تحميل رواية «في قبضة اولاد الراوي» PDF
بقلم ميفو سلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كانت تلفظ أنفاسها بصعوبة والدموع تنساب بقوة . قبضت على يد اختها بضعف وهمست بصوت مبحوح يقطر قهرا..... ماتسيبيش ابني يا ملوك.. خلي بالك منه... ابني يا ملوك.. أوعي تفرطي فيه ليهم. دول جاحدين يا ملوك قلوبهم حجر صوان مابيلينش دول وحوش كافرة بالرحمة مابيعرفوش غير لغة الدم والقهر. هما الأسياد واحنا العبيد ليهم. . أنا حكتلك كل حاجة شفت غدرهم بعيني. شفت الجبروت وهو بيدوس على أي حاجه إنسانية عشان كبرياء عيلتهم ومنصبهم. شهقت بقوة وهي بتحاول تسحب نفس أخير وعينيها متثبتة في عين توأمها كأنها بتستحلفها..... خد...
في قبضة اولاد الراوي الفصل السابع 7 - بقلم ميفو السلطان
مرت الأيام ثقيلة فاقت ملوك لتجد نفسها وحيدة مرة أخرى أمام القبر تواري ملك الثرى بجانب أمها. وكأن القدر كتب عليها أن تكون هي دافنة الأحباب والحارس الوحيد لذكرياتهم.
وقفت ملوك أمام القبر المكان هادئ بشكل مرعب لا يقطعه إلا صوت أنفاسها التي تخرج محملة بنار الغل.
انحنت ملوك ببطء وكأنها بتركع للأرض اللي بلعت نصها التاني. مدت إيدها المرتجفة وكبشت تراب القبر بقوة ضغطت عليه لحد ما ضوافرها غرزت في الطين بالظبط زي ما عملت يوم موت أمها.
وبصوت مبحوح لكنه أحد من السيف همست... المرة اللي فاتت يا أمي كبشت ترابك وعاهدتك إني هكون الجبل.. والنهاردة يا ملك بكبش ترابك وبقولك إن الجبل ده هيتحول لبركان يبلع الأخضر واليابس.
فتحت ملوك ببرود قاتل الكيس الحريري اللي شايلاه من سنين. الكيس اللي فيه تراب قبر أمها وفضت التراب القديم فوق تراب ملك الجديد.. خلطت وجع الماضي بـ نار الحاضر ودمجت دمعة الأم بصرخة الأخت.
ثم.. لمع النصل أخرجت ملوك المشرط وبحركة سريعة ودقيقة شرطت كف إيدها شرطة عميقة نزل الدم ساخنا.. نزل ليغسل تراب القبر والحرير.
حطت كفها النازف على التراب وعينها بتلمع بنور شيطاني... وعهد الله ووجعك يا ملك إللي حرق قلبك وقلبي .. وعهد الدم اللي بيجري في عروق ابنك.. إني ماهيهمني حد ولا هيغمضلي عين إلا وحقك وحق عمر واصل لمكانه. وزي ما عاهدت أمي إني ما أدخل صنف راجل حياتي النهاردة بجدد العهد.. ملوش مكان في قلبي غير عمر الصغير والغل لآل الراوي. دمي ده يا ملك هو صك البيع لروحي.. أنا بعت الدنيا النهاردة واشتريت كفن عامر وعمار... اسياد الأرض هبلعهم تراب أرضهم..
شالت إيدها من على التراب فتركت بصمة دم معلمة في قلب الأرض. وقفت ملوك مسحت الدم في ثوبها الأسود وبصت للسما بضحكة خاوية... استعد يا عامر.. الملوك مش بس جاية.. الملوك حلفت بدمها ودم الملوك طوفان يا ولاد الراوي.
---
عادت إلى البيت ذلك البيت الذي كان يوما يعج بضحكات ملك ورقة مليكه فأصبح موحشا باردا لا يكسر سكونه إلا صرخات الصغير..عمر الراوي الصغير.
ذلك الطفل الذي جاء للدنيا يتيما قبل أن يرى النور مات أبوه غدرا وأمه قهرا ولم يكن لهما ذنب سوى أنهما أحبا في زمن لا يعرف أسياده سوى لغة الدم والأرض.
ألا إن ملوك نفضت عنها غبار الضعف سريعا فمعدنها الأصيل لا يظهر إلا في المحن. شدت من أزرها ووقفت كالجبل شامخة ليس لأجلها بل لأجل هذا الصغير الذي يملأ صراخه أركان البيت.
التصقت ملوك بابن أختها وبشكل مفاجئ ومذهل انفجر داخلها حنين الأمومة الذي لم تكن تعلم بوجوده. ملوك الطبيبة القوية العنيفة التي كانت ترفض صنف الرجال وجدت نفسها تذوب أمام ملامح عمر الصغير. التي هي نسخة مصغرة من أبيه الراحل وعيون اختها المكلومه .
كانت تضمه إلى صدرها وهي تهمس في أذنه.. نام يا عمر.. نام يا قلب ملوك. حقك وحق أبوك وأمك في رقبتي ليوم الدين. والله لآخد حقكم من عيلة الراوي نفر نفر ولو كان التمن روحي.
كانت تنظر إلى خاتم عمر في إصبعها وتشعر بمسؤولية تنوء بها الجبال. أصبحت ملوك الآن هي الأب والأم والدرع أصبحت لبؤة تدافع عن شبلها وسط غابة من الوحوش. وبداخلها الف صرخة... الخاتم ده كان قيد في إيد ملك.. بس في إيدي أنا هيكون مشنقة لرقابكم يا عامر.****
في أوضة ندي و مها كانت قاعدة بتبرد ضوافرها ببرود مستفز وبتقول لندى.. يا بت بطلي عياط على اللي راح.. عمر ما كان ليكي من الأول ده كان مسحور بالبت المصرية دي. ركزي في عمار الجد هيجوزهولك عشان يلم الورث. وأنا عيني على عامر.. السرايا دي بكرة تفضى لينا ونطلع خيالات عمر والبت دي منها البخور. دا بقت عيشة تغم
ندى طلعت صور" كانت مخبياها لعمر بس مها انفعلت وقامت خطفتها منها وقطعتها وهتفت بحده... اللي بيموت في السرايا دي مابيرجعش.. والحي ابقي من الميت يا حبيبتي اعقلي كده
دخلت عليهم سعدات مغلوله... لازم السنوية دي تعدي والجد يجتنع إن البت غارت في نصيبه دا باعت يدور عليها دا حزن. عمار لازم يتجوزك يا ندى بطلي زفت نواح علي أيامك الطين .. مش ناجصين ورثة غرب يدخلوا يجاسمونا في حلالنا. أنا بعت حد يراقب الجد وعرفنا إنه لسه باعت ناس يدوروا.. بس متوكده أن عامر مش هيسكت وممكن يجلب علينا السرايا.
