تحميل رواية فرصة ثانية بقلم ملك عبد الله احمد pdf
بقلم ملك عبد الله احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
' إيه اللي يخلي جوزك يسيبك تالت يوم من فرحكم، ويسافر ويغيب سنة كاملة وما يرجعش لحد دلوقتي؟ — أصل مغصوب على الجواز. — مغصوب؟! هو فيه راجل بيتغصب يا هنا؟!! — آه عشان يرضّي أهله. — طب وإنتِ ساكتة ليه ده كله؟ مش حقك تعيشي حياتك؟ ليه ظلمتي نفسك؟ — أصل هو انظلم… حبيبي انظلم، فقررت أتظلم وأتقهر أنا كمان. — مش فاهماكِ إنتِ بتقولي إيه؟! افهمي مفيش راجل بيتغصب على واحدة ست. ده تلاقيه اتجوز هناك وخلف كمان، وراميكِ هنا! ما تقنعينيش إن فيه راجل يتحمّل ده. إنتِ اللي هبلة وستين هبلة كمان! مستنية لحد ما ييجي لك...
رواية فرصة ثانية الفصل الأول 1 - بقلم ملك عبد الله احمد
' إيـه اللي يخلي جوزك يسيبك تالت يوم من فرحكم، ويسافر ويغيب سنة كاملة وما يرجعش لحد دلوقتي؟
— أصل مغـصوب على الجواز.
— مغـصوب؟! هو فيه راجل بيتغصب يا هنا؟!!
— آه عشان يرضّي أهله.
— طب وإنتِ ساكتة ليه ده كله؟
مش حقك تعيشي حياتك؟ ليه ظلمتي نفسك؟
— أصل هو انظلم…
حبيبي انظلم، فقررت أتظلم وأتقهر أنا كمان.
— مش فـاهماكِ إنتِ بتقولي إيه؟!
افهمي مفيش راجل بيتغصب على واحدة ست.
ده تلاقيه اتجوز هناك وخلف كمان، وراميكِ هنا!
ما تقنعينيش إن فيه راجل يتحمّل ده.
إنتِ اللي هبلة وستين هبلة كمان!
مستنية لحد ما ييجي لك وهو معاه مراته وابنه؟!
بصّتلها بتشتّت ودوشة راسي بدأت.
دوشة ما بتهدأش، وأصوات غريبة جوايا
كنت بتحمّل لحد ما فاض بيا.
— يا نهلة افهمي أنا مين!
مين أنا عشان أتحكم وأقول له يعمل إيه وما يعملش إيه؟
أنا اتولدت في دنيا مليش فيها أهل.
كنت نتيجة علاقة جواز انتهت بالانفصال
أب وأم، كل واحد اختار حياته وقرر يبنيها بعيد،
وأنا فضلت مع جدي يربّيني ويتحمّل مسؤوليتي.
أمي مـ'اتت
وأبويا مـ'ات
وأنا أعرف اسمهم بس.
لا أعرف شكلهم، ولا أعرف هم مين.
والموضوع عمره ما كان فارق معايا.
سبحان الله لا جوايا كره ليهم، ولا حتى محبة.
عادي زيهم زي أي اتنين في الحياة.
جدي لما اتحمّل مسؤوليتي ما كانش حبًّا فيَّ ولا خوفًا عليَّ هو بس لقى نفسه وحيد.
ولاده كلهم اتجوزوا، ومراته توفّت، فقال يبقى فيه حد يخدمه لما يكبر.
ما قساش عليّا عارفة.
لكن عمري ما شفت نظرة حب ليّ زي باقي أحفاده.
رغم إني حفيدته… عـادي.
بس اتعلمت حاجة
إن اللي يقدملك حاجة… قدم له زيها.
حد قدملك الحب؟ قدّم له الحب.
قدّم لك الكره؟ قدّم له الكره.
قدّم لك التجاهل؟ عامله بالمثل.
أنا ربّيت نفسي على كده أصلها في الأول والآخر دنيا.
مش باقية بالعكس… فـانية.
وجود حبيبك معاكِ النهارده
بكرة مش هيكون موجود.
إيـه يعني لو ما لقيتش الحب؟
الاهتمـام؟ الـخوف؟ الأمـان؟
فين المشكلة لو كنت لوحدي؟
من غير أب ولا أم ولا أخ ولا أهل ولا حبيب.
الدنيا هتقف؟ لا… هتمشي.
وهتفضل تمشي للنهاية
ولا هتبصّ لك،
ولا هتهتم بيك،
ولا بكونك ضعيفة مستنية حد ينتشلك منها.
— إنتِ ليه كده؟
ليه فاقدة الأمل بالشكل ده؟
الدنيا مش بتتقاس كده خالص.
تفكيرك ومنطقك عنها صح مش هنكر.
لكن إحنا بناخد بالأسباب فيها.
ربنا مدّينا رُخص كتير حلوة نستمتع بيها صح.
يبقى ليه اليأس يا هنا؟
— مش يأس…
أنا قاعدة أهو ومستنية السعادة تدق بابي.
— السعادة مش هتدق الباب وإنتِ مكانك.
لا بتسعي،
ولا بتحاولي،
ولا بتجاهدي.
إنتِ قاطعة طريق السعادة عنك ومستنية تلاقي نفسك أميرة.
وقفت، منعًا للكلام، وابتسمت بهدوء:
_شكرًا يا نهلة على وقفتك معايا…
شكرًا إنك بدّلتي حياتي، بعد توفيق ربنا، من الظلمات إلى النور.
مش قادرة أكمل الدرس النهارده ممكن المرة الجاية.
وآه، شكرًا إنك قدرتِ إني مش بحب الزحمة والناس وقررتِ تديني دروس الدين لوحدي.
الواحد هيعوز إيه في حياته غيرك والله
شيخة ومحفِّظة قرآن، بتدي دروس دين وعلم شرعي
والله لو كان عندي أخ، كنت جوزتهولِك بس خسارة.
_ضحكت لي، ووقفت قصادي وقالت:
— إنتِ هبلة يا هنا؟
مش جاية معاكِ الدبلة اللي في إيدي دي سِكّة؟
أنا اللي ممتنّة لوجودك مفيش شكر بينا يا هنا.
عدّت الأيام بشيء لا يُذكر يُقال…
حياتي مفيهاش تجديد.
روتين واحد نظّمته، وبمشي عليه بقاله سنين.
اللي جدّ بس إني بقيت متجوزة لكن سريعًا اختفى، وكأنه لم يكن.
نزلت من بيتي عشان أروح المسجد.
لقيت دوشة وأصوات عالية.
مليش تعامل قوي معاهم
من صغري وأنا لوحدي، قليلة الكلام مع أعمامي وعمّاتي، وولاد أعمامي.
بحس إنهم مش شبهي بُعاد عني، أو يمكن أنا اللي بعيدة.
مقدرش أظلمهم وأحط نفسي في دور الضحية
يمكن أنا اللي ببعد، ويمكن أنا اللي وحشة في نظرهم.
عدّيت من جنب الباب
وسمعت صوت مرات عمي وهي بتقول:
— وحشتيني أوي يا يـاسر… هُنت عليك تسيبنا سنة كاملة من غيرنا؟
ابتسمت بسخرية وأنا بكمل طريقي على اعتقاد إنها بتكلمه في اتصال.
لكن… ذُهلت.
وكل اللي كان في إيدي وقع.
لما سمعت نبرة صوته قريبة جدًا وكأنه هنا.
— حقك عليّا يا ست الكل…
بس كان لازم أسافر عشان آخد خبرة في مجالي، وأشوف دكاترة خبراء وأتعلّم منهم
أومال ابنك هيبقى دكتور ببلاش؟
اتملت عيوني بالدموع وأنا بحاول أتماسك
انكسرت من جوايا لأسباب كتير أوي.
حسّيت إني رخيصة… مهمَّشة… لدرجة إنهم ما عرفونيش بميعاد رجوعه من السفر، وهو؟!
رغم وجعي منه وقهرتي بغيابه، استخسر حتى يكلّمني مكالمة واحدة يعرفني فيها إنه راجع.
ولا مرة حاول يكلّمني ولا حتى بالغلط.
سنة كـاملة…
سنة كاملة وأنا مفتقدة صوته.
خرجت بهدوء ولا كأني موجودة في العيلة وجوزي راجع من السفر.
كملت طريقي ودموعي بتهددني تنزل.
ولو بس حاولت ما أكتمهاش هتفيض أوي،
ومش هلاقي حتى مكان يستحملها.
أنا إنسانة مفرطة الحساسية والمشاعر.
حاولت كتير أقسى على نفسي
عشان أبطل أكون فيّاضة من الحزن.
بعلم وبقسى وبقوّي نفسي على نفسي،
بس كنت عارفة إني مهما حاولت، هتيجي النقطة
اللي هتهدّ كل اللي بنيته.
— هنا أنا فاضية دلوقتي لو عايزة تسمّعي… هنا!
— نعم؟
— شاردة في إيه يا حبيبتي؟
يلا نسمّع لو خلصتي مراجعة.
— مش فاكرة حاجة
قولتها بضياع،
وأنا ناسية أنا فين وبعمل إيه.
كل اللي حاضر في ذهني آخر مشهد جمعنا سوا.
— هنا… أنا ابن عمك وبس.
جوازنا مش هقولك صوري وشوية وهطلقك لا.
إنتِ هتفضلي على ذمتي لغاية ما حد فينا يموت.
أنا ضحّيت بحياتي واتجوزتك
عشان بس منظر العيلة قدام الناس.
مينفعش تفضلي من غير جواز وولاد عمك موجودين.
أنا الكبير
واللي مطلوب مني أضحي، حتى لو رافض.
وإنتِ كمان…
عليكِ إنك تضحي.
هنفضل تحت سقف واحد،
بس كل واحد فينا له حياته الخاصة يا بنت عمي.
قربت منه وعيني شملته.
وردّيت ببرود متنافي مع الحُرقة اللي كانت بتاكل قلبي:
— لو فاكر إنك ضحّيت…
اعرف إني ضحّيت قبلك آلاف المرات،
عشان — زي ما بتقول — تحافظ على عيلتك يا ابن عمي.
سكت لحظة وبصلي نظرة ما قدرتش أفهمها.
وببرود قال:
— اتفقنا.
ومن يومها
اتفقنا…
وخسرت أنا.
"ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
— إزاي ما تسمعيش كلامي؟! ناسية أنا أبقى مين؟! أنا جوزك يا هانم.
— يبقى ارضى إنك تروح تتجوز عليّا واضح إنك اتجننت.
ابتسم بسخرية وقال ببرود:
— ليه؟ شايفاني عشّمتك في حاجة؟ ولا قلتلك قبل كده إني واقع فيكِ؟ افهمي وجودك زي عدمه، لا أنتِ فارقة، ولا فارقالي.
اجمّدت ملامحي لحظة و قولت بصوت حاولت اثبيته:
— أنا مش طالبة منك تحبني بس على الأقل احترمني.
بدل ما تيجي تقول معلش جرحتك، وبعدت عنك تعالي نحاول من جديد، ونخلّي حياتنا تمشي كويس
لأ… تيجي تقول بكل بساطة أنا عايز أتجوز، ومن حقي!
اتسعت عيني وأنا بقرب أكتر
— حقك إيه؟! طب… وحقّي أنا كمان فين؟
— مش عايز أظلمك معايا بس قوليلي أعمل إيه؟
مش من حقي أختار شريكة حياتي وأم ابني؟
أنا مش شايفك غير بنت عمي وبس.
مش قادر أتقبلك كزوجة حاولت، والله حاولت.
— طب ليه من الأول يا ياسر؟
ليه قاسي عليّا كده؟
أنا… أنا مش مطلوب مني أضحي أكتر من كده، فاهم؟
— أنا مش بقسى يا بنت عمي
بس كمّلي تضحياتك وضحي المرة دي كمان.
سكت… وكأن الكلمات خلصت من بينّا.
خرج من البيت وسابني واقفة لوحدي.
واقفـة أحاول أجمع بقايا كلامه، الكلام اللي نزل على قلبي كأنه سـكـ'اكين.
هو للدرجة دي أنا وحشة؟
لدرجة إنه حتى مش قادر يقبلني كزوجة وعايز يتجوز غيري؟
بس اللوم على مين عليّا أنا؟ ولا عليهم هما؟
يا ريته ما كان رجع.
