رواية جعلتني مجرما الجزء الرابع عشر 14 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة الرابعة عشر صرخت بفزع، وفي اللحظة التالية انكسر باب المنزل بقوة هائلة، فارتج المكان بصوت الاصطدام العنيف. التفتت أمامها بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة وهي تحدق فيما حدث للتو. كان عصام يقف عند المدخل، وخلفه عدد من الرجال يحملون أسلحتهم، يوجهونها نحوهما مباشرة.
نظر معتز إليهم محاولًا استيعاب ما حدث، ثم انتقلت عيناه إلى الباب الملقى فوق الأرض وإلى الفوضى التي أحدثها اقتحامهم المفاجئ. بعدها رفع بصره نحو عصام الذي كان يتنقل بنظراته بينه وبين مرام. تقدم معتز نحوه بثبات أثار الاستغراب، حتى وقف أمامه مباشرة دون أن يُظهر أدنى خوف من الرجال أو الأسلحة الموجهة نحوه. رمقه بنظرة حادة، ثم رفع يده مشيرًا إلى الباب المحطم وقال بغضب:
“انت كيف تترجرأ تدخل بيتي بالطريقة دي… انت اتجنيت في نفوخك ولا إيـــــه؟ نظر له عصام بملامح جامدة لم يظهر عليها أي انفعال، ثم نقل بصره إلى مرام. وما إن التقت عيناه بعينيها حتى شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها، فنظرت إلى أسفل فورًا، ثم أعادت نظرها إليه بعينين مرتجفتين بالخوف. أنزل أحد الحراس سلاحه وذهب مقتربًا من مرام ليأخذها ويرحلوا بأمر مسبق من عصام، لكن وقف معتز في طريقه قبل أن يصل إليها، ورمقه بنظرة
حادة وقال بعينين جاحظتين: “انت رايح فين يا جدع انت؟ كاد الحارس أن يتحدث إليه، لكن أمره عصام بنبرة هادئة وملامح باردة على نحو غريب: “ارجع.” نظر إليه الحارس وهز رأسه دون كلمة، ثم عاد أدراجه ليقف مكانه. أشار عصام بيده لهم بأن يتركوه وينتظروا في الخارج. أنزلوا أسلحتهم ونفذوا أمره وغادروا. اقترب منه معتز وهتف في وجهه قائلًا بغضب: “كسرت الباب واتهجمت على بيتي وعمال تدي أوامر، ولحد دلوقت معرفش انت مين وعايز إيه؟
رمقه عصام بنظرة سريعة، ثم نظر إلى مرام وقال بهدوء أرعبها: “عايز مراتي.” اتسعت عينا معتز بصدمة من تلك الكلمة التي سقطت على مسمعيه، ولم يستوعب إن كان ما سمعه صحيحًا أم أنه أخطأ. ثم عاد عصام ونظر إليه وأكمل بنفس بروده، وكأنه يثبت له صحة ما سمعه: “إيه… هتمنعني أخد مراتي ولا إيه؟ ظل معتز يحدق به لثوانٍ غير مصدق. لا يصدق فعلًا أنها زوجته… ارتسم الضيق على ملامحه وتمتم بصوت خافت قائلًا:
“جاك نصيبه تاخدك… حطمت أحلامي… داهية فيك وفشكلك.” عقد عصام حاجبيه بعدم فهم ما تمتم به معتز وقال: “بتقول حاجة؟ زفر معتز بضيق وقال بنبرة حادة: “بقولك يا أطرم جاك نصيبه تاخدك وداهية فيك وفشكلك… في حاجة؟ اتسعت عينا عصام بصدمة من جرأته في الحديث معه، ومن شتيمته التي بدت عادية بالنسبة له، وقال بنبرة ظهر فيها حدته: “انت مش عارف بتتكلم مع مين يلاااا.” نظر له معتز من أعلى إلى أسفل بقرف ظهر على ملامحه وقال بلا مبالاة:
“هتكون مين يعني… رئيس الجمهورية مثلًا؟ وحتى لو كنت متهمنيش ولا هتهز من مكاني ده.” ضم عصام قبضته بعنف، وشد على أسنانه محاولًا السيطرة على غضبه. كانت هذه المرة الأولى منذ وقت طويل التي يجد فيها شخصًا يتحدث معه بهذه الطريقة دون أن يرتجف أو يتراجع خطوة للخلف. لكنه لم يرد عليه بكلمة… نقل بصره إلى مرام وقال بحدة: “امشي قدامي.”
