهتفت ب(هاني) قائلة ـ"أحضر الهاتف فوراً."
وبأصابع مرتجفة ضغطت(هالة) أرقام هاتف(طارق) المحمول لتجد رسالة مسجلة تفيد بأن الهاتف مغلق.حاولت مرة ثانية وثالثة دون جدوى.
وفي يأس ورعب شديدين على فلذة كبدها راحت تطلب رقم المستشفى التي يعمل بها زوجها, والتي ظلت أرقامها مشغولة لفترة بدت لها كالدهر حتى استجاب لها أخيراً وسمعت موظفة الاستقبال تجيبها فهتفت تستنجد بها قائلة ـ"صليني بالدكتور(طارق حفني) بسرعة لو سمحت."
سألتها الممرضة بلهجة روتينية ـ"من أنت؟"
هتفت بها(هالة) في عصبية قائلة ـ"وما شأنك أنت؟ صليني به سريعاً, فالأمر خطير."
لم ترق لهجتها للممرضة التي قالت في ضجر ـ"الدكتور(طارق) في غرفة العمليات و..."
همت(هالة) بالصراخ في وجهها ثانية حينما صك مسامعها صوتاً أنثوياً هادئاً يقول من الطرف الآخر في رقة ـ"ألو...ماذا هناك؟"
استغاثت(هالة) بصاحبة الصوت الرقيق وقالت في لهفة ـ"صليني بالدكتور(طارق حفني) إذا تكرمت. ابني يتلوى من الألم وهاتف(طارق) المحمول مغلق."
حاولت صاحبة الصوت الرصين تهدئتها قائلة ـ"دكتور(طارق) في غرفة العمليات بالفعل. أعطني اسمك وسأجعله يتصل بك فور خروجه, ولا تقلقي فلن أنسى."
تفجرت الدموع من عيني(هالة) واختنق صوتها وهي تقول ـ"صليني بأي دكتور آخر إذاً, أخشى أن ابني يعاني من مغص الزائدة الدودية."
تشبع الصوت الهاديء بلهجة اهتمام وصاحبته تقول ـ"لا تقلقي يا سيدتي, أنا دكتورة(سمر) زوجة الدكتور(طارق). أخبريني بالأعراض التي يعاني منها ابنك يا مدام...ما اسمك؟"
لم يبد على(هالة) أنها سمعت أي مما قيل بعدما اخترقت أذنيها عبارة ’زوجة الدكتور(طارق)‘؛
فقد اتسعت عيناها في ذهول وأفلت حلقها شهقة رغماً عنها وهي تكاد لا تصدق أذنيها.
فالمتحدثة لم تقل’زميلة الدكتور(طارق)‘ أو حتى زوجته السابقة, بل قالت ’زوجة الدكتور(طارق)‘...
وفي رد فعل سريع لصدمتها خرج صوتها متحشرجا يقول ـ"أنا(هالة شوقي), زوجة دكتور(طارق)."
وكان آخر ما سمعته هو شهقة دهشة من حلق(سمر) قبل أن تغلق سماعة الهاتف في عنف.
رواية دمعات قلب الفصل الثامن 8 - بقلم رباب فؤاد
اندفع(طارق) في سرعة ولهفة إلى شقته عبر بابها المفتوح وهرع إلى غرفة الأولاد ليرى(هيثم) راقداً على فراشه وطبيب الإسعاف يفحصه في دقة، بينما وقفت (هالة) إلى جواره ودموعها تغرق وجهها الشاحب الذي رفعته إليه للحظة ثم ما لبثت أن أدارته بعيداً, ولم ينتبه(طارق) لذلك إذ خاطب طبيب الإسعاف قائلاً ـ"أنا دكتور(طارق حفني) والد(هيثم), ماذا به؟"
رفع الطبيب رأسه قائلاً بالإنجليزية ـ"التهاب بالزائدة الدودية. لا بد من إجراء جراحة عاجلة."
قال(طارق) بثبات ـ"أنا جراح وسأنقله إلى المستشفى الذي أعمل به."
وأشار إلى(هالة) بلهجة آمرة قائلاً ـ"ابق أنت هنا بصحبة(هاني)و(هند) و..."
قاطعته بإصرار وتحد قائلة ـ"ابني لن يذهب للمستشفى وحده, سأترك(هاني) وأخته عند جارتي؛ لقد تركتني منذ قليل لتجيب الهاتف."
حاول الاعتراض قائلاً ـ"ولكن صحتك..."
قاطعته ثانية وهي تقول بلهجة لم يعتدها ـ"حبي للقادم لن يكون أكثر من حبي لإبني البكر، ولن أحتمل الجلوس هنا وابني في غرفة العمليات".
عقد حاجبيه للحظات وهو يتأمل نظرتها المتحدية التي تعمدت أن ترمقه بها، قبل أن يقول ـ"حسناً..أعدي حقيبة (هيثم)".
مسحت دموعها بكبرياء وأنامل مرتجفة وهي تومئ برأسها إلى حقيبة صغيرة مجاورة ـ"لقد أعددتها بالفعل. هيا بنا".
وبمجهود نفسي خارق حاولت السيطرة على أعصابها كي لا تفقدها أمام طفلها الذي يتلوى من الألم، وجلست على الأريكة الخلفية لسيارة (طارق) بينما وضع ابنها رأسه في حجرها وترك كفه بين كفيها وكأنما تشحنه بقوة حنانها.
