تحميل رواية «فرحة على حافة الهاوية» PDF
بقلم آية محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ فرحة على حافة الهاوية بقلم آية محمود.
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الأول 1 - بقلم آية محمود
في احد احياء القاهرة
كان هناك بيت صغير في حارة صغير ولكن برغم صغرها الا انها تتميز بطيبة و كرم سكانها
في بيت عائلة الحاج محمود …
في احدى الغرف…
كان هناك فتاة جميلة تنام بسلام، غارقة في احلامها الوردية، فكانت تحلم بفارس احلامها الذي سيأتي و يأخذها على حصانة الابيض و يطوف بها بلاد العالم و لكن فجأة ومن غير مواعيد….
“شَغَف! اصحي بقى الساعة داخلة على تسعة!”
الصوت اخترق حلمها بعنف، لكن شغف سحبت البطانية على وشها أكتر وهي بتتمتم بنعاس: “سيبيني أموت في سلام يا ماما…”
أمها وقفت في نص الأوضة، حاطة إيديها في وسطها بغيظ: “آه طبعًا، والجامعة تستناك لحد ما الست تصحى بمزاجها!”
شغف فتحت عين واحدة بالعافية: “قولي للدكتورة إني عندي انهيار نفسي.”
“عندك قلة أدب بس.”
ضحكت شغف وهي مغمضة: “وراثة.”
أمها بصتلها ثانيتين… وبعدين ابتسمت بخبث وهي تبص لكوباية الماية اللي جنب السرير.
شغف أول ما لاحظت النظرة دي، قامت نص قومة: “لا يا ماما… وحياة أغلى حاجة عندك لا—”
لكن كان فات الأوان.
الميّه نزلت عليها مرة واحدة.
“آآآه! يا مفترية!”
شغف قامت من السرير وهي بتصرخ، وشعرها لازق في وشها: “إنتِ أم؟! دي معاملة أم لابنتها الوحيدة الجميلة؟!”
أمها كانت بتضحك وهي خارجة: “الجميلة دي تغسل وشها الأول!”
شغف زفرت وهي تبص لنفسها: “يوم أسود… حاسة إنه يوم أسود.”
لكن رغم تذمرها، ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها وهي خارجة من الأوضة.
ريحة الفطار كانت مالية البيت.
البيت صغير… بسيط… بس فيه دفا يخليك تحس إنك مرتاح من أول نفس.
في الصالة، أبوها كان قاعد يقلب في الجرنال، وأخوها الصغير بيجري ورا أخته وهو بيزعق: “هاتِ الريموت يا شيطانة!”
أختها ردت وهي بتضحك: “تعالى خده لو راجل!”
شغف أول ما دخلت، رمت نفسها جنب أبوها: “بابا… أنا ضحية في البيت ده.”
أبوها بص لها من فوق الجرنال: “الضحية دي ليه شكلها غرقان؟”
أخوها انفجر ضحك: “ماما دشنتها الصبح.”
شغف بصت لهم بصدمة تمثيلية: “ولا واحد فيكم دافع عني! أنا هسيب البيت ده.”
أمها حطت الأكل على السفرة: “روحي بس قبل ما آخد الموبايل.”
شغف قعدت فورًا: “أنا بهزر طبعًا، ده بيت العز.”
الضحك انفجر على السفرة.
وأبوها وهو بيبصلها بحنان قال: “والله البيت من غير دوشتك ما يسواش.”
شغف ابتسمت تلقائي…
في اللحظة دي كانت حاسة إن عندها كل حاجة.
عيلة بتحبها.
بيت دافي.
ضحك مالي المكان.
وكأن الدنيا… مستحيل تخبي وراها كارثة.
بعد الفطار والضحك اللي مالي البيت، شغف دخلت أوضتها وهي لسه مبتسمة.
قفلت الباب وراها بهدوء… وبصت للسقف لحظة طويلة.
رغم دوشة البيت وحبهم ليها، كان دايمًا جواها راحة غريبة أول ما تبقى لوحدها مع ربنا.
قامت اتوضت…
ووقفت تصلي.
صوت الشارع برا كان خافت، والهوا اللي داخل من الشباك بيحرّك طرف الستارة بهدوء.
ولثواني…
الدنيا كلها كانت ساكتة.
بعد ما خلصت فرضها، قامت لبست فستان واسع بلون هادي، وخمار طويل نازل على كتفها برقة بسيطة جدًا شبهها.
وقفت قدام المراية تعدل الخمار وهي بتقول لنفسها: “جميلة جدًا والله… المشكلة إن محدش مقدّر النعمة دي.”
وصوت أمها جه فورًا من برا: “بكلمي نفسك يا مجنونة؟!”
شغف ضحكت: “بشجع نفسي نفسيًا يا ماما!”
أخدت شنطتها ونزلت بسرعة.
الحارة كانت زي كل يوم: ريحة الأكل طالعة من البيوت، صوت الأطفال، وستات قاعدين قدام البيبان بيتكلموا عن الناس كأنهم مذيعين نشرة أخبار.
أول ما شافتها أم محمود، نادت عليها: “يا شغف! تعالى شوفي الولد ده اللي كسر الزرع!”
شغف بصت للولد الصغير اللي مستخبي وراها بخوف، فضحكت: “إنت كل يوم قضية شكل؟”
الطفل مسك إيدها بسرعة: “والله غصب عني!”
شغف بصت لأم محمود: “خلاص يا طنط، سيبيه… ده لسه مشروع مجرم صغير.”
الست ضحكت: “ربنا يهديكي يا بنتي.”
كملت طريقها وهي بتبتسم، لكن فجأة—
“حاسبي!”
صوت شاب جه من قدامها، وقبل ما تستوعب كانت عجلة شاب معدية بسرعة جدًا جنبها.
شغف اتفزعت: “يا نهار أبيض!”
الشاب وقف يبصلها بخضة: “آسف والله ماخدتش بالي!”
شغف حطت إيدها على قلبها: “كنت هتموتني يا أخي!”
رد وهو بيضحك: “بس موتة حلوة.”
شغف بصتله ثانيتين…
وبعدين قالت بمنتهى البرود: “لا، هتبقى قضية.”
الولد اتخض فعلًا، وهي انفجرت ضحك ومشيت قبل ما يفهم إنها بتهزر.
بعدها بكام خطوة، وقفت قدام بيت مريم.
وخبطت الباب وهي بتنادي: “يا بنتي يلااا! هنشيب قبل ما تنزلي!”
وصوت مريم جه من فوق: “دقيقة يا مفترية!”
شغف سندت على الحيطة وهي بتضحك.
🌹🌹🌹🌹🌹🌹
قبل قليل….
في بيت مريم..
صوت المنبّه قطع سكون الأوضة الصغيرة.
مريم فتحت عينيها بالعافية… وبصت للسقف ثواني بصمت.
النهار لسه بيبدأ، لكن قلبها كان صاحي من بدري.
مدّت إيدها وقفلت المنبه بسرعة قبل ما يصحي حد، وقامت من على السرير بهدوء.
الأوضة كانت بسيطة جدًا… سرير صغير، دولاب قديم، ومصحف فوق الكومود.
أخدت نفس طويل…
ودخلت تتوضى.
بعد شوية، كانت واقفة بتصلي.
صوتها الواطي وهي بتقرأ كان مليان راحة غريبة… الراحة الوحيدة تقريبًا اللي بتحس بيها طول اليوم.
أول ما خلصت، فضلت قاعدة على السجادة شوية.
عينيها سرحت…
في حياتها.
في البيت اللي عمرها ما حست فيه إنه “بيت”.
وفي الناس اللي عايشة معاهم… لكن عمرها ما حسّت إنها منهم.
تنهدت وقامت.
فتحت علبة صغيرة، وطلعت منها العدسات البنية.