*******في زاوية هادئة من الغرفة كانت تجلس مليكه. لم تكن قد نقت تماما من هول الصدمة ولكن عاد صوتها ولكنه عاد متلعثما لا تقوي علي النظر للغرباء تخشى كل شيء.. . في ذلك المساء كانت ملوك خارج البيت وملك تجلس بمفردها مع الصغير. فجأة انقطع التيار الكهربائي فعم الظلام الدامس أرجاء الشقة. تسمرت مليكه مكانها وشعرت ببرودة تجتاح جسدها النحيل. بدأت ترتعش بعنف ووضعت يديها فوق أذنيها لتحتمي من أشباح الماضي التي بدأت تتراقص أمام عينيها في الظلام.
همست بصوت غير مسموع شفتاها تتحركان بلا صدىلا.. لا سي بو ني.. سي بو ني لو ا حد ي.
بكى الصغير عمر بحدة فاهتز كيان مليكه. الخوف على الطفل كان أقوى من خوفها على نفسها. تحاملت على ضعفها وبدأت تزحف في الظلام نحو سرير الصغير وهي ترتجف . عندما لمست يداها جسد الطفل أحست بدفء غريب تسلل إلى قلبها الخائف. ضمت عمر الصغير إلى صدرها وبدأت تهزه برفق وهي تهمس بكلمات غير مفهومة كأنها تعويذة تحميه وتحميها.
فجأة طار عصفور صغير كان قد ضل طريقه واصطدم بزجاج النافذة ليسقط على الحافة مرتجفا غير قادر على الطيران.
مليكه التي فقدت نطقها لم تفقد رحمتها. انتفضت من مكانها بخفة تكاد لا تسمع واقتربت من العصفور بعينين تلمعانِ بدموع محبوسة. لم تصرخ ولم تناد أحدا.. بل مدت يدها المرتجفة ببطء شديد.
حملت العصفور بين كفيها الصغيرتين وضمته إلى صدرها بحنان.. فبدأت تهزه برفق كأنها تهز طفلا رضيعا.
في تلك اللحظة..تحركت شفتاها كانت تحاول أن تغني له هدهده كانت ملك تغنيها لهما وهما صغار.. شفاه تتحرك باللحن.. وعيون تفيض بوجع مكتوم. مسحت برأسها على ريش العصفور وظلت تهمسُ له بروحها..ماتخافش.. أنت لسه عندك اجنحة.. أنت تقدر تطير وتسيب المحبس ده.. طير أنت يا صغيري عشان أنا مبقتش أقدر خلاص.
عندما استعاد العصفور توازنه وطار بعيدا ظلت مليكه تنظر إليه حتى اختفى في السماء ثم نظرت إلى كفيها اللتين لا تزالان تحتفظان بدفئه وابتسمت ابتسامة باهتة حزينة.. ابتسمت لأنها استطاعت أن تنقذ روحا من السقوط في حين أنها سقطت هي حبيسة مخاوفها ولم يمد لها أحد يده.
---
وعلي بعد آلاف الكيلومترات كان عمار يجلس فوق التراب ملتصقا بقبر أخيه عمر كأنه يحاول استمداد الدفء من جسد واراه الثرى. لم يكن عمار الراوي الجبار الذي يخشاه الجميع بل كان حطام رجل لحيته نبتت بإهمال وعيناه غارقتان في سواد الندم.
سند رأسه على الرخام البارد وبكى بكاء مكتوما يمزق الصدر همس بصوت محشور بالدموع.. سامحني يا خوي.. سامحني يا عمر. الدنيا من بعدك بقت سجن كبير والسرايا اللي كنا بنتعارك عليها بقت جبر بيضيق عليا كل يوم. جتلتك بيدي وأنا فاكر إني بحميك وبحمي شرف العيلة مكنتش أعرف إني بدبح نفسي وبدبح النور اللي كان فاضل في حياتنا.
مسح وجهه بكفه المرتجفة وتابع بنحيب... أنا ضعت يا عمر.. ضعت وتاه مني الطريج. يجد شايل سيفه في وشي وعامر بقى حجر صوان وأنا.. أنا ميت وباتنفس. يا ريتني كنت مكانك يا خوي ويا ريتك كنت أنت اللي عايش.يا رب خدني إني كمان يا رب مامتحملش. يا رب كان روحي والله يا رب كنت بحوشه ولا اتمنيته ذره اذي يا رب انت عالم حبه في جلبي.. سامحني يا اخوي منها لله حسبي الله فيها.. ااااه يا حرجة جلبي.
كانت الرياح في المقابر تصفر وكأنها ترد على نحيبه وبينما هو حبيسا لندمه وظلمه في شقة القاهرة كانت مليكه تنظر لعصفورها الطائر من بعيد تنتفض من صوت الريح ذاتها حبيسة روحها المفقوده
*****
في زاوية ضلمة من السرايا كانت فؤادة قاعدة بتهز جسمها بوجع وصوت نحيبها المكتوم يقطع القلب. دخلت عليها نجوان وبدأت تمسح على كتافها وهي بتقول بنبرة حادة بس فيها مواساة..
وحدي الله ياما كفاية بكة ونديب العياط مش هيرجع اللي راح وعمر خلاص بقا في دار الحج. ارحمي نفسك وارحمي عامر وعمار كفاية عليهم اللي هما فيه.
فؤادة رفعت راسها وعيونها غرقانة دموع وقالت بصوت مشروخ.. مش جادرة يا نجوان.. مش جادرة يا بتي. جلبي محروج على ولدي. دخل على الجبر جتة هامدة وهو في عز شبابه. النار اللي في جوفي مابيطفيهاش بحور الدنيا. ولدي راح يا نجوان.. راح غدر.
نجوان ضغطت على إيدها وقالت بقهر.. ما تجسيش على عامر وعمار يا ياما.. والله غصب عنهم. هما مكنش جصدهم يكتلوه هما كانوا فاكرين انهم بيدافعوا عن اسم الراوي وعن شرفنا.. ده دماغهم إن البت مسهوكة لافت على عجله. عمار ما جتل أخوه بطلجة طايشة.. عمر إلي مسك المسدس وهو بيحوشه.. عمار ونار الندم واكلاه أكتر مني ومنك. ما تزوديهاش عليهم السرايا محتاجة سند وهما سندنا اللي فاضل.
فؤادة سكتت لحظة وشهقت بشهقة توجع وقالت... عارفة يا بتي.. عارفة إنهم ولادي وعارفة إنهم مكنش قصدهم.. بس جلبي محروج جلبي واكلني على ولدي الصغير اللي اندفن في عز شبابه عشان خاطر واحدة لا راحت ولا جت. ليه يا عمر؟ ليه يا ولدي رخصت نفسك ورخصت دمك عشان خاطر غريبة؟
ردت نجوان بجمود وهي بتبص لبعيد.. خلاص يا ياما الحساب عند ربنا.اهي جثة واندفنت الا البت دي لو طالتها إيد عامر أو عمار بكرة مش هيسموا عليها. المهم دلوك نلم شمل السرايا ونجوي عامر وعمار عشان يجدروا يجفوا قدام الناس في السنوية بكرة وهما رافعين راسهم.