كان القلق يبدو جلياً على ملامح (طارق) الذي يتابعهما بعينيه عبر مرآة السيارة، وكلما التقت عيناهما لمحت في عينيه تساؤلاً إليها عن سر نظرتها المحنقة له، لكنها كانت تتعمد تجاهله وهي تسمعه يتصل بالمستشفى ويطلب بتوتر تجهيز غرفة العمليات له والإتصال بالدكتور (سامي)، ثم سمعته يسأل ابنها عن حالته ومدى الألم وموضعه ومتى بدأ، إلى أن وصل بسيارته إلى المستشفى الذي يعمل به.
وما أن أوقف السيارة أمام باب الطوارئ بالمستشفى حتى لمحت (هالة) ممرضين يهرعان نحوها ويتعاونان على حمل الصغير برفق ووضعه على فراش متحرك دفعاه إلى داخل المستشفى ومن صالة الطوارئ إلى مصعد العمليات الذي ابتلع الممرضين والفراش وفوقه (هيثم).
كانت تريد الركوب مع صغيرها لكنه وضع كفه على ظهرها وهو يقودها بهدوء نحو مصعد آخر مجاور هامساً ـ"لا يمكنك ركوب المصعد مع (هيثم) لأنه يفتح داخل صالة العمليات".
وكأنما أصابتها لمسته بتيار كهربائي مبعثه الإشمئزاز الذي زاد من شعورها بالغثيان، لكنها تماسكت كيلا تحرجه في ردهة المستشفى. وما أن أُغلق باب المصعد عليهما حتى أزاحت يده عنها بضيق وهي تشيح بوجهها في غير اتجاه وقوفه.
أدهشه موقفها فعقد حاجبيه وهو يلمس كفها ويسألها بتوتر ـ"(هالة) ماذا بك؟ نظراتك وحديثك يصيبانني بالتوتر. حالة (هيثم) ليست خطيرة والحمد لله، وسيكون معي صديقي (سامي). حبيبتي لا تثيري قلقي عليك. يكفيني ما أنا فيه".
رمقته بنفس النظرة التي تذبحه وهي تبعد كفها عنه قائلة بلهجة ساخرة لم يعتدها ـ"حبيبتك؟؟ لا تقلق، فحبيبتك بخير.. ركز فقط في عملك وفي أمانة شقيقك الراحل".
زاد من انعقاد حاجبيه وهم بسؤالها عما تعنيه لولا أن سبقه المصعد بفتح أبوابه إيذاناً بوصولهما إلى الطابق الذي يحوي غرف العمليات.
ولأول وهلة إثارتها رائحة المعقم القوية التي زكمت أنفها وزادت من غثيانها بشكل كبير، لكنها واصلت تماسكها وهي تدور بعينيها على غرفة العمليات وتهم بسؤاله عن صغيرها، إلا أنه ابتدرها وهو يشير في اتجاه آخر قائلاً ـ"سأدخل لغرفة التعقيم الآن ومنها إلى غرفة العمليات، وأنت اجلسي على هذه المقاعد هناك حتى نخرج".
سألته بلوعة ـ"ألن أراه قبل الجراحة؟"
منحها ابتسامة باهتة وهو يربت على كتفها قائلاً ـ"حبيبتي إنهم يعدونه الآن للجراحة بالفعل. استودعيه عند العلي القدير وادعيه أن يفك كربك".
شعرت بغصة في حلقها وشعور متناقض يكاد يقتلها في تلك اللحظة.
ففي هذه اللحظة الحرجة من حياتها كانت بحاجة إلى صدر حنون تفرغ فيه توترها وتشعر بالاطمئنان لمجرد سماع دقات قلبه المحب...
لكن الشخص الوحيد الذي كانت تتمنى أن تلقي بنفسها بين ذراعيه هو نفس الشخص الذي كان شيطانها يوسوس لها بإلقائه من نافذة الدور الثالث.
شعور متناقض بين الحب والكراهية امتزجا داخلها بشكل خانق، زادته رائحة المطهر التي تميز المستشفيات.
شعور استغرقها ولم يخرجها منه سوى حركة (طارق) على ذراعها، والتي جعلتها تجفل للحظة تأملت فيها وجهه الذي عشقت ملامحه يوماً قبل أن تهمس كالمغيبة ـ"استودعتكما الله الذي لا تضيع ودائعه".
وما أن غاب (طارق) داخل صالة العمليات ذات الباب المتأرجح حتى شعرت بالأرض تميد من تحتها فاستندت إلى الحائط في ضعف وأسبلت جفنيها لكبت دموعها التي تهدد بالنزول عند أول كلمة تسمعها أو تنبس بها..
وتناهى إلى مسامعها في تلك اللحظة صوت خطوات أنثوية تقترب منها وتتجاوزها لتقف أمامها وتحجب عنها الباب الذي غاب خلفه (طارق) قبل قليل.
فتحت عينيها في بطء لتجد أمامها شقراء فاتنة في أواخر العشرينات من عمرها ترتدي معطفاً أبيضاً وتبتسم في وجهها قائلة بهدوء ـ"لا بد وأنك مدام(هالة), أنا(سمر)."
لم تكن(هالة) بحاجة لأن تعرفها (سمر) بنفسها.
صحيح هي أجمل مما توقعت، لكن ملامحها لا تزال كما هي
فهي تحفظ تلك الملامح جيداً منذ رأتها بصور زواجها من (طارق) قبل نحو عام
الزواج الذي ظنته انتهى ولم يعد له بقايا
لكنها فوجئت اليوم بأنها كانت واهمة، وأنه لم ينته كما ظنت.