يا ريته كان سيبني في أوهامي مع أحلامي الصغيرة اللي كنت ببنيها بهدوء.
يا ريته كان فضّل هناك اتجوز وعاش حياته بعيد عني.
لكن ليه يرجع عشان يوجعني بالشكل ده؟
وساعتها رجعت ذاكرتي لليوم اللي شوفته فيه
أول مرة بعد ما رجع…
Flash back…
— فيكِ إيه يا هنون؟ حصل حاجة؟
— ياسر رجع!!
قلتها بدهشة، وكأني لسه بحاول أستوعب الكلمة.
— جوزك؟!!
هزيت رأسي بتِيه، وعلامات الدهشة مرسومة على ملامحي يمكن أكتر حتى من اللي باينة على وشّها.
— طب… طب فين المشكلة؟ جوزك رجع، وحياتكم ممكن تبدأ من تاني يمكن فهم اللي حصل، وقرر يدي فرصة لعلاقتكم ده شيء كويس جدًا، بس إنتِ متقفليش بابك.
— لو هو فعلًا عايز فرصة مكنش رجع من غير ما يعرفني!
أنا اتفاجئت بيه في البيت إزاي يرجع من غير ما يقولي؟ أو حتى حد يقولي؟
هو مش جوزي يا نهلة؟!
مش من حقي أعرف؟
ليه أبسط حقوقي بيستخسروها فيَّ كده؟
— يمكن كان عاملها مفاجأة ليكِ، إنتِ متعرفيش نواياهم إيـه.
روحي، واصبري واسمعي منه الأول.
— تفتكري؟…
أنا تعبت يا نهلة.
كل اللي عايزاه أعيش حياة بسيطة بعيدة عن الصراعات والقلق.
مش عايزة أفضل أحارب وأخسر.
— مهما كانت النتيجة هتكون هي المُرضية ليكِ،
عشان ربنا سبحانه وتعالى كل أقداره طيبة.
' قومي يا هنا… روحي له.
اتنهدت ببطء كأن الهواء بقى تقيل فوق صدري.
كان لازم المواجهة تحصل بينّا ولازم أعرف ليـه؟
خرجت وسلكت نفس الطرق اللي مشيت فيها زمان،
وأنا بدعي في سري إن نصيبي معاه يكون حِلو
إن يكون ليا حد أرمي حملي عليه حد أستند له.
قلت لنفسي لو رجع وقال نبدأ من جديد هسامحه.
أيوه هسامحه.
أنا أصلًا تعبت من الحرب
ومفيش أسوأ من إنك تحاربي في أرض خسرانة من البداية.
حتى لو لقيت الطُعم حتى لو كان جاي من العدو نفسه
كنت مستعدة أتمسك بيه.
مشيت ناحية البيت بخطوات مترددة خايفة أعيش نفس الوجع تاني.
أول ما فتحت الباب وقفت مكاني.
هـو هنـاك واقف في الصالة ظهره ليا…
وكأنه حاسس بدخولي قبل حتى ما يسمع صوتي.
اتجمدت الكلمات في حلقي والسنة اللي فاتت كلها عدّت قدام عيني في لحظة.
استدار ببطء ولما عينه وقعت عليّا ساد بينّا صمت.
صمت تقيل… تقيل لدرجة إن دقات قلبي كانت مسموعة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— عاملة إيه يا هنا؟
الكلمة خرجت منه عادية جدًا كأن الغياب ده كله كان يومين مش سنة.
اتحركت خطوة لقدام وبصيت له بثبات حاولت أستجمعه:
— رجعت.
قال ببساطة:
— آه… رجعت.
سألته وأنا بحاول أفهم:
— ويا ترى فيه سبب؟ ولا رجوعك كده وخلاص؟
قال وهو بيتنهد:
— نازل عشان أشوف حياتي وأختار صح.
طلعت مش مضطر أضحي بكل حاجة
ممكن نحاول نكسب لنفسنا حياة تانية مناسبة.
عقدت حواجبي بعدم فهم:
— يعني إيه؟
بصلي مباشرة وقال بهدوء:
— هتجوز يا هنا.
يا مَن هواه أعزَّه وأذلّني
كيف السبيلُ إلى وصالك دلّني…
عدّى أسبوع كامل وأنا حابسة نفسي عن كل الناس،
لا خرجت لهم ولا حد حاول يجيلي.
كأنّي شخص على الهامش، وجودي زي غيابي
ولا حد حسّ إن فيه فراغ سابه بعدي.
كنت مستنية ولو إشارة صغيرة كلمة عابرة،حتى سؤال بسيط يقول إنتِ كويسة؟ بس ماجاش.
ومع كل يوم بيعدّي الإحساس بيكبر جوايا أكتر
إني مش مرغوبة هنا، إني تقيلة على قلوبهم كأني عبء
كلهم مستريحين لما يختفي.
الغريب إن الوجع مش بس في البُعد،
الوجع في إنك تكتشفي إن محدش حتى حاول يقرب.
إنك كنتِ فاكرة إن ليكي مكان وسطهم،
لكن لما غبتي ما حدش حس إن فيه حاجة ناقصة.
وأسوأ شعور ممكن يعدّي على قلب إنسان
إنه يحس إن غيابه ما بيأثرش وإنه لو اختفى أكتر
يمكن حتى ما يتلاحظش.
سمعت أصوات متداخلة تحت
ضحكات, مباركات, همهمات ناس كتير.
الصوت كان مُلفت لدرجة خلّتني أقوم من مكاني وأنزل.
كنت بنزل درجات السلم بهدوء خطوة ورا خطوة،
وكأن قلبي فهم الحقيقة قبل عقلي
لكنّي كالعادة كنت بتجاهل زي ما تجاهلت كتير قبل كده.
نزلت آخر درجة ودخلت الصالة.
شفت ناس كتير متجمعة, ناس بتبارك لناس وابتسامات مالية الوجوه.
واتنين واقفين جنب بعض بيضحكوا والكل حوالينهم مبسوط.
عيني كانت بتحاول تستوعب المشهد بتدور على معنى
على تفسير.
لحد ما حد لاحظني.
وفجأة الصمت نزل على المكان كله.
الضحكات خفت والكلام اتقطع كل العيون اتوجهت ناحيتي.
وقفت مكاني مش فاهمة أنا واقفة في إيه, ولا إيه اللي بيحصل.
قربت مني بنت عمي ــــأخت جوزي.
ابتسمت ابتسامة واسعة لكنها كانت باينة متوترة.
مسكت إيدي وضغطت عليها شوية'كأنها بتحاول توصل لي رسالة, رسالة أنا مش عايزة أفهمها.
وقالت بصوت عالي شوية:
— تعالي يا بنت عمي فينك؟ وحشتينا.
شدتني لقدام خطوة وهي بتلفت وشها ناحية الناس.
— كنا عازمين خطيبة ياسر وأهلهاـــ, نور بنت خالتنا أكيد عارفاها!
حسّيت إيدها بتضغط على إيدي أكتر كأنها بتقول لي ما تعمليش مشكلة.
رفعت عيني ببطء وشفتها واقفة جنبه.
لابسة فستان هادي وشها كله خجل وابتسامة.
ويـاسر واقف جنبها مرتاح, بيضحك
كأنه أخيرًا لقى المكان اللي كان بيدور عليه.
ولما عينه وقعت عليّا اختفت ابتسامته لحظة.
لحظة صغيرة لكنّي شفتها في اللحظة دي كل حاجة بقت واضحة.
بصيت لنور تاني كانت هادية, جميلة, ومناسبة.
يمكن مناسبة أكتر مني.
وفي وسط الصمت الثقيل ده سمعت صوت حد بيقول بحماس:
— يلا يا جماعة ادعولهم، الخطوبة إن شاء الله الأسبوع الجاي.
وساعتهاـــــبس ساعتها حسّيت إن الأرض تحت رجلي
ما بقتش نفس الأرض.
قربت منه، واتلاشت كلّ اللي حواليا كل ضحكة، كل كلمة، كل صوت حتى أنفاسي صارت صدى فارغ في هدير قلبي.
_مبروك يا ابن عمي!
قلتها بصوت كأنه نصف همس، نصف صرخة، وقلبي بين أمل يتوه وبين وهم كنت أعشقه
_ فكرتك كنت هتراجع حساباتك بعيد عني
ووقفت، حاولت أسيبك يمكن تفهم بس الحقيقة، أكيد كنت بتوهم نفسي, كنت بتوهم إنك هتحس
بجد والله شكرًا ليكم كلكم… شكرًا على قسوتكم، على اظهار كرهكم ليّ على كل لحظة حسستوني فيها إني ضيف، إني غريبة
شكرًا يا عمي على معاملتك معايا، كنت خير العم والأب بس كمان شكرًا على نظرتكم لنفسكم، على خوفكم من كلام الناس اللي بتهمكم أكتر مني زي ما قلت مش عشان ورث، ولا عشان أراضي ـ, تؤ تؤ
_طلقني يا يـاسر
"كلمة واحدة بسيطة بس فيها كل عمق الخيانة، كل وحدة الأيام اللي ضاعت، كل صمت قلبي اللي ما قدر ينطق"
_طلّقني علشان أقدر أتنفس علشان أقدر أعيش علشان أرجع ألقيني نفسي بعيد عن كرهكم, بعيد عن وهمكم
_يبقى بـتـحـلـمي يا بنت عمي!
رواية فرصة ثانية الفصل الثاني 2 - بقلم ملك عبد الله احمد
عايزاني أطلّقك كده؟
قالها وهو بيضحك بسخرية باردة.
_ليه؟ أنا مجنون عشان أسيب حاجة تخصّني؟!
"رفعت عيني فيه، وشيء جوايا كان بيتكسر بهدوء حاجة كانت آخر خيط بيربطني بالأمل."
_أنت مش مـجنون وبس
أنت أنـاني، وإنسان غير سـوي.
أنا مش مصدومـة فيك والله طبيعي تكون كده.
"وسحبت نفس طويل، وكأن الحقيقة مُرة بس لازم تتقال."
_أصـل إحنا عيلة كلها زبــ'الة.
"في لحظة…
انقلب الجو كله.
قرب ياسر مني بخطوات سريعـة، الغضب كان مالي عينيه
وقبل ما أستوعب حتى اللي بيحصل—
ضربني.
_أخـرسي!
رجعت خطوتين لورا بذهول… مش من الألـم بس، لكن من الصدمة.
من فعلته ومن سكوت الكل.
ولا جفن اترفّع ولا نفس اعترض وكأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي.
رفعت عيني عليهم واحد واحد…
ووقتها فهمت'دي مش صدمـة دي شماتـة.
عيونهم كانت خليط غريب من الراحة والفرحة وحتى الفخر.
فخر بابنهم اللي أهان مراته قدامهم.
في اللحظة دي اكتشفت إن أقصى أحلامي كانت صغيرة جدًا.
كنت بس عايزة حد يقف جنبي حد يفهمني حد يشوف إني إنسانـة مش حـيـ'وان.
ضحكت بسخرية مُرة حتى الـحيـ'وان ليه ناسه بيتلمس بحنان بيتحوط بقلوب رحيمة.
الحيوانـ'ات لاقية رحمة وأنـا لا.
يبقى العيب فيّ أنا؟!
قطع صوت يـاسر أفكاري وهو بيبص لأمه بتبرم:
_مالها البت دي يا أمي؟ مش متربية ليه؟
كانت محتاجة تتربى أكتر من كده وتتعلم إزاي تحترم جوزها.
وسكت لحظة، قبل ما يكمل ببرود جارح:
_كانت بتعمل إيه طول السنة اللي سيبتها فيها؟
أنا قلت يمكن تتعظ يمكن تبقى ذليلة هنا
ابتسم ابتسامة قاسية.
_بس لأ لسانها طول ويحتاج يتقص زي زمان.
ساعتها حسيت كأن جروح سنين كاملة بتتفتح مرة واحدة.
ذكريات' إهانات' صمت' كسرة نفس.
كل حاجة رجعت بس أقسى.
"رفعت عيني فيه، والغضب أخيرًا سبق دموعي"
_بتقول إيــه؟!
أنت مختل فـاهم؟ مـختل!
