تحميل رواية «في حمى البدر» PDF
بقلم ليلة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ في حمى البدر بقلم ليلة.
رواية في حمى البدر الفصل الأول 1 - بقلم ليلة
“إنت بتقول إيه؟!”
”ليالي.. أنا مديرك هنا ولا نسيتي نفسك؟”
”ما نسيتش يا فندم، بس يعني إيه تكليفي ينزل في قرية في آخر الدنيا؟! أنا عمري ما سمعت عنها أصلاً!”
نظر المدير إلى الأوراق التي أمامه على المكتب، ثم تحدث ببرود قاتل:
“والله دي تكاليف وزارة، وإنتِ لسه في أول طريقك المهني. مش بإيدي أوديكِ هنا ولا هناك، دي تعليمات المديرية.. والرفض معناه وقفك عن العمل.”
”بس أنا مش هقدر أسيب أهلي في القاهرة وأسافر لوحدي!”
”دي مش مشكلتي يا دكتورة.. اتفضلي عشان عندي شغل.”
خرجت ليالي من مكتبه وهي تكاد تنفجر، تمتمت بكل الألفاظ الغاضبة التي تعرفها بكل اللغات. دلفت إلى غرفتها في المستشفى، خلعت البالطو الأبيض بعنف وهي تتحدث بعصبية وصوت مرتفع:
“ما أنا كان مالي ومال الطب! كنت دخلت صيدلة وريحت دماغي.. الله يسامحك يا أمي، إنتِ اللي صممتي! وأهو، بعد كل التعب ده يرموني في قرية مقطوعة!”
فتحت الباب ودخلت شمس، صديقتها الوحيدة وزميلتها، قائلة بابتسامة:
“دايماً أدخل ألاقيكِ بتبرطمي كده وتكلمي نفسك يا ليالي؟”
”ما أنتوا تخلوا العاقل يشد في شعره! هتروحوا فين من ربنا؟”
”إيه اللي حصل تاني؟”
”سي محمد مدير المستشفى بيقول جه قرار نقلي لوحدة صحية في قرية في الصعيد عشان عندهم عجز!”
اتسعت ابتسامة شمس وهي تجلس على طرف المكتب بجوارها:
“طب ما هو لسه مسمعني نفس الكلمتين دول من خمس دقائق!”
لمعت عينا ليالي، والتفتت لشمس بنظرة غير مصدقة:
“قولي والله؟! يعني إنتِ كمان جاية معايا؟”
”أيوا يا ستي.. مش هسيبك تروحي هناك لوحدك وتعملي خناقات مع خلق الله.”
احتضنتها ليالي بقوة وهي تشعر فجأة ببعض الأمان، ثم ارتديتا البالطو وبدأتا في متابعة حالات الشفت الأخير لهما.
”في الصباح.. الساعة السابعة والنصف تقريباً”
كانت ليالي وشمس تقفان في ممر الوحدة الصحية الجديدة، تتفحصان المكان بذهول.
همست ليالي بتهكم:
“إيه ده بجد؟! دول لسه في العصر الحجري القديم! فين الأجهزة والتعقيم؟!”
أجابتها شمس وهي تتلفت حولها بهدوء:
“يا بنتي أغلب اللي هنا لما بيتعبوا بجد بيروحوا مستشفى المركز الكبيرة في المدينة.. هنا مجرد حالات بسيطة وإسعافات أولية، ودي ميزة لينا، مش هنلاقي شغل كتير وضغط.”
هزت ليالي رأسها بتفهم، وبدأتا في التعرف على طاقم التمريض المحلي. مرّ اليوم خفيفاً، هادئاً، على عكس ضغط مستشفيات العاصمة التي اعتادتا عليها.
مع اقتراب الليل، جلست ليالي بجوار شمس في مكتب الطوارئ وهي تتثاءب براحة:
“ياه.. إيه الروقان ده؟ ده إحنا مكنّاش عايشين يا جدع!”