وأكثر ما أثارها هو أنها آخر من يعلم
وكأنها لا قيمة لها في حياته
لا كزوجة، ولا حتى كصديقة كما اعتادت أن تكون
ولم تكن (هالة) بحاجة إلى انتظار المزيد,
فقبل أن تنبس (سمر) بحرف أو حتى تستمع لمواساتها الرقيقة كانت معدتها المضطربة قد أعلنت التمرد وهي تنقبض في عنف وتقفز إلى حلقها فوضعت كفها على فمها في سرعة وهي تقاوم مشاعر الامتعاض بداخلها,
وأدركت(سمر) ما بها فصحبتها إلى حمام السيدات وتركتها تفرغ معدتها في عصبية.
وبعد أن غسلت(هالة) وجهها بالماء البارد خرجت لتجد(سمر) بانتظارها وعلى شفتيها ابتسامة هادئة وهي تقول ـ"لا تخافي, ابنك معه اثنان من أفضل جراحينا, والحالة ليست خطيرة كما تتخيلين. تعالي معي إلى الاستراحة, يبدو أن أعصابك متوترة."
أومأت(هالة) برأسها في إنهاك قبل أن تضع كفها على معدتها وكأنها تهدئها قائلة ـ"معدتي هي الأخرى متوترة بسبب خوفي عليه، ولذلك أتقيأ كثيراً رغم أنها فارغة من الأساس."
صحبتها(سمر) إلى استراحة قريبة وأجلستها قبل أن تجلس إلى جوارها قائلة بود ـ"كنت أتمنى أن نتعارف في ظروف أفضل من هذه, ولكنها إرادة الله أن نتقارب الآن, وأشعر أننا سنصبح صديقتين؛ من كلام(طارق) عنك أشعر أنني أعرفك منذ زمن."
منحتها(هالة) ابتسامة منهكة وهي تقول ـ"أنا الأخرى كنت أريد التعرف إليك عن قرب لأعرف من استطاعت سرقة قلب(طارق)."
اتسعت عينا (سمر) في دهشة من تعبير (هالة) ووصفها بأنها سرقت قلب (طارق) لكنها تغاضت عن ذلك وتنحنحت في حرج وهي تخلل شعرها بأصابعها الرشيقة قبل أن تقول ـ"لماذا أشعر أن خبر عودتي لـ(طارق) كان مفاجئاً لك؟"
أجابتها(هالة) ببساطة قائلة ـ"لأنه كذلك بالفعل."
حاولت (سمر) تبرير عودتهما بارتباك قائلة ـ" ل..لقد جاءت عودتنا بشكل غير متوقع منذ أسبوع واحد فقط."
قفز إلى عيني(هالة) مشهد(طارق) وتوتره في الفترة الماضية وشروده الطويل حتى وهي إلى جواره،
كان يتحجج بضغوط العمل ووجود مؤتمر في الفترة القادمة قد يدفعه إلى الغياب عن البيت لفترة
وتذكرته وهو يعتذر لها بعد عيد الأضحى مباشرة للغياب لثلاثة أيام مقبلة واضطراره للسفر إلى هذا المؤتمر في الإسكندرية.
اعتراها لحظتها شعور غريب بالمهانة.
إذاً فقد كذب عليها بشأن عودة(سمر) إلى عصمته,
كان معها يستعيدان ذكريات زواجهما ولم يخبرها بذلك
وكأنها لا تعنيه بشيء
ولكن لماذا؟!
أسلمها التفكير إلى حالة من القيء ثانية فهرعت إلى الحمام و(سمر) حائرة لا تدري ماذا تفعل.
وعندما عادت(هالة) أخيراً وهي تترنح من الإنهاك ابتدرتها(سمر) قائلة باهتمام ـ"سيلتهب حلقك هكذا, سأحضر لك شراباً دافئاً ليهديء معدتك."
أشارت(هالة) بكفها قائلة ـ"كلا, لا داعي لذلك."
أصرت(سمر)على دعوتها قائلة ـ"لا مجال للرفض, سأحضر لك شاياً. هل تشربينه بالسكر أم دايت؟"
أجابتها(هالة) بتهالك قائلة ـ"سكر خفيف."
وعندما عادت(سمر) بالشاي سألت (هالة) باهتمام ـ"ولكن أين(هاني) و(هند)؟ لقد أخبرني(طارق) أن والدتك مسافرة للحج, فأين تركتهما؟"
تنهدت(هالة) في عمق قبل أن تجيبها قائلة ـ"عند جارتي, عندما علمت بمرض(هيثم) طلبت مني أن أترك الصغيرين عندها مع أبنائها."
ارتشفت(سمر) قليلاً من كوبها وهي تحاول التغلب على دقات قلبها المتسارعة في مواجهة ضرتها قبل أن تقول بهدوء ـ"لقد طلبت من(طارق) أكثر من مرة أن يقدمني إليكم على أنني زميلته بالمستشفى فقط لكنه كان يخشى أن يستنبط أي من الولدين حقيقة علاقتي به. ولا أخفي عليك, فقد شعرت بأن زوج أمي خطفها مني مثلما اختطف الموت أبي وتوقعت أن يشعر أبناؤك تجاهي بنفس المشاعر لو أدركوا أنني زوجة عمهم."
أومأت(هالة) برأسها في صمت وهي تنظر في ساعة يدها بقلق ثم قالت بتوتر ـ"هل تأخروا بالداخل أم يهيأ لي فقط؟"
ربتت(سمر) على كتفها بتعاطف قائلة ـ"المفروض أن يكونوا في مرحلة خياطة الجرح الآن, لا تقلقي. ريثما تنتهين من شرابك سيكون(هيثم) في غرفته بإذن الله."
