الفصل 1 | من 3 فصل

رواية فستقي المحبوب الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامة

المشاهدات
1
كلمة
1,154
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

أنا أتجوز ده؟ ده تلاقيه مكركب وعنده تمانين سنة وبيكح تراب! لا يا بابا.. الموت أهون لي، أنا هانتحر وأخلصكم من عيشتي!”
صرخت “جيهان” بهذه الكلمات وهي تجري في ردهات القصر الفخم، ممسكة بزجاجة دواء مجهول، بينما يركض خلفها والدها “صالح” وهو يلهث ممسكاً ببطنه، وخلفه الخادمات في مشهد أشبه بفيلم كوميدي قديم.
في صالون القصر الفاخر، كان الجد “مكرم” يجلس بهيبته المعتادة، يرتشف قهوته في هدوء قاتل، غير آبه بالصراخ الذي يملأ المكان. عاد صالح إلى الصالون وارتمى على المقعد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
صالح وهو يمسح عرقه: “الحقني يا بابا.. البنت هتضيع مننا! جيهان قفلت على نفسها الأوضة وحالفة لتشرب السم لو غصبتها على الجوازة دي! أبوس إيدك كلم النمرود وشريكك، وقوله نلغي الفكرة دي خالص.. البنت فاكرة إن حفيده (فارس) راجل عجوز مكركب زينا!”
الجد مكرم وضع الفنجان ببطء ونظر لابنه بنظرة حادة: “تلغي إيه يا غبي؟ ده اتفاق عمري أنا والنمرود! شركة (الشرقاوي والنمرود) لازم تفضل في إيد العيلة.. وجيهان هي حفيدتي الوحيدة اللي باسمي، لازم الجوازة دي تتم!”
صالح بقلة حيلة: “طب والعمل؟ البنت هتموت نفسها.. وأمها برضه مش موافقة على بهدلة البنت.”
لمع بريق ذكي وماكر في عيني الجد مكرم، واعتدل في جلسته قائلاً بصوت منخفض: “خلاص.. جيهان مش عايزة؟ مش هنجبرها.. احنا نجيب بنت من دار الأيتام، نتبناها رسمي باسمك، ونقول للناس كلها إنها بنتك التانية اللي كانت عايشة برة ومسافرة، ونجوزها لفارس!”
في تلك الأثناء، دخلت “فايزة” والدة جيهان، وكانت قد سمعت الجملة الأخيرة. التفتت بسرعة وقالت بلهفة: “والله فكرة يا عمي! ده حل عبقري! كده نحمي بنتنا جيهان من الجوازة دي، وفي نفس الوقت نرضي شريكك، والبت اليتيمة دي تكسب ثواب وتعيش في عز!”
توجّه صالح في اليوم التالي إلى إحدى دور الأيتام البعيدة. كانت الأجواء هناك كئيبة، وفي زاوية من زوايا المطبخ، كانت تقف فتاة في مقتبل العمر، تدعى “دلال”. كانت دلال آية في الجمال رغم ثيابها البسيطة؛ بشرة بيضاء ناصعة كالحليب، وعينان واسعتان بلون العسل، وشعر بني فاتح يتدلى على كتفيها. كانت تتعرض يومياً للضرب والمعاملة القاسية من مديرة الدار.
جلس صالح مع مديرة الدار التي استدعت دلال. نظرت الفتاة الأرض بخوف، متوقعة عقاباً جديداً.
صالح بنبرة جافة وعملية: “بصي يا بنت الناس.. أنا هتبناكي وهتبقي بنتي قدام القانون، وهتعيشي في قصر وعز عمرك ما حلمتي بيه.. بس بشرط، في عريس مستنيكي، هتتجوزيه فوراً وتنفذي كل اللي نقولك عليه من غير ولا كلمة.. موافقة؟”
لم تفكر دلال مرتين. تذكرت غرف الدار الباردة، والضرب اليومي، والإهانة. رفعت عينيها العسلية وقالت بصوت مرتعش ولكن حاسم: “موافقة يا بيه.. موافقة على أي حاجة، بس مشوني من هنا ومش عايزة أرجع الدار دي تاني أبداً!”
مرت الأيام بسرعة الصاروخ، وتمت الإجراءات الرسمية، وأُعلن للجميع أن عائلة الشرقاوي استقبلت ابنتهم العائدة من الخارج. ولكن، خلف الأبواب المغلقة، كان الواقع مخزياً.
في غرفتها الفخمة، كانت دلال ترتدي فستان الزفاف الأبيض الذي بدا ساحراً عليها، لكن دموعها كانت تتساقط بصمت. لم تجد كلمة طيبة واحدة من “فايزة” أو “صالح”. بل إن العريس نفسه، “فارس النمرود”، لم يظهر في قاعة العقد، واعتذر جده بأن لديه عملاً طارئاً خارج البلاد، وتمت المراسم بوجود وكيل عنه.
دخلت “جيهان” إلى الغرفة، وكانت ترتدي فستاناً سهرة فاخراً، تنظر إلى دلال بتكبر وازدراء شديد.
جيهان بضحكة مستفزة: “مبروك يا عروسة! شايفة الفستان لايق عليكي إزاي؟ بس متعيشيش الدور أوي يعني.. الفستان ده والسرير ده وكل العز ده بتاعي أنا! أنتي مجرد عروسة بالإيجار، جبناكي من الشارع عشان تتجوزي الراجل العجوز ده بدالي عشان أنا مقبلش على نفسي كده. فاهمة يا شاطرة؟”
نزلت الكلمات كالصاعقة على قلب دلال. شعرت بإهانة شديدة وجرح عميق في كرامتها. كادت أن تصرخ في وجهها، لكنها تذكرت وجه مديرة الدار القاسي والعصا التي كانت تضربها بها. ابتلعت غصتها ونظرت إلى الأرض.
دلال في سرها: “معلش يا دلال.. كلي إهانة واشربي إهانة، بس مترجعيش للذل والضرب تاني.. عدي الأيام دي على خير.”
انتهى اليوم الكئيب، ونُقلت دلال إلى فيلا فارس النمرود الخاصة بناءً على رغبة الجد النمرود، لتبدأ حياتها الجديدة وحيدة في منزل رجل لا تعرف حتى كيف يبدو شكله!
العربية الفخمة وقفت قدام قصر “آل النمرود”. دلال كانت قاعدة ورا، سانده راسها على الشباك، ودموعها نازلة في صمت مغرقة طرحة الفرح البيضاء. الفرح اللي مكنش فيه عريس أصلاً! فارس النمرود مجاش، والكل قال إنه مسافر في شغل مهم برة مصر، والجوازة تمت بوكيل. دلال نزلت من العربية وهي بتجر فستانها بقلب مقبوض، مش عارفة المستقبل مخبي ليها إيه، بس كل اللي فكراه كلام جيهان الحفيدة الحقيقية وهي بتمشيها من قصر الشرقاوي وتقول لها: “أنتي مجرد بديلة.. يعني عروسة لقطة من الشارع عشان تنقذيني من الجوازة دي!”
دلال اتنهدت في سرها وهي بتمسح دموعها بسرعة: “استرها معايا يا رب.. أنا وافقت عشان أهرب من جحيم وضرب دار الأيتام، يارب ميكونش الجحيم هنا أوحش.”
خطت دلال أولى خطواتها داخل بهو القصر الأسطوري. كانت الثريات الكريستالية تلمع ببريق يأسر العيون، والأرضيات الرخامية تعكس الأضواء كأنها مرآة. لكن البرودة لم تكن في طقس الليلة، بل كانت في العيون التي تنتظرها.
في منتصف الصالون، كانت تقف “ناهد هانم” والدة فارس، سيدة شديدة الأناقة، تضع مساحيق تجميل صارمة، ووجها خالٍ من أي ابتسامة. وبجانبها تقف ابنة أختها “شاهيناز”، فتاة ترتدي فستاناً قصيراً صارخاً، وتنظر لدلال من فوق لتحت بقرف وغيرة تكاد تحرق المكان، فهي كانت تخطط بكل الطرق لتتزوج من فارس وثروته.
ناهد هانم بصوت حاد يقطر سمّاً: “أهلاً يا مدموازيل دلال.. أو نقول يا عروسة؟ طبعاً أنتي عارفة إنك هنا بالاسم بس! يعني جوازة على الورق عشان خاطر جد فارس اللي صمم ينفذ كلمته مع مكرم الشرقاوي. أوعي تفتكري نفسك بجد فرد من العيلة دي!”
شاهيناز ضحكت بسخرية ولوت بوزها: “تصدقي يا طنط ناهد؟ فستانها قديم أوي وشكله رخيص.. باين عليها فعلاً إنها كانت مسافرة برة وجت فجأة! دي متليقش تكون حتى خادمة لفارس، مش مراته! فارس النمرود يتجوز دي؟ ده فارس ساب البلد كلها يوم الفرح عشان يهرب من الشوفة دي!”
دلال حست إن خنجر دخل في قلبها. الكلمات كانت قاسية، وجرحت كرامتها اللي بتحاول تحافظ عليها. لمت فستانها بإيد بترتعش، ولسه هترد وتدافع عن نفسها، لقت صوت جهوري قوي بيهز القصر من وراها.
“جرى إيه يا ناهد؟ أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟! دي فستانها يشرف عيلة النمرود كلها، ودي هتبقى ست البيت ده غصب عن عين أي حد!”
التفت الجميع برعب،