وقفت قدام المراية، تبص لعيونها الزرقا… الصافية بشكل ملفت، زي موج البحر وقت الهدوء.
ناس كتير كانت تشوفها جميلة…
لكن هي كانت بتكرهها.
لأنها كانت دايمًا سبب نظرات وأسئلة وكلام مالوش نهاية.
لبست العدسات ببطء…
واختفى الأزرق.
بعدها لبست إسدال واسع، ونقابها الأسود اللي متعودة تستخبى وراه… كأنها بتخبّي نفسها كلها، مش وشها بس.
لكن قبل ما تخرج—
الباب اتفتح بعنف.
“لسه بتتدلعّي؟!”
صوت مرات أخوها دخل الأوضة قبلها.
مريم سكتت فورًا.
الست دخلت وهي بصالها باحتقار: “البيت مقلوب برا وإنتِ قاعدة قدام المراية؟”
مريم ردت بهدوء: “كنت بلبس.”
ضحكت بسخرية: “تلبسي إيه؟ ده كله سواد في سواد!”
مريم ضغطت على إيديها وسكتت.
لكن الست قربت أكتر: “والله ما أنا فاهمة أخوك مستحملك على إيه… لا بتشتغلي ولا بتنفعي.”
الكلمة وجعت…
لكن مريم كانت متعودة.
“أنا بساعد في البيت طول اليوم.”
“بمزاجك؟!”
وبعدين بصتلها من فوق لتحت: “بصراحة؟ أنا مستنياكي تتجوزي وتمشي من هنا في أسرع وقت… البيت ضاق من قعدتك.”
الصمت نزل تقيل.
مريم عينيها لمعت للحظة… لكنها نزلتها بسرعة.
مش ضعف.
تعود.
الست لفت وهي بتكمل بسم: “أصل محدش هيستحمل طبعك ده غير اللي ربنا يبعتله صبر أيوب.”
الباب اتقفل بعنف بعدها.
وساب الأوضة ساكتة.
مريم فضلت واقفة مكانها ثواني…
وبعدين بصت للمراية تاني.
شافت نفسها بالنقاب الأسود… والعدسات اللي مخبية لون عينيها الحقيقي.
وفجأة…
حست إنها طول عمرها مستخبية.
عن الناس.
وعن نفسها.
لكن اللي ما كانتش تعرفه…
إن الأيام الجاية هتجبرها تظهر حقيقتها كلها… غصب عنها.
فات كم دقيقة….
مريم كانت لسه واقفة قدام المراية… سرحانة في وشها اللي حتى هي نفسها مبقتش تعرفه.
لكن صوت جه من تحت قطع أفكارها:
“يا بنتي يلااا! هنشيب قبل ما تنزلي!”
شغف.
ابتسامة صغيرة طلعت على وش مريم غصب عنها.
أخدت شنطتها بسرعة، وعدلت نقابها، وخرجت من الأوضة وهي بتحاول تمسح أي أثر للحزن من على وشها.
نزلت السلم بهدوء…
وأول ما فتحت باب البيت، لقت شغف واقفة ساندة على الحيطة وهي بتاكل شيبسي بكل برود.
أول ما شافتها، فتحت عينيها بتمثيل: “الله أكبر… أخيرًا صاحبة السمو نزلت.”
مريم ضحكت بخفة: “اسكتي بقى.”
شغف بصتلها ثانيتين…
والابتسامة راحت شوية.
“مالك؟”
مريم ردت بسرعة: “مالي؟ مفيش.”
“آه طبعًا، وأنا أميرة إنجلترا.”
مريم حاولت تضحك: “والله كويسة.”
شغف قربت منها وهي بتضيق عينيها: “مرات أخوكي اتكلمت تاني؟”
مريم اتفاجئت: “إنتِ إزاي بتعرفي؟!”
شغف رفعت كتفها: “عشان وشك بيبقى عامل زي القطط المظلومة بعدها.”
مريم ضحكت غصب عنها: “يا شيخة بقى.”
شغف سندت دراعها على كتفها وهي ماشية معاها: “بصي… الست دي لو اتكلمت أنا ممكن أعضها والله.”
“شغف!”
“إيه؟ أنا بدافع عنك أهو.”
مريم هزت راسها وهي مبتسمة رغم عنها.
وشغف بصتلها بطرف عينها…
كانت عارفة إن صاحبتها بتخبي كتير.
أكتر بكتير من مجرد زعل عابر.
فجأة شغف وقفت في نص الشارع: “تعالي.”
مريم بصتلها باستغراب: “فين؟”
شغف أشارت على عربية فول: “هنفطر تاني.”
مريم ضحكت: “إنتِ لسه مخلصة أكل من شوية!”
شغف حطت إيدها على قلبها: “الحزن بيحتاج تغذية يا مريم.”
ضحكة مريم طلعت أعلى المرة دي.
وده كان كل اللي شغف عايزاه.
إنها تضحك.
حتى لو للحظات بسيطة…
قبل ما الدنيا تقلبهم هم الاتنين بطريقة عمرهم ما تخيلوها.
*بقلم آية محمود *
♡♡♡♡♡♡♡♡♡•••♡♡♡♡♡♡♡♡
” في الجامعة ”
زحمة الجامعة كانت كالعادة خانقة…
طلبة في كل مكان، أصوات ضحك، ناس بتجري على المحاضرات، وأصوات الباعة عند البوابة.
شغف كانت ماشية بسرعة وهي ماسكة إيد مريم: “يلااا بسرعة، الدكتور هيقفل علينا المدرج النهارده.”
مريم كانت بتحاول تلحقها: “طب اهدي شوية هقع!”
“اقعي عادي المهم الحضور.”
ضحكت مريم رغم توترها، ودخلوا المبنى أخيرًا.
طلعوا المدرج بسرعة، وكان لسه فاضي نسبيًا.
شغف رمت نفسها على الكرسي بتنهيدة: “الحمد لله… نجينا.”
مريم قعدت جنبها وهي ترتب كتبها بهدوء.
لكن عينيها كانت على الباب.
شغف لاحظت فورًا.
ابتسمت بخبث: “آه… فهمت.”
مريم بصتلها ببراءة مصطنعة: “إيه؟”
شغف قربت منها وهمست: “الدكتور ياسر لسه ما دخلش يعني.”
وش مريم اتحمر فورًا: “شغف!”
شغف انفجرت ضحك: “يا بنتي ده أنا حتى ما قولتش حاجة!”
مريم حاولت تبص في الكتاب قدامها: “احترمي نفسك.”
“أحترم نفسي إيه؟ ده إنتِ لو الدكتور عطس بتكتبيها في النوتس.”
مريم زقتها بخجل: “اسكتي بقى!”
شغف كانت لسه هتكمل هزار…
لكن المدرج سكت فجأة.
الباب اتفتح.
ودخل هو.
دكتور ياسر.
طويل، هيبته هادية، لابس أسود بالكامل تقريبًا، وملامحه جامدة بالشكل اللي يخلي أي حد يسكت أول ما يشوفه.
خطواته كانت ثابتة وهو داخل…
ولا حتى باصص حواليه.
لكن مريم؟
كانت باصة.
بكل تركيز.
وكأنها بتحاول تحفظ تفاصيله بدون ما تحس.
شغف بصتلها بطرف عينها وابتسمت بخبث: “الله يرحمك يا بنتي… وقعتي رسمي.”
مريم همست بسرعة: “والله ما بحبه!”
وفي نفس اللحظة…
ياسر رفع عينه من الورق اللي في إيده.
وبص ناحيتهم مباشرة.
قلب مريم وقف ثانية.
أما شغف؟
فكتمت ضحكتها بالعافية وهي هامسة: “لا خالص… باين أهو.”
ياسر ثبت نظره ثواني…
وبعدين بدأ المحاضرة بهدوء:
“افتحوا المحاضرة اللي فاتت.”