ارتشفت(هالة) قليلاً من الشاي الدافيء الذي انساب عبر حلقها إلى معدتها الخاوية وكأنه يكوي كل مكان يمر به، ثم ما لبثت أن سألت شريكتها في زوجها قائلة ـ"هل سيُحقن(هيثم) بمخدر كلي؟"
ابتسمت(سمر) قائلة ـ"كلا.لا بد وأن تكون المعدة فارغة لمدة لا تقل عن 12ساعة قبل الحقن بالمخدر الكلي, أما في حالات الجراحة المفاجئة كالزائدة الدودية والولادة القيصرية يكون التخدير نصفياً و..."
وانطلقت(سمر) تشرح لـ(هالة) مزايا المخدر الكلي و النصفي وكأنها تشرح لطلبة كلية الطب, والأخيرة غائبة بعقلها بعيداً, والغليان يتزايد بداخلها؛
ترى ماذا قال عنها أيضاً لزوجته الحبيبة؟
هل أخبرها أن زواجهما أصبح حقيقياً؟
وهل أخبرها أنه سيصبح أباً لطفل من زوجته الأخرى؟
وفي عقلها أضاء مصباح قوي أنار لها ما لم يكن واضحاً من قبل؛
فالأمر كله لم يتعد كونه مجرد تمثيلية سخيفة صدقتها كالبلهاء,
فيخبرها (طارق) بأنه طلق(سمر) حتى يستدر عطفها، ويصر على أنه أخطأ حين تزوجها تاركاً زوجته الأولى بحثاً عن سراب,
وحين يتحقق حلمه وتحمل(هالة) يعود هو إلى حبيبته ليستمتع بحبه وبحياته التي يريدها لنفسه.
ولكن ماذا عنها هي؟
وماذا عن هذا الجنين الذي تحمله بين أحشائها؟
هل تنازلت عن كرامتها وقبلت به زوجاً وحملت طفله بين أحشائها لينتهي بها الأمر مجرد زوجة ثانية؟؟
مجرد ضرة؟
وليتها ضرة عادية
إنها ضرة سعت لتزويج زوجها في البداية
واليوم يرد لها الجميل باستغفالها واستغلالها لينجب منها الطفل الذي عجزت حبيبته عن إنجابه
ألهذه الدرجة وجدها تافهة ورخيصة حتى أنها هرعت إلى أحضانه بمجرد أن أشار لها بإصبعه؟
تزايد بداخلها الشعور بغبائها ووقوعها ضحية خطة محكمة استغل بها براءتها وسذاجتها وطيبة قلبها.
وللحظة كرهت نفسها وقلبها وحتى جنينها الذي كانت سعيدة بحمله حتى هذا الصباح
جنينها الذي تسبب لها في هذا الذل حتى قبل أن يولد.
ولولا إيمانها بالله لفعلت أي حركة مجنونة للتخلص من هذا الحمل كيلا يكون سبباً في ذلها
أما قلبها، فهي قادرة ومستعدة لأن تطأه بقدميها وتسحقه إنتقاماً منه لأنه وضعها في هذا الوضع
ومع تصاعد الغليان في رأسها وهي تتذكر سعادة(طارق) بحملها, قفزت معدتها إلى فمها ثانية فهرعت إلى الحمام في اللحظة ذاتها التي خرج فيها(هيثم) من غرفة العمليات بصحبة عمه ونُقل إلى غرفة نظيفة بنفس الممر وهو بين النوم واليقظة.
دلفت (سمر) إلى الغرفة خلف (طارق) الذي كان لا يزال يرتدي ملابس العمليات الخضراء وعينيها معلقة بوجه (هيثم) الشاحب الذي تراه لأول مرة، ثم همست لزوجها باهتمام ـ"كيف كانت الجراحة؟"
أجابها بنفس الهمس وهو يعدل من وضع الغطاء على ابن شقيقه قائلاً ـ"الحمد لله..لقد أفاق بالداخل ولكنه تحت تأثير المسكن الآن".
اقتربت من الفراش بحذر وهي لا تزال تتأمل الصغير قبل أن ترفع عينيها إلى (طارق) قائلة بابتسامة خفيفة ـ"ألم تقل أن أحدهما يشبهك؟ (هيثم) لا يشبهك البتة".
تلفت (طارق) حوله بحثاً عن (هالة) وهو يقول في سرعة ـ"أنت قلتها..أحدهما. غالباً يأتي الطفل الأكبر أشبه بوالده، مثلما كان (حازم) رحمه الله أشبه بوالدي. (هاني) هو شبيهي، لكنه ورث عناد أبيه".
ثم سألها في قلق ـ"أين(هالة)؟"
أجابته وهي تداعب شعر (هيثم) الأسود الناعم في حنان قائلة ـ"في الحمام؛ المسكينة مصابة بحالة قيء هستيري من فرط خوفها على ابنها."
ثم أردفت وهي تواجهه بعينيها قائلة ـ"لقد كنت على وشك إعطاؤها مضاد للقيء و..."
قاطعها زوجها في حدة قائلاً ـ"كلا, من الممكن أن يؤذي الج..."
قطع عبارته فجأة حين أدرك أنه قال أكثر مما ينبغي, خاصة حينما لمح انعقاد حاجبيها وشحوب وجهها وهي تسحب أصابعها سريعاً من شعر (هيثم).
وفي نفس اللحظة دلفت (هالة) إلى الغرفة واتجهت من فورها إلى صغيرها تتفحصه والدموع تطفر من عينيها.
ولم يخف عن عيني (طارق) النظرة العدائية التي رمقت بها (سمر) ضرتها وكأنها لبؤة شرسة تختلف تماماً عن الرقيقة التي كانت تمسد شعر الصغير في حنان قبل قليل.