"خطوة قربت منه رغم الخوف اللي بيشد رجلي لورا"
_إزاي بقيت كده؟
إزاي بقيت إنسان قاسي بالشكل ده؟
"ضحكت بمرارة"
_أنا لما وافقت عليك كنت فاكرة إنك مختلف عنهم.
رغم قسوتك رغم جرحك ليا كنت بقول لنفسي عادي يا هنا عادي.
مفيش حد كامل هتعرفي تتأقلمي هتعدي.
ما أنتِ يا هنا عدّيتي قبل كده كتير.
من أب… وأم… وأهل.
"رفعت عيني فيه وسألته بصوت ضعيف فيه خبايا حُزني"
_قلت لنفسي هيكون أقسى منهم يعني؟
أنـا والله كنت فاكرة إنك هتتغير هتحاول عشاني.
عمري ما قسيت عليك ولا حمّلتك فوق طاقتك.
سيبتك تعمل فيّ اللي أنت عايزه وافقتك في كل حاجة.
سيبتك تسافر سنة كاملة وأنا محتاجالك.
وتغاضيت عن إنك ما سألتش عني ولا مرة.
"بلعت الغصة اللي في صدري"
_كنت مكتفية إنك تكون بخير وبس.
حتى أحلامي تنازلت عنها.
آمـالي , سعـادتي
أنا رضيت وقلت حتى لو ما حبنيش مش مهم.
"رفعت عيني حواليّا على البيت على الوجوه اللي حواليّا"
كفاية أعيش في بيت, بيت يحميني من أذى البشر.
"نظرت ليه مباشرة" ومن عـيلتك.
"وهمست بضياع"ومـنك
سكت لحظة قبل ما أكمل بـألم هادي:
_بس في الآخر… أنا اللي طلعت المؤذية.
أنا اللي الأذى كله جاي مني.
_ما كفاية درامـا ومسرحية بقى!
"التفت لمصدر الصوت بذهول، ملامحي متجمدة من وقع كلماتها."
— درامـا؟!
شايفة اللي بيحصل ده دراما ومسرحية؟!
أنا كنت شفقانه عليكِ…
بنت لسه صغيرة، مكملتش حتى الـ18 سنة، وداخلة في حـ'روب مش قدّها.
وفي الآخر شايفة اللي بيحصلي أنا دراما ومسرحية؟!
يبقى تستاهلي والله
تستاهلي إن عقلية غبية زيك يحصل فيها كده.
اسمعي كويس أهلك موافقين، تمام.
بس أنا؟ أنا هطلق وهَمشي من هنا.
مش باقية في المكان ده.
إنما أنتِ…
أنتِ اللي هتفضلي جوا سجن أهلك.
آه، هم وافقوا لكن في الآخر أنتِ اللي هيتداس عليكِ.
وأنا هبرأ ذمتي وأقولك الحقيقة
_دي عيلة ما يتأمنش عليها ولا على اللي فيها.
زمان أبويا سابني تاني يوم ولادتي حتى ما مهانش عليه يسمّي بنته.
اتجوز… وسافر.
متخيلة؟!
أب يرمي بنته كده من غير حتى ما يعرف مين هياخدها ومين هيربيها.
بس تعرفي إيـه؟ حتى أمي وأهلها محدش عبرني.
كلهم رموني ولقيت نفسي هنا بتربى وسط أعمامي وولادهم.
لكن… ولا مرة حسيت إني بنتمي للمكان ده.
ولا شفت يوم حنية ولا راحة ولا أمل يخليني أتمسك بيه.
بس عشت.
عارفة ليه؟عشان أنا اتولدت هنا.
وما كانش عندي فرصة أختار طريق تاني.
ولو كنت لقيت الفرصة كنت تمسكت بيها بكل عمري.
بس الحقيقة؟
ده هيفضل مكاني يا نور لأني لقيت فيه القسوة
اللي غيري بيتحامى فيهـا من قسوة الدنيا.
— طلّق البت دي يا ياسر وسيبك منها، دي دماغها ناشفة وقليلة الأدب ومتنفعش لعيلتنا. إحنا مش عايزين منها حاجة، وهي كده كده هتتنازل عن حقها… مش صح يا هنا؟
— طلاق إيه يا أمي! اللي أطلقها مستحيل.
— اسمع كلام أمك يا ياسر.
— إزاي ويتقال عليّا الدكتور ياسر الحنفي طلق قبل كده؟
ليه… مش عارف يكفي مراته ويسيطر عليها؟
صفّقت بتسلية وأنا شايفة نظراتهم ليّ.
ساعتها فهمت أنا إزاي هتحرّر من العبء ده.
قربت أكتر منه، وصوّبت عيني عليه وقلت:
_فاكر لما قولت لو لقيت الفرصة همسك بيها؟
جه الدور عليك يا ابن عمي تحارب بس المرة دي هتحـ'ارب في أرض خسرانة وأوعدك.
"رجعت خطوتين تلاتة لورا، وبعدين وقفت قصادهم كلهم واحد واحد.
واتكلمت بحضور قوي معنديش فكرة اكتسبته منين.
وأنا أصلاً شخصية اتبنت حياتها على الخوف والذل طول عمرها…
لكن يمكن زي ما بيتقال اتّقِ شرّ الحليم إذا غضب."
— أنا هتطلق وهتنازل عن حقي…
مش عشان خايفة، ولا ببيع حقي، ولا مغلوبة على أمري.
لكن عشان لو أخدت حقي هفضل فاكرة قساوة السنين،
والذل وقلة القيمة اللي عيشتها.
عشان أنا مش عايزة أعيش على مال فيه غل وحقد ونفوس مريضة.
عشان أنا أول ما هطلع من البيت ده
هنسى أنا كنت مين، وبنت مين، ومين أهلي.
— بس أنا بقى مش هطلق يا بنت عمي وورّيني هتعملي إيه.
"قالها وهو بيقرب بخطواته ناحيتي.
مش هنكر إني خوفت وجوايا اتهز."
لكن كملت بابتسامة واسعة.
— حضرة الدكتور، والعيلة الكريمة اللي بتخاف على سمعتها صح؟ مطلقنيش يا ياسر عادي، خلّيني على ذمتك.
بضحي صح؟ ما أنا ياما ضحيت، وأكتر من كده كمان.
بس المرة دي هضحي وأنا مبسوطة.
خلّيني على ذمتك واتفرّج واسمع وشوف سمعتك وهي بتتهان، سمعة عيلة الحنفي وهي على كل لسان.
متقلقوش أنا مش هقول كلام من عندي وظلم خالص.
أنا بس هقول الحقيقة وهفضحكم واحد واحد.
بس يعني ميضرش لو قولت سر صغير كده مثلاً
إن العيلة اللي عاملة نفسها مثالية، وكلها دكاترة ومهندسين، وليهم اسمهم ونضجهم وتفكيرهم الباهي
اللي بيتباهوا بيه قدام الناس سابوا أبوهم، يا عيني، يمـ'وت قدام عيونهم.
ومحاولوش ينقذوه من مرضه عشان يمـ'وت ويتوزع الورث عليهم.
قال يعني هما كده شايفين إن دي مـ'وتة طبيعية…
متدخلش تحت حكم قتـ'ل النفس دي!
ها؟
تفتكر يا عمي أو معلش، المهندس جواد الحنفي
اللي الكل بيعملك ألف حساب الناس هتقول عليكم إيه؟!
— إنتِ بتقولي إيه يا بت؟!
وجبتي الكلام ده منين؟! إنتِ مجنونة!
طلّق البت دي بسرعة يا ياسر مش ناقصين جنان.
دي طلعت عيلة ناكرة للجميل وقليلة الأصل!
ابتسمت بسخرية خفيفة وقلت:
— صح عندك حق أنا كده فعلًا.
يلا خلي ابنك الدكتور الأصيل يطلقني حالًا.
"ساد صمت تقيل للحظات
صمت كأن الجدران نفسها بتسمع وبتحاكم."
العيون اتنقلت بيني وبين ياسر وبين الكـل
ملامحهم اتشدّت واتحوّلت من ثقة لارتباك واضح.
ياسر شدّ فكه بعصبية، وصوته خرج محشور بالغضب:
_إنتِ اتهبلتي؟! إنتِ عارفة إنتِ بتقولي إيه؟!
ابتسمت ابتسامة هادية وقلت بهدوء غريب:
_ أيوه عارفة' وعارفة كمان إن الحقيقة لما بتتقال بتوجع.
الكل بصّ لـِ ياسر كأن القرار كله بقى في إيده.
لكن ياسر قرب مني خطوة وعينيه مليانة تحدي وغِل.
_فاكرة إنك كده هتكسري عيلتي؟
ميلت راسي شوية وقلت بهدوء:
لا أنا مش هكسرها هي اللي هتكسر نفسها.
"اتشدت ملامحه أكتر لما كملت"
_وأنا قولتلك قبل كده لو لقيت الفرصة همسك فيها.
بصيت حواليّا لكل الوجوه اللي كانت بتبصلي زمان باستعلاء لكن اتبدل الحال "وابتسمت ابتسامة أوسع" دلوقتي الفرصة جات.
صوت أمه طلع مرتعش بالخوف لأول مرة:
_يـاسر خلّصنا من البت دي.
لكنه فضل واقف, ساكت, عينه في عيني.
وبعدين قال ببطء:
_ولو مطلّقتكيش؟
ضحكت ضحكة خفيفة, ضحكة فيها ثقة غريبة حتى عليّ أنـا.
_يبقى استعد الناس تسمع الحكاية كاملة
"وقربت خطوة منه، وهمست بصوت مسموع للجميع"
_وأول فصل فيها… هيكون عن اللي حصل ليلة مـ'وت الحاج الحنفي.
اتبدلت ملامحهم فجأة والهدوء اتحوّل لفوضى
لما يـاسر قرب مني، مدّ إيده ومسك إيدي، وضغط عليها بشدة كأنه بيحبسني جوّه قبضته.
وعلى وشّه ارتسمت ابتسامـ ة غريبة' ابتسامـة ما كانتش مريحة أبدًا.
قرب أكتر، وقال بصوت واطي:
— أنتِ…
رواية فرصة ثانية الفصل الثالث 3 - بقلم ملك عبد الله احمد
أنتِ طالق.
"سقطت الكلمة من فمه تقيلة لكن الغريب إن صدري ما انكسرش زي ما توقعت.
الإنسان بيطلع أضعف بكتير مما يظن الحاجة اللي بيحارب عشانها سنين، أول ما توصل لنهايتها، ما بيصرخش فرح
ولا حتى بيبكي.
بس شعور غريب بدأ يتسلل جوايا, حرية, أمان
وكأن باب حياة جديدة اتفتح فجأة.
افتكرت كلام صاحبتي يوم ما قالتلي:
_السعادة مش هتخبط على بابك وإنتِ واقفة مكانك…
لا بتسعي،
ولا بتحاولي،
ولا حتى بتجاهدي.
إنتِ بنفسك قاطعة طريق السعادة عنك ومستنية تلاقي نفسك أميرة.
وقتها أنا حاولت وحاربت.
ولأول مرة حسّيت إني فعلاً خبطت على باب السعادة بنفسي.
رفعت إيدي بهدوء وبعدت إيده اللي كان ماسكني بيها، وبخطوة صغيرة بعدت عن قدامه.
_ أتمنى تعيد حساباتك يا ابن عمي
وتشوف هتقدر تكمل وتفتح بيت وأنت بنفس الشخصية دي ولا لأ.
أنا مش بلومك أنت اتربيت على كده.
بس ربنا اداك عقل ونضج تفكر بيهم.
ها مستعد تدمر حياة حد تاني؟
_مش طلقك يبقى امشي من هنا يلا.
" ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها مرارة"
_همشي يا مرات عمي بس…
"سكت لحظة، وأنا ببص حواليّ في البيت اللي عشت فيه سنين"
_أنا عمري ما هنساكم ولا هنسى إنكم تبقوا مين.
العيب واللوم مش عليكم أصل اللي أقرب منكم هو اللي شرّدني هستنى منكم إيه؟
"هزيت راسي بأسى"
_بس والله مكنتش عشمانة كتير.
لوّح بإيده بعصبية:
_ بس بس! بطلي كلام!
أنا مش هسيبك يا هنا فاهمة؟ مش هسيبك.