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه بخوف، وشعرت بأنفاسها تثقل داخل صدرها. كانت تعلم جيدًا ما الذي ينتظرها إذا عادت معه الآن، فكرة عدوتها معه وحدها كفيلة بزرع الرعب في قلبها. نظر إليها بعينين لا تحملان أي رحمة، فشعرت بقدميها تضعفان للحظة. نظر معتز إليها ولاحظ الخوف الواضح في عينيها وهي تنظر إلى زوجها، ومن ذلك استنتج أنه ربما هو من يتعامل معها بالعنف، وهو من ضربها بتلك الطريقة المتوحشة. لكن ماذا لو كان مخطئًا؟
لا يحق له التدخل بين زوج وزوجته وهو لا يعرف شيئًا عن حياتهما أو طبيعة علاقتهما. تحركت مرام بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. وجودها هنا مع رجل غريب لن يفيدها في شيء، وإن عاندت معه فربما يؤذي ذالك الغريب بسببها، وهي لا تريد أن يتأذى أحد بسببها أيًا كان من يكون. وعلى كل الأحوال…ليس لها مكان تذهب إليه غيره… أمسكها من ذراعها بقوة وأخذها معه وغادر.
ظل معتز ينظر إليهما بصمت، لكن قبل أن تختفي مرام خارج المنزل التفتت إليه نظرة سريعة… نظرة قصيرة جدًا…لكنها بقيت عالقة في ذهنه. بدت وكأنها تتوسل إليه بصمت أن ينقذها منه، حتى وإن كانت تغادر معه برضاها. أدخلها عصام السيارة وأغلق الباب بعنف. فتح له أحد الحراس الباب الآخر، فدخل وأغلقه خلفه، ثم انطلق السائق سريعًا، وخلفهم سيارتا الحراس.
خرج معتز إلى الخارج ووقف أمام منزله يتابع السيارات وهي تبتعد شيئًا فشيئًا حتى اختفت تمامًا عن ناظريه. ظل واقفًا مكانه للحظات طويلة، وعيناه معلقتان بالطريق الفارغ أمامه، بينما كانت صورة مرام ونظرتها الأخيرة لا تفارق عقله. تنهد ببطء، ثم مرر يده فوق شعره وهو يغرق في تفكير عميق بتلك الفتاة الغامضة التي ظهرت في حياته فجأة…. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان يجلس فارس على المقعد الرئيسي للسفرة، وعلى جانبيه نور ومريم وياسمين، يتناولون وجبة الإفطار في هدوء. كانت أصوات الملاعق الخافتة هي الصوت الوحيد المسيطر على المكان، بينما بدا كل واحد منهم غارقًا في أفكاره الخاصة. نظر فارس إلى ابنه بصمت لثوانٍ بتفكير، ثم ترك الملعقة من يده لثوانٍ أخرى وهو يشاهد نور يأكل بهدوء تام وكأنه لا يشغل باله شيء. ظل يراقبه للحظات، قبل أن تمتد يده فجأة وتمسك كتف ملابسه بعنف.