ضحكت شمس قائلة:
“وإنتِ اللي كنتِ هتموتي نفسك عشان مش عايزة تيجي!”
قبل أن تجيبها ليالي، ساد المستشفى فجأة هرج ومرج غريب. أصوات أقدام تجري بعنف، وصراخ مكتوم في الممرات. تبادلت الصديقتان نظرات مستغربة، قبل أن تقتحم الغرفة ممرضة تدعى سعاد، وجهها شاحب كالموت وتتحدث بتلعثم:
“دكتورة ليالي.. الحقينا بسرعه.. الحقينا ف المندرة الجواانية!”
تحركت ليالي فوراً بدافع المهنة، وخلفها شمس. دخلت غرفة الطوارئ، لتجد المشهد وكأنه خرج من فيلم سينمائي؛ الغرفة ممتلئة برجال ذوي جثث ضخمة، يرتدون الجلابيب الصعيدية، وعلامات الوجوم والوعيد على وجوههم. وفي المنتصف، كان يجلس شاب في الثلاثينيات من عمره، جسده متناسق وكتافه عريضة، قميصه غارق في الدماء، ووجهه حاد الملامح ومشدود من الألم، لكن عينيه البنيتين اللتين تميلان للخضرة كانت تشعان ببرود مخيف.
زعقت ليالي في الممرضين الواقفين برعب:
“إنتوا واقفين تتفرجوا على إيه؟! حد يعقمني ويديني جوانتي فوراً.. الحالة نزيف بطلق ناري!”
تحرك الجميع تحت نبرتها الآمرة. اقتربت منه، بدأت في تنظيف الجرح بحذر، وحين غرزت الملقاط لتخرج الرصاصة المستقرة في جنبه، صدرت منه تنهيدة ألم رجولية مكتومة، وضغط على حافة السرير الحديدي حتى كاد يلتوي بيده.
همست ليالي تلقائياً:
“أنا آسفة.. معلش، استحمل ثواني.”
بدأت في خياطة الجرح بمهارة وسرعة. تنفست الصعداء بعد أن انتهت، خلعت القفازات الطبية والتفتت للممرضة قائلة بجدية:
“سعاد.. ارفعي السماعة فوراً وبلغي نقطة الشرطة بالحالة دي.”
تجمدت سعاد في مكانها، وقبل أن تنطق، دوي في الغرفة صوت جهوري، حازم، رغم التعب والوهن الذي فيه:
“إياكِ تتحركي من مطرحك يا بت!”
التفتت ليالي نحو المريض بذهول، فوجدته ينظر إليها بعينين حادتين كالصقر وقال:
“لا فيه حكومة هتتبلغ، ولا رجليها هتعتب هنه.”
عقدت ليالي حاجبيها قائلة باستنكار:
“يعني إيه مش هتتبلغ؟! ده شروع في قتل.. ده حقك القانوني!”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة، وقال بنبرة واثقة لا تقبل النقاش:
“حقي بجيبه بيدي يا دكتورة.. إحنا هنه في الصعيد معندناش حكومة تدس خشمها في أمورنا.”
استفزها بروده وعنجهيته، فاقتربت من السرير وتحدثت بتحدٍ وعناد:
“بس إحنا في دولة، وأنا دكتورة مسؤولة، ولا يمكن هسكت على جريمة.. أنا هبلغ الشرطة يعني هبلغها!”
في تلك اللحظة، جذبتها الممرضة سعاد من يدها برعب، وهمست في أذنها بصوت يرتجف:
“بلاش يا دكتورة.. الله يخليكي بلاش عناد مع كبير البلد! ده بدر بيه.. ده لو شاور بصباعه يهد الدنيا، حتي لو بلغتي هو هيعرف يتصرف، ومش بعيد يلبسها ليكي إنتِ!”
نظرت إليها ليالي بصدمة وعدم استيعاب:
“إنتِ بتقولي إيه؟! مفيش قانون هنا؟! أنا مستحيل أسكت!”