“سكت لحظة وبصلي بنظرة غريبة قبل ما يكمل"
_أنا آه طلقتك بس مش بمزاجي زي ما انجبرت على جوازك انجبرت على طلاقك.
"قرب خطوة وقال بنبرة أخطر"
_بس اتأكدي يـاسر الحنفي ما بيسيبش حقه.
مش هكدب كلامه خلّى الخوف يزحف جوايا.
نظراته, طريقته'خلتني مش فاهمة هو ممكن يعمل إيه بعد كده.
لكن رغم الخوف كان في إحساس تاني أقوى.
إحساس إني أخيرًا خلصت من القيود القديمة.
عارفة إن العقبات مش هتخلص وإن الحياة غالبًا لسه هتقسى عليّا.
بس يمكن لو حاولت تاني الدنيا تحن شوية.
وفجأة قطعت صوتي ضحكة مستفزة:
_يلا يا ياسوره، سيبك بقى من ده كله الحفلة المفروض لمين؟ ليّا ولا ليها؟
"بصيت ليها وضحكت بشفقة مش قادرة أفهم إزاي حد يكون بالسطحية دي؟
ولا كأن الكلام اللي اتقال هزّها ولا كأن بيت اتكسر قدامها.
الغريب مش هي بس الغريب أهلها اللي واقفين مبتسمين، وكأنهم أصحاب حق"
ساعتها بس فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في شخص واحد, المشكلة في عقول كاملة اتربت على نفس الفكرة.
وقفت لحظة بصيت حواليا في المكان اللي كنت فاكرة يوم إنه هيبقى بيتي.
جدران حافظت أسرار كتير دموع اتخبّت وكلام اتبلع خوفًا من مشاكل أكبر.
الغريب إني ما حسّتش بحاجة لا حنين ولا حتى وجع.
كأن كل المشاعر اللي كان ممكن أحسها مـ'اتت قبل اللحظة دي بكتير.
لفّيت جسمي بهدوء ناحية الباب خطواتي كانت بطيئة لكن ثابتة ورايا كان صوتهم لسه بيتكلم, همسات, تعليقات ونظرات بتتبعني.
لكن لأول مرة ما حاولتش أسمع.
مديت إيدي لمقبض الباب وقبل ما أفتحه وقفت ثانية.
يمكن آخر مرة أبص للمكان ده رفعت عيني عليهم كلهم…
على الوجوه وقلت بحُزن دافين
_ربنا يعوض كل واحد فينا على قد نيته.
فتحت الباب خرجت وقفلته ورايا بهدوء وقفت مكانى لحظة اتنفس بسرعة.
كأني كنت في حرب طويلة، بجري وبحارب وبقاوم بكل قوتي و… كـسبت.
آه ده حصل فعلًا!! دلوقتي يا هنا إنتِ كسبتي وتقدري تكملي.
طلعت جري على فوق فتحت باب أوضتي بسرعة.
إيدي كانت بترتعش وأنا بمسك الفون.
دورت على رقمها وضغطت اتصال.
وضربات قلبي كانت أعلى من صوت الرنة.
أول ما ردت صرخت فيها:
_نـهلة!!
جالي صوتها المتفاجئ:
_هنا؟!
وحشتيني يا بنتي فينك؟
بقالك فترة بتصل بيكِ ومش بتردي.
خدت نفس سريع وقلت فجأة:
_أنا اطلقت!
_إيـه؟!
إزاي؟! وإنتِ عاملة إيه دلوقتي؟
"ابتسمت لأول مرة من زمان"
_فـرحانة.
_فـرحانة؟!!
أنتِ بتقولي إيه؟!
هو إيه اللي حصل؟
"ضحكت ضحكة خفيفة، وأنا بحاول أشرح شعوري"
_إني عملت زي ما إنتِ قولتي.
قررت أحاول'وأجاهد'وأسعى عشان ألاقي السعادة.
_نـهلة أنا حاسة إني فاضية من جوه
بس مش فراغ وحش مفيش قسوة مفيش خوف مفيش حتى حزن.
حاسة إني اتولدت من جديد.
_أنا مش فاهمة حاجة بصراحة
بس مادام إنتِ فرحانة يبقى مش مهم.
وسمعت ابتسامة في صوتها وهي بتكمل:
_أخيرًا سمعت صوتك سعيد.
إنتِ فين دلوقتي؟
"بصيت حواليا في الأوضة والبيت اللي خلاص مبقاش ليا"
وقلت بهدوء:
_لسه في البيت، أنا تنازلت عن كل حاجة.
بس المشكلة إني معرفش هروح فين معنديش مكان ولا حد أروحلُه.
وقلت ببساطة:
_بس عادي مش مهم حتى لو هقعد في الشارع أحسن من هنا.
فجأة صوتها عليّ:
_ إنتِ هبلة؟!
وأنا فين؟ تعالي بسرعة أنا لسه في المسجد.
عدي عليّا وأنا هستناكي.
_جايالك.
قفلت المكالمة وبصيت حواليا في الأوضة للمرة الأخيرة.
المكان اللي كنت بقف فيه كتير وأنا بسأل نفسي
هو ده فعلًا البيت اللي كنت بحلم بيه؟
الغريب إني ما حاولتش آخد حاجة.
لا هدوم ولا حتى ذكريات.
كل حاجة هنا كانت تقيلة على قلبي.
مسكت الفون بس وخرجت.
نزلت السلم بسرعة خطواتي بتتردد في المكان اللي قضيت فيه سنين.
فتحت الباب وخرجت، الشارع كان هادي بشكل غريب.
الهوا لمس وشي كأنه بيغسل آخر أثر للمكان ده من جوايا.
مشيت بسرعة مش عارفة أنا رايحة فين بالظبط.
بس عارفة حاجة واحدة إني مش راجعـة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد شوية وصلت قدام المسجد.
وقفت لحظة أبص حواليا لحد ما شفتها.
واقفة مستنياني عند الباب وبتبصلي كأنها بتتأكد إني فعلًا أنا أول ما عيوننا اتقابلت جريت ناحيتي بسرعة.
وقبل ما أقول أي كلمة شدتني لحضنها.
حضنها كان دافي كأنه بيعوضني عن سنين.
ويمكن لأول مرة من وقت طويل… عيطت.
انهياري كان غريب مزيج من الوجع والحزن والانتصار.
ربّتت نهلة على ضهري بهدوء وقالت:
_خلاص يا هنا خلاص.
"بعدت عني شوية وبصت في وشي كويس"
_أنتِ كويسة؟
"مسحت دموعي وضحكت بخفة"
_أيوه, أول مرة أكون كويسة بجد.
"هزّت راسها وكأنها مش مصدقة"
_والله كنت حاسة إن اليوم ده هييجي…
بس مش متوقعة السرعة دي.
ابتسمت بتعب:
_أنا نفسي مش مصدقة.
بصتلي فجأة بجدية:
_طيب يلا.
_يلا فين؟
"ابتسمت وقالت ببساطة"
_على بيتي.
_نهلة لا'أنا مش عايزة أتعبك.
رفعت حاجبها وقالت بنبرة حاسمة:
_تعب إيه؟!
"ومسكت إيدي" _إنتِ مش ضيفة إنتِ أختي.
ضحكت وأنا ببص لها بمكر:
_حاسّة في الآخر هتطلعي كل ده أختي فعلًا
مستحيل يكون حبك ليا صداقة بس.
ضحكت نهلة وقالت:
_ليه لأ؟
كل حاجة جايزة ومباحة يا صديقتي العسولة.
ضحكنا على منطقنا العبثي…
ومسكنا إيد بعض ومشينا بهدوء.
لكن بعد شوية فضولي غلبني فبصيت لها:
_هو إنتِ عايشة فين ومع مين؟!
قالت ببساطة:
_مع عمّتو.
"بصيت لها باستغراب" فكملت:
_إحنا أصلًا مش من هِنا.
بس نزلنا القاهرة عشان جاسر أخويا قرر يأسس حياته هنا ويشتغل لأن أغلب فرص الشغل المناسبة ليه هنا.
وبالمناسبة هو دكتور.
قطبت حاجبي باستغراب:
_عمتك وأخوكي؟ أنا مش فاهمة حاجة.
ضحكت نهلة:
_عشان إنتِ أصلًا متعرفيش عني حاجة.
وبعدين قالت وهي بتفتح باب البيت:
_يلا نطلع وهقعد أحكيلك كل حاجة عني وعن أهلي.
و أضافت بهدوء:
_بالمناسبة… جاسر أخويا من أب بس.
رفعت حاجبي بدهشة:
'واو… شكلك عيشتي مأساة زيي يا نهلة.
هزّت كتفها وقالت بهدوء:
_محدش فينا بيعيش مرتاح في الدنيا يا هنا.
كلنا عندنا ابتلاءات وظروفنا عمرها ما بتكون متساوية.
بس الشاطر اللي يعرف يتعامل مع ابتلاءه صح.
وقفت قدام باب شقة وقالت:
_أهو بيتي.
بصيت حواليّ بإعجاب:
_تبارك الله بيتك عسول جدًا يا نهلة.
_تعالي بس شوفيه من جوه تحفة.
كل الأفكار دي من تصميم جـاسر طول عمره شاطر ومجتهد.
وقفت مكاني فجأة وقلت بتوتر:
_استني أنا هدخل إزاي؟
"بصتلي باستغراب فكملت بسرعة"
_أخوكي هِنا…
والمفروض أصلاً دلوقتي أدور على مكان أقعد فيه.
تعالي نأجلها لمرة تانية.
بصتلي نهلة وكأني قلت أكبر نكتة في الدنيا.
_إنتِ فاكرة يعني إني هسيبك؟!!! عيب عليكِ والله.
وبعدين قربت وقالت تطمني:
_ما تقلقيش من جاسر.
وأشارت لفوق: أنا أصلاً بنام في الشقة اللي فوق
وهم بيبقوا تحت.
وإنتِ هتيجي معايا.
فاهمة؟
بصيت لها لحظة واتنهدت باستسلام.
_طيب… ماشي.
ابتسمت نهلة بانتصار وهي بتفتح الباب.
كانت هادية بشكل غريب صوت خطواتنا بس هو اللي بيتردد على السلم.
طلعنا كام درجة وفجأة…
اتسمع صوت رجولي هادي نازل:
_نهلة!!
اتجمدت مكاني بصيت لها بسرعة أما هي فابتسمت ببساطة كأن الموضوع عادي.
ظهر شاب طويل ملامحه هادية لكن عينيه كانت مركزة علينا نظراته وقفت عليّ لحظة.
ثم قال بهدوء:
_أهلاً.
بصيت لنهلة بتوتر واضح لكن نهلة قالت بسرعة وبطبيعية:
_جـاسر دي هنا، صاحبتي.
ثم بصتلي بابتسامة:
_وهنا ده جـاسر أخويا.
فضلت نظراته عليّ لحظة تانيةثم قال بهدوء غريب:
_أهلًا يا هنا.
مش عارفة ليه لكن طريقته خلت قلبي يدق أسرع شوية.
— فين عمتو يا جاسر؟
— خرجت من شوية يا نهلة.
أنا كمان نازل دلوقتي على المستشفى عندي نَبَطشية الليلة، زي ما أنتِ عارفة.
هزّت نهلة راسها وقالت بهدوء:
— آه صح… ربنا يعينك.
ثم أشارت ناحيتي وهي بتبتسم:
— دي هنا صاحبتي هتقعد معايا فوق النهارده.
بص لي جاسر لحظة سريعة نظرة هادية، لكنها مركزة.
ثم قال ببساطة:
— أهلاً وسهلاً.
اكتفيت بابتسامة خفيفة وأنا برد:
— أهلًا.
التفت جاسر ناحية الباب وقال:
— خلي بالكوا من نفسكم لحد مع عمتك تيجي وأنا هبقى أعدّي الصبح عليكِ.
هزّت نهلة كتفها وقالت بمزاح:
— لو فضيت يعني.
ابتسم ابتسامة خفيفة و فتح الباب وخرج.
ووقفت نهلة قدام باب الشقة طلعت المفاتيح من شنطتها…
وهي بتقول بابتسامة:
_استعدي بقى البيت مش تحفة بس ده دافي كمان وحنين.
ضحكت بخفة:
_واضح إنك بتحبيه.
