عندما يشعر القاسي بأنه يشتعل من الغيرة، على من قسى عليها، يرفض عقله تمام الفكرة، ولكن يصبح قلبه المسيطر في النهاية. عندما يحدث ما لم تستقبله ولا تريده فجأة، تصبح مثل الوحش الثائر، رافضةً فعلاً الفكرة مرة أخرى. ولكن عندما يضعك القدر أمام الاختيار الصائب، إما أن تختاره أو تفسده وتفسد حياتك وحياة من أحببت.
وقفت متصنمة فور أن رأيت ملامح الغضب على وجهه، لتتنهد برعب وهي تراه أصبح كالوحش الكاسر أمامها مجدداً. لتجده يردف وهو يجز على أسنانه بطريقة أفزعتها رعباً من منظره: -إيه اللي حصل في الخمس سنين اللي فاتوا؟ أحست برعب تجاه ذلك السؤال، ولكن حاولت الثبات في ردها قليلاً لتردف بأحرف متقطعة: -حـ... حصل إيه يعني؟ ما إنت عارف؟
تهجم وجهه فور نطقها تلك الكلمات، لتجده يقترب مرة أخرى منها، وهو يجذبها من معصمها بقوة ألمتها، لتتأوه بخفوت. ولكنها وجدته يصرخ قائلاً في وجهها وعيناه تحولت إلى الأسود القاتم، مما جعل منظره يدب الخوف في مفاصلها: -ومين الطفل اللي كان معاكي؟ وابن مين؟ فتحت عينيها بصدمة فور نطقه تلك الكلمات، لترتعب أكثر مما سبق. أردفت قائلة بثبات قليلاً: -ابني... يعني هيكون ابن مين؟ وأوعي إيدك دراعي هيتكسر!
تهجم وجهه أكثر، ليترك يديها، ولكن لم يدوم طويلاً لتجده يجذبها من خصلاتها السوداء الناعمة بحدة جعلتها تصرخ ألماً منه. لتجده يردف قائلاً بغضب والشرارة تندلع من عينيه: -من مين؟ انطقي! حاولت عدم إظهار خوفها ودموعها التي سبقتها على وجنتيها، لتردف قائلة بألم ودموع خائنة سبقتها: -مـ... مش مـ... من حد والله... ده ابنك يا أيهم... آآآآه ونبي سيب شعري... راسي بتوجعني!
ضغط على يديه أكثر حتى علت صرخاتها من قوة يديه على رأسها، وأحست أنها لا ترى شيئاً من كثرة حالتها الوهن التي سببتها يديها بها، ليلقيها بعنف على الأرضية الصلبة، رادفاً بزمجرة وخشونة وغضب كالأسد والوحش الثائر على فريسته: -عشان كده هربتي؟ كنتي فاكرة إني ممكن أذيكي وأذي ابني؟ عشان كده ربتيه بعيد عني؟ أنا مش هحاسبك على إنك جبتيه عشان كنتي رافضة، لا لا هحاسبك على... إنك هربتي عشان خايفة إني أموته؟ هربتي عشانه؟
كانت تحاول فتح عينيها من كثرة الوهن وهي تستمع إلى كلامه، ولكن تشوشت الرؤية عندها، لتغلق عينيها في استسلام إلى ظلامها وعتمتها، مستسلمة إلى كل شيء. لتغلق على نفسها ظلامها وعتمتها وكثرة تفكيرها بما سيحدث. أما هو، فقد فزع من منظرها، ليهرع عليها وهو يشعر بالخوف داخله، على أي شيء يملكه، فهي بالنسبة له من ممتلكاته التي لا يتجرأ أحد على أخذها منه. ليصبح القدر لأول مرة حليفهم تلك المرة.