تحامل بدر على جرحه، وسند بظهره على الحائط، ونظر إليها بنظرة مرعبة وهو يقول بصوت منخفض كفحيح الأفعى:
“جربي يا دكتورة تعملي اللي في راسك.. واني هوريكي كيف عاقبة اللي يقف في وش بدر، كبير البلد.”
تسمرت ليالي في مكانها من أثر نبرته، ثم التفتت بغضب عارم ورزعت الباب خلفها وهي تخرج للممر. صدمت بوجود أربعة رجال بشنبات عريضة، يقفون كالحراس، يحملون الأسلحة النارية بوضوح، وينظرون إليها بنظرات غامضة من تحت لعمائمهم.
تحركت بسرعة نحو مكتبها حيث تنتظرها شمس المرعوبة:
“إيه اللي حصل جوة يا ليالي؟! مين دول؟”
تحدثت ليالي وهي تكاد تنفجر من الغيظ، وقلدت طريقته الحادة:
“واحد جاهل.. سايح في دمه، وبدل ما يشكرني إني أنقذت حياته، بيهددني ويقولي جربي تبلغي البوليس وأنا هوريكي مين هو بدر كبير البلد!”
ضحكت شمس بتوتر:
“يا بنتي بوليس إيه بس، دول شكلهم واصلين أوي، وتلاقيه طار وصراعات عائلات.. خلينا بعيد.”
كادت ليالي أن ترد، لكن انقطع كلامها حين انفتح الباب فجأة، ووقف أمامها أحد الرجال الضخام الذين كانوا يحرسون الغرفة بالخارج. نظر إليها بهيبة واحترام صارم وقال بلهجة حازمة لا تقبل خياراً ثانياً:
”الدكتورة ليالي؟”
”أفندم؟”
”بدر بيه أمر إنك تعاودي معانا ع الدوار، هتقعدي هناك تشرفي على جرحه لحد ما يقوم بالسلامة.. يلا بينا يا دكتورة.”
رواية في حمى البدر الفصل الثاني 2 - بقلم ليلة
نظرت ليالي إلى الرجل الضخم الواقف أمامها بصدمة، تحاول استيعاب الجملة القاطعة التي ألقاها في وجهها دفعة واحدة.
”إنت بتقول إيه؟! دوار إيه وبتاع إيه؟ أنا مش هتحرك من مكاني، ورجلي مش هتعتب برا المستشفى دي!”
تنهد الرجل بنفاذ صبر، وتحدث ببرود وثقة تامة:
“والله يا ست الدكتورة دي أوامر الكبير، ومحدش في بلادنا بيجدر يرفض لبدر بيه طلب.. عاد لو وافقتي بالذوق خير، لو ما وافقتيش هتعاودي معانا برضه.”
”أنا هرفض وعادي جداً! أنا جاية بتكليف للمستشفى دي عشان أعالج ناس غلابة، مش جاية عشان أبقى دكتوره خصوصية لكبير البلد بتاعكم!”
نفض الرجل يده بيأس من عنادها، وخرج من الغرفة بهيبته الصارمة. جلست ليالي على الكرسي بعنف، تشعر بالدوران وشرود تام في هذا المأزق الذي وضعت فيه بغير حول منها ولا قوة.
لم تمر سوى دقائق معدودة، حتى صدح هاتفها بنغمتها المعتادة. نظرت للشاشة فوجدته مدير مستشفاها السابق في القاهرة! أجابت بلهفة تحسبه منقذها:
“أيوة يا فندم! الحقني أنا في مصيبة..”
قاطعها صوته وهو يصرخ في أذنها بغضب أطاح بآمالها:
“إنتِ بتعملي إيه عندك يا ليالي؟! إزاي ترفضي تروحي تكملي علاج عمدة البلد وكبيرها؟! إنتِ اتجننتي وعايزة تخربي بيوتنا؟!”
