لم يتوقع نوح أبداً أن يكون صوتها بهذا الهدوء وهي مقيّدة بالسلاسل الفضية.
صُنعت تلك السلاسل لتأكل جلد أمثالها ببطء، لتدفع الوحوش للصراخ أو التوسل أو لإظهار الأنياب كأي حيوان يُساق للذبح.
لكنها اكتفت بابتسامة هادئة وغامضة، أشعلت داخله شعورا بالكراهية والارتباك معاً، ثم رفعت عينيها الزرقاوين نحوه، وقالت بصوت ناعم بارد كالموت:
“تأخرت يا نوح… كنت أنتظرك منذ عشرين سنة.”
تجمد الدم في عروقه.
رنين الفضة واصل اهتزازه الخافت مع أنفاسها المنتظمة، لكن كلماتها كانت القيد الحقيقي، الذي شعر به يلتف حول عنقه، لا معصميها.
خطا داخل الغرفة الحجرية، ازداد البرد فجأة، تأرجح مصباح الغاز الوحيد فوقهما، فرسم ظلالاً حادة على وجهها الشاحب، بدت كأنها انتُزعت من أسطورة ملعونة.
شعرها الذهبي مبعثر فوق الكرسي الحديدي كخيوط شمس تحتضر. أما عيناها فكانتا صافيتين بشكل مقلق. يقظتين أكثر مما ينبغي، لا تنظران إليه فقط، بل تخترقانه.
قال بحدة أرادها درعاً لاضطرابه:
“كيف تعرفين اسمي؟”
خرج صوته خشناً، كزمجرة حيوان جريح يرفض الاعتراف بألمه.
سيسيليا لم تهتز، ارتسمت على شفتيها ابتسامة مستفزة، ابتسامة امرأة تملك اليد العليا رغم الفضة التي تنهش جلدها.
“أعرف أكثر من اسمك… أيها القائد نوح.”
مالت رأسها قليلاً، تستمتع برؤية التوتر يتسلل إلى ملامحه.
“أعرف أنك لا تنام أكثر من أربع ساعات كل ليلة… وأعرف أن الندبة على معصمك الأيسر ليست من التدريب.”
خفضت صوتها لهمسة زلزلته:
“كانت من أول عملية قتل، حين ارتجفت يدك للمرة الأولى وأنت تصطاد وحشاً كان يتوسل الرحمة.”
تصلب فكه حتى برزت عضلاته.
لكنها لم تتوقف.
مررت عينيها ببطء على وجهه قبل أن تستقرا على شفتيه، بنظرة واثقة أشعلت دمه:
“وأعرف أيضاً… أنك لم تلمس امرأة يوماً.”
صمت.
ثم ابتسمت بخبث:
“ليس لأنك لا تستطيع… بل لأنك تخشى أن تتعلق بها ثم ترحل، كما فعل الجميع.”
تراجع خطوة… كلماتها صفعة مشتعلة.
لا أحد يعرف عن الندبة، لا أحد يعلم شيئاً عن حياته الشخصية… لا أحد باستثناء فيكتور.
سؤال واحد فقط انفجر في رأسه، سؤال ثقيل مرعب امتزج فيه الغضب بالقلق:
كيف بحق الجحيم عرفت؟
قال هذه المرة بصوت أخفض وأخطر:
“من أنتِ؟”
رفعت سيسيليا ذقنها، جلدها الأبيض محمر، لكن التحدي في عينيها لم ينطفئ.
“أنا مفتاحك يا نوح.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!