هزت كتفها:
_طبعًا… ده بيتي.
فتحت الباب أول ما دخلنا، حسيت بدفء غريب في المكان.
الإضاءة هادية والبيت مرتب بطريقة بسيطة لكن جميلة.
بصيت حواليّ بإعجاب:
_بجد تحفة يا نهلة.
ابتسمت بفخر:
_مش قولتلك أغلب الأفكار دي من جاسر.
كملت وأنا ببص حواليّا:
_واضح إنه ذوقه حلو.
وقفت قدّامي وبنظرة فيها مكر غمزلتلي وقالت:
البيت… ولا جـاسر؟
رواية فرصة ثانية الفصل الرابع 4 - بقلم ملك عبد الله احمد
وليه لأ؟ فين المشكلة إنك تتجوزي تاني وتحبي؟!!
"سكتّ لحظة وكأن السؤال لمس حاجة جوايا حاولت كتير أتجاهلها"
_يمكن المشكلة فيَّ أنا…
يمكن أنا اللي مش مؤهلة للحياة دي من الأساس.
يمكن معنديش الوعي الكافي ولا القدر المطلوب من النضج عشان أكمل.
أو يمكن زي ما الناس بتقول بعد طلاقي
إني إنسانة غير مسؤولة، ومش واعية، وده السبب في اللي حصل.
المشكلة فيَّ أنا مش كده؟
ده على الأقل اللي الناس حبّت تصدقه عني
بعد ما شوهوا سمعتي، وقرروا يحكوا قصتي بطريقتهم هما.
تعرفي يا نهلة…
كل يوم بيعدّي عليّا بحس إنه بيوسّع نضجي شوية.
وبيخلّيني أسأل نفسي نفس السؤال كل مرة
ليه سكتّي يا هنا؟
ليه وقتها ما اتكلمتيش؟
ليه ما طلبتيش حقك؟
ليه عيشتي حياتك بالانهزامية دي؟
وليه حتى ما حاولتيش ترجعي لأهلك؟
أوقات بقعد أفكر هو أنا استاهل اللي حصل ده؟
استاهل إني أتعامل كده؟!
وبعدها أرجع أقول لنفسي الحقيقة المُرّة
إني أنا اللي سيبت نفسي ليهم.
أنا اللي سيبت أفـكاري, وعـقلي, وقـلبي
يبقوا في إيديهم هما.
ولحد دلوقتي لسه بقول إني أنا اللي غلطت.
وإني ما كانش ينفع أعمل اللي عملته.
شايفة يا نهلة…؟
حتى بعد كل ده لسه بحمّل نفسي الذنب.
وأوقات الفكرة دي بترجع تزن في دماغي
يا ريتني ما كنت طلّقت
يمكن… يمكن كانت الأيام ترجع زي الأول.
يمكن كل حاجة كانت هتتصلّح.
عـدّى أربـع شهور يا نهلة…
أربـع شهور كاملين حسّيت فيهم إني يتيمة.
متخيلة؟
ولا حد سأل عليّا ولا حد حاول يعرف أنا فين أو عاملة إيه.
لا ده كمان اتجوز وأخدها وسافروا، وسـاعتها سألت نفسي سؤال واحد هو أنـا ما كنتش أستاهـل؟
_تستاهلي الأحلى والأفضل يا هنون.
أنتِ عندك كام سنة دلوقتي؟
أربعة وعشرين… صح؟
يعني عيشتي أربعة وعشرين سنة من عمرك في الدنيا.
بس عارفة إمتى فعلًا الإنسان يزعل على عمره اللي راح؟
مش بس في قسوة الدنيا ولا في متاعها ولا حتى في حلاوتها وشهوتها اللي أوقات بتشدّنا للذنوب.
الزعل الحقيقي لما الواحد يكتشف إنه عاش سنين طويلة في الدنيا
من غير ما يعمل حساب كفاية لربنا ولآخرته.
بمعنى لو الدنيا ابتلتك بوجع أو ظلم أو خسارة، احتسبي الأجر عند ربنا واستعوّضي ده بالجنة، واعرفي إن صبرك ليه ثمن وثمنه ممكن يكون الفردوس الأعلى.
لكن الأصعب لو عدّى من عمرك سنين وإنتِ بتكسلي عن الصلاة.
مرة تقول "أصل مشغولة"
ومرة "أصل تعبانة"
ومرة "بعدين هصلي"
مُبررات بنقولها لنفسنا ويمكن نكون بنضحك بيها على نفسنا بس.
بصي لها كده ببساطة في السنة الواحدة عندك حوالي ألف وثمانمائة فرصة تقفي فيها بين إيدين ربنا.
يعني تقريبًا ستة آلاف ركعة في السنة.
ستة آلاف مرة ينحني فيها الجسد ويرتفع فيها القلب إلى الله.
وده بس في الفروض
الفجر: ركعتين.
الظهر: أربع ركعات.
العصر: أربع ركعات.
المغرب: ثلاث ركعات.
العشاء: أربع ركعات.
يعني لسه ما حسبناش النوافل ولا قيام الليل.
تخيّلي بقى إن بعد الموت، الإنسان هيُسأل عن الصلاة
وهتتحاسب علىٰ الصلاة بالواحدة'
مثلًا صلاة عصر يوم الأربعاء في سنة كذا في شهر كذا في يوم كذا ما صلّيتيهاش ليه أو أخّرتيها عن وقتها ليه؟
تخيل مثلًا تقول إنّك أخرتها عشان كنت ماسك الموبايل
أو كنت بذاكر أو حتى عشان كسّلت إنّك تصلي أو ماصليتش أصلًا
تخيل بس إنك تقول إجابة زي دي وإنتِ في ظلمة القبر لوحدك والملائكة بيسألوك
تخيل وقتها هيكون إحساسك عامل إزاي؟
"بتكلم عن فرض واحد بس مع إن الفروض كتير أوي.
فبلاش التأجيل بلاش تقول لسه بدري.
لأن الحقيقة إننا بُعاد أوي وغيرك أقرب منك بكتير
وفي وسط الزحمة وسط الجري ورا الدنيا والانشغال اللي ملوش آخر تقول لسه بفكر أبدأ.
طب بُكرة, لما أكبر, لما أفضى بس الحقيقة إن بُكرة مش مضمون.
يمكن تكبر فعلًا بس تلاقي حاجات كتير من حياتك اتسحبت منك في الطريق اتسرقت من غير ما تحس.
أصل الدنيا مش باقية ولا إحنا باقيين فيها.
ومش كل حاجة بإيدينا ومش إحنا المتحكمين في النهاية.
والـمـ'وت مش بعيد"
_كانت جلسة ثيرابي لذيذة ومهمة وأثّرت فيَّ فعلًا.
أنتِ عسولة أوي يا نهلة، ويمكن عشان قلبك الطيب وكلامك الحلو، ربنا دايمًا بيراضيك وهيفضل يراضيك.
كنت أتمنى إنك تكوني أختي يمكن ساعتها حياتي كانت هتختلف كتير.
بس أكيد ربنا ليه حكمة إنك تظهري في حياتي بالطريقة دي،وإني أجي هنا وأقابلك، وألاقيك فجأة بقيتي أقرب شخص ليا.
بشكرك وبشكر أهلك كمان.
عمتك الطيبة اللي بتعاملني كإني بنتها، وكمان دكتور جاسر…
بعد فضل ربنا، أنتِ وأخوكِ كنتوا سبب إني أعيش حياة مستقلة وأبدأ أبني نفسي من جديد.
مين يصدق إني دلوقتي قاعدة في بيت ليَّ بيتي أنا.
ملكي ومحدش يقدر ياخده مني.
وبقى عندي دخل بساعد بيه نفسي وحلمي اتحقق.
بقيت مدرسة زي ما كنت بحلم.
بدرس للأطفال وبشتغل وحاجات كتير كنت فاكرة إنها مستحيلة.
ما كنتش أتخيل إن ده يحصل خالص ولو كان هيحصل كنت متوقعة إنه ياخد سنين وسنين.
مش يحصل كده في وقت قصير زي ما حصل.
نِعَم ربنا طلعت أجمل بكتير مما كنت متخيلة.
وأنا كنت فاكرة إن ربنا يمكن مش هيعوضني لحد ما سمعت شيخ بيتكلم عن أربع صور لعوض ربنا لعباده في الدنيا.
الصورة الأولى:
إن ربنا لو أراد ياخد نعمة من إيديك
يرجعها لك بنعمة تانية أحسن منها،
تقرّ بيها عينك ويرضى بيها قلبك.
الصورة التانية:
إن ربنا يقذف في قلبك وعقلك الفهم والحكمة فترزق بنعمة البصيرة.
الصورة الثالثة:
إن الأزمة تفضل موجودة فعلًا
لكن ربنا يخففها عنك،
يا إما بنِعَم تانية حواليك،
أو إنه يقذف في قلبك الزهد تجاهها
فتقدر تعيش معاها بهدوء وسكينة.
الصورة الرابعة:
إن العوض بالله سبحانه وتعالى
يملى قلبك بالاستغناء بوجوده.
لدرجة إنك تلاقي نفسك مش شايف أصلًا
إن في حاجة في الدنيا تستاهل الحزن عليها.
_مبسوطة إنك فهمتي وإن اتغير مفهومك عن الحياة الله ينور بصيرتنا.
المهم همشي أنا، وبكرة من الصبح تيجي يا هنا.
كتب كتابي اوعي تسبيني لوحدي، فاهمة؟
كان المفروض تيجي النهاردا وتباتي معايا بس عذرتك اهو، بلاش تيجي متأخر.
_مستحيل… لو مش أنا اللي هاجي، مين اللي هيجي؟
أنتِ اختي يا نهلة!
«غدًا ننسى المتاعبَ والليالي
كأنّ مشقّةَ الأيامِ غمضةْ».
أنـا هنا… بنوتة في ربيع عمرها، كانت تبني أساطيرها الخاصة في مخيلتها، أساطير من نورٍ وأحلام، لعلها يومًا ما تُساق إليها كما يُساق الأمل.
لكن، ها أنا اليوم، محاصرة بسجنٍ أسير عمري بأكمله، جدرانه صامتة، لكن صداها يُنهش قلبي كل لحظة.
أعلم، أعلم تمام العلم أن الأيام ستمر، وأن الجروح قد تُشفى، وأن الزمن يمر لكنّي لن أنسى.
لن أغفل عن وجعي يومًا، ولن أسمح لنفسي بالطمس أو النسيان.
أنـا… التي فقدت الـحب، والـدفء، والـحنان.
أنـا… التي هجرت من أحبّت، وهجرت معها روحها الطفولية، التي كانت تبحث عن حضنٍ دافئ لم تجده أبدًا.
أمي… السلام عليكِ... هل تعلمين؟ لم أحبك يومًا، لكن قلبي يفتقدك.
أفتقد لمسة، لمشاعر تغمرني منكِ, من دونها صرتُ شظية مهجورة في هذا العالم.
وأبي… لم أحبك يومًا، ولن أنسى كرهي لك، ذلك الكره الذي ينخر في عروقي.
هجرت طفلتك، لكنك تركتها تسقط في بئرٍ قاسٍ، من أعماقك أنت، من ذروتك التي لم تمتد لي.
لو جمعت يومًا بينكما لن أعلن الحب، ولن أعلن الرحمة.
سأعلن كـرهي… كرهي العميق، الموحش، الذي كُتب في خلجات روحي، واحتضن كل دمعة دمعت عليها عيني.
أنـا… هنا، أنا الألمُ الذي يسكنني، والطفلة التي فقدت عالمها قبل أن تعرفه.
هِنا انتهت آخر صفحة في دفتري، آخر ما دونت فيه من أسرار أفكاري، وجعي، وظلمي، وآهاتي.
كان ملجأي طوال الشهرين، كان المهرب والصاحب الذي احتجته لأهرب من ضجيج الأفكار، من صخب النهار، من صمت الليالي.
واليوم قررت أن أودعه، أن أغلق آخر صفحاته.
بقلب مثقل بألمٍ لن يشفى أبدًا، وبجرح سيظل محفورًا في أعماقي، لم ولن يُنسى.
لكن، قررت أن أظهر أمام العالم قوية، صامدة، قادرة على أن أبدأ من جديد.