*******
كانت ملوك في غرفتها والظلام يلف المكان إلا من ضوء خافت يسقط على وجهها الذي تحول لقطعة من الفولاذ. لم تكن ترتاح بل كانت تميت نفسها في التمرين تدفع جسدها لأقصى حدود الطاقة بـ غل يتفجر من عروقها مع كل حركة.
عرقها يتصبب وأنفاسها تخرج لاهثة كأنها شرار نار. كانت تضغط على أعصابها بـ قسوة مريعة وكأنها تعاقب جسدها لأنه لم يحم أختها، وتؤهله ليكون السوط الذي سيجلد كبرياء عائلة الراوي.
وفجأة.. توقفت لاهثه.. اقتربت من النافذة سحبت الستار ببطء وثبتت نظراتها الحادة نحو الأفق.. هناك تخيلت حيث يقبع قصر الراوي شامخا بجدرانه التي تظن أنها منيعة.
لمعت عيناها ببريق شيطاني وهمست بصوت يخرج من دهاليز قلب محروق.. شايفاك يا عامر يابن الرواي.. وشايفة قصرك اللي فاكره حصن. بكرة هتتهد السرايا دي طوبة طوبة فوق دماغ اللي فيها. بكرة هدخلها مش عشان أستخبى في ضلها أنا هدخلها عشان أطفي النور اللي فيها بدمكم. استعد يا ابن الراوي.. ملوك بقت بتحضر كفنكم بيديها
الضربة القاضية لآل الراوي يابن الراوي مفيش حد هيهرب من الحساب. فاكر نفسك في أمان... ضحكت بفحيح .. .. دانا بعدلك الثواني يابن الرواي عشان اوريك أمان الملوك عن حق. .
*******
دخل عمار المكتب وجد عامر جالسا في الظلام لا يضيء المكان الا قنديل صغير
عمار بصوت مبحوح.. مش ناوي تنام يا خوي؟ السرايا بقت بتخوف وهي فاضية.. حاسس بخطوات عمر في كل ممر.
عامر بنظرة جامدة كالصخر.. عمر ماراحش يا عمار.. عمر عايش في جلوبنا....التفت متنهدا... شفت جدك وعمايله . بيدور عالبت إللي طفشت بالفلوس.. ناوي يرجعها..
عمار بغل وحزن.. ترجع فين.. ده أنا أهد الدار دي قبل ما تعتبها. واحدة رخصت أخونا. كانت السبب في جتله وجنونه زي الممسوس.. منها لله حرجت جلوبنا وفرجتنا عن بعض لو أطولها كت دبحتها.
وجلس وكل منهم مشاعره هائجه يصبانها علي تلك المسكينه التي واراها الثري انها السبب في مقتل اخيهم... ******دخلت ملوك علي اختها واحتضنتها نظرت ملوك إلى مليكه ودموعها التي تنهمر بصمت ربتت على وجنتها بحنان وقوة في آن واحد ومسحت دموعها وهمست.. إحنا مالناش إلا بعض يا قلبي أنت وابن أختك الله يرحمها وبس.. واعرفي إنك أنتِ وهو بقيتوا روحي واللي هيقرب منكم هنهش قلبه.
همست مليكه بتقطيع وصوت يرتجف من أثر الصدمة.. طب.. طب.. هنـ.. هنعمل.. إيـ.. إيه فيـ.. في عـ.. عمر؟ لا.. لازم يعـ.. يعرف عيلته.
سهمت ملوك قليلا شردت بعينيها اللتين تحولتا إلى جمر مشتعل وفي ذهنها عاصفة من الغضب والخطط التي ستحرق الأخضر واليابس. لم تكن تفكر في تعريف الصغير بعيلته من أجل صلة الرحم بل من أجل الحق الذي سُلب والدم الذي سُفك.همست بجمود.. سيبها علي الله وعلي عبدته الفقيره. ضحكت ضحكة قصيرة لا تصل لعينها وتابعت بجمود مرعب... استني عليا.. بكرة الملوك توري السادة.. إن الوجع لما بيتحول لمشرط مابيسيبش جتة سليمة.****بدأ الجد سعفان يستعيد صحته رويدا رويدا لكن قلبه ظل معلقا بذكرى عمر. لم ييأس بل بعث فريقا من معارفه المخلصين للبحث عن ملك في كل شبر ليرد لها اعتبارها كما وعد حفيده قبل رحيله.
دخل عليه عامر الذي بات يشعر بجفوة جده وسأل بمرارة.. هو أنت دلوك مش معتبرنا عيالك يا جدي؟
هتف الجد بحدة... مالك يا عامر؟ ليك حاجة في تصرفاتي؟ ولا هتيجي كمان تتحكم في جدك؟
اندفع عمار خلف أخيه وهتف بغضب وندم يحاول تصريفه في غير موضعه.. إيه يا جدي؟ أنت لسه بتدور على اللي كانت السبب في جتل أخوي؟
صرخ الجد بصوت هز أركان الغرفة... إنتو اللي جتلتوه أنتو السبب وما هسامحكم واصل لحد ما ألاجيها وأرد لها حقها.
نظر عمار إليه بغضب فحرقته على أخيه تحولت لغل تجاه ملك بينما استمر الجد في إصدار أوامره بصرامة...
سنوية أخوك هتدبح فيها خمس عجول وتجيب شيخ من مصر وتعمل حاجة لله.. فلوس أخوك أمانة في رجبتي ليوم الدين.
هتف عامر بغضب فهو فعلا لا ينظر للمال ابدا. .. وإحنا مابنبصش على فلوس يا جدي.. رد الجد بلسعة سوط... والنبي إيه..وجتلتوه ليه مش عشان الفلوس؟
صاح عامر بقهر علي أخيه ... هو ماكنش جصده ارحم عمار يا جدي كفاية جلبه المحروج.
هتف الجد بسخرية مرة.. يعني ارتدع البعيد.. والا بيحس.. عموما إني برضك ماهسيبش عهدي لو طلعت روحي. عهدي لابن ابني وسره في ودني يتردله حجه. ****
كانت ملوك مستلقية على فراشها جسدها ساكن كالجثة لكن عيناها كانتا تشعان بنور شيطاني وهي تحدق في سقف الغرفة الصامتة. في يدها كانت تمسك بـ مشرط صغير نصله يلمع تحت ضوء المصباح الخافت كأنه عين أفعى تتربص بفريستها.
بدأت تحركه في الهواء بحركات دقيقة ورشيقة كأنها ترسم ملامح خصمها في الفراغ أو كأنها ممسوسة بروح لا تهدأ إلا بالانتقام. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تقشعر لها الأبدان، وهمست بصوت رخيم يملأه الغل...