عقدت حاجبيها بصدمة من طريقته، وصاحت هي الأخرى بعصبية:
“لا بقولكم إيه.. وحياة أبوكم لأبلغ عنكم كلكم! هو فيه إيه؟! كل شوية كبير البلد وعمدة البلد! كبير على نفسه مش عليا! أنا مش طالع عيني في سبع سنين كحيت فيهم تراب في الكلية عشان أترمي في دوار وأعالج واحد جاهل مش راضي يبلغ البوليس إنه كان هيموت! لا وكمان هددني في وشي!”
”اسمعي الكلمتين دول كويس يا ليالي.. يا تعملي زي ما بدر بيه بيقولك، يا إما مستقبلك المهني كله هيقيف والمستشفى هنا هتقفل! إنتِ متعرفيش العيلة دي جبروت وسلطة إزاي في المحافظة كلها! روحي معاهم أسبوعين بالعدد يكون الجرح لمّ وارجعي مكانك، وبلاش شوشرة!”
”ولا حتى ساعتين! واللي عندكم اعملوه!” قاطعت الخط بعنف وهي تتنفس بسرعة من شدة الغيظ.
بعد مرور ساعة تقريباً
كانت ليالي تقف في منتصف ردهة بيت واسع، أقسمت بداخلها أنه قصر تاريخي وليس مجرد بيت ريفي. السقوف شاهقة، والأعمدة الرخامية تزيد المكان هيبة.
على أريكة خشبية عتيقة، كانت تجلس سيدة في الستين من عمرها، ترتدي عباءة سوداء وتنتحب بصوت مخنوق بالدموع، وعرفت ليالي فوراً أنها والدة بدر من كلماتها:
“يا عيني عليك يا ولدي.. غدروا بيك يا جلب أمك، خدوك على خيانة وف وسط ضلمة الليل! تتقطع اليد اللي صابتك يا نن عين أمك من جوة!”
دخل بدر الممر وهو يستند بثقله على أحد رجاله المسلحين، وجهه شاحب لكن عينيه كانتا تشعان بالقوة، قال بنبرة حاسمة:
“كله هيتحاسب يا امي.. متجلجيش، حقنا هيرجع تالت ومتلت. وبعدين الدكتورة هنه معايا عشان تسعفني وتعاود الجرح.. مش كديه برضو يا دكتورة؟”
نظر إليها، ولمحت ليالي في عينيه بريق مكر وتحدٍ،
فهمست لنفسها بغيظ مكتوم:
(ده أنا هطلع ميتينك).
ابتسمت بتكلف شديد وقالت بنبرة مصطنعة:
“طبعاً.. طبعاً يا بدر بيه، ده أنا حتى قعدت أتحايل على مديري في القاهرة يجيبني هنا بنفسي عشان أطمن على صحتك!”
لمحت شبح ابتسامة ساخرة ظهرت على شفتيه لثانية قبل أن يخفيها برزانة، وتمتم بهدوء:
“طيب.. دهب هتوديكِ مطرحك ترتاحي.”
حولت ليالي نظرها إلى الثلاث فتيات اللواتي يجلسن بجوار السيدة الكبيرة. وقفت إحداهن، كانت ممشوقة القوام، تتفحص ليالي بنظرات متعالية لم تعجبها أبداً، وقالت بجفاء:
“أني دهب.. تعالى وراي أوريكِ مطرحك.”
أومأت لها ليالي بتكلف وذهبت خلفها صامتة. دلفت إلى غرفتها التي كانت واسعة وباردة، وطلبت من دهب أن تجعل الحراس يجلبون حقيبتها من سيارة المستشفى، فأومأت دهب بامتعاض واضح وغادرت دون كلمة.
ارتمت ليالي على السرير وهي تتوعد:
“منك لله يا مدير الزفت.. وديني لأوريك، مابقاش ليالي إن ما ندمتكم!”
اضطرت للسكوت مؤقتاً حتى لا تثير مشاكل قد تنتهي ببلاغ ضدها يتهمها بالتقصير في العمل والهروب من التكليف.