انفزع نور في مكانه، وزادت ضربات قلبه من هول ما حصل، وقال بتلقائية بنبرة خرجت مرتجفة: “يخربيت أبوك… قطعتلي الخلف.” اتسعت عينا ياسمين بذهول من تلك الجملة التي خرجت من فمه دون قصد، بينما انفلتت ضحكة عفوية من مريم التي حاولت التماسك لكنها فشلت. ضربه فارس على رقبته قائلًا: “مهو اتخرب من زمان يا ابن العبيطة.” نظرت له ياسمين بدهشة، ورفعت حاجبها قائلة بضيق: “ابن إيــه؟ نظر فارس إليها، وابتسم بارتباك قائلًا برجاء وهو
لا يزال يمسك برقبة نور: “أنا آسف يا باشا.” نظر نور له، ورفع حاجبه الأيسر قائلًا بنبرة استنكار: “يعني انت تغلط في أمي عادي، إنما أنا أغلط في أبوك انت لا؟ ضربه فارس مجددًا على ظهر رقبته قائلًا بحدة خفيفة: “دا يبقى جدك يا بهيم.” انفجرت مريم ضاحكة، وتمالكت نفسها بصعوبة ثم قالت وسط ضحكاتها: “ضاعت هيبتك يا حضرة الظابط.” نظر نور إلى والده بنظرة بريئة وكأنه يطلب العفو عن جريمة لا يعلم سببها أصلًا، وقال بنبرة طفولية:
“تسقط هيبتي في حضرة وجود أبي الغالي.” ضحكت ياسمين بخفة على طريقته، بينما ارتسمت ابتسامة على شفتي فارس، لكنه تمالك نفسه سريعًا وأخفى تلك الابتسامة قائلًا بجدية: “افتكرت.” قال نور بعدم فهم: “افتكرت إيه يا جدع على الصبح؟ رفع فارس يده ليضربه من جديد، لكن نور رفع يده مستسلمًا وقال: “خلاص وربنا هلم لساني اللي عايز قطعه دا.” شدد فارس قبضته على رقبته قائلًا:
“بقى تكلمني وتقولي عايزني في حاجة مهمة، وتخليني أسيب حالي ومالي وأفضل قاعد مستني حضرتك، وتخليني أقابل ناس متسواش… لا وكمان أفضل أرن عليك عشروميت مرة ولا تعبرني حتى برنة.” اتسعت عينا نور قائلًا حين تذكر الأمر: “آه صحيح… كويس إنك فكرتني.” ضربه فارس مجددًا قائلًا: “لسه مفتكر؟ نهض نور بنفاد صبر، وصاح بغضب مصطنع ليحاول استعادة ما تبقى من هيبته أمام الموجودين:
“كفاية بقى إهانة… كفاية ذل… دنتا مسحت بهيبتي الأرض… دنا لو واحد لمحني في الشارع بيخاف مني ويعملي حساب… إيه دا! ثم ارتفعت نبرته أكثر بغرور زائد: “دنا الظابط نور.” اتسعت عيناه فور انتهائه من الكلام عندما رأى والده ينزع حذاءه من قدمه. فركض مبتعدًا عنه بسرعة، بينما رمقه فارس بحدة قائلًا: “بتعلي صوتك عليا يا ابن الكلب يا حيوان؟ ثم نهض من مكانه.
فركض نور مبتعدًا أكثر، بينما انفجرت مريم وياسمين في الضحك، حتى اضطرت كل واحدة منهما أن تضع يدها على فمها من شدة الضحك. أكمل فارس قائلًا بصوت مرتفع: “هو انت عشان بقيت شحط وطولي فتعلي صوتك عليا يا كلب؟ هز نور إصبعه السبابة رافضًا كلامه وقال مصححًا له الأمر: “تؤتؤ… أنا مش طوالك… انت قصير، أنا أطول منك.” نظر له فارس بعدم تصديق، وكأن كل ما قاله منذ قليل دخل من أذن وخرج من الأخرى، ثم ألقى حذاءه عليه قائلًا:
“غور من وشي ياض.” تفادى نور الضربة ضاحكًا، ثم قال بنبرة طفولية حزينة: “طيب أفطر الأول بعدين أغور.” نزع فارس حذاءه الثاني ليقذفه على نور، لكن نور كان أسرع، ففتح باب المنزل وهرب إلى الخارج وأغلقه خلفه بسرعة. وفي اللحظة التالية سمعوا صوته وضحكاته تأتي من خلف الباب وهو يقول: “اعمل حسابك إننا هنتكلم في نفس الموضوع اللي كنت عايزك فيه عشان مهم.”