وفي صمت نقلت(سمر) بصرها بين بطن(هالة) ووجه(طارق) في عصبية واضحة قبل أن تترك الغرفة في حنق واضح.
إلا أن (طارق) لم يعرها إنتباها وهو يقترب من (هالة) ويهمس لها بحب ـ"حبيبتي..إنه بخير والحمد لله. لا داعي لدموعك الآن".
مسحت دموعها بأصابع مرتجفة مرتبكة وهي تسأله بصوت مختنق ـ"لماذا لا يجيبني إذاً؟"
مد يده ليربت على كتفها في تعاطف قائلاً ـ"لقد أفاق من المخدر أمامي وعرفني، لكنه الآن تحت تأثير مسكن قوي لأنه لن يحتمل الألم".
أبعدت كفه عنها في ضيق وهي تقول ـ"من فضلك ابتعد عني".
تجاهل ضيقها وهو يتحسس وجنتها بكفه قائلاً بتوتر ـ"(هالة) ماذا أصابك؟ نظراتك وكلماتك وأسلوبك معي متغير منذ الصباح. ماذا حدث؟"
رمقته بنظرة حادة شعر فيها بكراهية غريبة إستنكر أن تصدر عنها وهي تبعد يده عنها في حدة وتقول من بين أسنانها ـ"قلت لك ابتعد..نحن في مكان عام".
زفر في ضيق واستغفر ربه بصوت خفيض قبل أن يرجوها قائلاً ـ"حسناً سأبتعد..ولكن أرجوك اجلسي وأريحي ظهرك...فهو لن يستيقظ الآن".
انحنت تقبل جبهة صغيرها بعد أن مسحت بكفها حبات العرق التي تغرق جبينه قائلة بلهجة غريبة ـ"أخبرتك من قبل أن حبي للقادم لن يكون أكثر من حبي لإبني البكر".
هم بمجادلتها ثانية حينما سمع طرقاً خفيضاً على باب الغرفة أعقبه صوت صديقه (سامي) وهو يقول بلباقة ـ"حمداً لله على سلامة (هيثم) يا سيدتي".
رفعت (هالة) عينيها إليه بدورها قبل أن تقول بامتنان ـ"أشكرك يا دكتور على عنايتك بابني".
قلب (سامي) كفيه وهو لا زال عند باب الغرفة وقال ـ"أنا لم أفعل سوى واجبي..والدكتور (طارق) هو من أجرى الجراحة".
لاح شبح ابتسامة منهكة على شفتيها وهي تقول ـ"هذا لا ينفي أنك تستحق الشكر".
شعر (طارق) بالغيظ وهو يراها تتجاهله تماماً أمام زميله، ولكن (سامي) لم يمنحه الفرصة للإعراب عن هذا الضيق وهو يقول له في سرعة ـ"دكتور (طارق)..أريدك في مكتبك الآن من فضلك".
أخرج طارق غيظه في غطاء الرأس المعقم الذي يحيط بشعره الكثيف، فنزعه في عنف وهو يستدير إلى زوجته ثانية ويهمس لها ـ"سأكون بمكتبي في الجهة الثانية من نفس الطابق. إذا احتجت شيئاً اطلبيني، وسأحاول العودة سريعاً".
أشاحت بوجهها بعيداً عنه ولسان حالها يقول ’لن أحتاجك بإذن الله‘، لكنها لم تنبس بحرف وتركته يخرج من الغرفة مع زميله في حنق ويغلق الباب خلفه.
حينها فقط تهاوت جالسة على اقرب مقعد لتعلن انهيارها تماماً بعد يوم من الضغط العصبي القاسي الذي لم تتوقعه يوماً.
رواية دمعات قلب الفصل التاسع 9 - بقلم رباب فؤاد
فتح (طارق) باب غرفة مكتبه في عصبية واضحة لم تخف على عيني صديقه، ودلف إليه قبل صديقه قائلاً بضيق ـ"ماذا تريد يا (سامي)؟"
جلس (سامي) أمامه عبر المكتب البسيط قبل أن يسأله بمكر واضح ـ"ماذا بها (سمر)؟"
سأله (طارق) في حيرة ـ"ماذا بها؟ ما الذي يدفعك إلى هذا السؤال؟"
هز (سامي) كتفيه وهو يقول ببساطة متعمدة ـ"أبداً...لقد لمحتها تخرج مسرعة من غرفة ابن أخيك، وأعتقد أنها كانت تكبت دموعها. فقد كانت عيناها حمراوين".
عقد (طارق) حاجبيه للحظات قبل أن يقول بلا مبالاة ـ"ربما ضايقتها العدسات اللاصقة. أحياناً تُلهب عينيها وتدفعها إلى التعامل بعصبية".
رفع (سامي) حاجبيه في دهشة مصطنعة قائلاً ـ"العدسات اللاصقة؟ عجباً. إنها طبيبة عيون".