غيرت ثيابها بأخرى قطنية مريحة بعد أن أحضروا حقيبتها، واستلقت على السرير الواسع ناوية الاستسلام لنوم عميق ينسيها هذا الكابوس، ولكن.. انفتح باب غرفتها فجأة وبدون أي استئذان!
انتفضت ليالي وصاحت بغضب:
“جرى إيه يا اللي يبتليكم ربنا؟! محدش علمكم الأدب وخبط الأبواب ولا إيه؟!”
كانت الفتاة تدعى هند، إحدى الفتيات اللواتي رأتهن بالأسفل، وقفت ببرود وقالت بلهجة آمرة:
“جومي فزّي يا دكتورة.. إنتِ جاية هنه تنامي؟! بدر بيه عيطلع أصوات واعره وكأنه تعبان جوة، جومي شوفي شغلك!”
تأففت ليالي بنفاذ صبر وهي تنهض من السرير، وتوجهت خلفها لغرفة بدر التي لاحظت أنها مجاورة لغرفتها تماماً. دلفتا الغرفة، لتجد بقعة دم جديدة بدأت تتشرب من خلال التيشيرت الأبيض الذي يرتديه مكان الجرح.
تقدمت منه بهدوء مهني، وتناولت علبة الإسعافات الأولية الموضوعة بجانبه، جلست على طرف السرير ونظرت إليه بجدية، بينما كان هو يراقب حركاتها باستغراب.
سأل بدر بنبرة خافتة متحشرجة من الألم:
“فيه حاجة يا دكتورة؟”
”عاوزة أغير على الجرح.”
”ما تغيري.. حد حاشك؟”
قالت ببساطة وثبات: “اقلع.”
اتسعت عينا بدر بصدمة، بينما شهقت هند الواقفة بجوارهما ووضعت يدها على فمها صائحة:
“اتحشمي يا دكتورة! عتقولي إيه إنتِ؟! كيف يجلع خلقاته جبالك؟!”
نظرت إليها ليالي بسخرية لا مبالية:
“لو اتحشمت دلوقتي، كبير بلدكم هيصفي دمه ويموت من النزيف.. إنتوا حرين، أنا مالي؟”
كادت هند أن ترد بحدة، لكن قطعها صوت بدر الآمر الجاف:
“اطلعي برة يا هند.”
”أطلع كيف يا بدر؟! وأتركك هنه مع الحكيمة لحالكم عاد؟!”
نظر إليها بدر بنظرة حادة جعلت الكلمات تجف في حلقها، وقال بهدوء مخيف:
“جولت اطلعي برة.. وسكري الباب وراكِ.”
خرجت هند سريعاً والغضب يكسو وجهها ورزعت الباب خلفها.
تحامل بدر على نفسه وحاول الاعتدال لكي ينزع ثيابه من عنقه، ولكنه تأوه بشدة وظهرت ملامح الألم على وجهه الحاد. تنهدت ليالي واقتربت منه قائلة بنبرة أهدأ:
“خلاص، سيبك.. أنا هساعدك.”
ساعدته برفق في خلع التيشيرت، وعدلت وضعيته ليجلس مستنداً، ثم بدأت في تنظيف الجرح وإعادة خياطته بتركيز شديد.
كسر بدر الصمت متسائلاً بنبرة ساخرة:
“وعلى كده يا بنت البندر.. شوفتي كام راجل من غير خلقاته قبل سابق؟”
تنهدت ليالي محاولة السيطرة على أعصابها وقالت وهي تضع المادة المطهرة:
“أولاً اسمها هدوم مش خلقات.. ثانياً أنا مش واخدة بكالوريوس طب وجراحة عشان أقعد أقول عيب وميصحش والجو ده. أنا دكتورة مسؤولة عن أرواح، يعني لو سبتك دلوقتي بحجة إنك مش ساتر نفسك قدامي، قدامك بالكتير أربع ساعات والتلوث يوصل للدم وندعيلك بالرحمة.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ونظر إليها بعمق قائلاً:
“لسانك مترين يا بنت البندر.. بس يدك
خفيفة.”