هز فارس رأسه بقلة حيلة، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رغما عنه بسبب تصرفات ابنه التي لا تنتهي. ثم تنهد ونظر خلفه… اختفت ابتسامته فورًا… وجد ياسمين ومريم تضحكان بشدة، لكن ما إن وقعت عيناه عليهما حتى كتمتا ضحكاتهما بسرعة، وأمسكت كل واحدة منهما بمعلقتها وتظاهرتا بتناول طعامهما وكأن شيئًا لم يحدث أصلًا. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
مر سيف من أمام غرفة خديجة وهو ينظم بدلته الرسمية استعدادًا للذهاب إلى عمله، لكنه توقف أمام الباب لثوانٍ. تنهد بصمت وهو يفكر أنه لم يجلس مع بناته منذ أيام بسبب ضغط العمل الذي يسرق معظم وقته، فقرر أن يطمئن عليها قبل أن يغادر. طرق الباب بخفة، وانتظر قليلًا، لكن لم يصله أي رد. عقد حاجبيه باستغراب، ثم أمسك مقبض الباب وفتحه ببطء وهدوء، وألقى نظرة إلى الداخل. اتجه بصره تلقائيًا نحو الفراش، لكنه لم يجدها هناك.
ظن في البداية أنها غادرت مبكرًا إلى عملها، ففتح الباب أكثر ودخل الغرفة ليتأكد، لكن خطواته توقفت فجأة حين وقعت عيناه عليها. كانت نائمة على سجادة صلاتها في زاويتها المعتادة، تضم جسدها إلى نفسها ، بينما كانت قبضتها مغلقة بقوة حول شيء تتمسك به حتى أثناء نومها. شعر بانقباض خفي في قلبه… اقترب منها ببطء، ثم جثا على ركبتيه بجوارها ونظر إلى ملامحها المرهقة والحزينة. كانت آثار البكاء واضحة على وجهها حتى وهي نائمة.
رفع يده ببطء ولمس رموشها المبتلة بدموع جفت فوق وجنتيها. ظل ينظر إليها بصمت طويل، وشيء داخله يتألم لرؤيتها بهذا الشكل. تحركت خديجة قليلًا ثم فتحت عينيها ببطء، وما إن رأته أمامها حتى اتسعت نظراتها بدهشة. همت بالجلوس سريعًا واعتدلت في جلستها احترامًا له. ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، ثم تنهد بعمق وقال بنبرة هادئة: “هتفضلي لحد امتي كدا.” تظاهرت أنها لم تفهم مقصده، وقالت وهي تضم قبضتها على الخاتم أكثر:
“مش فاهمه قصدك ايه يا بابا.” نظر إلى يدها المغلقة، ثم رفع بصره إليها وهو يمد كف يده أمامها قائلًا: “هاتيه.” نظرت له بشدة، ثم قالت بنبرة ظهر فيها حزنها: “بابا…” قاطعها قائلًا بحدة: “بقولك هاتيه.” نظرت إلى يدها، وتجمعت الدموع في عينيها من جديد. فتحت كفها ببطء شديد، وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها معها. لم تكن تريد أن تعطيه له، كانت تريد أن تحتفظ به حتى لو كان احتفاظها به يؤلمها كل يوم.