عاااااامر الراوي...يا ترى هيطلع لك إيه مني يا عامر يا راوي... يا ترى لما أشوفك وشك.. هعمل فيك إيه؟
ضحكت ضحكة قصيرة خاوية من أي مرح وتابعت وهي تزيد من سرعة حركة المشرط في الهواء..بيقولوا وحش وجبروت... وسيد الناس؟.. يا رب يكفيك شر جبروت حرقة قلب الملوك لما تنوي. الجبروت اللي دست بيه الغلابة هسحقهولك تحت رجلي.. والهيبة اللي لابسها زي التوب هقطعها لك حتة حتة بالمشرط ده.
لمعت عيناها بنار تلتهم الأخضر واليابس وتخيلت للحظة وجه عامر الراوي وهو مكسور العين أمامها وهو يرى سلطته تتهاوى تحت ضربات ذكائها وقوتها. كانت ملوك في تلك اللحظة لا ترى أمامها سوى قصاص عادل ونهاية تليق بأسطورة وحش الصعيد الذي تجرأ وداس على طرفها.
استناني يا ابن الراوي.. ملوك جاية وجايبة معاها نار مش هتنطفي إلا بكسرتك.. *****أقيمت السنوية وتحولت ساحة القصر إلى مشهد مهيب يجمع كبار البلد والمشايخ ووجهاء القوم. كانت ليلة سوداء في تاريخ العائلة . ليلة تليق بفقيدهم الشاب.
وقف عامر في وسط الجمع شامخا بظاهره محطما بداخله وهتف بصوت جهوري.. اليوم ده اللي فطدنا فيه زين شباب الراوي عمر فضل الراوي. يوم ما يتنساش يوم أسود حل عالعيلة هنفضل عمرنا كله ننعي فيه ذكراه.
وفجأة.. وبينما كان الجميع ينصتون في خشوع لسيد الناس المستشار عامر الراوي . انشق الزحام عن خطوات واثقة قوية وقع كعب حذاء على الرخام كان يضرب القلوب قبل الأرض. توقفت الخطوات أمام عامر مباشرة وسط ذهول عامر ليتفاجيء عندما. ....
*********
بينما كان الراوي يوارون التراب على قطعة من قلبهم كانت هناك ملوك تشحذ مِشرطها في الظلام. لم تكن ملوك تبكي بل كانت تتبلور من جديد.. تتحول من أخت مكلومة إلى قدر لا يُرد.
فيا عامر.. ويا عمار..لا تغركم حصونكم ولا تغركم ألقابكم. فالحق الذي ذبحتوه في ملك والوجع الذي سكن عيون مليكة والسر الذي دفنه عمر في أذن جده.. كلها خيوط ستنسج حول رقابكم كفن الغرور.
ستدخل الملوك نجعكم لا لتطلب العزاء بل لتأخذ الثمن.. تُدبر في الخفاء وتضرب في العلن. وبين جبروت المستشار وانكسار الفارس وضياع النسمة.. سيبقى السؤال
من الذي سيصمد حين يزأر الحق في وجه الباطل؟
وهنا.. انقسم الزمان لنصفين
نصف ينوح على ما فات ونصف يرتجف مما هو آت. السرايا اللي كانت فاكرة إنها دفنت سرها مع عمر مكنتش تعرف إن القدر بعت لها ملوك عشان تفتح القبور وتحاسب الأحياء قبل الأموات.
يا ولاد الراوي..الليلة مش ليلة عزا الليلة هي ليلة رد المظالم. ملوك مدخلتش السرايا عشان تطلب رضاكم ولا جاية تدور على مكان في ضلكم. الملوك جاية وفي إيدها اليتيم اللي أنكرتوه وفي قلبها المشرط اللي هيشرح هيبتكم وفي عينيها نار ملك اللي مش هتنطفي إلا بدموع ندمكم.
انتهى زمن الصمت.. وبدأ عصر الملوكالسؤال دلوقتي: عامر الراوي هيعمل إيه وهو شايف نسخة من جبروته واقفة قدامه بوش امرأة؟ وعمار اللي غرقان في ندمه، هيقدر يواجه السر اللي شايله المشرط؟**تاتش ميفو للفانز**
البارت خلص بس الحكاية لسه بتبدأ.. ملوك دخلت السرايا في عز الزحمة في عز الهيبة وفي عز وجع السنوية. دخلة الملوك دي هي الضربة الأولى في حرب مش هيكون فيها أسرى. تفتكروا أول كلمة هتنطق بيها ملوك قدام عامر وسعفان هتكون إيه؟ وايه اللي هيحصل لما عامر يشوف الخاتم في إيدها؟
الحساب بدأ.. والملوك مابتسيبش حقها استعدوا للي جاي لأن زلزال السرايا لسه في أوله 🖤🔥..
رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل التاسع 9 - بقلم ميفو سلطان
كان عامر واقف يغلي عيونه مركزة على ضهر ملوك وهي تبتعد بمنتهى البرود . في اللحظة دي عامر كان محبوس في كبريائه اللي اتهان .. بس عقله كان بيفكر في أخوه وفي الامانه اللي ذكرتها وحس إن كرامة أخوه وكرامته هو شخصيا بقوا رهن للست دي.
نبل داخلي بيجبره يشيل شيلة أخوه.
حاسس إن لو سابها تمشي. يبقى كأنه خان نفسه قبل ما يخون ذكرى أخوه فلو رحلت سيظل عمرا يتسال ماذا لو كانت صادقه. . هو بيكرهها؟ جايز.. عايز يكسرها؟ أكيد.. بس يسيبها؟ مستحيل.
هو مش بس خايف على أمانة أخوه هو بيحس إن فيه خيط نار مربوط بين نبض قلبه وبين خطواتها كل ما تبعد خطوة الخيط ده يتشد ويحرق صدره.
وعشان هو عامر الراوي اللي كلمته سيف ومايفرطش في إللي يخصه مهما حصل ومهما كان كرهه للي قدامه صرخ فيها بصوت عالبارود….
أمانة أخوي في عهدي.. بروحي أحافظ عليها.
تسمرت ملوك مكانها لثانية كانت تتوقع اي شيء إلا أن يردها وينادي عليها لكنها سرعان ما استعادت برودها وأكملت سيرها دون أن تلتفت خلفها وكأنها لم تسمع شيئا.
استشاط عامر غضبا من تجاهلها فاندفع نحوها وقبض على يدها بقوة أوقفتها رغما
أحست بلسعة فشدت يدها منه بقرف وعيناها تشتعلان غضبا. صرخ فيها وهو يحاول السيطرة على أنفاسه اللاهثة….
طلبتي الأمان واني أهه.. عامر الرواي بديكي الأمان.
