فرح مين؟ هو حضرتك ناوي تتجوز؟ حضرتي ناوي أفرح بيكِ... يوسف عاوز يعمل فرحه مع أخته؟ شهقت فرح بصدمه وقالت: لأ طبعًا يا جدو بابا عمره ما هيوافق. سند الجد ظهره للخلف قائلًا: باباكِ موافق. فتحت فاها بصدمه وقالت: يبقى ماما مش هتوافق. قطب جبينه وقال: أمك موافقه! شهقت بصدمة أشد. هبت واقفة وهي تقول: يبقى أنا اللي مش هوافق أنا مستحيل أتجوز دلوقتي أنا هبدأ امتحانات الميد ترم بعد بكره وهقعد أمتحن لشهر قدام.
امتحانات إيه هو إنتِ فالحه في حاجة؟ أنا نفسي ألاقيلك حاجة كده متميزة فيها مش لاقي، ده إنتِ أفشل خلق الله. ابتسمت ابتسامة صفراء قائلة: ده كتير عليا والله... كل المدح ده عشاني! ضحك الجد وقال: يلا يا أم لسان طويل البسي وروحي مع جوزك واعملي حسابك الفرح الأسبوع الجاي. ابتلعت ريقها وقالت: بس أنا فعلًا مش جاهزة تقدر تقولي فين جهازي و... وفين فستان الفرح؟ جهازك كله جاهز في الأوضة اللي فوق أنا مجهزاه بنفسي من زمان.
وأردف وهو ينهض مُنهيًا الحوار: وفستان الفرح أمك اختارته امبارح والكوافير يوسف حجزه يعني كل حاجه جاهزة. صفقت بيدها وقالت بسخرية: الله الله ده أنتوا رتبتوا كل حاجه من غير حتى رأيي! حملقت أمامها لبرهة وقالت بوعيد: ماشي يا شهناز. ثم هرولت لأعلى وهي تنادي والدتها. دخلت للمطبخ تبحث عن والدتها وعندما لم تجدها أفرغت غضبها في إخراج الأواني من المطبخ وقذفها بالأرض لتصدر ضجيج مرتفع.
سمعت والدتها الضجيج وهي تدخل من باب الشقة فهرولت نحو المطبخ وهي تصيح: يا بنت حرام عليكِ أنا لسه مخلصة ترتيب الحلل! عاوزاني أتجوز يا شهناز زهقتي مني خلاص. حاولت شاهيناز سحبها لتتراجع عما تفعل وهي تقول: إنتِ هبلة يا بنت مالك ومال الحلل! وقفت فرح بعد أن أخرجت آخر وعاء بالمطبخ ورجعت بجزئها العلوي للخلف ثم صفقت بيديها كأنها تردح: مهي الحلل ده أكتر حاجة توجعك يا شهناز يا مرات أبويا.
اتجهت فرح لمكان الأطباق ودفعتها بالأرض بعنف فأصدرت ضجيجًا مرتفعًا وأخيرًا تنفست بعمق وهي تقول بارتياح: بس كده مطبخك كله أهو بقى على الأرض. صرخت شاهيناز بقوة، فركضت فرح بأرجاء الشقة وهي تقول: اعقلي يا ماما. هو إنتِ خليتِ فيا عقل يا بنت هشام. قذفت شاهيناز الحذاء صوب فرح ففتحت فرح يدها والتقطته ببراعة وقفت فرح بشموخ قائلة بابتسامة سمجة: فعلًا لما تنشني لازم تنشني صح... برافو يا شوشو.