كانت جالسة في غرفتها شارده بما حدث أمس، واكتشفت أن تلك المرأة هي أمه. نعم، إنها أم علي. لا تعرف لماذا خجلت عندما علمت أنها أمه. بالفعل، لقد سبقتها وطلبتها من والدتها، ورحبت والدتها بالموضوع، لا طالما كان علي زوج الابنة التي تحلم به أمها. لتتذكر ما حدث بالتفصيل. فلاش باك. دخل بها داخل القصر وهو يشدد على يديها، لتجد هي تلك السيدة قامت بسرور، وأمها على وجهها ابتسامة بلهاء غريبة. لتردف تلك المرأة ببشاشة:
-علي، إنت جيت يابني، تعالي... عندي ليك أخبار حلوة إنت وعروستنا القمر! نظرت سلمى لتلك السيدة بصدمة، هل نادتها بعروسة؟ أم أنها تتخيل؟ فقد استنتجت من طريقة حديثها مع علي أنها أمه، لتنظر إلى كاملة التي كانت جالسة بفخر، رادفة بعجرفة كالعادة: -فريدة هانم طلبتك مني يا سلمى لابنها علي، وأنا وافقت. نظرت سلمى إلى علي بصدمة، الذي كان يحاول كتم ضحكته بصعوبة، لتنفجر رادفة بصراخ: -يعني كلكم عارفين إلا أنا؟
ولا كمان عاملين لعبة عليا؟ والله عال! انفجر الجميع ضاحكاً عليها بشدة، حتى علي الذي كان يتابع المشهد باستمتاع، ليردف قائلاً: -اهدي يا حبيبتي... كان لازم أعرفهم الأول. نظرت له بغيظ شديد، لتردف قائلة: -ماشي يا علي، تصبحوا على خير. لتصعد إلى غرفتها تحت نظراتهم لها. أما هي، فكانت تفكر به وتفكر بما فعله، لتبتسم بتلقائية عليه. عودة باك. كانت تبتسم فور تذكرها ما حدث أمس معها، ليقاطع واصل تفكيرها.
الخادمة التي طرقت الباب بهدوء، لتأذن لها سلمى بالدخول. دخلت نسمة بخطوات معتدلة مهذبة، لتردف قائلة بأدب: -صباح الخير يا سلمى هانم، كاملة هانم بتقول لحضرتك... الفطار جاهز. نظرت سلمى إلى تلك الخادمة قليلاً، لتردف قائلة بابتسامة: -انتي جديدة صح؟ أول مرة أشوفك هنا. نظرت لها نسمة بابتسامة، لتردف بجدية: -أيوا يا هانم... لسه أول يوم. قامت سلمى من مكانها، لتردف قائلة بابتسامة هادئة: -أنا هنا سلمى وبس... ماشي؟
بلاش هانم. ولما تتعودي على المكان هتعرفي إني بعامل كل الخدم اللي هنا زي أخواتي وأكتر. إلا صحيح، هو انتي اسمك إيه؟ أردفت نسمة وهي تتعجب من تلك الفتاة قليلاً، فهي لم تره مثلها في التواضع والاحترام. إذن، لماذا كل ذلك الكره لها؟ نفضت سريعاً تلك الأفكار، قائلة: -نسمة، اسمي نسمة.
ابتسمت لها سلمى، لتغادر إلى الأسفل وهي خلفها، تضرب كفاً على كف بتعجب مما أتت لتفعله في تلك الفتاة. ولكن لا، هي بحاجة إلى المال، وستفعل المستحيل لتنقذ والدها. نزلت إلى الأسفل، وجدت رائف جالساً أمام البحر بهدوء غير معتاد. لتتنهد الأخرى وهي نادمة على قولها إنه مريض. ذهبت ناحيته، ليتفاجأ بها وبجلوسها غير المعتاد على كبريائها الكبير. لتردف قائلة:
-متفكرش بس أنا جيت عشان أقولك إنه مكنش ينفع أقول عليك مريض. الإنسان المريض بيتعالج، وإنت لو عندك استعداد تحكي لي بقيت كده، أنا ممكن أساعدك. نظر لها رائف قليلاً، ليردف بكبرياء وقسوة غير معهودة: -مش هحتاج مساعدة من واحدة ست، إنتوا كلكم صنف واطي أصلاً. التفتت إليه وهي تنظر إلى عينيه، لتردف قائلة بهدوء:
