الفصل 22 | من 21 فصل

الفصل الثاني والعشرون

المشاهدات
1
كلمة
4,123
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 105%
حجم الخط: 18

رواية جعلتني مجرما الجزء الثاني والعشرون 22 بقلم دينا عبدالله جعلتني مجرمارواية جعلتني مجرما الحلقة الثانية والعشرون “أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁” أومأ فارس برأسه في هدوء، وأعاد كلامه بوضوح، قاطعًا أي مجال للشك: “هتتجوز خديجة… الأسبوع الجاي.” نهض نور من مكانه دفعة واحدة، حتى تحرك المقعد خلفه قليلًا، واتسعت عيناه بصدمة واضحة، ثم قال بصوت ارتفع دون أن يشعر، امتزج فيه الضيق بالغضب:

“أتجوز خديجة؟! … إنت بتهزر؟ … قولي إن ده هزار.” ظل فارس على هدوئه المعتاد، لم تتغير ملامحه، ولم يبدُ عليه أي أثر للمزاح. هز نور رأسه ببطء، وقد فهم من نظرات والده الهادئة أنه يتحدث بمنتهى الجدية.. مرر يده في شعره بعصبية، ثم قال بانفعال أكبر: “أنا مستحيل أتجوزها… وإنت إزاي أصلًا عايزني أتجوزها، وإنت عارف كويس إني بحب ميرال، ومش هتجوز غيرها! وأظن إننا اتكلمنا في الموضوع ده من تلات سنين… يبقى ليه دلوقتي بنعيد نفس الكلام؟

نظر إليه فارس بثبات، ثم أجاب بصوت هادئ: “لأنك لسه متعرفش الدنيا كويس… وأنا باختارلك الأحسن.” ضحك نور بسخرية خافتة، وهز رأسه غير مصدق ما يسمعه، ثم قال بحدة: “أنا مش صغير يا بابا… وفاهم الدنيا كويس أوي، وأعرف أختار اللي يناسبني. وخديجة… أنا مش هتجوزها.” صمت لحظة، وهو يحاول كبح غضبه، لكنه لم يستطع، فأكمل بصوت أكثر انفعالًا: “وعايزني إزاي أصلًا أناسب ناس اتهموني في شرفي؟!

هو وبنته كانوا السبب في اللي حصلي… وبسببهم خسرت القضية! إزاي عايزني أبقى نسيبهم بعد كل اللي عملوه فيا؟! أجابه فارس بنفس هدوئه، وكأنه لا يريد أن يسمح لغضب ابنه بأن ينتقل إليه: “أنا ميهمنيش حد فيهم… اللي يهمني خديجة. وإنت بنفسك قولت إنها معملتش حاجة… إنت هتتجوزها هي، مش أبوها.” أغمض نور عينيه لثوانٍ، ثم مسح وجهه بعنف بكفيه، وزفر بضيق شديد قبل أن يقول: “متقولش هتتجوزها… لأن ده مش هيحصل.” ثم أشار إلى نفسه بحزم، وقال وهو

ينظر في عيني والده مباشرة: “الحاجة الوحيدة اللي هتحصل من كلامك… إني فعلًا هتجوز خلال أسبوع… لكن مش خديجة.” توقف لحظة، ثم قال بثقة لا تقبل النقاش: “أنا هتجوز ميرال… ومش هتجوز غيرها.” أنهى كلماته، ثم استدار وغادر المكان بخطوات سريعة، دون أن ينتظر رد والده.. وما إن خرج إلى الردهة حتى لمح والدته.

توقفت ياسمين عن السير، ونظرت إليه باستغراب بعدما رأت الضيق المرتسم على ملامحه.. بادلها نظرة سريعة، لكنه لم ينطق بحرف، ثم أكمل طريقه مسرعًا. ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى عن ناظريها، ثم التفتت إلى فارس، ودخلت إليه. كان لا يزال جالسًا في مكانه، بنفس هدوئه، وكأن شيئًا لم يحدث.. وقفت أمامه، فعاد يرفع رأسه إليها.. عقدت حاجبيها، وقالت باستغراب ممزوج بالعتاب: “أنا مش فاهمة… إنت ليه عايز تجبره على الجوازة دي؟ صمت فارس للحظات،

ثم أجاب بنبرة هادئة: “لأني باختارله مستقبله… وميرال مش مناسبة ليه.” هزت ياسمين رأسها بعدم اقتناع، ثم قالت: “يعني إنت فاكر إنك لما تجبره على الجواز من خديجة يبقى ده الحل؟ توقفت قليلًا، ثم جلست أمامه، وقالت بهدوء أكبر: “أنا عارفة… ومتأكدة إن خديجة أفضل من ميرال بمليون مرة… لكن مش بالطريقة دي يا فارس.” نظرت إليه ثم أكملت: “لو ربنا كاتبلهم يبقوا لبعض… هيبقوا لبعض مهما حصل… لكن بلاش تجبرهم. إنت كده ممكن تدمر حياتهم.”