صرخت شاهيناز وركضت خلفها أرادت تفريغ شحنة غضبها بأي وسيلة، ركضت فرح لتدخل غرفتها وأغلقت الباب ثم أخرجت رأسها من الباب قائلة: أسيبك بقى ترتبي مواعينك وألبس عشان أروح مع قرة عيني عزال أخته. انحنت شاهيناز لتحمل حذائها مجددًا وقذفه نحوها فأغلقت فرح باب الغرفة قائلة: تؤ تؤ يا خسارة معرفتيش تنشني يا شوشو. ارتدت فرح فستانها لتخرج مع يوسف، نظرت لنفسها بالمرآة وخاطبت حالها بنبرة مسموعة: طيب بذمتك مش بتحبيه؟
تنهدت بعمق وردت على نفسها: حتى لو بحبه مش لدرجة أتجوزه يعني! زفرت بحنق قبل أن تفتح باب غرفتها وتخرج وما أن أغلقته خلفها حتى أبصرت والدتها تقف على بابها حاملة بيدها سلك طويل وواضح أنها تنوي على كل خير، ابتسمت فرح ابتسامة صفراء قائلة: مالك يا ماما يا حبيبتي واقفة كده ليه؟! رفعت شاهيناز السلك وضربتها على ظهرها فتأوهت فرح وهي تتحسس ظهرها قائلة بألم: آه... بيلسع يا ماما. ردت شاهيناز بغضب عارم: ما أنا عارفة يا روح أمك.
ركضت فرح أمام والدتها صارخة، ولم تتركها شاهيناز بل أخذت تضربها مرة بعد الأخرى وفرح تصرخ أمامها، ليقاطعهما دوي جرس الباب ودخول نوح، ركضت فرح مسرعة نحوه وتتبعها والدتها التي تقول: ده أنا هجوزك الصبح عشان أرتاح منك. فرح لاهثة: نوح أبوس إيدك وديني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه. ضحك نوح وتنحنح وهو ينظر ليوسف الذي يقف جواره ثم قال: اتفضل ادخل يا يوسف. نظرت شاهيناز ليوسف قائلة: تعالى يا يوسف إنت مش غريب يا حبيبي....
لازم تشوف اللي هي عملته. أصرت شاهيناز على يوسف أن يتبعها للمطبخ وأخذت تشير للأواني المبعثرة قائلة: كل ما الأستاذة تلاقي نفسها متوترة تدخل تقلب لي المطبخ بالشكل ده! ابتسم يوسف ثم رمق فرح في سرعة وهي منكسة الرأس بخجل وقال: ربنا يطمنك يا طنط. صحيح اللي أنا سمعته ده يا حنان يوسف هيجوز البنت دي الأسبوع الجاي؟ قالتها حبيبة بكثير من الحزن والأسى بعد أن فتحت لها أختها باب الشقة ودخلت كاللص الهائج، فقالت
حنان بنبرة هادئة لتطمئنها: يا بنت كام يوم وهيطلقها وهيخلالك الجو. زمت حبيبة شفتيها بحنق وقالت: أنا مش مرتاحة للبنت دي شكلها مكارة وهتاخده مني! خطّافة الرجالة دي! قالت حنان بتهكم: يعني هو ميت عليكِ يا حزينة ده ما بيبصش في وشك... ما إنتِ اللي حاسبة مش عارفة تلفتِ نظره ليكِ! حين شعرت حنان بحزن أختها أردفت: ما تقلقيش أنا هتصرف اصبري واتفرجي. عقبت حبيبة بسرعة: هتعملي لها عمل؟! نظرت للفراغ بحقد قائلة:
لأ أنا مش عاوزة أروح السكة دي دلوقتي أنا هعملها الأصعب من العمل لحد ما تطلب الطلاق بنفسها! طيب قوليلي ناوية على إيه وأنا أساعدك. هقولك أنا ناوية على............... ركبت فرح خلف يوسف الدراجة النارية وهي تهمهم بكلمات لم يسمعها. ظل صامتًا فقطعت فرح الصمت قائلة: أنا عايزة أعرف إنت عاوز مني إيه؟ عاوز منك إيه؟! حد قالك إني عايزة أروح العزال...
