الفصل 1 | من 2 فصل

رواية في حمى البدر الفصل الأول 1 - بقلم ليلة

المشاهدات
50
كلمة
950
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

“إنت بتقول إيه؟!”
​”ليالي.. أنا مديرك هنا ولا نسيتي نفسك؟”
​”ما نسيتش يا فندم، بس يعني إيه تكليفي ينزل في قرية في آخر الدنيا؟! أنا عمري ما سمعت عنها أصلاً!”
​نظر المدير إلى الأوراق التي أمامه على المكتب، ثم تحدث ببرود قاتل:
“والله دي تكاليف وزارة، وإنتِ لسه في أول طريقك المهني. مش بإيدي أوديكِ هنا ولا هناك، دي تعليمات المديرية.. والرفض معناه وقفك عن العمل.”
​”بس أنا مش هقدر أسيب أهلي في القاهرة وأسافر لوحدي!”
​”دي مش مشكلتي يا دكتورة.. اتفضلي عشان عندي شغل.”
​خرجت ليالي من مكتبه وهي تكاد تنفجر، تمتمت بكل الألفاظ الغاضبة التي تعرفها بكل اللغات. دلفت إلى غرفتها في المستشفى، خلعت البالطو الأبيض بعنف وهي تتحدث بعصبية وصوت مرتفع:
“ما أنا كان مالي ومال الطب! كنت دخلت صيدلة وريحت دماغي.. الله يسامحك يا أمي، إنتِ اللي صممتي! وأهو، بعد كل التعب ده يرموني في قرية مقطوعة!”
​فتحت الباب ودخلت شمس، صديقتها الوحيدة وزميلتها، قائلة بابتسامة:
“دايماً أدخل ألاقيكِ بتبرطمي كده وتكلمي نفسك يا ليالي؟”
​”ما أنتوا تخلوا العاقل يشد في شعره! هتروحوا فين من ربنا؟”
​”إيه اللي حصل تاني؟”
​”سي محمد مدير المستشفى بيقول جه قرار نقلي لوحدة صحية في قرية في الصعيد عشان عندهم عجز!”
​اتسعت ابتسامة شمس وهي تجلس على طرف المكتب بجوارها:
“طب ما هو لسه مسمعني نفس الكلمتين دول من خمس دقائق!”
​لمعت عينا ليالي، والتفتت لشمس بنظرة غير مصدقة:
“قولي والله؟! يعني إنتِ كمان جاية معايا؟”
​”أيوا يا ستي.. مش هسيبك تروحي هناك لوحدك وتعملي خناقات مع خلق الله.”
​احتضنتها ليالي بقوة وهي تشعر فجأة ببعض الأمان، ثم ارتديتا البالطو وبدأتا في متابعة حالات الشفت الأخير لهما.
​”في الصباح.. الساعة السابعة والنصف تقريباً”
​كانت ليالي وشمس تقفان في ممر الوحدة الصحية الجديدة، تتفحصان المكان بذهول.
همست ليالي بتهكم:
“إيه ده بجد؟! دول لسه في العصر الحجري القديم! فين الأجهزة والتعقيم؟!”
​أجابتها شمس وهي تتلفت حولها بهدوء:
“يا بنتي أغلب اللي هنا لما بيتعبوا بجد بيروحوا مستشفى المركز الكبيرة في المدينة.. هنا مجرد حالات بسيطة وإسعافات أولية، ودي ميزة لينا، مش هنلاقي شغل كتير وضغط.”
​هزت ليالي رأسها بتفهم، وبدأتا في التعرف على طاقم التمريض المحلي. مرّ اليوم خفيفاً، هادئاً، على عكس ضغط مستشفيات العاصمة التي اعتادتا عليها.
​مع اقتراب الليل، جلست ليالي بجوار شمس في مكتب الطوارئ وهي تتثاءب براحة:
“ياه.. إيه الروقان ده؟ ده إحنا مكنّاش عايشين يا جدع!”
​ضحكت شمس قائلة:
“وإنتِ اللي كنتِ هتموتي نفسك عشان مش عايزة تيجي!”
​قبل أن تجيبها ليالي، ساد المستشفى فجأة هرج ومرج غريب. أصوات أقدام تجري بعنف، وصراخ مكتوم في الممرات. تبادلت الصديقتان نظرات مستغربة، قبل أن تقتحم الغرفة ممرضة تدعى سعاد، وجهها شاحب كالموت وتتحدث بتلعثم:
“دكتورة ليالي.. الحقينا بسرعه.. الحقينا ف المندرة الجواانية!”
​تحركت ليالي فوراً بدافع المهنة، وخلفها شمس. دخلت غرفة الطوارئ، لتجد المشهد وكأنه خرج من فيلم سينمائي؛ الغرفة ممتلئة برجال ذوي جثث ضخمة، يرتدون الجلابيب الصعيدية، وعلامات الوجوم والوعيد على وجوههم. وفي المنتصف، كان يجلس شاب في الثلاثينيات من عمره، جسده متناسق وكتافه عريضة، قميصه غارق في الدماء، ووجهه حاد الملامح ومشدود من الألم، لكن عينيه البنيتين اللتين تميلان للخضرة كانت تشعان ببرود مخيف.