لكن من غير ما ياخد باله…
كان في قلب بنت قاعدة في آخر المدرج…
بيتفتح عليه باب وجع كبير جدًا.
🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥
اليوم خلص أخيرًا…
بعد ساعات محاضرات طويلة، وضحك، وهزار شغف اللي ما بيخلصش، البنات خرجوا من الجامعة.
الشمس كانت بدأت تميل للغروب، والهوا بقى أهدى شوية.
شغف كانت ماشية جنب مريم وهي بتحكي بحماس: “وبعدين الدكتور بصلك والله! أنا شوفت بعيني!”
مريم كانت بتحاول تكتم ابتسامتها: “إنتِ فاضية والله.”
“لا، أنا مراقِبة محترفة.”
ضحكت مريم أخيرًا، والشعور التقيل اللي كان جواها خف شوية.
وقفوا عند أول الحارة.
شغف حضنتها بسرعة: “يلا روحي قبل ما مرات أخوكي تعلن الحرب العالمية.”
مريم ضحكت: “وأنتِ روحي نامي بدري بدل ما مامتك تغرقك تاني.”
“المرة الجاية هبلغ عن الست دي.”
ضحكوا الاتنين…
وبعدين كل واحدة راحت طريقها.
مريم دخلت البيت بهدوء…
لكن أول ما دخلت الصالة، حسّت إن الجو غريب.
أخوها الكبير كان قاعد ساكت بشكل مش مريح، ومرات أخوها أول ما شافتها بصتلها بنظرة غريبة… فيها شماتة واضحة.
قلب مريم انقبض.
“في إيه؟”
ولا حد رد.
أخوها أخيرًا رفع عينه لها: “تعالي اقعدي.”
نبرة صوته خلت معدتها تتقبض أكتر.
قعدت ببطء وهي ماسكة شنطتها.
وأول ما قعدت…
مرات أخوها ابتسمت ابتسامة صفراء: “مبروك يا عروسة.”
مريم رمشت بعدم فهم: “عروسة؟”
أخوها قال بدون مقدمات: “في عريس متقدملك.”
الصمت نزل ثواني.
وبعدين مريم قالت بهدوء: “وأنا قولت إني موافقة عشان تقولي عروسة ؟”
مرات أخوها ضحكت بسخرية: “كأنك هتلاقي أحسن منه.”
مريم بصتلها بعدم ارتياح: “مين هو؟”
أخوها اتعدل في قعدته: “راجل محترم… مقتدر… وهيسترك.”
الكلمات كانت بتخبط في قلبها واحدة واحدة.
“عنده كام سنة؟”
الصمت اللي حصل بعدها… كان كفاية يخوف.
لكن مرات أخوها قالتها بكل بساطة:
“حوالي ستين.”
مريم حسّت كأن صوتها اختفى.
“إيه…؟”
أخوها رد ببرود: “وده راجل لقطة أصلًا، موافق عليكي رغم ظروفنا.”
عينيها وسعت بصدمة: “ستين سنة؟!”
“واطي صوتك.”
مريم قامت واقفة فجأة: “إنتو اتهبلتوا؟!”
مرات أخوها قامت هي كمان: “ما تتنططيش كتير، ده أحسنلك!”
مريم كانت بتتنفس بسرعة، والدموع بدأت تلمع في عينيها:
“أنا مش سلعة عشان تبيعوني لأي حد يدفع!”
أخوها ضرب بإيده على الترابيزة: “إنتِ مالكيش كلمة هنا!”
الكلمة نزلت عليها كأنها صفعة.
سكتت.
بصت حواليها…
للبيت اللي عمرها ما حسّت إنه أمان.
وللناس اللي المفروض أهلها.
وفي اللحظة دي فهمت…
إنها كانت لوحدها فعلًا.
وآخر حاجة سمعتها قبل ما تدخل أوضتها وصوتها بيتكسر:
“الفرح بعد أسبوعين.”
مريم وقفت مكانها لحظة و لفت وشها و بصتلهم بتحدي
“انا مش هتجوز الراجل ده و اعلى ما خيلكم اعملوه”
اخوها بصلها بنظرة اجرامية خلت قلبها يوقف
و اول ما شافته بيقرب عليها بسرعة جرت ع الاوضة
بس هو كان اسرع منها مسكها وضربها لحد ما فقدت وعيها
❤️🩹❤️🩹❤️🩹❤️🩹❤️🩹
عند شغف في اخر الليل…
كانت في اوضتها بتذاكر و فجأة تلفونها رن برقم غريب
بصتله شويه و بعدين ردت و هي حاسة بغصة في قلبها لا تعلم سببها
” الووو ”
و فجأة التليفون وقع من ايدها بصدمة
” مريم 🫢”
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الثاني 2 - بقلم آية محمود
الضلمة كانت تقيلة…
تقيلة لدرجة إن مريم ما كانتش عارفة هي نايمة ولا صاحية.
كل اللي كانت حاسة بيه هو صداع حاد بيشق راسها، ووجع في جسمها كله.
سمعت أصوات بعيدة…
مش واضحة.
وبعدين بالتدريج…
بدأت تفتح عينيها.
النور الأبيض فوقها خلاها تغمضهم بسرعة.
“الحمد لله… فاقت.”
صوت رجولي هادي وصلها.
حاولت تفتح عينيها تاني.
وش دكتور كان واقف جنب السرير، بيبصلها بابتسامة مطمئنة.
“إزيك دلوقتي؟”
مريم حاولت تتكلم…
لكن صوتها خرج ضعيف جدًا:
“أنا… فين؟”
“في المستشفى.”
الدكتور بص للأجهزة حواليها وبعدين رجع بصلها:
“متقلقيش… إنتِ بخير دلوقتي.”
كلمة “بخير” خلتها تفتكر…
كل حاجة.
الخناقة.
الصريخ.
كلام أخوها.
العريس.
دموعها.
وبعدين…
السواد.
عينيها امتلوا دموع فجأة.
الدكتور لاحظ وسكت لحظة قبل ما يقول بلطف:
“حاولي ترتاحي دلوقتي.”
لكن الراحة كانت آخر حاجة تقدر تعملها.
الباب اتفتح فجأة.
وصوت جري سريع دخل الأوضة.
“مريم!”
شغف.
مريم لفت ناحيتها.
ولأول مرة من ساعة ما فاقت…
حست إنها عايزة تعيط.
شغف وصلت عند السرير بسرعة، وما اهتمتش إن الناس كلها موجودة.
مسكت إيدها بقوة.
“إنتِ كويسة؟”
مريم حاولت تبتسم…
لكن دموعها سبقتها.
وفي ثانية…
انهارت.
شغف قربت منها فورًا.
ومريم دفنت وشها في كتفها وهي بتبكي.
بكاء مكتوم…
موجوع…
كأنه متخزن من سنين.
شغف كانت ماسكاها بقوة.
وعينيها هي كمان دمعت.
“خلاص… خلاص يا مريم… أنا معاكي.”
لكن مريم كانت بتتهز من العياط.
كأن قلبها كله بيتفكك.
في اللحظة دي…
دخل راجل كبير بهيبة بسيطة وملامح طيبة.
والد شغف.
كان واقف عند الباب من وقت ما دخلوا.
بيتفرج عليهم بصمت.
ولما شاف حالة مريم…
اتوجع.
قرب بخطوات هادية.
ومد إيده على راسها بحنان أبوي خالص.
“ألف سلامة عليكي يا بنتي.”
الجملة كانت بسيطة…
لكنها كسرت آخر حاجة متماسكة جواها.
لأنها افتكرت فجأة…
إن عمرها ما سمعت الجملة دي من أبوها بالطريقة دي.
مريم رفعت عينيها ليه…
والدموع بتنزل بدون توقف.
فابتسم بحنان وقال:
“متخافيش… كل حاجة ليها حل بإذن الله.”