وكمان تطلب الجواز يبقى الأسبوع الجاي من غير ما تاخد رأيي حد قالك إني عايزة أتجوز دلوقتي؟ لم يرد عليها وأكمل طريقه إلى أن لاحظ خلو الطريق من المارة فأوقف الدراجة والتفت إليها يقول: فرح إنتِ ما عندكيش أي مشاعر ناحيتي يعني مش متقبلة وجودي في حياتك! أشاحت بصرها عنه وتلعثمت: حضرتك شخص محترم وأي واحدة تتمنى شريك حياة زيك بس... قاطعها قائلًا بنبرة هادئة: بس أنا مش عايز أي واحدة يا فرح أنا عايزك إنتِ.
كان يحدق بملامحها ليتفرس رد فعلها، وحين طال صمتها استطرد: تقبلي تتجوزيني يا فرح؟ ازدردت ريقها بتوتر وعدلت من وضعية نظارتها كعادتها عندما ترتبك ثم أومأت رأسها وهي تقول: طالما جدي قرر وبابا وافق أنا ماليش إني أعترض! يعني إنتِ موافقة تتجوزيني عشان جدك وباباكِ بس!! عدلت من طرف حجابها بتوتر وأخفضت بصرها قائلة بجدية: بص يا دكتور أنا معرفش حضرتك بس اللي أقدر أقولهولك إني ممكن آآ...
ابتلعت باقي كلماتها حين رفعت عينيها عن الأرض فوجدته يحدق بها مبتسمًا. فقال من بين ابتسامته: أنا عايز منك إجابة بكلمة واحدة أيوه أو لأ! ... موافقة نتجوز؟ أومأت رأسها بإحراج قائلة: أيوه. استدار وهو يقول: ماشي يا فرح يعني مبدئيًا موافقة على الجواز والحب كده كده هييجي. كان يتحدث بثقة كبيرة. تنهدت فرح بارتياح حين قام بتشغيل محرك الدراجة وانطلق نحو شقة أخته على الأقل ستهرب من نظراته الآن!
مر اليوم هادئ بدون أحداث كثيرة سوى أنها جلست قليلًا معهم وأخذها نوح للبيت مرة أخرى. وفي اليوم التالي كان حفل كتب كتاب نوح ومريم بعد أن اتفقوا على تقديم كتب كتابهم حتى يستطيعوا التجهيز لزفاف فرح المفاجئ. ارتفعت أصوات الزغاريد. ابتسمت فرح وتذكرت حالتها فقد كُتب كتابها بطريقة عجيبة فكانت تمضي الأوراق بينما تلتهم ثمرة الجزر بدون أي مشاعر، تنهدت بحيرة وخرجت من المكان، كان يوسف يتابعها بعينيه فتتبعها. مبروك لنوح.
انتفض قلبها عند سماع صوته نظرت خلفها وعقبت بنبرة هادئة: الله يبارك فيك. مسح شعره وهو يقول بابتسامة: إحنا محتاجين نعيد كتب الكتاب بتاعنا تاني. تصدق فعلًا. قالتها بابتسامة ووقفت جواره صامتة حتى أتى والدها ووقف جوارهما. وبعد مرور أسبوع وفي يوم الزفاف استيقظت فرح من نومها فتحت عينيها ونظرت لساعة الحائط التي كانت العاشرة صباحًا، ستنهي امتحانها وتذهب لصالون التجميل ثم بعدها لبيته أو بيتها الجديد.