تأمله (طارق) للحظات وهو يدرك في قرارة نفسه أن صديقه يرمي إلى شيء آخر، لكنه اكتفى بتبادل نظرات صامتة قطعها (سامي) بقوله ـ"لماذا لا يكون سبب عصبيتها مشهد رأته ولم يرقها؟"
حاول (طارق) التزام الهدوء وهو يسأله ببرود ـ"أي مشهد تقصد؟"
باغته صديقه بسؤال سريع ـ"هل تسمح بتفسير علاقتك بأرملة أخيك؟ حينما دخلت الغرفة وجدتك قريب منها بشكل غير لائق، وأسلوبك الهامس معها أيضاً. أتريد من زوجتك أن تراك هكذا مع غيرها وتسكت؟"
عاد (طارق) إلى نظراته الباردة وهو ينتظر من صديقه إنهاء لائحة الاتهامات ضده، و(سامي) يتابع في حنق ـ"ماذا حدث يا (طارق)؟ كيف تتغير أخلاقك هكذا؟ كيف تتحرش بمن حملت يوماً اسم شقيقك وتربي أبنائه الأيتام الآن؟"
لاحت ابتسامة جانبية ساخرة على وجه (طارق) وهو يسال صديقه في تهكم ـ"هل أنهيت قائمة الاتهامات؟"
فتح (سامي) فمه ليرد على صديقه الذي تابع بنفس اللهجة التهكمية ـ"هل تصورت أن صديق عمرك الذي نشأ معك ولم يفترق عنك لأكثر من ثلاثين عاماً قادر على التحرش بأنثى أياً كانت؟"
حاول (سامي) تبرير موقفه لولا أن رفع (طارق) كفه ليشير له بالصمت ليكمل هو قائلاً بهدوء لا يشي بالقنبلة التي سيلقيها في وجه صديقه ـ"السيدة التي تتهمني بالتحرش بها هي زوجتي يا (سامي)".
اتسعت عينا (سامي) وتدلت فكه السفلى بشكل مضحك وهو يحدق بوجه صديقه الذي ألقى قنبلته شديدة الإنفجار ووقف يشاهد رد فعله ببرود.
وبصوت متحشرج من أثر الصدمة قال (سامي) ـ"زوجتك؟ هل تزوجت على (سمر) بهذه السرعة؟"
فرك (طارق) عينيه في إرهاق وهو يجيبه بنفس الهدوء القاتل ـ"(هالة) زوجتي الأولى، و(سمر) كانت تعلم ذلك".
بدا أن الصدمات المتتالية على أسماع (سامي) في هذه الدقائق العشر أكبر من استيعابه، فهز رأسه كمن يتأكد أنه لا يحلم وهو يقول كالتائه ـ"(هالة) زوجتك قبل (سمر) وأنا آخر من يعلم؟ والمفترض أني صديقك الوحيد؟"
ثم تابع في سرعة كمن تذكر شيئاً ـ"ما دامت (سمر) تدرك أن (هالة) زوجتك، فلماذا خرجت من الغرفة بهذا الشكل وكأنها لا تحتمل البقاء أكثر من ذلك؟"
خلل (طارق) شعره الغزير بأصابعه قبل أن يسند جبهته على راحتيه قائلاً ـ"لأنك يا صديقي الوحيد السبب في كل ما أنا فيه من مشاكل الآن".
أشار (سامي) إلى نفسه وهتف مستنكراً ـ"أنا؟ وكيف ذلك؟"
رفع (طارق) وجهه لتلتقي عيناه بعيني صديقه وهو يقول بجدية ـ"ألم تكن أنت وزوجتك سبباً في عودة (سمر) إلى عصمتي؟"
دافع (سامي) عن نفسه بقوله ـ"لقد فعلتها من أجلك...حينما أخبرتني (ضحى) بأن (سمر) كانت حائضاَ وقت الطلاق لم أستطع السكوت عن الحق".
شرد (طارق) بذهنه بعيداً إلى ذلك اليوم قبل نحو أسبوعين حينما دعاه (سامي) إلى المقهى الذي اعتادا الجلوس عليه على ضفاف نهر النيل، وابتدره بسؤال بدا عادياً لا يحمل في طياته أي مضمون خفي ـ"ماذا تنوي بعد انتهاء عدة (سمر)؟ "
ارتشف (طارق) قليلاً من شرابه الساخن وهز كتفيه قائلاً ـ"لا شيء..سأمنحها كل منقولاتها في الشقة وباقي حقوقها لدي..صحيح هي التي طلبت الطلاق ولكنني لن أظلمها".
تظاهر (سامي) باللعب في فنجان الشاي أمامه وهو يسأله بهدوء ـ"هل تعلم ما هو الطلاق البدعي؟"
عقد (طارق) حاجبيه وهو يجيبه ـ"بدعي؟ لأول مرة أسمع بهذا المصطلح".
تنهد (سامي) في عمق وهو يواجهه ويحاول أن يشرح المفهوم ببساطة قائلاً ـ"الأساس في الطلاق هو أن يتم في طهر لم يُجامع فيه الزوج زوجته. أما إذا كانت الزوجة حائضاً أو حدث اتصال بين الزوجين قبل الطلاق مباشرة يصبح الطلاق بدعياً...أي أنه لا يلتزم بالشروط الشرعية، وهناك اختلاف بين الفقهاء حول مدى صحته، فبعضهم يقول إنه يُحسب طلقة بينما يقول الآخرون إنه لا يُعتد به".
حاول (طارق) استيعاب المعلومة قبل أن يهز رأسه متسائلاً ـ"بغض النظر عن هذه المعلومة التي اسمعها للمرة الأولى...ما علاقتها بي؟"
تنحنح (سامي) في حرج وخفض وجهه أرضاً وهو يجيبه "(سمر) كانت حائضاً وقت طلاقكما...هي أخبرت (ضحى) بذلك عرضاً ولم تكن تعلم بموضوع الطلاق البدعي..كانت تتساءل عن كيفية حساب العدة وأخبرت (ضحى) في سياق الحديث أنها كانت حائضاً وهذا سبب عصبيتها معك وقتها".
هب (طارق) واقفاً متناسياً وجوده في مكان عام وهو يهتف بعصبية ـ"ماذا تعني؟ أتعني أنها لا زالت زوجتي؟"
جذبه (سامي) من كم سترته ليجلس وهو يتلفت حوله قائلاً بحرج ـ"اجلس ولا تفضحنا...قلت لك إن هناك خلاف فقهي حوله. اتصل أنت ب (سمر) وخذها إلى دار الإفتاء حتى تتأكد من موقفكما".