لفها ليه بعنف بصوت مكتوم من فرط الغل.
ولما أكلمك.. تجفي وتسمعي أنا مش خيال مآتة بتعدي من جنبه والكلمة اللي طلعت مني دي تمنها رجاب.. إنتِ فاهمة يعني إيه عهد عامر الراوي؟
ظلت تنظر إليه بصمت مخيف عيناها تجوبان وجهه كأنها تقيم الموقف لكن بداخلها قرار واحد لن تثق به أبدا.
استدارت لترحل فاندفع يمسكها مرة أخرى بقلة صبر . شدت يدها منه بعنف ووقفت أمامه كالحائط السد وهتفت بفحيح مرعب…
تاني مرة هتلمسني فيها.. هقطع إيدك يا ابن الراوي.
أغمض عينيه بقوة محاولا لجم شيطانه الذي يدفعه لكسر كبريائها بينما ابتعدت هي عنه بضع خطوات وقالت بسخرية..
هاتلي أمارة يابن الروأي.
قطب جبينه استنكار فتابعت هي بسخرية….
هاتلي أمارة إن ليك عهد أو أمان بدل ما ألاقي نفسي تاني يوم محدوفة في مصرف ولا مرمية في أي أرض ومحدش يعرفلي طريق.
هنا انفجر هو غاضبا وصوته يجلجل في المكان…
ليه.. جتالين جتلة؟
وفجأة انفجرت هي ضاحكة.. ضحكة صافية عفوية خفق لها قلبه بعنف لم يعهده من قبل. لانت ملامحه رغما عنه وسهم في وجهها كانت ملامحها جميلة وهادئة. لكن لم يكن الجمال وحده هو ما يسحر بل تلك الهالة التي ترسمها حولها وتلك العيون التي تشع قوة وجبروت.
توقفت عن الضحك فجأة وعادت ملامحها للجمود…
مش لاقية كلام والله.. لا العفو يا سيادة وزير العدل أنتوا تقتلوا.. دأنتم العيبة مابتطلعش منكم.
هنا تدخل الجد ….
لاه يا بتي.. عامر لو جال كلمة هي سيف على رجبته.
التفتت إليه وهتفت بجمود..
وأنا ماعرفوش يا حاج وماعرفش كلمته ولا السيف ده.. السيف ده ممكن يدبحني أنا لو وثقت فيه غلط.
أخذ الجد نفسا وأكمل بجدية…
بكرة لما تعرفيه هتعرفي إن عامر أه شديد بس ساعة الكلمة لو السما انطبجت على الأرض ماهيغيرش كلمته واصل.
تنهدت وأجابت ببرود أحرق دم عامر..
ومين قالك إني هعرفه أو عايزة أعرفه يا حاج. أنا لا عايزة أعرف ده ولا ده.
شعر عامر بالغضب الشديد كيف تتبجح وتعلن زهدها في معرفته هو سيد الناس. هو من تتمنى أجمل النساء وأكثرهن دلالا مجرد لفتة من عينيه.
اكملت وهي توجه حديثها للجد وحده…
أنا هاخد منك أنت عهد وكلمة إنك هتصون الأمانة يا حاج.
أجاب الجد بلهجة مقدسة…
عهد جدام ربنا يا بتي إن أمانة ولدي في نن عيوني وفي جلبي.
هدأت نبرتها قليلا وقالت بصدق لأول مرة…
ماشي يا حاج.. وأنا هصدقك بس عارف ليه.. عشان عمر قالي إنك راجل تعرف ربنا وتحبه قالي نفسي أوريكي جدي كان بيقولي هيفرح بيكي وبينا.. بس مالحقش.
اهتزت ملامح الجد تأثرا…
طب يا بتي.. إيه هي الأمانة؟
أجابت بصرامة…
هجيبهالك يا حاج.. بس تاني هاخد عهد عليك.
هنا لم يطق عمار صمتا فصرخ بسخرية…
لاه.. داحنا هنتشرط وهنجعد نعمل هوانم بقة.
نظرت إليه بقرف…
أعمل هوانم؟ وأنت تعرف الهوانم منين ؟ بس عموما مش محتاجة أعمل.. وأيوة هتشرط يإما همشي ومالكوش عندي حاجة.
ضرب الجد الأرض بعصاه ليصمت الجميع وهتف بترقب…
جولي يا بتي.. إيه شرطك وإيه هي الأمانة؟
هتفت بصوت ثابت…
محدش يجبرني على حاجة ولا ياخد أمانة عمر غصب.
ساد الصمت وظل الكل ينظر إليها بذهول كأنهم يحاولون استيعاب تلك الجرأة لكنها أكملت بلهجة قاطعه…
لأني أصلا مابنجبرش لحد ولا مخلوق على وجه الأرض يقدر يسيطر عليا أصلا.
تنفس الجد بعمق وهتف بوقار
ماشي يا بتي.. ليكي اللي طلبتيه.
لم تعلم هي لماذا اتجهت لعامر بالذات وقفت أمامه مباشرة حتى شعر بهزة في أعماق كيانه لم يختبرها من قبل ابتسمت له بسخرية لاذعة استفزت كل ذرة رجولة فيه لكنه كبت غضبه ببراعة مستشار محنك وهتف بجمود….
ماهنجبركيش يا بت الناس.
ثم التفتت لعمار بنظرة صامتة فظل صامتا يحترق من الداخل فزمجر عامر بصوت هز جدران المكان…
— عماااار…..
تنهد عمار بضيق وتبرم ثم امثل لأخيه وقال بمرارة…
ماهنجبركيش على حاجة.
تنهدت هي بعمق وقالت بوضوح…..
تمام.. أنا دلوقتي همشي واسيبكم تهدوا وتفكروا هنتعامل إزاي مع بعض. بس اعرفوا إني مش هقبل بأي تقليل وأي حد هيقلل مني مالوش عندي حاجة.
استدارت بكبرياء لتخرج وفي تلك اللحظة رجف قلب عامر رغما عنه اندفع وراءها كالمجذوب ووقف أمامها فجأة ليقطع طريقها.
فارتدت هي للخلف بخفة. رفعت هي نظرها بتحد فهتف هو بنبرة تحمل الشك…..
إيه يضمنلنا إنك هتاجي تجيبي الأمانة..
ابتسمت بسخرية وقالت….
يعني لو كلفت نفسك وفكرت.. هتعرف تفكر؟
هنا فقد عامر السيطرة على هدوئه واقترب منها بخطوات غاضبة وهو يهتف بوعيد…
بطلي طريجتك دي إني عديتلك مد يدك وتهجمك عليا.. لكن لسانك ده إني هجطعه إنا ماحدش بيكلمني كده واصل.
لم تتراجع إنشا واحدا بل قالت ببرود استفزه أكثر…
والله أنا أتكلم براحتي وماجيتش عندك أصلا عشان أكلمك.. إنت اللي ناطط في طريقي.