هبت واقفة فجأة لكن انتابتها تلك الحالة والدوخة مجددًا، وضعت يدها على رأسها وسندت يدها على الحائط تلك الحالة التي بدأت تشعر بها مؤخرًا كلما قامت من مكانها. وقفت لدقيقتين حتى عاد لها توازنها فلا بد من الوصول للجامعة خلال نصف ساعة لامتحان الميدترم. ارتدت ثيابها مسرعة وخرجت من غرفتها فوجدت والدتها في المطبخ مع خالتيها، هتفت وهي ترتدي حذائها: أنا ماشية يا ماما عشان عندي امتحان. خرجت والدتها من المطبخ قائلة:
طيب استني افطري. عقبت فرح وهي تفتح الباب: لأ ماليش نفس همتحن وأجي على طول عشان أفطر قبل ما أروح الكوافير. خرجت خالتها من المطبخ مع زغرودة ثم قالت: دي زغرودة الامتحان يا بنت يا فرح إن شاء الله هيكون سهل. ابتسمت فرح قائلة: يا رب يا خالتو. خرج نوح من غرفته وناداها قائلًا: استني يا فروحة أنا رايح عند الجامعة اركبي معايا. طيب يلا بسرعة عشان الامتحان كمان نصف ساعة. خرج معها مسرعًا وأثناء الطريق نظر لها
وهي منشغلة بالمذاكرة وهتف: فرح. ردت بدون أن ترفع عينها عن الكتاب: نعم. رمقها في سرعة ثم نظر أمامه قائلًا: إنتِ مبسوطة؟! موافقة على الجوازة دي؟ ابتسمت قائلة: حتى لو ما وافقتش، خلاص كل حاجة اتحددت وأنا لا يمكن أكسر كلمة بابا وجدو. سألها نوح: يعني إنتِ مش موافقة على يوسف؟! على فكرة يوسف شاب محترم ومتربي وصدقيني هيحافظ عليكِ. ابتسمت وقالت ساخرة: الكلام ده متأخر أوي يا نوح لأنه أصلًا بقى زوجي.
كبرتِ يا فرح بجد مش مصدق إن النهارده فرحك. نظرت له فرح قائلة بقلق: ولا أنا والله مصدقة أنا قلقانة ومتوترة أوي. نظر لها مطمئنًا وقال: ما تقلقيش يا قلبي هتبقي أجمل عروسة. انتهت من امتحانها وخرجت من المدرج، جلست على الدرج أمام الكلية، حتى سمعت اسمها من بين شفتي أحدهم: "آنسة فرح... لو سمحتِ"
استدارت تنظر لذلك الشاب الذي يهتف باسمها، فقد كانت تجلس على الدرج لتتأكد من إجابتها في الاختبار والتي كان معظمها خطأ زفرت بحنق من هذا الشاب الذي يتابعها منذ وصولها للجامعة وهتفت ببعض الحدة: نعم! عقب بابتسامة: ممكن أراجع معاكِ الامتحان؟ زمت شفتيها بحنق قائلة: لأ لأني مش فاضية!
قامت من مكانها لتعود لبيتها لكن تلك الدوخة انتابتها مجددًا، فسندت يدها على الجدار جوارها تنتظر ليعود اتزانها ككل مرة لكن طالت تلك الحالة وظلت واقفة مكانها لفترة، وعندما لاحظ الشاب حالتها هتف: إنتِ كويسة يا آنسة فرح؟! أومأت دون أن تنبس بكلمة، فرآها يوسف الذي حدق بها زامًا جفونه بتركيز لعله يعرف ما أصابها! ومن هذا الشاب الذي يقف قبالتها؟ ثم اتجه صوبها مسرعًا ليصل لمسمعه حديث ذلك الشاب الذي قال: آنسة فرح مالك؟!
حدجه يوسف بنظرات غاضبة وضغط على أسنانه قائلًا: مدام فرح مش آنسة. تلعثم الشاب قائلًا: متأسف ما كنتش أعرف... هو حضرتك قريبها يا دكتور؟ اومأ يوسف متحدثًا بجدية: -أيوه أنا زوجها. تلعثم الشاب من صدمته: -ا... طيب بعد إذن حضرتك.. رمقه يوسف بابتسامة سمجة، فقد رأى سهام تلك النظرات التي يرمي بها نحو فرح. من ناحية أخرى عاد الشاب لصديقه وهو يزفر بغضب قائلًا: -يا عم دا طلعت متجوزة ومش متجوزة أي حد دا متجوزة الدكتور!