ثبت فارس نظره عليها.لم يكن يريد أن يدمر حياة ابنه… بل كان يحاول أن ينقذه.. لكن كيف يشرح لها ذلك؟ تابعت ياسمين حديثها برفق: “نور بيحب ميرال… والحب مش بإيد الإنسان، بييجي غصب عنه.” ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم سألته بهدوء: “إنت… لما حبيتني قبل ما نتجوز… كان ينفع تتجوز واحدة غيري؟ ظل صامتًا، ثم هز رأسه بالنفي.. ابتسمت بحزن، وقالت: “يبقى إزاي عايزه يتجوز واحدة غير اللي بيحبها؟

اقتربت منه أكثر، وجلست بجواره، ثم أمسكت يده بين يديها برفق، وقالت: “اديهم وقت… مين عارف بكرة مخبي إيه.” ظل صامتًا للحظات، ثم قال بصوت خرج منفعلاً وممزوج بالحزن: “بس… أنا معنديش وقت.” اختفت ابتسامتها في الحال.. تركت يده ببطء، وحدقت فيه بقلق، وقالت: “يعني إيه… معندكش وقت؟ أغمض فارس عينيه لثوانٍ، وأخذ نفسًا عميقًا يحاول به أن يسيطر على اضطراب صدره، ثم فتح عينيه من جديد، وقال وهو يتجنب النظر إليها:

“أنا… مش قادر أصبر أكتر من كده على العلاقة دي… أنا مش مرتاح للبنت دي.” ضيقت ياسمين عينيها وهي تراقبه، ثم قالت بحيرة: “وأنا نفسي أعرف… إنت مش مرتاحلها ليه؟ عشان أسلوبها؟ ولا تصرفاتها؟ ولا لبسها؟ … ولا فيه حاجة تانية إنت مخبيها ومش عايز تقولها؟ رفع عينيه إليها، وقال بجدية شديدة: “كلها على بعضها… مش قادر أتقبلها، ومش عايزها لابني.” توقف لحظة، ثم أكمل بصوت خافت لكنه حاسم: “جوايا إحساس… مش مطمني ناحيتها.”

نظر بعيدًا، ثم قال وهو يشبك أصابعه ببعضها: “وأنا… إحساسي عمره ما خيب ظني.” وضعت ياسمين يدها على كتفه، وربتت عليه برفق محاولة تهدئته، وقالت بصوت دافئ: “طيب… اهدى. واللي ربنا كاتبه… هو اللي هيحصل.” نظر إليها بصمت، ثم شبك أصابعه ببعضها، وأدار وجهه بعيدًا. كيف يخبرها…أن الوقت الذي يتحدث عنه ليس وقت انتظار زواج نور…بل الوقت المتبقي من عمره؟ كيف يقول لها إن كل يوم يمر، يشعر فيه أن النهاية تقترب أكثر؟

كل ما كان يتمناه…أن يطمئن عليهم قبل أن يرحل. شعر بوخزة حادة في صدره، فانقبضت ملامحه للحظة، وأغمض عينيه بقوة، محاولًا ابتلاع ألمه، كما اعتاد دائمًا…حتى لا تلاحظ ياسمين شيئًا.. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ أدخلها عصام إلى غرفةٍ مهجورة، ثم دفعها بقسوة، فسقطت على الأرض بعنف. شهقت بألم، وسرعان ما زحفت إلى الخلف بكل ما تملكه من قوة، بينما كانت عيناها لا تفارقانه وهو يدير المفتاح في الباب ويغلقه خلفه ببطء.

استدار إليها…ثم بدأ يقترب بخطواتٍ بطيئة وثابتة، وعلى شفتيه ابتسامة باردة أرعبتها أكثر من صراخه، وقال بفحيحٍ مخيف: “كل اللي شوفتيه مني… كوم… واللي جاي كوم تاني.” ارتجف جسدها بعنف، واستمرت في التراجع إلى الخلف وهي تسند نفسها بكفيها، حتى وضعت إحدى يديها فوق بطنها بحركة غريزية، وقالت بصوتٍ متقطع من شدة الخوف: “أنا… أنا حامل… في… ابنك.” توقفت خطواته فجأة.

ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، وقد انعقد حاجباه، بينما راحت عيناه تتفحصان ملامحها وكأنهما يبحثان عن كذبة. ثم قال ببطء، ونبرة الشك تملأ صوته: “حامل… مني؟ مال برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة قبل أن يضيف بازدراء: “ولا… منه؟ اتسعت عيناها بصدمة، ثم تحولت ملامحها في لحظة إلى غضبٍ ممزوج بالقهر، وقالت وهي تهز رأسها بقوة: “إنت إزاي لسه بتفكر بالطريقة دي؟! الطفل ده ابنك إنت… أنا محدش لمسني غيرك.”

ظل ينظر إليها بصمت، ثم هز رأسه ببطء، وأطلق زفرة طويلة، وقال بنبرة تحمل سخرية واستهزاء: “والمفروض… أصدقك؟ رمقته بنظرة امتلأت بالكراهية والاشمئزاز، بينما كانت دموعها تنساب فوق خديها دون توقف. اقترب منها أكثر…فازدادت هي تراجعًا، حتى اصطدم ظهرها بالحائط، ولم يعد أمامها أي مكان تهرب إليه. وقف أمامها مباشرة، فرفعت رأسها إليه ببطء، وكانت شفتاها ترتجفان، وأنفاسها تتلاحق من شدة الرعب.

انحنى نحوها فجأة، ثم قبض على شعرها بعنف، فصرخت متألمة، بينما جذب رأسها إليه وهمس بجوار أذنها بصوتٍ تقشعر له الأبدان: “مش إنتِ اللي كنتِ عايزة تهربي مني؟ … ماشي… أنا هوريكي نتيجة اللي عملتيه.” ترك شعرها بعنف، فتراجع جسدها وهي تبكي بشهقات متلاحقة، لكن قبل أن تتمكن من الابتعاد…انهال عليها بالضرب، مستهدفًا بطنها.

ارتفع صراخها في أرجاء الغرفة، ووضعت كلتا يديها فوق بطنها محاولةً حمايتها، بينما كانت تتلوى من شدة الألم وتبكي بحرقة، تتوسله أن يتوقف، لكنه لم يلتفت إلى توسلاتها. وبعد دقائق…توقف أخيرًا. كان يلهث بعنف، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، بينما كانت عيناه محمرتين من شدة الغضب. أما هي…فكانت منكمشة على نفسها، تضم بطنها بكلتا يديها، وتصرخ من الألم، ووجهها قد شحب تمامًا. وفجأة…شعرت بسائلٍ دافئ يسيل على ساقها.

تجمدت للحظة…ثم أنزلت بصرها ببطء، واتسعت عيناها بصدمة، قبل أن تغمضهما بقهرٍ وانكسار. انهارت تبكي وهي تدرك… أن طفلها قد فقدته. ظل عصام ينظر إليها بعينين خاليتين من أي رحمة، ثم أشار إليها بإصبعه، وقال ببرودٍ مخيف: “لسه… مشوفتيش مني حاجة.” ثم أردف وهو يرمقها بنظرة قاسية: “وهتفضلي هنا… وكل يوم هتتعذبي بطريقة شكل… ووريني بقى هتهربي مني إزاي… ولا مين هيقدر ينقذك من تحت إيدي.”

استدار بعدها وغادر الغرفة.. وقبل أن يغلق الباب…أطفأ الأنوار. غرقت الغرفة في ظلامٍ دامس.. ثم أغلق الباب خلفه، فدوى صوت انغلاقه داخل المكان كأنه إعلانٌ بانتهاء آخر أمل لديها. رفعت رأسها تنظر حولها في الظلام، واتسعت عيناها برعب، ثم انفجرت تصرخ وسط شهقاتها: “لا… متسبنيش… أرجوك… خرجني ! لكن لم يجبها أحد.. لم تسمع سوى صدى صوتها المرتد من جدران الغرفة.