صرخ فيها بغضب جحيمي وعيونه تطق شررا…
مالك شايفه نفسك كده إنتِ ماتعرفيش مين هو عامر الراوي اللي الكل بيحفي عشان بس يلمحه؟
نظرت له من أسفل لأعلى وقالت بكلمة واحدة كانت القنبلة…. أبو بشلة…
ثم انفجرت ضاحكة بلامبالاة .
في تلك اللحظة عمي الغضب بصر عامر انقض على يدها ومسكها بقبضة كادت تحطم عظامها وجذبها إليه
وهتف بفحيح مرعب وعروق رقبة بارزة…
لمي نفسك إني ممكن أموتك دلوك ولا يطرفلي جفن.. إيه الجرف ده؟ ما تبصي في المراية وشوفي إنتِ مين وإحنا مين. إنتِ مجرد حتة بت جاية من الشارع وعيلة الراوي اللي بتضحكي عليها دي تدوسك وما تسميش عليكي…
دنت ملوك من عامر ونظرت في عينيه بنظرة اخترقت كل حصونه.. وهتفت بصوت مبحوح يقطر قهرا..
أخوك دلوقت تحت التراب يا ابن الراوي.. يا ترى لو رجع بيك الزمن كنت هتفضله عايش في حضن الجربوعة النصابة زي ما بتقول ولا كنت هتفضله جثة تحت الرخام؟ انطق.. الموت عندك أهون من إن أخوك يحب واحدة برا مقامكم؟
ازداد بريق الدموع في عينيها لكنها لم تسمح لها بالسقوط….
عمر الراوي مات.. ومراته كمان ماتت والله ماتت بسببكم. إحنا بني آدمين على فكرة مش عبيد عندكم في السرايا.. إحنا لينا قلوب بتتحرق ولينا كرامة بتنداس بس إنتو ما بتشوفوش غير الألقاب والمنصب.
ساد صمت مرعب وهي تبتلع غصتها ثم رفعت اصبعها و همست بمرارة زلزلت كيان عامر….
عارف..لو كنت أعرف إن النهاية هتكون كدة لو كان فيه يمين أتحاسب عليه كنت منعت عمر مني.. كنت حبسته في قلبي وسيبته يعيش بعيد عن غدركم سيبته يعيش حتى لو بعيد عني بس يفضل يتنفس. دا اسمه الحب يا باشا دا الفرق بين البت إللي من الشارع ومعالي الباشا الكبير.
اقتربت منه ملوك حتى انعدمت المسافات وضعت يدها فوق نبض قلبه الذي كان ينتفض تحت كفها كعصفور مذبوح ونظرت في عينيه بعيون تلمع همست بوجع..
قلبك.. قلبك ده مابيوجعكش؟ بتعرف تنام.. مرتاح على السرير اللي أخوك اتمنع منه؟ شاب زي الورد اندفن في عز شبابه بسبب عنجهيتكم وكبركم الفارغ إنت مفكر إنك كسبت؟
ابتسمت بمرارة والوجع يصرخ من ملامحها….
عمر دلوقت في الجنة هيقابل مراته في يوم اللي حبها وهيفرح بيها بعيد عن سجنكم.. عمر ماكانش بتاع دنيا كان هيقعد فيها ليه ولمين وإنتو حواليه؟ والحمد لله إنه مات.. بس مات وهو حر.
ثم مالت على أذنه وهمست بنبرة تقطر قهرا جعلت جسده يرتجف بالكامل…
تفتكر لو كان عاش.. كان هيسامحك؟ كان هيفضل فيه صلة دم بينكم بعد اللي عملتوه؟ عمر كان راجل حر ولو كان عاش كان دفنكم بالحيا في قلبه.. إنتو قتلتوه بس هو اللي فاز بالراحة وإنت اللي فضلت هنا.. ميت جوه روبك وطبقيتك و كبرك.
صمت عامر تماما تجمدت الكلمات في حلقه لم تكن لمستها رقيقة بل كانت صلبة كقوة شخصيتها لكنها جعلت قلبه يرجف همست له بنبرة باردة…
اهدى على روحك واتقل.. عشان هي والعة لوحدها و سيب الجربوعة في حالها…
تركته واقفا في ذهوله متخبطا من كلامها الألم ينهش قلبه علي أخيه . واستدارت لترحل لكن صوته خرج مخنوقا بالخوف من غيابها المفاجئ فهتف خلفها باصرار…
هتاجي تاني بجول…
توقفت للحظة لكنها لم تلتفت وقالت بصوت واثق…
وإيه اللي يخليني ماجيش فكر إيه اللي هيجبرني ماجيش أنا إديت كلمة للراجل الكبير اللي جوه وأنا كلمتي عهد.. عهد الملوك يا بن الراوي وبكرة تعرف عنه لما أسمح ليك إنك تعرفه.
استدارت لتكمل طريقها لكنها فجأة توقفت وعادت إليه بخطوات سريعة وقفت أمامه مباشرة وصوبت نظراتها إلى عينيه وهتفت بتحذير أخير
وإياك تبعت حد ورايا.. فاهم؟
رحلت هذه المرة فعلا تاركة وراءها بركانا يغلي وآلاف التساؤلات ظل عامر واقفا يراقب أثرها وكلما ابتعدت خطوة أحس بشيء غريب يسحب من روحه عيناه معلقتان بظهرها وهي تبتعد بوقار الملوك وسط ممر الحديقة.
وصلت ملوك إلى بوابة القصر الضخمة وهناك.. لاحظ عامر توقفها المفاجئ.
كانت ملوك قد استنفدت آخر ذرة من قوتها يومان بلا طعام وأعصاب مشدودة فضت علي البقية من قوتها..
فجأة.. شعرت بضباب أسود يغزو رؤيتها والأرض تميد من تحت قدميها. مالت بجسدها لتركن إلى البوابة .
ترنحت ملوك وقبل أن ترتطم بالأرض اندفع الحارس الواقف عند البوابة ليتلقفها محتضنا إياها ليمنع سقوطها.
في تلك اللحظة انفجر بركان في صدر عامر بلا سبب منطقي. . اندفع كالبرق وبحركة عنيفة تفيض بالامتلاك مد يده وشدها إليه بقوة منتزعا إياها من يد الحارس.
رمق الحارس بنظرة قاتلة نظرة جمدت الدماء في عروق الرجل فانسحب في ثانية خوفا من غضب سيد القصر.
كانت ملوك غائبة عن الوعي تقريبا لا ترى أمامها سوى ضباب رهيب تتشبث بخصره تحاول استجماع شتات نفسها لكن هيهات. .
انحنى عامر فوق وجهها أنفاسه لاهثة تضرب بشرتها الشاحبة. تـأملها وجفونها التي ترتعش بضعف أذاب صخور قلبه. عيونه علي تفاصيلها كأنه سحر او مس جسدها بين أحضانه أطاح برصانته في تلك اللحظة اختفت القوة ولم يتبق إلا ملوك الضعيفة في يد عامر الانسان.