ضحك الشاب الآخر قائلًا: -طلعها من دماغك بقى يا حلو! -مش قادر البت دي عجباني أوي يا أحمد! تنفس يوسف بعمق ونظر لفرح التي أغمضت عينيها وسندت بكل جسدها على الحائط وهتف قائلًا بلهفة: -مالك يا فرح؟! ردت بتعب: -مش عارفه دايخة ليه! سندها يوسف فرمت جسدها عليه بعدم اتزان ليبدأ الطلاب يرمقونهم مصدرين همهمات وضحكات خافتة. لم يأبه لكل النظرات حولهما وسندها لفترة حتى استعادت اتزانها وابتعدت عنه قائلة:
-تقريبًا الدوخة دي عشان خرجت من غير فطار! دقق النظر لها بقلق وقال: -ليه كدا يا فرح، آخر مرة تخرجي من غير فطار وبعد كدا أنا اللي هفطرك بنفسي. ابتسمت ولم تعقب فأردف هو: -يلا عشان أوصلك.. -متقوليش إن إنت معاك المكنة "الدراجة النارية" ابتسم قائلًا: -للأسف هتضطري تركبي ورايا. ابتسمت قائلة: -أنا أصلًا متوترة لوحدي ومش حمل أي توتر تاني. -متوترة ليه بس متقلقيش إن شاء الله كله خير. استغفروا
"يمضي الوقت كأنه موجة غادرة؛ تظنها هادئة بينما هي تسحب الرمل من تحت قدميك ببطء، حتى تجد نفسك فجأة في عرض البحر، بعيدًا جدًا عن شواطئ الطفولة وضحكات الأمس... وقفت فرح تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة وتتساءل كيف مضى العمر هكذا!! تزينت بالمكياج الخفيف وارتدت فستانها الأبيض الرقيق، لا تعلم لم تشعر بغصة تتلوى بحلقها فهي الآن عروس!! لم تخطط يومًا لمثل هذا اليوم وكأنها اعتقدت أنها لن تتزوج أبدًا لكنه تقدير الله.
كم كانت تتمنى حضور حفل زفاف بالريف لكن لم تتخيل أن أول حفل ستحضره هو حفل زفافها! حسنًا فلا تريد البكاء الآن؛ حتى لا ينتزع مكياجها. تنفست بعمق وزفرت الهواء من رئتيها حتى قاطعها قول يسر: -العريس وصل. اقترب كل عريس ليأخذ عروسه... سألها يوسف: -إيدك بترتعش يا فرح إنتِ كويسة؟ ازدردت ريقها بتوتر وأجابته: -مفيش بردانه شوية. وبعد زفة سيارات تتعانق فيها أصوات أبواق السيارات المتناغمة؛ وصلت فرح أمام بيتها الجديد،
عانقتها والدتها وقالت: -هتوحشيني يا شقية... نظرت شاهيناز ليوسف والدموع تفيض من بين أهدابها وأردفت: -دي أمانة عندك يا يوسف خلي بالك منها. -في عينيا يا طنط. لم تستطع فرح كبح دموعها ولا السيطرة على شهقاتها التي خرجت من فمها وهي تتشبث بيد والدتها وتقول: -لا يا ماما مش عايزة أتجوز خدوني معاكم بالله عليكِ. ونظرت فرح ليوسف: -أرجوك سيبني أرجع معاهم أنا مش عايزة أتجوز خلاص. كبح والدها دموعه وضمها ليربت على ظهرها قائلًا:
-اطلعي يا فرح مع جوزك الله يهديكِ.. نظر لزوجته قائلًا بنبرة مهزومة: -يلا يا شاهيناز. -لا يا بابا متسيبنيش هنا أنا خايفة.... يا بابا أنا خايفة أوي. ضغطت جملتها ذر حزنه فتدفقت الدموع على وجنتيه، لم يستطع والدها كبح دموعه لم يلتفت لها فلو نظر لها مرة أخرى قد يضعف ويأخذها معه لبيته غير آبه لأي شيء. اقترب منها نوح عانقها وربت على ظهرها بحنان قائلًا بابتسامة مرحة: -متعيطيش يا بت أنا مش ماشي أنا هبات معاكم النهاردة...