صفحة جديدة بيضاء، مليئة بالأمل، بالحلم، وبنجاحٍ ينتظر أن يُكتب.
وكتبت في أول سطر فيها:
غدًا نحكِي فصُولَ الصّبرِ والغُمّة؛
بأن قَد زالَت البلوىٰ، وصارَت قصّةً تُروىٰ:')
تاني يوم، جهزت وقفلت باب شقتي ونزلت عشان أروح عند نهلة، لكن لقيت جـاسر واقف تحت.
كان ساند جسمه على عربيته وواقِف، ونظره عليّ.
اتذهلت ووقفت مكاني مش قادرة أتحرك، ارتبكت من نظراته ووقوفه لكن اتحركت بهدوء ناحيته ووقفت مقدرتش أتكلم أو أسأله، لكن عدّل وقفته واتكلم بهدوء:
_يلا.
_يلا فين؟!
_عمتي عرفت إنك جاية دلوقتي وإحنا لسه الصبح، مش هتلاقي مواصلات وأصرت أجي أجيبك!
_أنا بعتذر والله، مكنتش حابة أضايق حضرتك يا دكتور. أنا كنت هاجي عادي بيكون فيه مواصلات، متقلقش.
_يلا يا أستاذة هنا، الوقت مش في صالحنا.
الدين والمنطق بيقول "لأ" ومينفعش، لإن دي خلوة بس طلعت بغباء مني وركبت! ذنب، ولابد أستغفر ربنا حاليًا.
ما أصل المفاجأة إن الذنب اللي حضرتك عملته ده، وروحت نمت، وبعد أسبوع مش فاكره، ربنا سبحانه وتعالى أحصاه (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ).
فربنا مش هيجي يحاسبك على اللي أنت فاكره، ربنا هيحاسبك على اللي أنت عملته.
فـ أنت عملت توبة بقى, توب دلوقتي طب رجعت تاني، توبة تاني، رجعت ألف، توب ألف
_مبسوطة في المدرسة، الشغل، حياتك؟!
"كان سؤاله، واللي حيرني وقتها، مقدرتش أكتم فضولي"
_ليه؟!
_هو إيه اللي ليه؟
_ليه بتساعدني؟ أنت عملت معايا حاجات كتير، غيرك مستحيل يعملها.
المساعدات الإنسانية مش بتكون بالشكل ده، مفيش إنسان بيعمل لحد كل ده، حتى لو شفقة، ومتقولش عشان نهلة وإني صاحبتها!
_للأسف هو عشان نهلة، عادي
هي أختي وأكيد هعمل كل حاجة تسعدها، وقريبة منها وأنتِ تشميلهُم!
_اشملهم؟! اه، هي بتحبيني، وسعادتي من سعادتها، لكن قريبتها فين؟
_يلا، وصلنا!
فعلاً وصلنا، ونزل من العربية مليش تعامل معاه أوي، لكن كنت بشوفه على فترات أوقات بحسه طيب، وأوقات بحسه شرير، بس الصفة الثابتة إنه غامض جدًا بشكل أوڤر.
دخلت البيت، ولقيت نهلة وعمتها في استقبالي
قضينا وقت مليان بالدفء واللطف، يمكن دي أوّل مرة أحس فعليًا بفرحة الغير، وفرحتي معاهم كانت شعور مميزة,ومختلف، حيّي، عميق… شعور نفسي أتمنى أعيشه مرة تانية، في عفو وسلام وعافية!
خلاص كنا على مشارف كتب الكتاب.
كان بسيط, العدد قليل، لكن الفرحة كانت باينة على وشوش الكل.
دخلت أظبط حجابي، وسيبتهم برا لحظات.
ولما خرجت بعد شوية عيني لـمحت شـخص.
اتجمدت مكاني اتلخبط نفسي، ولفّيت راسي بسرعة.
دوشة قديمة كنت متعودة عليها زمان رجعت تدق في ودني من تاني.
الإحساس اللي جوايا من مجرد المظهر اللي شوفته كان مرعب.
أسئلة كتير جريت في دماغي، خلت قلبي يدق بعنف.
لكـن, لا.
أكيد لا… مش ممكن.
بدأت أبعد بخطوات متلخبطة لحد ما خبطت في حد ورايا.
لفّيت بسرعة، وأنا تايهة وملامحي لسه شايلة أثر الدهشة والذهول.
قال بقلق:
_في إيـه؟حصل حاجة؟
"بلعت ريقي بصعوبة، وبصيت قدامي تاني، وقلت بصوت مهزوز"
_هـو… هو هنا بيعمل إيه؟!
'عقد حواجبه بدهشة واستغراب واضح إنه مش فاهم قصدي أو يمكن أنا اللي فهمت ده"
وقال بهدوء:
_هو مين؟
رفعت إيدي بإرتعاش، وأشرت على المكان اللي واقف فيه
وقلبي بيغرق في خوف بيتسلل جوايا.
بصّ جاسر ناحية المكان اللي أشرتله وبعدها رجع بصلي بهدوء غريب، كأنه شايف حاجة عادية جدًا.
وقال ببساطة:
_ده…
رواية فرصة ثانية الفصل الخامس 5 - بقلم ملك عبد الله احمد
إزاي إخوات؟! إزاي؟!!
— افهمي يا هنا واحكمي بعقلك، مش بعواطفك.
— أحكم فين ولمين؟!
فين اللي أشتكي له؟!
— مقدّر موقفك يا هنا بس لو ثُرتِ، وزعلتِ هترجعي لنقطة الصفر.
لمين؟!
مين هيقدر يرجّعلك اللي راح؟
آه فيه اللي يداوي ويشفي جروحك،
بس مفيش حد يقدر يجيب لك حقّه منك.
_أنا أصلاً لسه بلملم نفسي.
لسه بحاول أصدق إن في حد ممكن يحبني أو يقرب مني من غير ما يوجعني.
تيجي تقولي إن الماضي اللي هربت منه رجعلي تاني؟
بصيت له بعين مليانة قهر:
_أمي سابتني, سابتني وأنا طفلة.
كبرت وأنا بسأل نفسي كل يوم هو أنا كان فيّ إيه غلط؟
شهقت وأنا بحاول أتكلم:
_تيجي تقولي دلوقتي إن عندي أخت؟!
أخت كانت عايشة حياتها وأنا كنت لوحدي؟!
هي بالسهولة دي يا جاسر؟!
أدوس فين؟ قولي!
أمحي وجع قلبي إزاي؟
ومين هيداوي ويشفي؟
هو فيه حد أصلًا في حياتي؟!
— فيه أختك نهلة.
مش دايمًا كنتم بتقولوا لبعض إنكم أخوات؟
أهو طلع كلامكم صدق بقيتوا أخوات وحـبايب وأصحاب.
علاقتكم ما بدأتش زي أي إخوات بدأت بمعرفة، وبصُحبة
وبعدها بقت أُخوّة حقيقية.
هي تستاهل يكون لها أخت شبهك…
وأنتِ تستاهلي يكون لكِ أخت شبهها.
وربنا حقق لكم الحلم اللي كنتم بتتمنوه.
تعرفي إزاي؟ وفين؟ وإمتى لاء
لكن ربنا ساق لكم القدر ده
إنك تنزلي هِنا وتستقري وتيجي لنفس المسجد اللي نهلة فيه.
قُربكم من بعض للمرحلة دي مش صدفة أبدًا
ده تدبير من ربنا، وترتيب أقداره.
_أيوه موقفي إيه؟ المفروض إيه اللي هيحصل؟
مكنتش عاملة حسابي للموقف ده كنت فاكرة إن عمري ما هيبقوا طيفهم حواليّا.
أنا مريت بحاجات وحشة أوي من أب، وأم، وأهل، وزوج وحاولت، حاولت أقف وأكمل وأنا بداوّي جروحي بنفسي.
إزاي قولي وأنا لسه بلم وجعي، أشوفها بتتجرح تاني وأكمل؟!!!
يعني إيه أقابل أختي اللي أمي سبتني من غير ما تشوفني، وراحت اتجوزت واحد تاني؟
أكمل إزاي؟!!_
Flash back
_ده الدكتور عمار، خال نهلة أنتِ تعرفيه؟
_إيــــــــــــــه!!!!
خالها إزاي؟! من بعيد يعني، قرايب؟
"قلتها بهمس وأنا مش عايزة أصدق اللي قلبي لمسه.
مش عايزة أعيش بجروح جديدة أنا لسه بضمد وجعي وبرفق عليه"
ليه؟! ليه أحس بالوجع ده؟!
وليه حاجة جوايا بتموت من القهرة والحزن؟!
_خالها شقيق أخو أمها الله يرحمها.
_لأ!!!! مستحيل… مستحيل.
"مش فاكرة إزاي جريت من المكان ومشيت لبعيد.
مشيت وأنا بجري في طرقات كتير بس عشان أعرف أتنفس.
حتى النفس كان صعـب, صعـب أوي.
وكان الألم لا يُحتمل.
بجد… بجد إزاي؟ يعني إيه؟ يعني إيه؟
يارب المرة دي الحمل موجع وقاسي.
مش عـايزة كـده, مش عـايزة
مش عايزة أعيش وجع جديد ولا ألم جديد!
_هــــنــــا!!!
" لفيت لورا… وكان هو، جاسر، بيجري ناحيتي بلهفة"
وأنا مقدرتش أقف مقدرتش أتحمل.
وقعت على الأرض بصدمة بتنهش فيَّ.
لسه صوته في دماغي وصوت ناس جاي من بعيد.
ناس كرهتها من صغري وناس قاسية وكلام موجع.
اتعاد شريط كامل من أول غرزة في الألم
لآخر سـ'كينة بتدبـ'ح فيَّ.
"قرب مني بهدوء، وهو بياخد نفسه من الجري، وقعد قصادي"
_أنا آسف بس ملقتش طريقة أقولك بيها غير دي.
عارف إنك عارفة خالك واتعمدت أوصّلك له عشان تشوفيه وتعرفي.
_أنت كنت عارف إن ماما هي اللي اتجوزت أبوك وإن نهلة أختي؟
_من أول مرة شوفتك فيها مع نهلة
أنتِ كنتِ مميزة بالنسبالي أوي يا هنا.
رديت بضياع:
_مميزة إزاي؟
"اتنهد وعدل عقدته وبص بشرود قدامه"
_لما ماما اتـ'وفت، بعدها بشهرين بابا قرر يتجوز.
لسه فاكر لحد دلوقتي أنا عافرت قد إيه عشان ميتجوزش.
مكنتش قادر أشوفه مبسوط وأمي لسه مدفونة.
مكنش بيحبها بس على الأقل مش دي المعاملة اللي أمي كانت تستاهلها.
كانت حلوة أوي وطيبة وأميرة.
بس هو أنكر ده كله ونسيه وقتها كرهت الست اللي اتجوزها وجابها تعيش في بيت أمي.
لكن كنت صغير ومغلوب على أمري.
اضطريت أعيش وأنا كاتم حـزني ووجـعي وألـمي.
واتـأقلمت بس عمري ما هنسى ولا هسامح.
سكت لحظة وكمل بصوت أخف:
_عرفت إنها كانت متجوزة قبل كده وانفصلت
وكمان بعد ولادة بنتها.
صعبت عليّا بنتها إزاي أم تعمل كده في طفلتها؟!
شفقت عليها وكان عندي فضول أشوف هي مين، واسمها إيه، وحياتها عاملة إزاي.
معرفتش أوصل لمعلومات كتير
بس عرفت إن اسمها هنا وكان معايا صورة ليها وبس.
فضلت في ذاكرتي العمر كله لحد ما شوفتك._
بكيت أوي وانهرت من سماع حديثه.
مش متخيلة أنا وصلت لفين وبسمع إيه؟!!
قلت بعجز، وألم، وإنكار للي سمعته:
_إزاي إخوات إزاي؟!!!
بعد مرور شوية وقت…
كان كل واحد فينا واقف شارد في صمته، ساكتين لكن جوا كل واحد فينا دوشة ما بتسكتش.
كأننا بنرجّع حكايات الماضي تاني، بس بقلب غير القلب وعقل غير العقل.
كأن الوجع نفسه بيتشكل من جديد بس المرة دي بملامح مختلفة، وهدوء.
بصّيتله وسألته بعد تردد، وصوتي خارج حزين من بين أفكاري:
_كانت بتتعامل معاها إزاي؟!