مريم عضت على شفايفها…
وحاولت تمنع نفسها من العياط.
لكنها فشلت.
لأنها لأول مرة من وقت طويل…
حست إن حد خايف عليها فعلًا.
مش عايز منها حاجة.
مش بيجبرها على حاجة.
بس… خايف عليها.
شغف مسكت إيدها أكتر.
وهمست:
“مش هسيبك.”
مريم بصتلها.
وفي اللحظة دي…
ما قالتش أي حاجة.
لكن قلبها كان بيقول:
“الحمد لله إنك موجودة.”
🌺🌺🌺
في نفس الوقت…
كان بيت مريم هادي بشكل مستفز.
لا قلق.
لا خوف.
ولا حتى محاولة للاطمئنان عليها.
أخوها كان قاعد على الكنبة يقلب في هاتفه، بينما زوجته تحسب تكاليف تجهيزات الزواج وكأن الأمر صفقة تجارية لا أكثر.
قالت وهي تنظر في دفتر صغير أمامها:
“بصراحة… لو تمت الجوازة دي، وضعنا هيتغير خالص.”
رفع رأسه قليلًا:
“أكيد. الراجل مقتدر وعنده أملاك كتير.”
ابتسمت زوجته ابتسامة طامعة:
“وأهم حاجة إنه وعد يساعدك في شغلك.”
هز رأسه موافقًا.
ثم سألها:
“هي كانت موافقة ولا لسه معترضة؟”
ضحكت بسخرية:
“ومن إمتى حد سألها أصلًا؟”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم عادت تتحدث عن الأموال والهدايا والمكاسب التي قد يحصلون عليها من هذا الزواج.
ولا واحد منهما توقف ليسأل نفسه:
كيف كانت تبكي؟
كيف كانت تشعر؟
هل كانت خائفة؟
هل كانت تحتاج من يسمعها؟
كل ما كان يشغلهم…
ما سيكسبونه.
أما مريم…
فكانت في سرير المستشفى، تحاول جمع ما تبقى من قلبها المكسور.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
كان الفرق بين البيتين واضحًا جدًا.
بيتٌ يطارد المال…
وبيتٌ آخر يركض إلى المستشفى خوفًا على فتاة ليست من دمه.
♕$♕&♕٪♕&♕$♕
تاني يوم…
الشمس كانت طالعة، والناس بتبدأ يومها بشكل طبيعي.
لكن بالنسبة لمريم…
ولا حاجة كانت طبيعية.
خرجت من المستشفى وهي ماسكة شنطتها الصغيرة، وخطواتها بطيئة كأنها شايلة جبل فوق كتافها.
شغف كانت ماشية جنبها من أول لحظة.
رافضة تسيبها ثانية واحدة.
كل شوية تبص لها وتسأل:
“تعبانة؟”
ومريم ترد بنفس الجملة:
“أنا كويسة.”
مع إنها ما كانتش كويسة.
ولا قريبة حتى.
وصلوا البيت.
مريم وقفت قدام الباب لحظة طويلة.
كأنها خايفة تدخله.
وكأن الجدران نفسها بقت بتخوفها.
شغف مسكت إيدها بهدوء:
“أنا معاكي.”
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة…
ودخلت.
أول ما دخلت الصالة…
لقيت أخوها قاعد يشرب شاي كأن مفيش حاجة حصلت.
ولا حتى رفع عينه عليها في البداية.
أما مرات أخوها…
فاكتفت بنظرة سريعة وقالت:
“رجعتي؟”
بس.
كأنها كانت راجعة من مشوار عادي.
مش من المستشفى.
مريم حست بحاجة بتنكسر جواها.
لكنها سكتت.
كالعادة.
شغف بقت باصة لهم بصدمة.
مش مصدقة البرود ده.
لكن قبل ما تتكلم…
مريم ضغطت على إيدها.
وكأنها بتقول:
“سيبيهم.”
فصمتت.
تاني يوم….
كانوا في الجامعة.
شغف رافضة تبعد عنها خطوة.
حتى وهم داخلين الحرم الجامعي.
مريم قالت بخجل:
“شغف… الناس هتفتكرني طفلة.”
شغف ردت فورًا:
“وأنا مالي بالناس؟”
“أنا كويسة.”
“كذابة.”
مريم بصتلها…
وفجأة ضحكت.
أول ضحكة حقيقية من امبارح.
شغف ابتسمت بانتصار:
“أهو كده.”
ودخلوا المدرج مع بعض.
لكن مريم كانت لسه شايلة وجع كبير جواها.
وجع محدش شايفه.
غير صاحبتها.
وفي مكان تاني…
كان والد شغف قاعد في محل أخو مريم.
ملامحه هادية…
لكن صوته كان جاد.
“اسمعني يا ابني.”
أخو مريم تنهد:
“يا عم الحاج… الموضوع خلص.”
“ما خلصش.”
رفع الراجل عينه له وقال:
“دي بنت صغيرة.”
“وبعدين؟”
“وبعدين إن الجواز مش تجارة.”
الصمت نزل ثانية.
لكن مرات أخو مريم تدخلت بحدة:
“إحنا أدرى بمصلحة أخته.”
والد شغف بص لها بهدوء:
“ومصلحتها إنها تتجوز راجل قد أبوها؟”
ما عرفوش يردوا.
فكمل:
“البنت كانت في المستشفى امبارح.”
أخو مريم اتضايق:
“حضرتك مكبر الموضوع.”
هنا…
أول مرة ملامح والد شغف اتغيرت.
وقال بنبرة موجوعة:
“أنا عندي بنت في سنها.”
سكت.
وبعدين أكمل:
“والله لو كانت بنتي… ما كنت أرضى لها كده.”
الصمت ملأ المكان.
لكن للأسف…
الطمع كان أعلى من أي كلام.
وأخو مريم قال أخيرًا:
“مع احترامي ليك يا عم الحاج… القرار اتاخد.”
والد شغف فهم.
فهم إن الحوار مش مع أخ بيخاف على أخته.
ولا مع أهل بيدوروا على سعادتها.
هو بيحارب ناس…
شايفين مريم مجرد وسيلة.
فقام من مكانه ببطء.
وقال قبل ما يمشي:
“ربنا يسترها عليها.”
ومشى.
لكن جواه إحساس واحد فقط…
إن القصة دي لسه ما بدأتش
««٪٪٪٪٪••••••٪٪٪٪٪٪»».
بعد كام يوم….
اليوم الدراسي كان قرب يخلص…
ومريم كانت بتجمع كتبها بهدوء، لسه آثار التعب باينة على وشها رغم محاولاتها تخبيها.
وفجأة…
“آنسة مريم.”
رفعت راسها باستغراب.
أحد المعيدين كان واقف جنبها.
“الدكتور ياسر طالبك في مكتبه.”
قلبها وقف.
“أنا؟”
“أيوة.”
شغف بصتلها بسرعة.
ثم ابتسمت بخبث: “يا نهار أبيض…”
مريم زقتها بخجل: “اسكتي.”
لكن قلبها كان بيدق بجنون.
بعد دقائق…
كانت واقفة قدام مكتب الدكتور ياسر.
إيديها متشابكة من التوتر.
طرقت الباب بخفة.
“اتفضلي.”
دخلت.
ولأول مرة…
كانت هي وهو لوحدهم.
ياسر كان واقف جنب الشباك.
أول ما شافها، طلب منها تقعد.
مريم قعدت وهي مش فاهمة سبب استدعائها.
“حضرتك طلبتني؟”
ياسر سكت لحظة.
وكأنه بيجمع شجاعته.
ثم قال بهدوء:
“أنا مش هطول عليكي.”
مريم بدأت تقلق.
“في حاجة غلط؟”
هز رأسه:
“بالعكس.”
الصمت ملأ المكان.
ثم أكمل:
“أنا عارف إن الكلام اللي هقوله دلوقتي ممكن يكون مفاجئ.”