​زعقت ليالي في الممرضين الواقفين برعب:
“إنتوا واقفين تتفرجوا على إيه؟! حد يعقمني ويديني جوانتي فوراً.. الحالة نزيف بطلق ناري!”
​تحرك الجميع تحت نبرتها الآمرة. اقتربت منه، بدأت في تنظيف الجرح بحذر، وحين غرزت الملقاط لتخرج الرصاصة المستقرة في جنبه، صدرت منه تنهيدة ألم رجولية مكتومة، وضغط على حافة السرير الحديدي حتى كاد يلتوي بيده.
​همست ليالي تلقائياً:
“أنا آسفة.. معلش، استحمل ثواني.”
​بدأت في خياطة الجرح بمهارة وسرعة. تنفست الصعداء بعد أن انتهت، خلعت القفازات الطبية والتفتت للممرضة قائلة بجدية:
“سعاد.. ارفعي السماعة فوراً وبلغي نقطة الشرطة بالحالة دي.”
​تجمدت سعاد في مكانها، وقبل أن تنطق، دوي في الغرفة صوت جهوري، حازم، رغم التعب والوهن الذي فيه:
“إياكِ تتحركي من مطرحك يا بت!”
​التفتت ليالي نحو المريض بذهول، فوجدته ينظر إليها بعينين حادتين كالصقر وقال:
“لا فيه حكومة هتتبلغ، ولا رجليها هتعتب هنه.”
​عقدت ليالي حاجبيها قائلة باستنكار:
“يعني إيه مش هتتبلغ؟! ده شروع في قتل.. ده حقك القانوني!”
​ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة، وقال بنبرة واثقة لا تقبل النقاش:
“حقي بجيبه بيدي يا دكتورة.. إحنا هنه في الصعيد معندناش حكومة تدس خشمها في أمورنا.”
​استفزها بروده وعنجهيته، فاقتربت من السرير وتحدثت بتحدٍ وعناد:
“بس إحنا في دولة، وأنا دكتورة مسؤولة، ولا يمكن هسكت على جريمة.. أنا هبلغ الشرطة يعني هبلغها!”
​في تلك اللحظة، جذبتها الممرضة سعاد من يدها برعب، وهمست في أذنها بصوت يرتجف:
“بلاش يا دكتورة.. الله يخليكي بلاش عناد مع كبير البلد! ده بدر بيه.. ده لو شاور بصباعه يهد الدنيا، حتي لو بلغتي هو هيعرف يتصرف، ومش بعيد يلبسها ليكي إنتِ!”
​نظرت إليها ليالي بصدمة وعدم استيعاب:
“إنتِ بتقولي إيه؟! مفيش قانون هنا؟! أنا مستحيل أسكت!”
​تحامل بدر على جرحه، وسند بظهره على الحائط، ونظر إليها بنظرة مرعبة وهو يقول بصوت منخفض كفحيح الأفعى:
“جربي يا دكتورة تعملي اللي في راسك.. واني هوريكي كيف عاقبة اللي يقف في وش بدر، كبير البلد.”
​تسمرت ليالي في مكانها من أثر نبرته، ثم التفتت بغضب عارم ورزعت الباب خلفها وهي تخرج للممر. صدمت بوجود أربعة رجال بشنبات عريضة، يقفون كالحراس، يحملون الأسلحة النارية بوضوح، وينظرون إليها بنظرات غامضة من تحت لعمائمهم.
​تحركت بسرعة نحو مكتبها حيث تنتظرها شمس المرعوبة:
“إيه اللي حصل جوة يا ليالي؟! مين دول؟”
​تحدثت ليالي وهي تكاد تنفجر من الغيظ، وقلدت طريقته الحادة:
“واحد جاهل.. سايح في دمه، وبدل ما يشكرني إني أنقذت حياته، بيهددني ويقولي جربي تبلغي البوليس وأنا هوريكي مين هو بدر كبير البلد!”
​ضحكت شمس بتوتر:
“يا بنتي بوليس إيه بس، دول شكلهم واصلين أوي، وتلاقيه طار وصراعات عائلات.. خلينا بعيد.”
​كادت ليالي أن ترد، لكن انقطع كلامها حين انفتح الباب فجأة، ووقف أمامها أحد الرجال الضخام الذين كانوا يحرسون الغرفة بالخارج. نظر إليها بهيبة واحترام صارم وقال بلهجة حازمة لا تقبل خياراً ثانياً:
​”الدكتورة ليالي؟”
​”أفندم؟”
​”بدر بيه أمر إنك تعاودي معانا ع الدوار، هتقعدي هناك تشرفي على جرحه لحد ما يقوم بالسلامة.. يلا بينا يا دكتورة.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...