كان قلبه يقرع طبول الحرب . استكانت بجسدها الواهن ومالت براسها علي صدره وظلت مغمضة العينين تنهج أنفاسها لفحت عنق عامر الذي تجمد مكانه.لم يعلم لماذا لم يضعها علي احد الكراسي وظل محاوطها ودخل بها حجره الحارس و غاب معها في تلك الحجره تاركا المستشار الرزين بالخارج .
بدأت ملوك تعود ببطيء وتشبثت بقميصه دون أن تدري.. لعلها تعود.. فتحت عيونها لترى وجهه قريبا منها انتفضت في حضنه وهي تصرخ…
فيه ايه يا بتاع أنت سيبني.. أنت إيه ده.
شعر عامر بغيظ مكتوم بدل أن تشكره على إنقاذها من الأرض تسبه وبحركة مباغتة أفلت يديه عنها فجأة.
لتسقط ملوك على الأرض بارتطام آلم جسدها المتعب. أغمضت عينيها من شدة الألم والدوار الذي رفض الرحيل وظلت جالسة مكانها لا تقوى على الحراك.
وقف عامر أمامها ركن ظهره إلى الحائط وربع يديه ببرود ينظر إليها ببرود ولكن مراحل قلبه تشتعل وهي تحاول جاهدة أن تسند يدها على الأرض لتقف لكن يدها كانت تخونها وتنزلق.
ضحك عامر بنبرة مستفزة..
ممكن تحاولي تجولي جومني عادي على فكرة.. ولا هو جبروت وعناد ع الفاضي وأنتِ مش جادرة تصلبي طولك؟
رفعت عيونها إليه بحدة…
ماتتكل علي الله يا سيادة المستشار.. مش ناقصة خنقة إيه القرف ده.
رفع حاجبيه بدهشة وانحنى قليلا وهو يتأملها..
برضه لسان مبرد هو أنت طبيعية؟ مابتخافيش خالص؟
نظرت إليه باحتقار وهي تحاول التوازن..
وأخاف ليه هو أنت بتخوف ليه بتعض؟
هز رأسه بابتسامة غامضة ظهرت لأول مرة…
على فكرة.. أنتِ بقيتي بالنسبة لي مسلية جوي.
لم ترد عليه بل قبضت بكل قوتها على طرف مقعد قريب حاولت بصعوبة بالغة.
لم يعطيها الفرصة فانحني وامتلكها من خصرها وبشده قويه رفعها للاعلي فارتدت بصدره رفعت يدها تركن عليه رغما عنها وتلاقت نظراتهم لفترة جمود عجيب بينهم وتوهان غريب.. كان يقبض علي خصرها بقوه يتحكم في نفسه الي ان ألم خصرها فانتفضت وتراجعت بصعوبة.
فهتف عامر بنبرة يحاول أن يجعلها طبيعية لم تخلُ من أمر….
همي.. أوصلك.
قطبت جبينها باستنكار..
توصلني؟ توصلني بتاع إيه أنت كمان؟
تنهد
بضيق مصطنع..
أهو بعمل فيكي ثواب بدل ماتجعي في نص السكة وعربية تهرسك.. الطريج واعر وأنتِ مش شايفة قدامك.
استجمعت شتات كبريائها ونظرت في عينيه بقوة..
هتفرح ساعتها صح؟ أنت إزاي جواك كم الغل ده كل ده عشان أنا مش من المقامات اللي تشرف حضركم؟
هتف عامر بحدة..
لاه.. عشان ضحكتي على أخوي وهو غلبان وطيب.. أنتِ ماتنفعيش لأخوي واصل.
قطبت جبينها وسألت بمرارة… ليه عشان فقيرة؟
فاندفع عامر وقال بصدق جارح… لاه.. عشان أنتِ فرسة رماح.. عايزة اللي ياخدك يلجمك . حد شديد يملكك ويسيطر علي طيحتك وعمر كان أرق من إنه يجاريكي. اللي يجاريكي لازمه جبروت فوق جبروت
فتحت عيونها على اتساعها من ذهول وصفه لها شعرت ببعض الخوف فهو محق فهيا تختلف عن ملك . أحنت رأسها مرة واحدة ولم تنطق.
هتف عامر بإصرار… جولت أوصلك.. خايفة من إيه؟ عادي أوصلك.
استدارت لترحل وهي تترنح…
أخاف من إيه.. أنت ليه مصمم على كلمة الخوف دي أنتم مابتعرفوش إلا الكلمة دي؟ أنا لو بخاف ماكنتش جيت خبطت على باب بيتكم وأنا عارفة أنتم إيه.. اللي يخاف ده عنده حاجه يخاف عليها انتو خدتو كل حاجه. .. أنا لو بخاف ماكنتش رجعت أرد أمانة وأنا مستنية غدركم في كل لحظة.
صرخ عامر بعزة نفس: إحنا مش غدارين يا بت الناس…
هتفت بسخرية مريرة… بجد؟ لا خالص.. فعلا باين أوي…
لم يشعر بنفسه اندفع وهو يحاول تبرير موقف عائلته لها.. … أنتِ مش فاهمة اللي حصل ..انت عايزانا نعمل إيه لما نلاجي…..
قاطعته بقوة… لا أنا فاهمة كويس ومش محتاج تفهمني.. عن إذنك يا سيادة المستشار ماينفعش توصل جربوعة زىي.. حد يشوفك ولا حاجة ويقولوا المستشار مركب جربوعة معاه.
استدارت بصعوبة وبدأت تمشي وهي تتطوح يمينا ويسارا.
لم يحتمل عامر منظر وهنا فاندفع ووقف أمامها يسد طريقها بجسده الضخم
أني مابيهمنيش حد.. يلا أوصلك جولت.
نظرت في عينيه بذكاء وقالت…
ريح روحك.. مش هتعرف مكاني. أنا فاهمة لفك ودورانك ده كله ليه مش لوجه الله ولا خايف عليا.. أنت عايز تعرف أنا مستخبية فين بالأمانة التانية.
صرخ عامر وقد فقد أعصابه..
أنتِ اللي نيتك سواد أنا مابلفش ولا بدور ولا بعرفه .. ولو مش عايزة تركبي أولعي.
هتفت ببرود ذبح كبرياءه…
عليك نور.. سيبني أولع بقة. وسع كده إلا الجربوعه توسخلك عربيتك.
استدارت بصعوبة بالغة وخرجت من البوابة تاركة إياه يقف في منتصف الطريق يشتعل بنار الحيرة والغضب وعيناه تلاحقان طيفها المترنح حتى اختفت عن ناظريه.
كان الطريق للقصر ترابي طويل ليسمع هو بعد برهة صياح فخرج علي الفور وجدها تقف كالوحش ترفع مشرطها أمام شابين قلبه وقع في قدميه.