لكنه كان آخر شيء متبقٍ لها منه… مد سيف يده وسحب الخاتم من كفها، ثم نهض ونظر إليها بحدة قائلًا: “هتفضلي لحد امتي تتعشمي في واحد مبيحسش بيكي… ولا شايفك أصلا.” تساقطت دموعها في صمت، بينما ضم سيف قبضته حول الخاتم بغضب شديد من ضعف ابنته. وغاضبًا أكثر من عجزه عن مداواة هذا الوجع الذي يسكن قلبها… وقال بحدة: “هتفضلي متعلقة بيه لحد امتي… موقفة حالك ومستقبلك عليه ليه… أي حد بيتقدملك بترفضيه.”
ثم ارتفعت نبرة صوته أكثر وهو يحاول إفاقتها من الوهم الذي تعيش فيه: “انت متخيلة يعني إنه هيسيب خطيبته اللي سابك عشانها… ويرجعلك… متفوقي بقى.” انهارت باكية أمامه وقالت بوجع: “طيب قولي اعمل ايه… مش عارفه انساه ولا قلبي عارف يحب غيره… انا تعبت… تعبت اوي يا بابا.”
اختفت ملامحه الحادة في اللحظة نفسها… وكأن كلماتها كسرت كل غضبه.. رأى أمامه ابنته الصغيرة التي طالما حاول حمايتها من كل شيء، لكنها اليوم تتألم أمامه وهو عاجز عن فعل شيء لها. جلس أمامها مرة أخرى، ثم سحبها إلى حضنه ومرر يده على ظهرها محاولًا تهدئتها. ارتمت في حضنه فورًا وكأنها كانت بحاجة إليه منذ زمن طويل، وانفجرت باكية أكثر وهي تشهق بين دموعها بوجع شديد.
ضمها إليه بصمت، وتركها تبكي كما تشاء… أما هو فكان ينظر أمامه بعينين ممتلئتين بالحزن. رفع يده التي تقبض على الخاتم ونظر إليه للحظات طويلة، ثم ضم قبضته عليه بعنف وغضب شديد… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ طرق نور باب المكتب… جاءه الصوت حادًا من الداخل: “ادخل.” أخذ نور نفسًا عميقًا، ثم فتح الباب ودخل وأغلقه خلفه بهدوء. سادت لحظة صمت قصيرة داخل المكتب، بينما تقدمت خطواته نحو مكتب رئيس قسم المباحث.
كان الرجل يجلس خلف مكتبه محاطًا بعدد من الملفات المتراكمة أمامه. ترك الملف الذي بين يديه ببطء، ثم رفع رأسه ونظر إلى نور بنظرات لا تبشر بالخير أبدًا. ما إن التقت أعينهما حتى شعر نور أن القادم لن يكون لطيفًا. حك فروة رأسه قائلًا لنفسه بصوت منخفض: “الجواب باين من عنوانه.” ثم أنزل يده سريعًا ورسم ابتسامة خفيفة على وجهه قائلًا: “صباح الخير يا باشا.” هتف له قائلًا بضيق وحدة: “خير… هو فين الخير ده يا حضرة الظابط؟ ثم نهض
من مكانه واقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة، وقال بنفس النبرة: “تقدر تقولي انت وصلت لحد فين في القضية؟ صمت نور لثوانٍ قليلة وهو يفكر في الطريقة المناسبة للرد. لكن رئيس المباحث لم يمنحه الفرصة… قاطعه قائلًا وقد زادت حدته: “الكام ثانية اللي انت سكتها دي عطتني ردك يا حضرة الظابط… انت راكن القضية على جنب ومهتم بعيلتك ومشاغلك الخاصة… احنا هنخيب ولا إيه؟ ضغط نور على فكه قليلًا محاولًا التزام الهدوء.