وضع (طارق) رأسه بين كفيه وهو يقول بذهول ـ"يا إلهي...كيف يحدث هذا؟ لقد أوشكت العدة على الانتهاء وظننت أنني طويت هذه الصفحة للأبد".
عقد (سامي) حاجبيه وهو يسأله مستنكراً ـ"طويت الصفحة للأبد؟ ألهذا الحد صرت لا تطيقها؟ أين ذهب حبكما يا (طارق)؟"
رفع (طارق) وجهه إلى صديقه واكتسى صوته بنبرة قاسية وهو يجيبه ـ"حبنا؟ لقد باعت (سمر) هذا الحب بكل بساطة وكأنه لم يكن..لم تأبه لي ولا لتمسكي بها وإصراري على استمرار حياتنا دون أطفال...حبيبتي التي تتحدث عنها أهانتني أمام الجميع لتجبرني على طلاقها. أهذه من تريد مني العودة إليها؟"
حاول (سامي) الدفاع عن (سمر) بقوله ـ"أنت تعلم كيف كانت جريحة باكتشاف أمر عقمها وكيف كانت ترفض الحياة معك بدافع من الشفقة عليها. أنت أدرى بكبريائها وأسلوب تفكيرها، أضف إلى ذلك التغيرات الهرمونية التي...."
هتف به (طارق) مقاطعاً ـ"لا يوجد ما يبرر إهانتها لي أمام الجميع...أين احترامها لي؟"
تابع (سامي) وكأنه لم يسمع اعتراض صديقه ـ"وربما كانت هذه إشارة إلهية بأنه لم يحن وقت فراقكما بعد، ولا يعلم الحكمة مما حدث لكما سوى الله سبحانه وتعالى".
رمقه (طارق) بنظرة نارية قبل أن يُخرج جواله في سرعة فيتأكد من الوقت أولاً ثم يطلب رقم (سمر) المسجل عنده، لكنه فوجئ برسالة مسجلة تخبره بأن الرقم لم يعد موجوداً بالخدمة.
زادت هذه الرسالة من غيظه فالتفت إلى صديقه وسأله من بين أسنانه ـ"هل غيرت (سمر) رقم جوالها؟"
قلب (سامي) كفيه قائلاً في حيرة ـ"لا أدري...لحظة سأتأكد من (ضحى)".
وبالفعل اتصل بزوجته وطلب منها الرقم الذي أملاه ل (طارق). وقبل أن يُنهي (سامي) مكالمته مع زوجته كان (طارق) ينهض بعيداً وهو يقول بصوت حاول أن يحافظ على هدوئه ـ"ألو...(سمر)؟ أنا (طارق)".
أتاه صوتها مرتبكاً على الطرف الآخر وهي تسأله بحرج ـ"كيف عرفت رقمي؟"
أجابها بحنق ـ"سؤال لا داعي له..المهم الآن هل ما سمعته من (سامي) صحيح؟ هل كنت حائضاً يوم طلاقنا؟"
شعر بنبرة خجل غير مألوفة تغلف صوتها وهي تجيبه بصوت خفيض ـ"أجل صحيح..أتذكر يوم حصلنا على نتيجة التحاليل والأشعة؟ يومها اعتذرت لك بعد عودتنا من العشاء بسبب عذري الشرعي..هل تذكرت؟"
عقد (طارق) حاجبيه محاولاً التذكر ثم ما لبث أن قال في ضيق ـ"تذكرت..ولكن الطلاق الفعلي حدث بعد ذلك بخمسة أيام".
ازداد الخجل في صوتها وهي تغمغم ـ"ماذا بك يا (طارق)؟ مدة الحيض أسبوع في الغالب".
شعر (طارق) باختناق شديد بعد عبارتها فزفر في قوة واستغفر ربه قبل أن يقول في سرعة ـ"استعدي..سنذهب إلى دار الإفتاء الآن. أين أنت لأمُرك؟"
سألته في دهشة ـ"الآن؟ حسناً أنا مستعدة لأنني عدت لتوي من العمل. أنتظرك في بيت أمي".
وما أن أنهى (طارق) الاتصال معها حتى عاد إلى صديقه الذي كان يراقبه بصمت ويراقب ردود أفعاله العصبية، وابتدره (طارق) بقوله ـ"آسف على انفعالي يا (سامي)..سأمر على منزل أهل (سمر) وأصطحبها إلى دار الإفتاء الآن. لن يهدأ لي بال حتى أنتهي من هذا المأزق، ف...".
خرج من ذكرياته على صوت (سامي) وهو يحرك كفه أمام عينيه قائلاً ـ"أين ذهبت؟"
هز (طارق) رأسه وأشاح بكفه قائلاً ـ"لا عليك...هل قلت شيئاً؟"
مط (سامي) شفتيه للحظات ثم سأله ـ"لماذا لم تخبرني بزواجك من (هالة)؟ بل ولماذا أخفيته عني حينما أخبرتك عن (سمر) وموضوع الطلاق البدعي؟"
تنهد (طارق) وأجابه بضيق ـ"لم أخبرك في البداية بناء على طلب (سمر)..لم يكن زواجي معلناً سوى أمام والدي ووالدة (هالة) وسكان العمارة التي نعيش بها؟ وبالطبع كان زواجنا معروفاً لدى أقاربنا في القرية عملاً بالتقاليد التي تعرفها. وقد سعت (هالة) إلى رد الجميل بمساعدتي في الزواج من (سمر) وإقناع أبي بهذه الزيجة".