"فهم مرمى كلامي وفهم السؤال اللي مستخبي ورا السؤال
بس الغريب إنه اتكلم بهدوء شديد هدوء عكس تمامًا نـ'ار كلماته"
_كانت زي أي أم لبنتها يا هنا.
صح انحرمت منهم في نص عمرها لكن بس برضه عاشت معاهم طفولة تستاهل تتحكي.
_يمكن أنا وأنتِ اتحرمنا من حاجات كتير
حاجات كان المفروض تبقى عادية في حياتنا، بس ما كانتش لينا بس أنا واثق…
واثق إن ربنا ما بياخدش حاجة من حد غير لما يكون كاتبله عوض أكبر.
يمكن اتأخر يمكن الطريق ليه طويل
بس العوض لما بييجي، بينسي القلب كل اللي فات.
وقتها حسّيت إن كلامه لمس جرح قديم جوايا
جرح كنت فاكرة إنه اتقفل، لكنه كان لسه ساكن في مكانه.
الغريب إن الكلام، رغم وجعه طبطب عليّا.
أخدت نفس طويل حاولت ألمّ شتات نفسي
وقفت وعدّلت وقفتي كإني بجمع بقايا قوتي.
_أنا عايزة أروح عند نهلة.
بصلي لحظة وبهدوء قال:
_تعـالي… يلا.
مشينا سوا في الطريق والصمت كان ماشي بينا قبل خطواتنا.
لا أنا اتكلمت ولا هو قال حاجة بس كان واضح إن كل واحد فينا غرقان في أفكاره لحد ما وصلنا البيت.
دخلنا…
وأول ما نهلة شافتنا، قامت بسرعة وقربت منا بعصبية،
وعينيها بتتنقل بيني وبينه بعتاب واضح.
_صـح ما هو اللي لقى أحبابه نسي أصحابه، يا سي جـاسر!
رفعت حاجبي باستغراب:
_إيـه؟!
لكن جـاسر ردّ عليها بسرعة وبنبرة فيها غيظ خفيف:
_إيـه؟!
رواية فرصة ثانية الفصل السادس 6 - بقلم ملك عبد الله احمد
اعتبريني زي عمّو السواق اللي هتركبي معاه على الأقل أنا مضمون، إنما هو لأ.
_آسـر…
_عـيـ… احم نعم؟
ضحكت،
ضحكة خفيفة خرجت منّي رغمًا عني، على ارتباكه وعلى وقفتنا الغريبة اللي كأنها خارجة من مشهد مش متوقَّع.
وفي لحظة هدوء تسللت جوايا راحة غريبة، خلّتني أتحرك من غير ما أتكلم، مشيت ناحية العربية وركبت.
كان لسه واقف مكانه باصص ناحيتي كأنه لسه بيستوعب اللي حصل.
رفعت عيني ليه وقلت بهدوء:
_هتتأخر… يلا.
اتحرك بسرعة ولف ناحيتي وهو بيقول بنبرة فيها مزاح خفيف:
_متقلقيش معاكِ المهندس آسـر، لو سمعتي عنه.
ركب العربية وهو بيقولها بثقة لكنّي كنت لفيت راسي للناحية التانية وابتسامة صغيرة ظهرت على وجهي من غير ما أحس وأخدت نفس طويل…
نفس كنت بطلع معاه كل شعور تقيل جوايا وبسيبه يخرج بهدوء وأستمتع باللحظة اللي أنا فيها.
_ممكن أسأل سؤال؟!!
ابتسم بخفة وقال وهو بيرمقني بنظرة سريعة:
_بتسألي بجد؟! كل وقت مُباح تقولي اللي أنتِ عايزاه يا هنا.
داريت خجلي من دفء كلماته وخفضت عيني قبل ما أقول بهدوء خفي:
_ليه متجوزتش لحد دلوقتي؟ شاب زيك فيه صفات كتير مؤهلة لده.
معندكش عيب يخليك مأجّل الخطوة دي لحد دلوقتي.
سؤالي غريب صح؟ عادي مش لازم تجاوب أنا بسأل من باب الفضول… الفضول الغبي اللي جوايا.
بصّ ليّ نظرة خفيفة وبعدها رجّع عينيه للطريق وهو مركز في السواقة وقال بهدوء:
_من ناحية غبي فهو غبي فعلًا، بس بكرة تفهمي ليه مش دلوقتي.
وعمومًا أنا مكنتش لاقي الإنسانة الصح اللي أقدر أكمل معاها.
اللي تيجي تقف قصادي مثلًا وتقولي أنت معندكش عيب، رغم إني عارف إن عيوبي كتير بس عيونها تبقى مختلفة عن الكل.
فيه كتير عدّوا بس القلب وما يريد.
هزيت راسي ببطء، وتمتمت بخفوت وأنا ببص قدامي:
_مكنتش لاقي بس لقيت، صح؟
ابتسم ابتسامة صغيرة من غير ما يلف ناحيتي وقال ببساطة:
_صح.
سكتنا لحظة قصيرة، لكنها كانت مليانة كلام أكتر من أي حوار.
قطعت الصمت وقلت بنبرة خفيفة:
_طيب… هستناك تعزمني.
ضحك بخفة، وبص لي بطرف عينه وقال:
_وأنا هستناكِ تقوليلي الصفات اسم اسم، مش مؤهلة بس.
ابتسمت بخفوت وشغّلت نفسي في الفون، مش علشان فيه حاجة مهمة لكن علشان ألهي الوقت الباقي
ويمكن كمان علشان ما نفتّحش كلام تاني.
مش هكدب فيه إحساس بينّا أو يمكن مجرد راحة كبيرة أنا اللي مكبّراها في دماغي.
يمكن حب أخوي يمكن إعجاب
ويمكن أنا بس محتاجة أتمسك بأي إحساس آمان.
الحقيقة أنا مش عارفة.
بس اللي أعرفه كويس إنها أول مرة أحس بالراحة وأنا معاه
أول مرة أحس إن قلبي هادي وإن فيه مكان أقدر أجري له لو الدنيا ضاقت بيا.
آسـر…
معملش مجهود جبار علشان يثبت ده،
ولا حاول يبين قد إيه هو مهم في حياتي.
بالعكس كان موجود بهدوء.
لكن الغريب إن كل مشكلة عدّت عليّ من وقت ما جيت هنا،
كانت بتختفي مجرد ما اسمه يتقال.
كأن اسمه لوحده حالة بتفرض وجودها حتى لو هو نفسه مش ظاهر.
ويمكن علشان كده هو يستاهل كل الخير.
شاب مجتهد, طموح مختلف بطريقته الخاصة.
مميّز في مجاله، وشخصيته محبوبة من الكل.
وخفة دمه كفيلة إنها تخليك تنسى العالم كله،
وتفضل بس تسمعه وتحكي ليه.
بس الحقيقة رغم كل الشعور الحِلو ده اللي جوايا في حاجة بتقهرني جدًا من نفسي لأني عارفة ومتيقنة إن في تصرفات بعملها المفروض ماعملهاش
آسـر في النهاية مجرد شخص غريب عني.
آه هو مديري في الشغل، وجاري في نفس العمارة وكمان باباه صاحب خالي وأنا أصلًا اتعرفت عليه عن طريق خالي.
لكن كل ده ما يغيّرش الحقيقة إنه في حكم الشرع أجنبي عني.
يعني المفروض أفهم كويس جدًا إمتى أتعامل وإزاي أتعامل وبأي حدود أتعامل.
ماينفعش أفتح معاه مواضيع خاصة ولا هزار بلا حدود،
ولا أركب معاه لوحدي، ولا يعرف تفاصيل حياتي أصلًا
لأن الحكاية مش مجرد نية طيبة ولا مجرد إحساس بالأمان ببساطة ربناوضع حدود واضحة
عشان يحفظ القلوب قبل الأجساد.
المشكلة الحقيقية مش هنا وبس، المشكلة إننا بقينا بعيدين جدًا عن فهم الحلال والحرام في العلاقات.
بقينا نشوف حاجات كتير كأنها عادية وهي في الأصل مش عادية خالص.
كتير من البنات والولاد فاكرين إن
ابن العم عــادي الهزار معاه.
ابن الخال عــادي الخروج معاه.
ابن الخالة أو بنت العمة عــادي الكلام في أي وقت.
لكن الحقيقة اللي ناس كتير غافلة عنها إن كل دول أجانب شرعًا.
يعني
ابن العم،
وابن الخال،
وابن الخالة،
وابن العمة كلهم يجوز الزواج منهم أصلًا وبالتالي فهم ليسوا من المحارم.
والمحارم في الشرع معروفين وواضحين، مثل
الأب،
الأخ،
العم،
الخال،
الجد،
وابن الأخ أو ابن الأخت دول بس اللي يجوز قدامهم قدر من الراحة في التعامل.
أما غير كده فالشرع ما حرمش الاختلاط عبثًا ولا وضع الحدود تضييقًا على الناس بل لأنه يعلم طبيعة القلب البشري.
العلاقة تبدأ غالبًا بكلمة عادية، هزار بسيط، تعوّد على الوجود، تعلق وبعدها يبدأ القلب يدخل في منطقة
ماكانش يقصدها أصلًا.
عشان كده ربنا ما قالش بس لا تقعوا في الخطأ
بل قال في القرآن: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾.
يعني حتى الطرق المؤدية إليه ربنا حذرنا منها.
وفي الحديث قال محمد ﷺ:
"ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما".
وده مش معناه إن كل الناس نيتها سيئة لكن معناه إن القلب ضعيف، والشيطان يعرف يدخل من أهدأ الأبواب.
عشان كده الإنسان لما يحس بالراحة مع حد لازم يسأل نفسه سؤال صريح هل الراحة دي
في طريق يرضي ربنا؟
ولا مجرد إحساس جميل ممكن يجرّنا لحدود ماينفعش نتعداها؟
وأصعب حاجة في الموضوع كله إن الواحد بيكون عارف الصح لكن بيضعف قدام شعوره أحيانًا.
وده بالضبط اللي بيعمل الصراع جوا القلب بين
إحساس جميل وممتع وضمير صاحي.
وصلنا القاهرة بعد ساعات، والزحمة المعتادة استقبلتني كأنها بتقولي:
"أهلاً بيكي في الفوضى من تاني."
_وصلنا الحمد لله قوليلي بقى فين عنوان البيت؟
قلت ليه العنوان وبعد دقائق قليلة كنا قدام البيت.
وقفت أنزل لكنه نزل هو كمان.
وقفنا لحظة صغيرة سوا وبعدها ودّعني، وقبل ما يمشي فضل يوصّيني كذا مرة:
_لو احتجتي أي حاجة لو حصل أي ظرف حتى لو مش موجود قريب منك مجرد ما تتصلي بيا، هكون موجود.
ابتسمت بيني وبين نفسي وأنا ببص لِطيفه وهو بيبعد.
مش قلت قبل كده آسـر بيأسر أي حد؟
لفّيت علشان أمشي خطوت خطوتين بس وفجأة لقيت جاسر واقف قدامي.
اتجمدت لحظة اهتز قلبي جوه صدري لكن كملت المشي ناحيته بهدوء كأني مفيش حاجة.
جوايا بس كان شريط طويل من الذكريات بيعدّي بسرعة.
يا رب إزاي الأيام عدّت؟
وإزاي وصلت لِهنا بعد كل اللي حصل؟
"في نفس المكان…
بسرح وافتكر زمان…
لو نساياه… امشي وسيبي الذكريات."
صوته قطع أفكاري فجأة:
_مين اللي كنتِ واقفة معاه ده؟!
عقدت إيدي على بعض وبصيت له بهدوء متعمد:
_ميخصكش يا دكتور جاسر.
بس برضه مش سر حربي ههرب منه ده ابن صاحب خالو ومديري في الشغل.
رفع حاجبه بسخرية وقال:
_والله؟!
ابتسمت بسماجة على ملامحه وعلى نبرة صوته اللي مليانة استهزاء وقُلت بهدوء بارد:
_والله يا دكتور جاسر
ممكن حضرتك توسّع شوية علشان أروح عند أختي؟
عدّيته ومشيت خطوتين لكن صوته وقفني تاني.
_هنا أنا هخطب قريب على فكرة.