كان يريد أن يتحدث ويوضح له ما وصل إليه، لكن الرجل أكمل حديثه دون أن يمنحه فرصة: “انت لو مش قادر على القضية دي… قولي وفي مليون ظابط غيرك يقدر يمسكها.” رفع نور رأسه أخيرًا وقال محاولًا أن تكون نبرته هادئة احترامًا له: “القضية دي محدش هيكملها غيري… وأوعدك خلال فترة قليلة جدًا هكون قبضت على المجرم.” تنهد الرجل وهو ينظر إليه لثوانٍ طويلة، ثم هز رأسه قائلًا:
“شهر… شهر واحد بس. لو معرفتش تحل القضية دي أنا هسلمها لظابط غيرك… كلامي مفهوم؟ هز نور رأسه قائلًا: “تمام يا باشا.” استدار الرجل وعاد إلى مكتبه، ثم جلس على مقعده وقال: “اتفضل… تقدر تمشي.” هز نور رأسه بهدوء، ثم استدار وغادر المكتب وأغلق الباب خلفه. سار في الممر الطويل بخطوات هادئة، بينما كان عقله يعمل بسرعة أكبر من أي وقت مضى. بدت أصوات الضباط من حوله بعيدة، وكأنها لا تصله.
أبعد أي فكرة قد تشتت تركيزه عن رأسه، وأجبر نفسه على التفكير في القضية فقط. فمعه مهلة شهر واحد لا أكثر… شهر واحد فقط ليصل إلى الحقيقة… وإلا ستُسحب منه القضية ويستلمها ضابط آخر…وذلك شيء لم يحدث معه قط. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ دخل عصام المنزل وأغلق الباب بقدمه بعنف، وهو يسحب مرام خلفه من يدها بقوة، بينما كانت تتعثر في خطواتها، وجسدها يرتجف بين يديه خوفًا مما سيحدث لها الآن.
نهضت سيرين وعمتها من مكانيهما بدهشة ارتسمت على وجهيهما، لكنه لم يلتفت إليهما أصلًا. أخذ مرام وصعد بها على الفور إلى الأعلى، ثم أغلق عليهما باب غرفتهما. تحولت نظراتهما إلى الخبث والشماتة. عادت سيرين وجلست، ووضعت قدمًا فوق الأخرى، ثم أكملت وضع طلاء الأظافر وكأن شيئًا لم يحدث. نظرت عمتها إلى غرفة عصام بخبث قائلة: “أحسن… ملكيش غير العين الحمرا.”
بعد أن أدخلها الغرفة، ألقاها على الأرض بعنف، ثم نظر إليها بعينين جاحظتين من الغضب قائلًا: “بقى تخونيني أنا يا زبالة يا حيوانة… ومع مين؟ مع واحد فلاح معفن! نظرت إليه بعينين مرتجفتين، لكنها رغم ذلك صرخت فيه قائلة: “هو انت مفكرني خاينة وقذرة زيك… كل يوم مع واحدة شكل! اقترب منها… فزحفت إلى الخلف بخوف شديد… مد يده بسرعة وأمسكها من شعرها بعنف، حتى صرخت متوجعة بين يديه، ثم صاح في وجهها:
“اللي مش عاجبك دا… بنات الدنيا كلها يتمنوا بس أبصلهم بصة واحدة! ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة رغم وجعها، قائلة: “دي البنات العرة والزبالة اللي زيك.” ثم فاجأته حين بصقت في وجهه وقالت بغضب واشمئزاز: “إنما انت عندي متسواش جزمة من بتوعي.” مسح وجهه بعنف، ثم نظر إليها بنظرة مشتعلة بالغضب. ترك شعرها، ثم هوى على وجهها بصفعة قوية أسقطتها أرضًا وأشعرتها بدوار شديد من قوتها. نظر إليها دون رحمة، ثم هز رأسه قائلًا بتوعد:
“أنا هوريكي اللي مش عاجبك دا هيعمل فيكي إيه… هندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه.” رفعت رأسها تنظر إليه، فاتسعت عيناها حين رأته ينزع حزام بنطاله ويلفه حول كفه وهو يقول: “أنا هوريكي يا بنت الكلب.” ثم بدأ يضربها بعنف، بينما تعالت صرخاتها وشهقات بكائها وهي تتوسله أن يتركها، لكنه لم يُظهر أي رحمة. في الخارج، كانت سيرين وعمتها تستمعان إلى صرخاتها، بينما ارتسمت على وجهيهما ابتسامات الخبث والشماتة.