فكان المتحدث هو الجد “عاصم النمرود”، شريك مكرم الشرقاوي، وبجانبه ابنه “رأفت” والد فارس. الجد عاصم كان راجل له هيبة ترج الجبال، لابس جلباب صعيدي فاخر يعكس أصله، وعينيه كلها حنان وهو بيبص لدلال.
رأفت (والد فارس) كمل بغضب وهو بيبص لمراته وبنت أختها: “جرى إيه يا ناهد؟ من أولها كده قلة قيمة لبنت شريكي وأخويا مكرم؟ دلال هي الحفيدة الغالية، واليوم اللي فارس يرجع فيه ويشوفها، هيعرف إن جده اختار له صح. شاهيناز.. اتفضلي على أوضتك ومسمعش صوتك هنا تاني!”
شاهيناز اتغاظت جداً ودبدبت في الأرض وهي بتبص لدلال بشر: “ماشي.. بكره فارس يرجع ونشوف هيعمل إيه!” ومشيت وهي بتبرطم.
الجد عاصم قرب من دلال، وطبطب على كتفها بحنية أصلية: “متزعليش يا بنتي.. ناهد وشاهيناز الحقد عامي عيونهم. أنتي من النهاردة بنتي وحفيدتي، والبيت بيتك. فارس ابني شديد شوية وعصبي، وشغل الشركة واكله، بس قلبه أبيض وهيعرف قيمتك. اطلعي يا بنتي ارتاحي في جناح جوزك فوق، ورأفت باعتلك العشا لحد عندك.”
دلال ابتسمت بدموع وحست لأول مرة بالأمان: “شكراً يا جدي.. ربنا يخليك ليا.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...