لفّيت ليه ببطء بصيت في عينيه لحظة وبعد ما استوعبت معنى كلامه، ابتسامة خفيفة ظهرت على وشي.
قلت بهدوء رسمي متعمد:
_أستاذة هنا…
مبارك ليك مقدمًا يا دكتور جاسر.
رد بسرعة:
_عقبالك يا أستاذة هنا.
بصيت ليه لحظة تانية وقلت كلمة واحدة بس:
_قريب.
لفّيت بعدها ومشيت وأنا ماشية سألت نفسي ليه قلت كده؟
مع إن مفيش حد في حياتي أصلًا.
لكن يمكن كانت مجرد حرقة دم وخلاص.
طلعت السلم بسرعة شوية كنت عايزة أوصل الشقة وخلاص.
وقفت قدام الباب وخبطت، وبعد لحظات اتفتح الباب وظهرت نهلة قدامي ببطنها الكبيرة وملامح التعب واضحة عليها.
_أخيرًا يا هنا! اتأخرتي ليه كده؟
دخلت وأنا بضحك بخفة:
_الطريق كان زحمة شوية وأنتِ اللي مفروض تقعدي وترتاحي مش تفتحي الباب بنفسك.
قفلت الباب ورايا وبصتلها:
_مالك؟ شكلك مرهق.
نفخت نهلة بضيق وهي مسكة ضهرها:
_ما أنا حامل يا ستي،ظهري اتكسر.
ضحكت وقربت منها وسندتها لحد ما قعدت على الكنبة.
_طب اقعدي بقى وأنا أشوف المطبخ فيه إيه، واضح إنك مأكلتيش.
مسكت إيدي قبل ما أمشي وقالت وهي بتبصلي بتفحص:
_استني أنتِ مالك؟ شكلك مش طبيعي.
اتوترت لحظة لكن هزيت كتفي:
_ولا حاجة بس يوم طويل.
سكتت ثواني وبعدين قالت بفضول:
_طب مين اللي كان موصلك؟ شوفته من البلكونة.
ابتسمت بخفة:
_ده آسر ابن صاحب خالك ومديري في الشغل.
رفعت حاجبها بسرعة:
_مديرك بنفسه بيوصلك؟ واضح إن ليكي معزة خاصة.
ضحكت وأنا ماشية ناحية المطبخ:
_يا سلام! متكبريش الموضوع ده طريقه كان في نفس السكة وخلاص.
ردت من ورايا وهي بتتنهد:
_ماشي يا ستي بس أنا هعرف كل حاجة بعدين.
هززت راسي بابتسامة وأنا بفتح التلاجة:
_اهتمي أنتِ باللي في بطنك الأول حبيب خالتو والباقي بعدين.
عدّى اليومين بسلام وولدت نهلة بنوتة عسولة، سمتها ليلىٰ.
كانت صغيرة جدًا ملامحها هادية وصوتها الخافت وهو بيملأ الأوضة كان كفيل يخلّي القلب يلين غصب عنه.
قضيت وقت لطيف معاها بين مشاعر صادقة كإخوات،
وحب واهتمام كصديقة عمر.
مش هنكر إن في لحظات كانت بتمر عليّا مشاعري فيها بتتلخبط.
أوقات بحس بإحساس غريب جوايا، إحساس ما بين إنها بنت الأم اللي رامتني ومشيت، اللي اتجوزت وربّت غيري
واهتمت بيه أكتر.
الإحساس ده كان بيعدّي في قلبي زي غيمة تقيلة بس ما بيلحقش يقعد كتير.
لأن أول ما أسمع صوت نهلة أو كلامها أو نصايحها البسيطة الحِلوة كل الإحساس ده كان بيضعف ويختفي.
كأن قلبها بيحاول يطبطب على جروح
مالهاش علاقة بيها أصلًا.
وساعتها كنت بحس إن يمكن يمكن ربنا أخّر الأخت دي في حياتي عشان تيجي في الوقت اللي كنت محتاجة فيه حد
يشبه الأمان.
والله هي أقدار، تُساقُ إلينا ونُساقُ إليها،
ومهما عملنا فالأمر كله لله وحده.
إن رَضيتم رُضيتم وأمر الله نافذ.
وإن سخطتم بُليتم وأمر الله نافذ.
قُلت بضيق وأنا بحاول أقفل الكلام:
– يا خالو أنا مش عايزة أتجوز.
أنا عايشة حياتي كده مبسوطة ومرتاحة.
فضل يتكلم كتير نصايح وإصرار وكلام عن إن الحياة لازم يبقى فيها حد جنبك.
كنت بسمعه بصمت لحد ما حسّيت إن الكلام بدأ يضغط عليّا.
إتنهدت أخيرًا وقلت باستسلام:
– خلاص يا خالو تمام.
أنا نازلة النهارده إسكندرية ولما أجي نبقى نشوف الموضوع.
كانت نهلة قاعدة جنبي، فبصتلي بابتسامة هادية وقالت:
– خالك عنده حق يا هنا ادي فرصة المرة دي، وافتحي قلبك.
مش يمكن يكون نصيبك الجاي حلو.
رغم إن جاسر…
قاطعتها بسرعة قبل ما تكمل:
– نهلة حمد لله على سلامتك ويارب تقومي بالسلامة.
أنا همشي دلوقتي وإن شاء الله أجيلك تاني.
وبالنسبة للموضوع ده حاضر، هفتح قلبي وأشوف نصيبي المرة دي.
لكن لو سمحتي بلاش سيرة جاسر مرة تانية.
هو أخوكي وعلى عيني وراسي.
لكن أنا مش شايفة نفسي معاه.
وبالنسبة ليّ مش هقولك أخ بس مجرد شخص أعرفه وبس.
ربنا يسهله حاله وأنا عمري ما شفت منه حاجة وحشة.
لكن في الآخر كل واحد فينا ما يقدرش يتحكم
في تقبّل قلبه لحد.
ابتسمت بخفة وأنا باخد شنطتي:
– يلا سلام بقى عشان ألحق.
لفيت أمشي وقلبي فيه إحساس غريب.
مش عارفة أنا فعلًا رايحة لنصيبي ولا بهرب من نصيب تاني.
خرجت من باب العمارة بصيت حواليا أدور على تاكسي يوصلني للمحطة لكن قبل ما آخد خطوتين لمحت عربية واقفة قدام العمارة.
متوقفة كأنها مستنية حد.
مركزتش في الأول لكن لما الباب اتفتح نزل منها الشخص اللي خلّى قلبي يقف لحظة.
آسـر!!!!
وقف قدامي بهدوء غريب…
كأنه متوقع ده كله.
اتجمدت مكاني وبصيتله بعدم تصديق:
– آسر؟!
إنت بتعمل إيه هنا؟
رفع حاجبه بإبتسامة خفيفة وقال ببساطة:
– مستنيكي.
اتعصبت شوية ورديت بسرعة:
– مستنيني ليه؟!
قرب خطوة وأخد الشنطة من إيدي قبل ما ألحق أعترض.
– عشان أوصلك.
شهقت بضيق:
_ههو ده ينفع!!!
غمزلي وقال ببساطة:
– مينفعش ليه؟
رفعت حاجبي باستغراب:
– يا صبر أيوب…
آسر هو مش أنت مدير في الشغل؟
تسيب الشغل عشان توصلني وتروحني؟!
ابتسم ابتسامة جانبية وقال بهدوء:
– يابت أنتِ رغاية ليه؟
احمدي ربنا إن عندك مدير متواضع وبيقدر موظفينه.
– والله؟!!!
رد عليّ بثقة:
– والله يا ست هنا.
أخدت نفس عميق وبصتله بهدوء خفي وركبت العربية.
ومش فاهمة ليه عملت كده كان ممكن أرفض وأمشي
لكن فكرة إنه جه من إسكندرية لِهنا عشاني خَلّتني أرجع عن قرار الرفض.
بعد شوية قال:
– قوليلي بقى… اتبسطتي هِنا؟
هزيت كتفي بخفة ورديت:
– مش أوي ماكنش فيه حد استمتع معاه غير نهلة.
ابتسم وقال بدهشة:
– أووووه…
وفي إسكندرية بتلاقي كتير تستمتعي معاهم؟
رديت بحذر، صادقة:
– آه… شخص واحد بس بيهم كلهم.
اتسائل بدهشة:
– اعرفه؟!!
نظرت ليه ببرود وقُلت:
– لاء.
ابتسم ابتسامة قصيرة وقال:
– تمام.
العربية بدأت تتحرك حاولت ألهي نفسي، ركّزت على الشارع على حركة العربيات…
بس بصتله فجأة وقلت بسرعة، مش فاهمة ليه قلت كده:
_خالو جايبلي عريس وصمّم أقعد معاه، ونهلة أختي قالتلي افتح قلبي ويمكن المرة دي نصيبي يبقى حِلو!
ابتسم وقال:
_عندهم حق لازم تفتحي قلبك وتشوفي حياتك لسه الوقت قدامك طويل وأكيد هتحتاجي شريك حياة معاكِ.
هزيت راسي وبلعت غصة صغيرة في حلقي:
_أيوه عندك حق عشان كده قررت افتح قلبي للمرة الأولى.
_ابتسم وقال بخفة:
ده يابخته بقى إنه هيكون أول شخص يحتل قلبك.
سِكت ومنعت عن الكلام معاه لحد ما وصلنا.
لكن الجو كان مشحون بينا أو يمكن أنا اللي شايفة كده والسبب مني.
نزلت من العربية وهو نزل معايا وقفنا قصاد بعض لحظة.
_بقولك لما خالك يوصل، ما تتكلميش معاه كتير نفّذي وقولي حاضر وبس ماشي؟
رفعت حاجبي مستغربة:
_ده إزاي مش فاهمة وبعدين أنت مالك؟ يلا أنا طالعة.
ابتسم وقال بنبرة خفيفة:
_أهو طولة اللسان من أولها.
سمعته وأنا ماشية لكن ملفتش كملت طريقي بصمت، وكل حاجة جوايا مش قادرة تهدى.
مشيت خطوات قليلة ناحية العمارة والتفّت فجأة بصّيت، هو واقف مبتسم بطريقة ما توقعتهاش وفي عينيه نفس النظرة اللي كنت أعرفها بس مختلفة شوية.
_أه… هنا.
"قالها بخفة، كأن الزمن كله واقف لحظة… وأنا مش فاهمة حاجة."
بلعت ريقي بسرعة وهو ابتسم وقال بصوت هادي:
_بالمناسبة أنا العريس.
اتجمدت في مكاني كلمة واحدة بس لكن قلبي وقع أكتر من أي خبر كنت متخيلاه.
رفعت عيني ليه بحيرة:
_إيه… إزاي؟!
ضحك بخفة وقرب مني:
_أيوه خالك وبابا قرروا نلتقي هما خدوا الخطوة الأولى، وإحنا هناخد الخطوة التانية
وأنا نفسّي متيم في الخطوتين، والله.
"سِكت للحظة كأن كل العالم اختفى حوالينا بس الصوت الداخلي جوايا بيصرخ"
_مش فاهمة حاجة!
ابتسم وقال بلمسة شاعرية:
_مكتوب لكُل الحبايب وعد يتقابلوا ،فـ يوم حنين أحن من اللي كان قبله.
رفعت حاجبها بدهشة:
_أنت بتتكلم بجد؟!
_واثقة فيَّ؟
_آه…
ابتسم وقال:
_يبقى اعتبريها الفرصة الثانية ليكِ.
كملت خطواتين ناحية منه وبصيت له بحب خفي، بس جوايا كان فيه صوت بيتسابق عشان يظهر:
_الفرصة التانية متلقيش تبقى من نصيبك، يليق بيك الفرصة الأولى.
ضحكت...
وهو ضحك معايا بخفة، والعيون حوالينا بتلمع من ضوء الشمس اللي بيداعب الشارع.
الحياة حِلوة المرة دي، أنا اللي ماسكة القلم
أنا اللي برسم صفحاتها وبكل خطوة، كل نظرة، وكل نفس
بقلب مليان شجاعة وحب
بحس إن العالم كله بينحني قدامي وأنا أقدر أكتب قصتي بوجودة.
شاورلي بإيده وغمزلي بابتسامة…
_فأنِستُ بِها أُنس الغَريب بالغَريب.
تـمـت
فـرصة ثانية