نظرت ليالي في عينيه فجأة، ولأول مرة تلاحظ وسامتهما البارزة، واللون البني الساحر الذي يمتزج بالخضرة تحت الضوء الخافت. هزت رأسها سريعا لتنفض هذه الأفكار من رأسها، وأغلقت الجرح جيداً بالشاش الأبيض، ثم سألته بفضول لم تستطع كبحه:
“قولي بقى.. ليه صممت إن أنا بالذات اللي آجي الدوار وأعالجك؟”
أجاب باختصار وهو يلتقط قميصاً آخر نظيفاً بجانبه:
“عشان تبجي تحت عيني.”
”وده ليه إن شاء الله؟!”
نظر إليها بثبات وقال بنبرة حملت تحذيراً مبطناً:
“عشان مش مستعد أأذي روح بريئة، لمجرد إنها واخدة الموضوع عناد وعايزة تدس خشم الحكومة في أموري.. طول ما إنتِ هنه، رجلك مش هتعتب برا الدوار، وحدش هيعرف طريقك.”
نظرت إليه بغضب واشتعال، وقفت ولملمت أدواتها بعنف وقالت:
“أنا غايرة اتخمد! لو حسيت بأي زفت ابعتلي حد.. بس خليه يخبط الأول، خلي يكون عندكم شوية أصول زي البني آدمين!”
استدارت وخرجت متوجهة لغرفتها والتعب ينهش جسدها، ارتمت على السرير واستسلمت للنوم.
”في تمام الساعة الثالثة فجراً”
استيقظت ليالي فجأة على صوت همس مريب يأتي من الشرفة المتصلة بغرفتها.. صوت أنفاس متلاحقة، وصوت سحب أجزاء سلاح آلي! حبست أنفاسها وهي ترى ظلاً ضخماً يتحرك على زجاج الشرفة يقترب من سريرها.
أغلقت ليالي عيونها بسرعة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة إلا لها، تدعو الله أن يمر هذا الكابوس بسلام. فجأة، شعرت بأنفاس قريبة جداً من سريرها، فعقدت النية بأن تصرخ بأعلى صوتها ولا تبالي بالعواقب:
“الحقوني!.. الحقوني يا جدعان!.. يا بدر الزفت.. يا ست الحجة!”
في لمح البصر، اندفع الظل وضغط بكفه الثقيلة على فمها وهو ينطق بصوت خافت غاضب:
“يخرب بيتك!.. اكتمي يا مرا !”
لم تستسلم ليالي، بل استعانت بأظافرها واقتحمت كفه بقوة، فابتعد عنها بسرعة وهو يتأوه، لتصرخ فيه بغيظ:
“المرا دي تبقى يور مازر يا عنيا!.. يا جدعان الحقوني ربنا ياخدكم بدل ما ياخدني أنا!”
في هذه اللحظة، اقتحم بدر الغرفة وعاصفة من الغضب تكسو وجهه، ورغم آثار التعب والألم على ملامحه بسبب جرحه، إلا أن يده كانت ثابتة وهي تسحب السلاح من جيبه وتوجهه مباشرة نحو الرجل المقنع.
وفي ثانية، التف الرجل وسحب ليالي بعنف نحو صدره، واضعاً فوهة سلاحه على دماغها مباشرة. نظر إليه بدر بثبات مرعب، ونطق بنبرة هادئة لا تقبل النقاش:
“سيبها.”
نظرت إليه ليالي بصدمة وعينيها متسعتين:
“وحياة أمك؟! ده اللي ربنا قدرك عليه؟! هو إيه اللي سيبها ده!”