ثم تابع وهو يخلل شعره بأصابعه كعادته ـ"ولم تصبح (هالة) زوجتي فعلياً إلا بعد طلاق (سمر) بأكثر من شهر. بالطبع لم اخبر (سمر) بذلك، كما لم أخبر (هالة) بعودة (سمر)".
قالها ورفع عينيه إلى صديقه ثانية وهو يسأله ـ"أعلمت الآن لماذا كانت (سمر) عصبية؟ لأنها علمت مني بأن (هالة) حامل في طفلي، ولا أستبعد أن يكون سبب ضيق (هالة) مني ومعاملتها الجافة معي هو معرفتها بشكل ما أن (سمر) عادت إلى منزلي".
ازداد اتساع عينا (سامي) وهو يهتف بصديقه ـ"حامل؟ تزوجت وزوجتك حامل وكل هذا وصديقك الوحيد لا يعلم شيئاً؟ إنك تربكني بكل هذه المفاجآت".
تابع (طارق) أسئلته وكأنه لم يسمع كلمات (سامي) ـ"أعلمت الآن لماذا أنت سبب المشاكل؟ لأنك السبب في عودة (سمر) وبالتالي غضب (هالة)".
هب (سامي) من مقعده وهتف به مستنكراً ـ"أنا السبب ثانية؟ لماذا لم تصارح أنت (هالة) بما حدث؟ أي زوجة في موقفها ستسيء فهمك وربما اتهمتك بالخيانة وأنك مثلت عليها حتى تحمل طفلك قبل أن تُعيد زوجتك الأولى إلى عصمتك وكأن شيئاً لم يكن".
تراجع (طارق) في مقعده وشبك كفيه خلف رأسه وهو يقول بقلق ـ"هذا ما أخشاه بالفعل...لقد كانت تتحدث بلهجة مختلفة عما اعتادت مخاطبتي به من قبل...بل إنها قالت لي مرتين إن محبتها لطفلنا القادم لن تكون قدر محبتها لابنها البكر. أتدري ما يعنيه هذا؟ إنها تخبرني بطريق غير مباشر أنها لا تريدني ولا تريد طفلنا. طفلنا الذي كانت تتحدث عنه بكل هيام حتى الأمس وكأنه أول طفل لها".
هم (سامي) بالرد عليه حينما سمع كلاهما طرقات سريعة على باب الغرفة أعقبها ظهور ممرضة شابة مرتبكة تحدثت إلى (طارق) في سرعة قائلة ـ"دكتور (طارق)..السيدة التي أجريت لطفلها الجراحة قبل قليل فقدت الوعي".
هب (طارق) من مقعده كالملسوع وهو يهتف بذعر ـ"ماذا؟ كيف ذلك؟"
قالها وهو يهرع إلى خارج الغرفة مع صديقه ويستمع إلى الممرضة التي تجري إلى جواره قائلة بأنفاس متقطعة ـ"ل..لقد ذهبت لأطمئن على الصغير كما طلبت مني ووجدتها ملقاة على أرضية الغرفة فاقدة الوعي، فنقلتها أنا والممرضة (فاتن) إلى الفراش المجاور لطفلها وأتيت لأخبرك".
كان (طارق) قد وصل إلى الغرفة حينها، فعبر بابها المفتوح في سرعة وعيناه معلقتان بوجه (هالة) الشاحب والممرضة تحاول إفاقتها فهتف بها ـ"جهاز الضغط بسرعة".
ناولته الممرضة جهاز الضغط في سرعة وقد أدهشتها لهفته وعصبيته التي لم ترها من قبل.
أما هو فكشف ذراعها وأحكم جهاز الضغط حوله بأصابع مرتجفة ووضع السماعة الطبية في أذنيه وهو يحاول سماع نبضها.
لكن صوت نبضات قلبه المتسارعة كان أعلى من نبضها، فنزع السماعة عن أذنيه في توتر وناولها لصديقه قائلاً ـ"لا أستطيع سماع نبضها...قس أنت الضغط يا (سامي)".
تناول (سامي) السماعة في هدوء وقد هاله مرأى صديقه بهذه الدرجة من التوتر وهو المعروف بهدوئه واتزانه، وحاول تهدئته قائلاً برفق ـ"لا عليك يا دكتور (طارق)...أنت منهك منذ الصباح".
قالها وعيناه تشيران إلى وجود ممرضات بالغرفة وضرورة تمالك أعصابه حتى لا يثير القيل والقال.
أدرك (طارق) مغزى نظرات صديقه فحاول تمالك أعصابه والتظاهر بفحص (هيثم) ريثما أنهى (سامي) قياس الضغط مرة، ثم مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وفي كل مرة يزداد القلق بداخله.
وفي قلق التفت إلى (طارق) قائلاً ـ"(طارق)...ضغط دمها مرتفع بشكل خطر على حياتها...ضغطها 160 على 100..ما الحل؟"
شعر (طارق) لحظتها بتبخر كل المعلومات الطبية التي درسها طيلة السنوات الماضية، فأزاح شعره إلى الخلف قائلاً بتوتر لم يستطع إخفاؤه ـ" لا أدري...لا يمكننا إعطاؤها محلول ملحي، ولا....".
ثم التفت إلى الممرضات وهتف بهما ـ"من طبيبة النساء اليوم؟ أريد طبيبة الآن".
ولم تكد الممرضتان تخرجان حتى رفع وجهه وكفيه إلى السماء قائلاً بتضرع ـ"نجها يا الهي..فلا معنى لحياتي بدونها".
وكان صادقاً في تضرعه.