اقترب يوسف ليمسك يدها فسحبتها في سرعة كأنها تعاقبه لأنه أخذها من أهلها! حملها نوح بخفة قائلًا بمرح: -إيه رأيك بقى أنا اللي هشيلك وأطلعك الشقة بنفسي... حملها نوح حتى فراشها قبض على يدها الباردة كالثلج، ومسح دموعها بأصابعه وقال: -إهدي يا فرح إنتِ مش طفلة صغيرة دا بقى بيتك واللي بره ده جوزك.. هتفت من خلف دموعها بصوت متحشرج: -متقوليش بيتي ومتقوليش جوزي... بالله عليك خدني معاك يا نوح...
تنهد نوح بألم من حالة أخته تلك ووقف قائلًا: -مينفعش يا فرح... مينفعش اهدي بقى بالله عليكِ متوجعيش قلبي. أردف بعد زفرة: -أنا همشي يا فرح وهجيلك الصبح... خلي بالك من نفسك. هبت واقفة ومسكت يد نوح قائلة برعب: -متسيبنيش معاه لوحدي بالله عليك. أفلت نوح يده من بين يديها وقال: -يوسف راجل يا فرح وأنا عارف إني سايب أختي مع راجل محترم هيحافظ عليها. قبلها من مقدمة رأسها وقال: -تصبحي على خير يا فروحة...
تركها تبكي وخرج من الغرفة وهو يرمقها بإشفاق، سالت الدموع من عينيه ونظر ليوسف قائلًا: -بالله عليك تاخد بالك منها يا يوسف. ضمه يوسف قائلًا: -والله في عينيا يا نوح. وبعد أن خرج الجميع وقفت فرح بهلع تنتظر دخوله لغرفتها، نظر لها يوسف قائلًا: -ممكن تهدي بقى يا فرح عشان لازم نتكلم. كانت تتنفس بعنف وتشهق بالبكاء وهي تقول: -أرجوك سيبني دلوقتي... أخرج وسيبني شوية، لو سمحت... قالت آخر كلمتين وهي تضغط عليهما.
اقترب منها فزجرته وعادت خطوتين للخلف هادرةً: -قولتلك سيبني لوحدي. -يا بنتي اهدي إنتِ خايفة من إيه والله ما هعملك حاجة. اقترب مجددًا فعادت للخلف بخوف وهي تمسح دموعها وتقول: -لو سمحت متقربش واطلع بره... تركها وخرج من الغرفة متمتمًا: -هي ليلة باينة من أولها! استغفروا خرج ليجلس بالغرفة الأخرى ليتركها تهدأ، فمسحت فرح دموعها وهدأت قليلًا... نظرت لنفسها بالمرآة قائلة: -أنا جعانة أوي.