اندفع فورا وطار بعربته كالمجنون إليها ونزل ووقف امامها والغضب بعيونه جحيم الا ان الشابين كانا يعرفانه فهربا علي الفور
اندفع بلهفه عجيبه.. لمسك حد عملك حاجه إنت كويسه. بيكي حاجه انطجي
الا انه انصدم نظرت إليه وهي بتنهج وساندة على العربية همست بسخريه… تبعك دول صح.. باعتهم ورايا عشان تخلص من وجع الدماغ.
عامر التفت ليها ومسح عرق جبينه بهدوء رتنفس ليهدا وقال بنبرة فيها نبل حقيقي لأول مرة. ِ
عامر الراوي لو حب يخلص من حد بيخلص بكلمة من لسانه في المحكمة، مش بغدر في طريج مجطوع. وأنا جولت أوصلك عشان خايف على أمانة أخوي مش عشانك.
وفتح لها باب العربة بكل أدب وقال… اركبي.. وهنزلك في المكان اللي تختاريه ومش هبص ورايا أعرف دخلتي أنهي بيت. المهم ترجعي سالمه.
هزت راسها ببرود… مابركبش مع غرب يابن الناس.. ثم أكملت بصدق.. بس عموما شكرا علي حركه المجدعه.
رفع حاجبيه… غريبه تشكريني مش انا الهجام والحرامي.
مطت شفتيها. بلا مبالاه….. انا لما حد بيعمل ليا حاجه لازم أرجعها لو بموت.. وأنا ماعنديش إلا كلمتي محلتيش غيرها.
واستدارت تمشي وهو يقف مدهوشا بكلامها.
اندفع إليها وهتف بلين غريب…. هتاجي صوح.
نظرت اليه بإستغراب لا تفهم إصراره أو تلك النبرة.. تنهدت وهزت راسها.
مد يده ونظر اليها…. عهد عامر الراوي بيستناكي تجيبي امانه اخوي.
ظلت تنظر ليديه فتره لا تعلم ماذا تفعل ولكنها وجدت نفسها ترفع يدها وتضعها بيده فارتجف قلب الاسد من لمستها وقالت.. عهد بنت الهاشمي يابن الراوي اجبلك امانه أخوك.
شدت يدها من يديه كأنها تسحب روحه واستدارت وهو ظل ساهما كالصنم لا يتحرك الي ان اختفت من أمامه وبداخله عاصفه هوجاء لا يفهمها.
عاد بعد فترة و دخل عامر وعيناه تشتعلان بنار غير مفهومة جلس وكأنه يجلس على جمر يآكل في روحه.
قطع عمار الصمت وهو يوجه كلامه للجد…
إيه يا جدي ناوي تعمل إيه مع البت دي؟ إحنا مش لازم نوثج فيها واصل.. لازم نشوف إيه الأمانة دي وعلى أساسها نتصرف.
رفع الجد عينيه المليئة بالحكمة والقسوة معا وسأل بنبرة جمدت الدماء في العروق…
تتصرف إزاي تموتها.. تموتها هي كمان يا عمار…
هب عمار واقفا كأن لغما انفجر تحت قدميه صرخ بحرقه…
حرام بقة يا جدي جلبي إنهري كفاية.. كفاية الذنب اللي شايله عمري كله إني جتلت أخوي.. كفاية باكل في حالي كل يوم ولا يوم نسيت ارحمني يا جدي.. والله ماعت جادر واصل..
ظل عامر شاردا في طيفها كلامها ملامحها المستفزة وقوتها الغريبة التي هزت كيانه. استدار الجد نحوه وعيناه تراقبانه بحذر وهتف…
بتفكر في إيه يا عامر اصحك تكون بتفكر تأذيها…
رد عامر بصوت مخنوق….
أنت عارفني يا جدي.. إني إديت كلمة خلاص وعامر الراوي كلمته عهد.. بس يا تري إيه الأمانة دي؟ وإيه اللي مخبياه ورا ضهرها؟
سهم عامر قليلا ثم انطلقت الكلمات من بين شفتيه بنبرة خافتة يخاطب روحه…
بس دي كت مرت عمر إزاي… مامصدجش إن دي كت مرت عمر.. إني لما جابلتها زمان كانت مش كده خالص ولا عيونها دي كيف الوحش توجف تاخد جلب اللي قدامها براحة.. كيف دي؟ ماخابرش.. عمر كان حنين وطيب دي إزاي مرته؟ دي عايزة أسد.. وحش يجدر عليها.. دي وجفت نهشت جلوبنا وسط الخلج ولا اتأثرت.. كيفها دي مرت عمر؟
كان الجد ينصت إليه يراقب تشتت حفيده وانبهاره الخفي الذي يحاول مداراته خلف الغضب فقطب جبينه ورد بتعجب…
ماخابرش يا ولدي.. هو جال إنها طيبة وحنينة وكيف الجطة.
هنا انفجر عامر صارخا…
ودي جطة دا مرار إيه ده دي فرسه مالهاش وصف .. وبعدين جال محجبة البت كانت بتلعب عليه وبتمثل إنها طيبة ولابسة ومجفلة.. أيوه وأخوي أهبل وانضحك عليه إني حاسس إننا دخلنا في نار البت دي مش طبيعية واصل.
هز الجد رأسه بوقار وهتف….
ماخابرش يا ولدي.. بس كلام عمر إني مابنسهوش واصل وعهدي ليه هيكمل حتى لو كانت مين حتى لو كانت شيطان مرت عمر هتنشال عالراس كرامة للي راح.
******
بينما كان الرجال في صراع القوة بالأسفل
كانت نيران الغيرة تحرق الطابق العلوي. اندفعت ندى داخل الغرفة وهي تلطم على خديها بذهول وحقد…
شفتوا البت الفاجرة.. جت تجول إنها مرته إني حاسة بنار في صدري.. لو ماكنش مات كنت جتلته هي دي اللي خدته منينا وهي دي اللي واجفة تتبجح وتتكلم.. دا مسكت عامر وكانت بتردحله باين عليها جاية من الشارع وما لجتش اللي يربيها.
ردت مها بغل مكتوم وعيناها تلمعان بالشر…
الحيوانة ترفع يدها على أسيادها انا ماعارفاش عامر ماجتلهاش ليه دي كان لازمن تنحبس وتتأدب.. أجول إيه؟ جدي هو اللي سمح هو اللي بوظنا.
أما الأم فكانت تدور في الغرفة بقلق تفرك يديها ببعضهما وهتفت بريبة…
ماعارفاش.. جلبي مش مطمن واصل ودخلة البت دي وراها خراب مستعجل.. جيب العواجب سليمة يا رب البت دي وراها سر كبير إحنا مش هنسكت بيت الراوي إللي هيدخلو غيرنا هيندفن هنا..
‘*’ *****