قلبها بدأ يدق أسرع.
“لكن أنا راجل داخل البيت من بابه.”
رفعت عينيها له.
بعدم فهم.
أما هو…
فكان ينظر لها مباشرة لأول مرة.
“أنا معجب بيكي من فترة يا مريم.”
أنفاسها انقطعت.
“وشوفت فيكي أخلاق واحترام وشخصية جميلة.”
مريم حست إن الدنيا كلها سكتت.
“وعشان كده…”
سكت ثانية.
“أنا حابب أتقدم لك رسمي لو إنتِ وأهلك موافقين.”
الدموع لمعت في عينيها بدون ما تشعر.
كل الخوف اللي عاشته الأيام اللي فاتت…
كل الإحساس إنها لوحدها…
كله اختفى للحظة.
“بجد؟”
ابتسامة صغيرة ظهرت على وش ياسر.
“بجد.”
مريم نزلت عينيها من شدة الخجل.
وقلبها كان بيطير من الفرحة.
لدرجة إنها نسيت كل همومها لدقائق.
ثم رفعت رأسها وقالت بصوت مرتجف:
“أنا… موافقة.”
ابتسامته اتسعت.
أما هي…
فأكملت بخجل أكبر:
“اتفضل… اتقدم.”
ولأول مرة من أيام طويلة…
خرجت مريم من المكتب وهي مبتسمة.
ابتسامة حقيقية.
لكنها ما كانتش تعرف…
إن القدر كان مخبي لها مفاجأة أكبر بكتير من أي فرحة عاشتها.
وإن الفرحة مش هتدوم ببساطة لانها هتكون فرحة على حافة الهاوية
رواية فرحة على حافة الهاوية الفصل الثالث 3 - بقلم آية محمود
مريم خرجت من مكتب ياسر…
ومش حاسة إنها ماشية على الأرض أصلًا.
قلبها كان بيدق بسرعة.
وكل ما تفتكر كلامه…
تحس إن وشها بيحمر أكتر.
“أنا حابب أتقدم لك رسمي.”
الجملة كانت بتتكرر في دماغها بشكل جنوني.
ولأول مرة من شهور…
كانت مبتسمة.
بجد.
لكن أول ما وصلت آخر الممر…
اتجمدت.
شغف كانت واقفة هناك.
ساندة على الحيطة.
ودراعاتها متشابكة.
وباصالها بنظرة شريرة.
مريم بلعت ريقها.
“إيه؟”
شغف استقامت من مكانها ببطء.
“هاااا؟”
“في إيه؟”
“في إيه؟!”
شغف قربت منها.
“بقالي نص ساعة واقفة برا مستنياكي.”
مريم اتوترت: “طب ما عادي.”
“عادي؟”
شغف ضيقت عينيها.
“الدكتور ياسر بنفسه يطلبك على مكتبه والعالم كله يشوفك داخلة…”
قربت أكتر.
“…وتخرجي بالابتسامة العبيطة دي وتقولي عادي؟”
مريم حاولت تبص بعيد.
لكن شغف مسكت وشها بإيديها.
“بصيلي.”
“شغف…”
“بصيلي.”
أول ما بصت لها…
شغف شهقت شهقة تمثيلية.
“يا نهار أبيض!”
مريم غطت وشها بسرعة: “اسكتي!”
“وشك أحمر ليه؟!”
“شغف!”
“إنتِ عيطتي؟!”
“لا!”
“يبقى وقعتي.”
مريم زقتها بخجل: “والله ما طايقاكي.”
شغف مسكت دراعها.
“احكي.”
“مفيش.”
“احكي.”
“لا.”
“احكي.”
“شغف!”
“احكي.”
مريم ضحكت غصب عنها.
وأخيرًا…
استسلمت.
“هو…”
شغف قربت ودنها بسرعة.
“كملي.”
“قال إنه…”
سكتت.
“قال إيه؟!”
مريم غمضت عينيها من الإحراج.
وبعدين قالت بسرعة:
“عايز يتقدملي.”
الصمت.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وفجأة…
شغف صرخت.
“إيييييه؟!”
كل اللي في الممر بصوا عليهم.
مريم كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها.
أما شغف؟
فكانت بتتنطط حرفيًا.
“والله الراجل بيفهم!”
“شغف!”
“أهو أخيرًا حد شاف العظمة اللي أنا شايفاها من سنين.”
مريم كانت بتضحك وبتعيط في نفس الوقت.
لأنها لأول مرة…
حد اختارها.
حد شافها.
حد قال إنه عايزها هي.
مش فلوس.
مش مصلحة.
مش صفقة.
هي.
شغف فجأة هديت.
وبصتلها بحنان.
“مبسوطة؟”
مريم سكتت لحظة.
وعينيها لمعت.
وبعدين هزت راسها.
“أوي.”
ابتسمت شغف.
وشدت صاحبتها لحضن سريع.
“تستاهلي الفرحة دي كلها يا مريم.”
٪٪٪٪٪:::::::::: ٪٪٪٪
على الطريق السريع….
الطريق كان زحمة كعادته…
العربيات ماشية ببطء، والكلاكسات مالية الشارع.
لكن ياسر؟
ولا كان سامع أي حاجة.
كان سايق عربيته وابتسامة غريبة مرسومة على وشه من ساعة ما خرج من الجامعة.
لدرجة إن اللي يشوفه ما يصدقش إنه نفس الدكتور الهادئ الصارم اللي الطلبة كلها بتهابه.
رن على رقم بسرعة.
وبعد ثواني…
رد الطرف التاني.
“خير يا دكتور؟”
صوت ابن عمه وصاحبه المقرب، رحيم.
ياسر ضحك لأول مرة من قلبه: “عايز أقولك حاجة.”
رحيم سكت ثانية.
“يا نهار أسود.”
“في إيه؟”
“إنت بتضحك ليه؟”
ياسر انفجر ضحك.
“للدرجة دي مستغرب؟”
“طبعًا مستغرب! آخر مرة ضحكت كده كنت في أولى جامعة.”
ياسر هز راسه وهو سايق.
ثم قال الجملة اللي كان مستني يقولها من ساعات:
“أنا اتقدمت.”
الصمت.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين…
“إنت عملت إيه؟!”
ياسر ضحك أكتر.
“زي ما سمعت.”
رحيم اتكلم بصدمة:
“مين؟! وإمتى؟! وإزاي؟!”
“بالراحة يا مجنون.”
“لا مش بالراحة.”
رحيم كان حرفيًا بيصرخ.
“إنت اللي كنت رافض الجواز أصلًا!”
“عارف.”
“واللي كل ما حد يفتح الموضوع معاك تهرب؟”
“عارف.”
“طب مين البنت؟”
هنا…
ابتسامة ياسر هديت شوية.
وبقى في نبرة مختلفة في صوته.
أهدى.
أدفى.
“اسمها مريم.”
رحيم سكت.
استنى يكمل.
وياسر فعلًا كمل.
“بنت محترمة جدًا.”
سكت لحظة.
“طيبة.”
ولحظة تانية.
“وقوية أكتر ما الناس متخيلة.”
رحيم ضحك فجأة.
“وقعت يا دكتور.”
ياسر بص للطريق قدامه.
وسرح للحظة في ابتسامتها.
وفي خجلها.
وفي دموع الفرحة اللي لمحها في عينيها.
ثم قال بهدوء:
“أعتقد إني وقعت فعلًا.”
رحيم انفجر ضحك.
“والله العظيم نفسي أصور اللحظة دي وأوريها للعيلة.”
“إياك.”
“خلاص اتأخرت.”
“رحيم!”
“مبروك يا صاحبي.”
ياسر ابتسم.
ابتسامة كبيرة.
صادقة.
من القلب.
“الله يبارك فيك.”
رحيم سكت شوية.