خرجت من الغرفة وبحثت عن المطبخ حتى وصلت إليه ودخلت تبحث عن طعام فقاطعها صوته: -بتعملي إيه يا فرح؟ وضعت يدها على صدرها قائلة: -حرام عليك خضتني.. وتلعثمت: -أنا بأكل مأكلتش من الصبح. سند يده على جدار المطبخ ورفع إحدى حاجبيه قائلًا: -اللي يشوفك بتعيطي من شوية يقول هتدخلي في نوبة اكتئاب حاد. مضغت الطعام وهي تقول: -يعني أكتئب على معدة فاضية! حرك يديه قائلًا بسخرية: -لا طبعًا ميصحش. تركها تأكل وخرج متمتمًا:
-دا انفصام في الشخصية رسمي. كانت تقف بفستانها تلتهم الأكل باستمتاع، دخل يوسف غرفته ليبدل ملابسه ثم عاد إليها ليتفاجأ أنها ما زالت تأكل فقال متعجبًا: -إنتِ هتقضي الليل كله بتاكلي ولا إيه؟ كان فمها ممتلئًا بالطعام فردت قائلة بصوت مكتوم: -بصلي بقى في الأكل بقى! ضحك قائلًا: -طيب ممكن أكل معاكي؟ سحبت الأكل نحوها وهي تقول: -أنا بحب الحمام عشان كدا هاكله كله. زم شفتيه بغضب مصطنع: -طيب هاكل أنا من البط وأمري لله. سحبت
وعاء الطعام الآخر قائلة: -أنا بحب البط برده وهاكله. وضع يده حول خصره قائلًا: -طيب وأنا أكل إيه؟ بلعت ما بفمها من طعام وهتفت: -شوف أمك عملتلك أكل إيه وكله إنما الأكل دا كله أمي اللي عملاهولي. ضحك قائلًا: -أنا أمي معملتش غير عصير. هزت رأسها قائلة: -خلاص تمام... اشرب عصير. ضحك وهو يسحب الأكل من أمامها ويأكل وهو يقول: -لذيذ فعلًا بصي احنا هنقسمه بالنص. هزت عنقها باستنكار وقالت وهي تمضغ الطعام:
-قال الأكل من عند أبونا والغرب بيقاسمونا. انفجر يوسف بالضحك قائلًا: -بصي متحاوليش لأني هاكل يعني هاكل. تركته فرح مبتسمة واتجهت للحوض لتغسل يديها قائلة بجدية: -أنا بهزر معاك يا دكتور الأكل كله تحت أمرك أنا شبعت. تركته يأكل ودخلت غرفة النوم، وعندما يئست أن تنزع الفستان لحالها اتجهت للمطبخ تبحث عنه فوجدته يشرب عصير، قالت: -حضرتك سمعت كلامي وشربت عصير ولا إيه؟! -لا متقلقيش أنا قمت بالواجب وأكلت وقلت أحلى..
ابتسمت ولم تعقب وظلت واقفة تنظر إليه للحظات ثم تنحنحت بإحراج قائلة: -دكتور هو أنا ممكن أطلب من حضرتك طلب؟ زفر بقوة قائلًا بامتعاض: -يا ريت تشيلي الألقاب يا فرح اسمي يوسف وبدلي حضرتك بإنت وكدا يبقى زي الفل... -اعذرني أنا مش عارفة أشوفك غير الدكتور بتاعي بس أكيد هتعود يعني. -طيب اتفضلي اطلبي. تنحنحت وحكت أنفها وهي تنظر أرضًا قائلة: -ممكن تخلعني الفستان عشان اتخنقت منه ومش عارفة أخلعه!
-أنا مبعملش حاجة ببلاش شوفي هتديني إيه بالمقابل؟ -بس أنا معيش فلوس خالص حتى موبايلي نسيته في البيت! ابتسم وأخذ يساعدها بفك فستانها وحجابها فهتفت قائلة: -بس يا دكتور شكرًا لحد كدا وأنا هكمل... أومأ وانتبه لهاتفه الذي أضاء برقم عمه، نفخ بحنق وخرج من الغرفة ليرد عليه وبعد السلام قال سليمان: -أنا نقلت الشقتين باسمك زي ما اتفقنا ولما تطلقها الأراضي كلها هترجعلك... -ماشي يا عمي. -مبروك يا عريس. قالها عمه بسخرية، وأطلق يوسف
ضحكة كالزفرة قبل أن يرد: -الله يبارك فيك. أغلق الهاتف ثم قذفه جانبًا، سرعان ما تبدل تهكمه لفرحة وتنهد بارتياح قائلًا: -على الأقل بقى عندي بيت.... ماشي يا عمي... استلقى على الفراش ليرتاح قليلًا لحين انتهاء فرح مما تفعل وجذبه النوم.. على جانب آخر ارتدت منامتها الشتوية وفردت شعرها الكيرلي البني الفاتح والمشذب بعناية ليدفئ عنقها كما تقول دائمًا!