لم يلتفت إليها بدر وقال بصرامة:
“متسمعنيش حسك يا دكتوره”
حولت ليالي نظرها بطرف عينها للرجل الذي خلفها، والذي كان يرتجف رعباً من نظرات بدر رغم أنه يمسك بها، فهتفت بخفوت شديد كي لا يسمعها بدر:
“بقولك إيه يا عم توليت أنت.. ما تطخه هو وتريحني وتريح نفسك؟”
لم تكد تنهي جملتها حتى دوي صوت رصاصة خاطفة أطلقها بدر بدقة متناهية استقرت في رجل الرجل، ليسقط على الأرض فوراً وهو يتأوه بشدة من الألم. نظرت ليالي برعب للأرضية وتمتمت بخفوت:
“ما قولتلك يا غبي اتغدي بيه قبل ما يتعشى بيك!”
تقدم منها بدر، وأمسك ذراعها بقوة ونحاها جانباً بعيداً عن الجثة الملقاة، ثم نزل على ركبتيه وخلع القناع عن وجه الرجل.
اتسعت عينا بدر لثانية قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة شر ووعيد؛ فالرجل لم يكن سوى ابن عائلة “بيت غريب”، جيرانه وألد أعدائه، العائلة التي قتل كبيرها (الحاج نعمان) والد بدر وكانوا يحاولون اغتيال بدر نفسه بالأمس قبل أن يدخل المستشفى.
قال بدر بخفوت ونبرة تقطر سماً:
“وقعت يا ابن غريب.. طب كان أبوك شيع راجل يتعدى عليا وعلى أهل بيتي.. مش يبعت حُرمة ”
نظر إليه الآخر والألم ينهش رجله:
“يا بدر أنت خابر اللي فيها.. أني مليش دخل بمشاكلكم و الطار ده، يا بدر ده إحنا كنا صحاب قبل سابق.. ولا نسيت؟”
ابتسم بدر ببرود قاتل:
“آه نسيت يا مهران.. نسيت لما أبوك جتل أبوي وغدر بيه عشان يكون هو الكل في الكل ف البلد! طب أني ابن كلب ونسيت.. إنت كمان نسيت وداخل تتهجم على الحريم اللي ف داري؟!”
”الهدف مكنش هي يا بدر.. أني كنت عاوزك إنت.”
”وكنت فاكر إنك عتخرج من دواري وإنت جاتلني صاغ سليم أكده؟”
أنهى بدر كلماته وأخرج هاتفاً من جيبه وأجرى مكالمة سريعة:
“أيوة يا فهد.. تعالى بسرعة على دواري وهات رجالتك معاك، وإنت جاي اطرد البهايم اللي واجفين زي جلتهم على البوابة.. ماشي، مستنيك.”
في أقل من عشر دقائق، كان يدخل فهد، ابن عم بدر، ومعه رجاله المسلحين إلى غرفة ليالي. نظر فهد إلى مهران الملقى على الأرض بإهمال، وبدر واقف أمامه ينفث دخان سيجارته ببرود تام، بينما ليالي تقف في الزاوية تنظر إليهم بفضول لا ينتهي.
ابتسم فهد بسخرية وهو يتقدم من مهران ويضربه بطرف حذائه:
“وه!.. مهران بيه عندينا في دوارنا؟ ده أنت لو أبوك بيقدمك قربان للشياطين مش هيرميك الرمية السودة دي واصل!”
ضحك بدر بسخرية مريرة:
“اتصرف معاه يا فهد.. أني مفيش حيل أوسخ يدي في الدم النجس ده، أنا شايل يدي للدماغ الكبيرة.”
تحرك بدر ليغادر، ثم توقف فجأة والتفت ينظر لليالي:
“لو مش عاوزه تشوفيه وهو غرقان في دمه.. تعالي وراي.”
نظرت له ليالي وتقدمت منه بدافع الشفقة المهنية:
“طب سيبه وأنا أوعدك إنه مش هييجي جنبك تاني.”