كانت صرخاتها المتوجعة بالنسبة لهما أشبه بسمفونية تتناغم داخل مسامعهما، وكأنهما تستمتعان بكل صرخة ألم تخرج منها. جلست سيرين تكمل طلاء أظافرها بهدوء تام، بينما تبادلت عمتها معها نظرات الرضا، وكأن ما يحدث خلف ذلك الباب أمر يسعدهما لا يفزعهما. أما مرام فكانت تحاول حماية وجهها بكفيها الضعيفتين، وتشعر باختناق من شدة ألمها وبكائها، بينما كان الوجع يسري في كل جزء من جسدها.
وأخيرًا، أنزل الضربة الأخيرة بكل ما يملك من قوة… كان صدره يعلو ويهبط بعنف من شدة غضبه. توقف ونظر إليها. كانت ممددة على الأرض، تغطي وجهها وتبكي بشدة، وجسدها يرتجف من الألم، بينما تنهمر الدموع بغزارة من عينيها المنتفختين من كثرة البكاء. ألقى الحزام أرضًا وقال بنبرة حادة وغاضبة: “وريني بقى هتجيلك الجرأة إزاي تعلي صوتك عليا وتمشي من دماغك من غير ما تشوريني.” ثم أكمل بنبرة ملأها الشر والكراهية:
“من النهارده مفيش خروج من الأوضة دي… وهيُمنع عنكِ الأكل والشرب… ووريني بقى هتخرجي إزاي.” أنهى كلامه، ثم خرج وأغلق الباب بالمفتاح من الخارج بإحكام. أبعدت مرام يديها عن وجهها، ونظرت إلى الباب وهي تبكي بقهر ووجع. ثم ضمت جسدها الموجوع إلى نفسها، وظلت ترتجف من شدة البكاء، بينما بقيت وحيدة داخل الغرفة المغلقة… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان مؤمن يقف عند مقدمة سيارته ويستند بقدمه عليها، وهو يتنفس دخان سيجارته بشراسة. كانت ملامحه جامدة على غير عادته، وعيناه شاردتين في نقطة بعيدة. ارتفع الدخان أمام وجهه قبل أن يتلاشى في الهواء ببطء. جاءت امرأة ووقفت أمامه مباشرة بوجه خالٍ من التعابير، لكنها كانت تشد قبضتيها بقوة وكأنها تحاول السيطرة على مشاعر كثيرة تتصارع داخلها. رفع عينيه إليها أخيرًا، ثم نظر لها بهدوء قائلًا: “عايزه إيه؟
ارتسمت على وجهها ابتسامة متهكمة، ابتسامة لم تصل إلى عينيها الممتلئتين بالألم، ثم قالت بنبرة ظهر فيها حزنها: “عايزه إيه؟ ظلت تنظر إليه لثوانٍ وكأنها تنتظر منه أن يدرك بنفسه فداحة ما يقوله، لكنها لم تجد على وجهه أي رد فعل. فأكملت بغضب امتزج فيه حزنها قائلة: “يعني بعد ما دمرت حياتي وكسرتني… جاي دلوقتي تقولي عايزه إيه؟ … طيب وابنك اللي راميه طول السنين دي كلها ومش سائل عنه، ذنبه إيه؟
تجمعت الدموع في عينيها رغم محاولتها التماسك، وارتفعت نبرتها قليلًا وهي تكمل حديثها: “مش زيه زي باقي ولادك… ولا عشان مني فمش عايز تعترف بيه؟ …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!