بحثت عنه فوجدته مستلقيًا على السرير بحجرة أخرى تحتوي على سريرين ومكتب صغير ودولاب صغير... دخلت الغرفة تتسلل على أطراف قدميها ولوحت بيدها أمام وجهه لتتأكد أنه نائم، جلست جواره على طرف الفراش الآخر بهدوء شديد واستلقت في محاولة فاشلة للنوم سرعان ما نهضت مجددًا بهدوء وجلست أمام التلفاز تقلب بين قنواته بملل شديد وبعد ما يقرب من ساعة همست لحالها: -مفيش حاجة هتضيع الملل ده إلا الأكل!
دخلت المطبخ وبحثت عن مسحوق القهوة التي أوصت والدتها بإحضاره فجذب انتباهها ذرة الفشار ابتسمت بسعادة وهي تأخذه، بحثت بين الأواني ثم أشعلت البوتاجاز لصنع القهوة والفشار... وبعد فترة كانت تجلس أرضًا وبجوارها وعاء الفشار وعلى الطاولة أمامها كوبين من القهوة... -قفشتك بتعملي إيه؟ أجفلت أثر صوته، وضعت يدها على صدرها قائلة: -للمرة التانية بتخضني ابقى كح أصل أنا كدا هقطع الخلف...
-حاضر المرة الجاية هكح عشان عاوزك تمليلي البيت ده كتاكيت... ابتسمت بحرج ولم تعقب فسألها: -بتعملي إيه بقى؟! قالت بحماس: -بسمع فيلم تعالى اتفضل بيتك ومطرحك... على فكرة عملتلك قهوة معايا وعملت حسابك في الفشار. -كدا خبط لزق من غير ما تاخدي رأيي؟! -وإنت يعني إنت كنت أخدت رأيي في حاجة دا حتى الفستان جايبه على ذوقك. ابتسم ورفع إحدى حاجبيه وهو ينظر لها: -بتردهالي يعني! أومأت قائلة بسخرية لطيفة: -آه بردهالي يعني...
جلس جوارها أمام التلفاز وران عليهما الصمت، وكانت يسترقان النظر لبعضهما من حين لآخر فقطع يوسف الصمت قائلًا: -ممكن أسالك سؤال؟ -لأ مش ممكن؟ ابتسم وسألها بكل هدوء وكأنها سمحت له: -هو إنتِ ليه ملبستيش طرحة؟! لمست شعرها وهي تقول بقلق: -شعري مش عاجبك! -لا مش قصدي كدا... يعني أنا بصراحة توقعت إنك هتلبسي عباية وطرحة وفوقيهم إسدال إحراجًا مني يعني! ضحكت قائلة: -جدع متتوقعش تاني بقى... ضحك هو الآخر قائلًا:
-لسانك طويل أوي يا فرح. وضعت يدها على فمها لتكتم ضحكتها قائلة: -هي دي مشكلتي فعلًا! خيم الصمت عليهما مجددًا فقطعته هي قائلة: -صحيح يا دكتور بما إنك متعود على القاهرة حاسس نفسك غريب هنا؟! أصل أنا بحس بالغربة هنا أوي! هز رأسه بالنفي وقال بمكر: -أنا الغريب بأرضٍ لا أراكِ بها.
ارتبكت وعادت تأكل بصمت وهي تتظاهر بانشغالها بالفيلم، فابتسم بمكر وشاركها الأكل وبعدما فرغ وعاء الفشار قررت أن تنتهز الفرصة وتهرب من نظراته بأخذ الوعاء للمطبخ. حاولت رفعه عن الأرض فلم تستطع، وهنا أدركت حجم الكارثة وضحكت ببلاهة وهي تبدل نظرها بينه وبين الوعاء قائلة: -الحلة لزقت في السجادة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!