-مش معنى إنك اتصدمت في واحدة منا، يبقى كلنا كده. فيه منا الحلو وفيه منا الوحش. أنا مش جايه أعتذر، لا، أنا جايه أقولك إن الحياة مدرسة. كل مرة درس مختلف، يا بنتعلم منه يا بنتجاهله. إنت اتعلمت، بس اتعلمت غلط. وأنا اتجاهلت، بس برضه اتجاهلت غلط. اتعلم بس بالطريقة الصح يا رائف. نظر لها قليلاً، ليتنهد بألم، حاول أن لا يظهره. ليردف قائلاً بنبرة هادئة وبتساؤل: -إنتي إيه اللي جابك عشان تقولي الكلام ده؟ نظرت له بعينين ضيقة،
لتردف قائلة بابتسامة: -عشان مش عايزة يبقى فيه عداوة بيني وبينك، أو بيني. وأنا عارفة إنك مكنتش هتعدي الموضوع ببساطة كده. التفت بوجهه إلى الجهة الأخرى، من تلك الفتاة التي لم يقابل مثلها. فهي تتحدث معه كأنها تعرفه منذ زمن. ليلتفت لها قليلاً وهو يحاول التركيز في معالم وجهها، حتى يتذكر إن كان قابلها من قبل أم لا، فهي مألوفة له. ليردف متسائلاً: -إنتي بتتكلمي كأنك عارفاني من زمان، لي؟ إنتي تعرفيني أصلاً؟
توترت قليلاً من ذلك السؤال، ليضيق عينيه هو، أما هي، فاشاحت بعينيها بعيداً عن عينيه التي تكاد تخترقها من نظراته الحادة. ليتذكر تلك الملامح فجأة، ليقف رادفا بقسوة: -الدكتورة ليلى عبد المنعم... فاكراني؟ مش هعرفك. نورتيني يا دكتورة. جحظت عينيها فور أن تذكرها، لتردف قائلة بخوف وثبات: -رائف، أنا... لم تكمل جملتها حتى هوت صفعة عنيفة على وجنتيها أسقطتها أرضاً. لتجده يردف بشر: -إنتي فاكرة إني مش هعرفك، يا دكتورة؟
ده أبوكي حتى كان عزيز عليا. حاولت كبت دموعها وهي واقعة أمامه على الشاطئ، ومن سوء حظها أن ذلك الشاطئ خاص بعائلة العامري، فلا يوجد سواهم فيه. لتردف قائلة بأحرف متقطعة: -أ... أ... أنا عملت إيه؟ أبويا مش ذنبه حاجة في اللي حصل، إنت متعرفش الحقيقة. إيه... آآآآآه! صرخت مجدداً فور أن تلقت صفعة أخرى على وجنتيها جعلت أنفها ينزف، لينظر لها هو الآخر بتشفي وقسوة رادفا: -مش ذنبه حاجة؟ إزاي بس...
ده هو السبب في كل حااااااجة. قعدت سنين بدور عليه من لما كان عمرك 18 سنة، وإنتي تقوليلي مش ذنبه حاجة؟ بس للأسف، شكل انتقامي هيجي في بنته اللي حماها متى زمان، بس دلوقتي مش هيقدر يحميها أبداً. جحظت عينيها منه، فهي لن تعاقب على شيء لم ترتكبه عائلتها أبداً ولا والدها. كانت تحاول فقط التقرب منه، حتى تعلمه بالحقيقة كاملة، ولكن الآن قد ضاع كل شيء، فهو عرفها قبل أن تبدأ أي شيء. لتعلم أن الأيام القادمة لن تمر على خير أبداً.
فاقت من شرودها وبكائها عليه، وهو يجذبها بقوة من معصمها إلى داخل الشاليه الخاص به، لتجده يلقيها فيه بحدة، رادفا: -اسمعي يابت إنتي... خروج من هنا مفيش، غير بإذني. ويومين وهنرجع مصر، وإنتي مراتي. سامعة؟ مـ... رـ... اـ... تـ... يـ... يـ... وشدد على الحروف الأخيرة، ليتركها ويخرج بغضب. أما هي، فندبت حظها وتفكيرها الغبي الذي وصلها إلى تلك المرحلة.
كانت نائمة وهي تفكر به وتفكر بكل شيء من الأساس. تمللت قليلاً، لتفتح عينيها ببطء، ولكن أغمضتها سريعاً فور رؤيتها لضوء الشمس الذي جاء على وجهها. فتحتها مجدداً، لتجده واقفاً وبجانبه طفل لما يتعدى الست سنوات. ليردف ذلك الطفل بحب وهو يجري إليها: -مامي كارما، وحشتيني أوي. نظرت له بصدمة، لتجده واقفاً وخلفه أيهم، لتردف بصدمة: -زين!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!