وبعدين قال:
“واضح إنك بتحبها.”
لأول مرة…
ياسر ما أنكرش.
ولا هرب من السؤال.
ولا غير الموضوع.
بل بص للطريق قدامه…
وقال بصوت منخفض:
“أكتر مما كنت متخيل.”
وفي اللحظة دي…
كان مقتنع إنه أخيرًا لقى السعادة اللي كان بيدور عليها.
♡♡♡♡••••••♡♡♡♡
في المساء…
كان قصر عائلة ياسر هادئًا على غير العادة.
السفرة الكبيرة كانت متجمعة عليها العيلة كلها.
أبوه على رأس الطاولة، وأمه بجواره، وبعض إخوته وأبناء أعمامه قاعدين بيتكلموا في أمور الشغل والعيلة.
أما ياسر…
فكان ساكت بشكل غريب.
وده لوحده كان كفيل يخلي الكل يشك إن في مصيبة أو خبر كبير.
أمه بصت له باستغراب:
“مالك يا ياسر؟”
رفع رأسه.
“مفيش.”
أخوه ضحك:
“لأ فيه… وشك عامل زي واحد مخبي جريمة.”
ضحك الكل.
إلا ياسر.
اللي فجأة قال بهدوء:
“أنا عايز أتجوز.”
الصمت.
الصمت الحقيقي.
الشوك وقفت في نص الطريق.
وأبوه رفع عينه من طبقه ببطء.
أما أمه…
فكانت أول واحدة تتكلم.
“إيه؟”
ياسر ابتسم:
“زي ما سمعتي.”
أخوه شهق:
“لا لا استنى… قولها تاني عشان أتأكد إني ما بحلمش.”
واحد من أبناء عمه قال ضاحكًا:
“حد يلحق الدكتور قبل ما يغير رأيه!”
أما أمه…
فكانت حرفيًا مش مصدقة.
“إنت بنفسك اللي بتقول كده؟”
“أيوة.”
“مش حد مهددك؟”
ضحك ياسر:
“لا يا أمي.”
هنا تدخل أبوه أخيرًا.
“ومين البنت؟”
السؤال خلا ابتسامته تهدى.
وقال بثبات:
“اسمها مريم.”
الكل سكت ينتظر.
“طالبة عندي في الجامعة.”
أحد إخوته رفع حاجبه:
“طالبة؟”
فرد ياسر فورًا:
“وفي نفس الوقت بنت محترمة جدًا، وأهلها ناس معروفين.”
أمه كانت تراقب ملامحه.
ثم فجأة ابتسمت.
لأنها لأول مرة منذ سنوات…
شايفة اللمعة دي في عيني ابنها.
لمعة الراجل اللي اختار بقلبه.
قالت بهدوء:
“بتحبها؟”
سكت ياسر.
ثانية.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
لكنها كانت كفاية للإجابة.
فشهقت أمه وهي تضرب كفًا بكف:
“يا نهار أبيض!”
وانفجر الجميع ضحكًا.
أبوه هز رأسه مبتسمًا:
“طيب وإيه المطلوب؟”
“عايزكم تيجوا معايا نتقدم رسمي.”
أبوه رد فورًا:
“طالما مرتاح لها… إحنا معاك.”
أما أمه…
فقامت من مكانها واتجهت إليه.
وحطت إيدها على كتفه بحنان.
“ربنا يسعدك يا ابني.”
للحظة…
شعر ياسر براحة كبيرة.
كأن الطريق كله بقى واضح قدامه.
بيت.
وزوجة.
وحياة جديدة.
وكان مقتنعًا أن الأيام القادمة ستكون أجمل أيام عمره…
🌹🌹🌹🌹
في بيت مريم…
كانت الساعة قربت على المغرب.
مريم دخلت البيت بخطوات هادية، لكن المرة دي كان فيه حاجة مختلفة.
رغم التعب…
ورغم الخوف…
كان فيه نور صغير جواها.
أمل.
أمل لأول مرة من شهور.
قفلت الباب وراها ودخلت الصالة.
مرات أخوها كانت قاعدة قدام التلفزيون.
أول ما شافتها، بصتلها بطرف عينها وقالت ببرود:
“اتأخرتي.”
“كان عندي محاضرات.”
“آه.”
ورجعت تبص للتلفزيون كأن مريم مش موجودة.
مريم كملت طريقها ناحية أوضتها.
لكن صوت أخوها وقفها:
“استني.”
اتجمدت مكانها.
لفت ببطء.
كان قاعد على الكنبة، ملامحه جامدة كعادته.
“العريس هيجي آخر الأسبوع.”
الفرحة اللي كانت جواها انطفأت للحظة.
لكنها سرعان ما افتكرت كلام ياسر.
وافتكرت وعده.
فجمعت شجاعتها وقالت:
“مش هوافق.”
الصالة كلها سكتت.
مرات أخوها نزلت الريموت من إيدها.
وأخوها رفع عينه لها ببطء.
“بتقولي إيه؟”
مريم أخدت نفسًا عميقًا.
وقلبها بيدق بعنف.
“في حد عايز يتقدملي.”
الصدمة ظهرت على وشهم هما الاتنين.
“مين؟”
“دكتور في الجامعة.”
مرات أخوها ضحكت بسخرية:
“دكتور؟”
لكن مريم كملت بثبات:
“وقال إنه هييجي رسمي.”
أخوها قام من مكانه.
وبدأ يقرب منها.
“وإنتِ عرفتيه منين؟”
“من الجامعة.”
“وبقالك قد إيه بتتكلمي معاه؟”
مريم اتفاجئت من السؤال.
“أنا ما بتكلمش معاه أصلًا.”
“أمال عرفك إزاي؟”
“شافني وطلب يتقدم.”
مرات أخوها ضحكت ضحكة مستفزة:
“آه طبعًا… شافها مرة واحدة وقرر يتجوزها.”
مريم عضت على شفايفها.
لكنها ما ردتش.
أما أخوها…
فكان باين عليه إنه مش مقتنع.
“اسمه إيه؟”
“دكتور ياسر.”
أول ما الاسم خرج…
شيء غريب ظهر في عيني أخوها.
نظرة سريعة جدًا.
كأنه عرف الاسم.
أو سمعه قبل كده.
لكنه أخفاها بسرعة.
وقال ببرود:
“لما ييجي نبقى نشوف.”
مريم حست إن في حاجة مش مريحة.
لكنها ما فهمتش إيه.
فدخلت أوضتها بسرعة.
وأول ما قفلت الباب…
سندت ظهرها عليه.
وابتسمت.
ابتسامة كبيرة.
ثم حضنت المخدة وهي تفتكر كلام ياسر.
وكأنها بنت صغيرة بتحلم لأول مرة.
في الخارج…
كان أخوها قاعد ساكت.
يفكر.
أما زوجته فسألته:
“مالك؟”
رد بعد لحظة:
“اسم ياسر ده… مش مريحني.”
“ليه؟”
سكت.
ثم قال بهدوء غريب:
“معرفش… بس حاسس إن وجوده هيبوظ كل اللي خططنا له.”
وفي أوضة مريم…
كانت هي بتحلم بمستقبل جميل.
وفي الصالة…
كان فيه ناس بتفكر إزاي تمنعه.
*****••••••*****
بعد يومين…..
اليوم الموعود….
اليوم اللي كان ياسر هيتقدم لمريم…..
الطريق السريع كان شبه فاضي.
أنوار العربيات بتعدي بسرعة، والهوا البارد داخل من الشباك النص مفتوح.
ياسر كان سايق عربيته، بينما رحيم قاعد جنبه ورجله مرفوعة على التابلوه كعادته المستفزة.
“نزل رجلك يا بني آدم.”
رحيم ضحك: “العربية مريحاني كده.”
“وعشان كده مش هتركبها تاني.”
“بعد الشر.”
ياسر هز رأسه وهو مبتسم.