اقترب منها بدر فجأة حتى كادت أن تسمع صوت أنفاسه، ونظر إلى عينيها بنظرات ساخرة تامة:
“هو إنتِ هبلة كده طبيعي ولا جينات؟”
توترت ليالي من قربه المفاجئ وابتعدت خطوة للخلف:
“لا ده مجهود شخصي وربنا!”
”ورايا.”
نطق بدر بنبرة آمرة حاسمة، واتبعته هي بخطواتها صامتة.
دلفت خلفه إلى غرفته، وأغلقت الباب وتحدثت بسرعة وقلق:
“هو فهد البطل ده هيموته؟”
نظر إليها بثقة وبرود:
“على حسب غزالته.. ممكن يخليه يتعذب يومين، وممكن يبعته للخالق علطول.”
”بس مش ده حرام؟!”
تقدم منها بدر ببطء، وعيناه تشعان بنور غريب، وتحدث بنبرة منخفضة كفحيح الأفعى
:
“ومش حرام إني أشوف أبوي سايح في دمه جدامي وأني مش عارف أعمل إيه؟! مش حرام إني أتيتم وأني لسه عندي عشرين سنة بس؟! مش حرام أشيل مسؤولية عتكسر الكتاف، وياريت مسؤولية داري لاه.. دي مسؤولية قرية بحالها؟! قوليلي يا دكتورة.. لما يبقى بجالك عشر سنين بتحطي راسك على المخده وإنتِ عتفتكري يا ترى هتموتي مقتولة بكرة ولا بعده؟!”
كان يقف أمامها مباشرة، يفصل بينهما بضعة سنتيمترات فقط. شعرت ليالي بالثقل في كلامه، وقلبت عيناها محاولة الخروج من هذه الهيبة المشحونة والهروب من نظراته:
“طب.. عاوزة أشوف جرحك.”
جلس بدر على طرف السرير، وخلع قميصه بطريقة درامية متمهلة. ظهرت عضلات جسده القوية وصدره العريض، ونظر إليها بعينيه البنيتين اللتين تلمعان بخضرة غامضة في ضوء الغرفة الخافت وقال:
“تعالي.”
بلعت ليالي ريقها وتحدثت في نفسها
بتوتر:
(إيه يا ليالي؟! بتتوتري ليه دلوقتي؟! عادي يا حبيبتي روحي شوفي جرحه واخرجي، مش هتحصل حاجة يعني.. ولو حصل ارقعي بالصوت وكلهم هيتلموا هنا).
أقنعت نفسها وتحركت خطوة للأمام، محاولة التركيز على هدفها الطبي فقط، لكنها عندما اقتربت وبدأت تتفحص الجرح، عادت تتحدث في نفسها بذهول:
(ما شاء الله.. إيه الريحة اللي تدوخ دي؟! لا يا ليالي لا.. إحنا مش بتوع الكلام ده يا ماما! بس الريحة تخبل.. ده برفيوم إيه ده؟!)
بينما كانت هي غارقة في حوارها الداخلي، كان بدر ينظر إلى ملامح وجهها القريبة منه بعمق، وعلي شفتيه ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى، وتحدث هو الآخر في نفسه:
(إيه يا بدر؟! إيه يا كبير البلد؟! هتبص لوحدة مش شبهك ولا من بلادك ؟! ما أنت طول عمرك واجف زي الجبل لحالك، لا عمرك بصيت على حريم.. هتبص ع الدكتورة؟!)
أبعد نظره عنها فجأة وهو يشعر بشيء خاطئ يتسلل لقلبه، شيء لا يجب أن يشعر به إطلاقاً وسط معاركه.
أنهت ليالي تضميد الجرح بسرعة ونظرت له بهدوء لتبدد التوتر:
“خلصت.”
أعاد نظره إليها، وسرح في عينيها بدون وعي منه، وكانت هي الأخرى تستكشف خفايا عينيه الحادتين..
انخفض صوته وتكلم بنبرة عميقة جعلت قلبها يتحرك من مكانه:
“عينك حلوة يا دكتورة!”