من ساعات طويلة وهو مبسوط بشكل غريب.
رحيم بص له بطرف عينه.
“إنت واقع جامد.”
“اسكت.”
“لا مش هسكت.”
ضحك رحيم.
“والله العظيم نفسي أشوف وشك يوم الفرح.”
ياسر ضربه بخفة في كتفه:
“ركز في حياتك أنت.”
“أنا حياتي فل.”
ثم ابتسم وهو يكمل:
“بس بجد يا ياسر… مبسوط عشانك.”
سكت ياسر لحظة.
وبعدين قال:
“وأنا مبسوط إنك معايا.”
رحيم ابتسم.
“دايمًا.”
بعد دقائق…
العربية وقفت عند جانب الطريق.
رحيم فتح الباب.
“هركب تاكسي من هنا.”
ياسر عقد حاجبيه:
“استنى أوصلك.”
“لا يا عم كفاية عليك.”
نزل رحيم من العربية وهو يضحك.
وأغلق الباب.
وقف ياسر يراقبه من الشباك.
رحيم رفع إيده مودعًا.
“سلام يا دكتور.”
“خلي بالك من نفسك.”
“وأنت كمان.”
استدار رحيم متجهًا نحو الرصيف المقابل.
وفي نفس اللحظة…
كان فيه تاكسي قادم بسرعة جنونية.
أسرع من الطبيعي.
وأقرب مما ينبغي.
كل شيء حصل في ثانية.
ثانية واحدة فقط.
ياسر لمح الأضواء.
ولمح رحيم.
ولمح الخطر.
فتح باب العربية بسرعة.
وصرخ بأعلى صوته:
“رحيييييم!”
رحيم التفت.
لكن بعد فوات الأوان.
صوت ارتطام عنيف شق المكان.
العالم كله توقف.
العربية انحرفت.
والناس بدأت تصرخ.
أما ياسر…
فكان يجري.
يجري بكل قوته.
وقلبه ينهار مع كل خطوة.
“رحيم!”
ركع على الأرض بجانبه.
إيده كانت بترتعش.
“رحيم… رحيم افتح عينك.”
لكن رحيم ما ردش.
الدم كان على الأرض.
والناس بدأت تتجمع حولهم.
ياسر ضغط على جرحه وهو يصرخ:
“حد يجيب إسعاف!”
ثم عاد يهز كتفيه بعنف.
“بصلي!”
أنفاس رحيم كانت ضعيفة جدًا.
بصعوبة فتح عينيه.
وشاف ياسر.
“متخفش…”
قالها بصوت شبه مختفٍ.
ياسر كانت الدموع في عينيه لأول مرة من سنين.
“اسكت… الإسعاف جاية.”
ابتسم رحيم ابتسامة صغيرة.
متعبة.
“واضح… إنك هتعمل الفرح من غيري.”
“لا…”
صوت ياسر اتكسر.
“لا يا رحيم.”
لكن رحيم ما كانش سامع.
أو يمكن ما بقاش قادر يسمع.
عينيه بدأت تفقد التركيز.
وياسر مسك إيده بقوة.
“متسبنيش.”
كلمة خرجت منه بدون ما يشعر.
كلمة طفل فقد الأمان فجأة.
لكن اللحظة كانت أقسى من أي رجاء.
وببطء…
سقطت يد رحيم من بين أصابعه.
وسكن كل شيء.
لأول مرة في حياته…
شعر ياسر بالعجز.
عجز كامل.
وهو ينظر لصديقه…
وابن عمه…
وأقرب شخص لقلبه…
وقد رحل أمام عينيه.
في ليلة كان من المفترض أن تكون من أسعد ليالي عمره.
💔💔💔💔
بعد عدة قائق…
صوت الإسعاف كان بيشق الليل…
والناس متجمعة حوالين المكان.
أما ياسر؟
فما كانش سامع أي حاجة.
كان راكع جنب رحيم، ماسك إيده الباردة وكأنه لو سابها هيفقده فعلًا.
المسعفين وصلوا بسرعة.
“ابعد يا فندم.”
لكن ياسر هز رأسه بعنف.
“أنقذوه… بالله عليكم أنقذوه.”
المسعف فحص النبض بسرعة.
ملامحه ما طمنتش حد.
لكنهم نقلوه على الترولي بسرعة.
وياسر جرى معاهم.
كأنه خايف يختفي من قدامه.
داخل الإسعاف…
الأجهزة كانت بتصدر أصوات متقطعة.
والمسعفين بيحاولوا بكل طاقتهم.
أما ياسر…
فكان قاعد جنب السرير.
ملامحه شاحبة.
إيده كلها دم.
ومش قادر يستوعب اللي بيحصل.
كل شوية يبص لوش رحيم.
ويفتكر ضحكته من نص ساعة.
ويفتكر هزارهم.
ويفتكر كلمة:
“دايمًا.”
فجأة حس الدنيا بتلف حواليه.
“يا رب…”
همسها لأول مرة.
“يا رب ما تاخدوش مني.”
وصلوا المستشفى.
وأخدوا رحيم لغرفة العمليات بسرعة.
الباب اتقفل.
وياسر وقف برا.
واقف بس.
كأنه نسي إزاي يقعد.
أو يتكلم.
أو حتى يتنفس.
بعد أقل من ساعة…
بدأت العيلة توصل.
أم رحيم كانت أول واحدة.
أول ما شافت ياسر…
جريت عليه.
“ابني فين؟!”
صوتها كان مليان رعب.
وياسر ما عرفش يرد.
بس بص ناحية باب العمليات.
الأم فهمت.
وانهارت.
“لا… لا يا رب…”
أبوه وصل بعدها.
وباقي العيلة.
كلهم واقفين.
كلهم مستنيين.
وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة كاملة.
وفجأة…
باب العمليات اتفتح.
والدكتور خرج.
الكل وقف مرة واحدة.
الأم جريت عليه.
“ابني عامل إيه؟”
الدكتور سكت.
ثانية.
ثانيتين.
ثلاثة.
الصمت لوحده كان كافي.
لكن الأم رفضت تفهم.
“رد عليا!”
الدكتور نزل عينيه.
وقال بهدوء مؤلم:
“البقاء لله.”
كأن الزمن وقف.
الأم بصت له بعدم استيعاب.
“يعني إيه؟”
الدكتور ابتلع ريقه بصعوبة.
“إحنا عملنا اللي قدرنا عليه…”
صوته اختفى وسط صرخة الأم.
صرخة مزقت المكان كله.
“رحيييييم!”
وقعت على الأرض وهي بتبكي.
الأب سند نفسه على الحيطة.
كأنه كبر عشرين سنة في لحظة واحدة.
أما باقي العيلة…
فكانت الصدمة أكبر من الكلام.
ياسر؟
ما بكىش.
ولا اتكلم.
ولا حتى اتحرك.
فضل واقف مكانه.
محدق في باب العمليات.
كأنه مستني رحيم يخرج دلوقتي ويقول إن كل ده سوء تفاهم.
إنه هيضحك كعادته.
ويهزر.
ويطلب منه يوصله البيت.
لكن الباب ظل مغلقًا.
والحقيقة كانت أقسى من أي شيء.
اقترب منه أحد أفراد العائلة.
“ياسر…”
لكن ياسر همس بصوت مكسور:
“كان معايا من ساعة.”
سكت.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة موجوعة.
“من ساعة بس كان بيضحك.”
وفي تلك الليلة…
لم تفقد العائلة ابنًا فقط.
بل فقد ياسر قطعة من روحه.
❤️🩹❤️🩹❤️🩹❤️🩹
في بيت مريم…
كانت الساعة بتعدي ببطء شديد.
بطيء لدرجة إنها كانت كل دقيقة تبص على الساعة المعلقة في الصالة.
وتبص على الباب.
وترجع تبص على الساعة تاني.
ياسر كان المفروض ييجي النهارده.
هو بنفسه قال كده.
وأهلها كانوا عارفين.
حتى أخوها قعد في البيت النهارده عشان يشوف “العريس” اللي بيتكلموا عنه.
أما مريم…
فكانت قاعدة في ركن هادي، ماسكة طرف خمارها بتوتر.
رغم خوفها…
كانت فرحانة.
لأول مرة من سنين حاسة إن ربنا بعت لها باب نجاة.
مرت ساعة.
ثم ساعتان.
ولا حد جه.
ولا حتى اتصال.
ولا رسالة.
مرات أخوها كانت بتراقبها من بعيد.
وكل ما الوقت يعدي…
كانت ابتسامتها تكبر.
لحد ما أخيرًا قالت بسخرية:
“واضح إنه مش جاي.”
مريم رفعت عينيها بسرعة.
“أكيد في حاجة عطلته.”
ضحكت الأخرى.
ضحكة مستفزة.
“آه طبعًا.”
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
“أصل الدكاترة مشغولين.”
مريم ضغطت على إيديها.
وحاولت تتجاهلها.
لكن مرات أخوها قربت أكتر.
“ولا يمكن…”
ابتسمت بخبث.
“…كان بيتسلى بيكي؟”
قلب مريم انقبض.
“لو سمحتي.”
“إيه؟ زعلتي؟”
قعدت قدامها مباشرة.
“يا حبيبتي افهمي.”
أشارت عليها من فوق لتحت.
“هو دكتور جامعة.”
ثم ابتسمت بسخرية جارحة.
“وإنتِ…”
سكتت وكأنها بتختار كلماتها.
“إنتِ مجرد بنت غلبانة من حارة بسيطة.”
الكلمات نزلت على مريم كالسكاكين.
لكنها حاولت تتمسك بالأمل.
“هو مش كده.”
“وأنتِ عرفتي منين؟”
ردت بسرعة:
“لأنه محترم.”
فضحكت مرات أخوها بصوت أعلى.
“كل البنات بيقولوا كده في الأول.”
مريم نزلت عينيها.
وقلبها بدأ يقلق فعلًا.
لأن ده مش شبه ياسر.
مش شبه كلامه.
مش شبه نظراته.
لكن الوقت كان بيمر.
ومافيش حد بيخبط الباب.
مرات أخوها استغلت صمتها أكتر.
وقالت ببرود:
“أنا قلتلك من الأول.”
“…”
“الرجالة لما تعجبهم بنت يقولولها كلام حلو.”
“…”
“وبعدين يختفوا.”
رفعت حاجبها بسخرية.
“واضح إنه خلص تسلية.”
في اللحظة دي…
حست مريم إن دموعها قربت تنزل.
لكنها منعتها.
بالعافية.
وقالت بصوت مهزوز:
“هو مش كده.”
وفي مكان آخر…
كان ياسر جالس على كرسي المستشفى.
ملابسه ملطخة بدم صديقه.
وعينيه مثبتة على الأرض.
لا يعرف أن هناك فتاة…
تنتظر قدومه.
وتدافع عنه أمام الجميع.
بينما هو في تلك اللحظة…
كان يحاول فقط استيعاب خبر وفاة أقرب شخص إليه.
عدّى أسبوع…
ثم أسبوع تاني.
والجامعة رجعت لحياتها الطبيعية.
المدرجات اتملت.
المحاضرات رجعت.
والطلبة بقوا بيتكلموا عن الامتحانات والمشاريع كأن الدنيا ما وقفتش يوم.
لكن بالنسبة لمريم…
الدنيا كانت واقفة.
كل يوم تدخل الجامعة.
تبص على باب المدرج.
يمكن ييجي.
يمكن تشوفه.
يمكن تعرف ليه اختفى.
لكن الكرسي كان دايمًا فاضي.
في اليوم العاشر…
كانت خارجة من المكتبة.
وشها شاحب من قلة النوم.
وقلبها تعبان من كتر التفكير.
وفجأة…
شافته.
واقف بعيد عند مبنى هيئة التدريس.
لابس أسود.
أنحف من آخر مرة شافته فيها.
وعينيه…
كانت مختلفة.
كأن الحزن سرق منها أي حياة.
اتجمدت مكانها.
وقلبها بدأ يدق بعنف.
“دكتور ياسر…”
همستها خرجت لوحدها.
ياسر رفع عينه.
وشافها.
ولأول مرة…
ما ابتسمش.
ولا حتى حاول.
مريم قربت منه ببطء.
“حضرتك كويس؟”
سؤال بسيط.
لكنها كانت تقصد حاجات كتير.
كويس بعد اللي حصل؟
كويس بعد اختفائك؟
كويس بعد ما سيبتني مستنية؟
ياسر سكت.
وبعدين قال بهدوء:
“الحمد لله.”
لكن صوته كان بيقول عكس كده.
مريم بلعت ريقها.
“أنا كنت قلقانة عليك.”
رفع عينه لها.
ولثانية…
ظهر وجع كبير جدًا في ملامحه.
ثم اختفى.
“مريم…”
صوته كان غريب.
بارد.
رسمي.
كأنه بيتعمد يحط حواجز بينهم.
قلبها انقبض.
“نعم؟”
ياسر أخد نفسًا عميقًا.
وكأنه داخل حرب.
ثم قال:
“أنا مش هقدر أكمل موضوع الجواز.”
الصمت.
مريم رمشت.
مرة.
واتنين.
كأن عقلها رافض يستوعب.
“إيه؟”
خرجت منها بصوت خافت.
ياسر نزل عينه.
“مش هينفع أتجوز.”
“بس…”
الكلمة خرجت مكسورة.
“إنت اللي…”
“عارف.”
قاطعها بهدوء.
“وأنا آسف.”
آسف.
كلمة واحدة.
بس كانت كفيلة تهد جبل كامل فوق قلبها.
مريم حست إن الأرض بتسحب نفسها من تحت رجليها.
“هو… أنا عملت حاجة غلط؟”
ياسر رفع رأسه بسرعة.
“لا.”
قالها فورًا.
وبصدق.
“إنتِ معملتيش أي حاجة.”
“طب ليه؟”
سألتها والدموع بدأت تلمع في عينيها.
“ليه؟”
ياسر سكت.
لأنه ما كانش يقدر يقول الحقيقة.
فقال الجملة الأسهل.
والأقسى.
“مش مناسبة.”
الدمعة نزلت من عين مريم.
رغم محاولتها تمنعها.
“مش مناسبة؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة…
موجوعة.
“بعد ما طلبت تتقدم؟”
ياسر حس قلبه بيتقطع.
لكن أجبر نفسه يفضل ثابت.
“سامحيني.”
مريم ضحكت.
ضحكة باهتة.
مكسورة.
“غريبة.”
“مريم…”
“أصل كل مرة أصدق إن فيه حد اختارني…”
نزلت دمعة جديدة.
“…أكتشف إنه كان غلطانة.”
ياسر قفل عينه للحظة.
لأن كل كلمة كانت بتطعنه.
ثم فتحت مريم شنطتها.
وأخرجت ورقة صغيرة.
كانت محتفظة بيها من يوم كلامه معاها.
ورقة كتبت فيها أحلامها.
حياتها الجديدة.
بيتها.
مستقبلها.
بصت لها ثواني.
ثم مزقتها قدامه.
ياسر اتجمد.
أما هي…
فرفعت رأسها.
ومسحت دموعها.
وقالت بصوت مرتعش:
“متقلقش يا دكتور.”
سكتت.
ثم أكملت:
“مش هزعجك تاني.”
واستدارت.
ومشت.
أما ياسر…
ففضل واقف مكانه.
يتفرج على رحيلها.
ويشعر لأول مرة…
أنه فقد شخصًا ثانيًا.
بعد مقتل رحيم.