انكمشت أكثر على نفسها، واحتضنت بطنها المرتجفة، بينما تعالت شهقات بكائها، وملأ صوت انكسارها المكان بأكمله.. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ فتحت باب الفيلا ودخلت بخطواتٍ سريعة، ثم أغلقته خلفها وهي تلتقط أنفاسها.. كانت هي نفس الفتاه سارقة السيارة. لكنها ما إن رفعت رأسها…حتى تجمدت في مكانها. كان رجل يجلس على الأريكة بكل هدوء، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وكأنه صاحب المنزل، بعد أن اقتحمه دون استئذان.

لم ينظر إليها، واكتفى بأن قال بصوته الغليظ: “كنتي فين لحد دلوقتي؟ زفرت بضيق، ثم تقدمت نحوه بخطوات غاضبة، وألقت مفاتيح السيارة فوق الطاولة بقوة، فصدر عنها صوتٌ حاد قطع الصمت. وقفت أمامه مباشرة، ونظرت إليه بحدة، وقالت بصوت مرتفع: “إنت إزاي تدخل بيتي من غير إذني؟! وكام مرة قولتلك… سبوني في حالي! أنا مبقتش عايزة أكمل.” ضحك بسخرية، ثم رفع رأسه إليها أخيرًا، وقال باستهزاء: “هو دخول الحمام… زي خروجه؟ وقبل أن ترد…دوى صوتٌ

صغير من الغرفة المجاورة: “ماما! التفتت فورًا نحو الصوت، فاتسعت عيناها عندما رأت طفلًا صغيرًا يركض نحوها فاتحًا ذراعيه وهو يناديها بخوف وبكاء: “ماما! تبدلت ملامحها في لحظة، وركضت نحوه وهي تقول بخوفٍ واضح: “حسن! لكن قبل أن تصل إليه…أسرع الرجل، فأمسك الطفل وسحبه إليه بقوة. توقفت مكانها، واشتعل الغضب في عينيها، ثم صاحت بانفعال: “ابعد عن ابني! … طلّعوه برا الموضوع ده… ملوش ذنب.”

ظل ينظر إليها بثباتٍ بارد، بينما كانت إحدى يديه ممسكة بالطفل، وقال بهدوءٍ أثار غضبها أكثر: “ابنك هيفضل معانا… لحد ما مهمتك تخلص.” اقتربت منه خطوة، ثم رفعت إصبعها في وجهه وهي ترتجف من شدة الغضب، وقالت بصوتٍ حاد: “على جثتي! … إنت سامع ولا لأ؟! اللي هيمس شعرة من ابني… همحيه من على وش الأرض.” ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية ساخرة، ثم قال ببرود: “إنتِ عارفة كويس أوي… إنك متقدريش تعملي أي حاجة.”

ثم تبدلت نبرة صوته، وظهر الغضب واضحًا في ملامحه وهو يقول: “الواد ده لازم توقعيه بأسرع وقت… سامعة ولا لأ؟ خلال فترة صغيرة يكون تحت إيدينا.” ثم مال برأسه وأضاف بنبرة تحمل تهديدًا صريحًا: “ولو محصلش كده…” نظر إلى الطفل بين ذراعيه، ثم أعاد بصره إليها وقال ببرودٍ مخيف: “يبقى اترحمي على ابنك.” حدقت فيه بعينين امتلأتا بالغضب والخوف في آنٍ واحد. ثم انتقلت نظراتها إلى طفلها، الذي كان يبكي ويرتعش وهو يحاول الإفلات من قبضته.

استدار الرجل، وبدأ يسحبه خلفه متجهًا إلى الخارج. التفت الطفل إليها وهو يمد يده الصغيرة نحوها، وصرخ باكيًا: “ماما… متسبنيش… أنا خايف.” قبضت على كفيها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها.. ظل عقلها يعمل بسرعة، وعيناها لا تفارقان ابنها. وفي لحظة…حسمت قرارها.. مدت يدها ببطء إلى خلف سترتها، وأخرجت سلاحًا كانت تخفيه.. رفعته بكلتا يديها، وثبتت قبضتها رغم ارتجاف أنفاسها.

صوبت نحوه بدقة…ثم ضغطت على الزناد.. دوّت عدة طلقات متتالية داخل الفيلا. ترنح الرجل للخلف، ثم سقط أرضًا، بينما بدأت الدماء تنتشر من حوله. أما الطفل…فانفجر في البكاء من شدة الخوف. ألقت السلاح جانبًا، ثم ركضت إليه بسرعة، وضمته إلى صدرها بقوة، وهي تربت على رأسه محاولة تهدئته، رغم أن يديها كانتا ترتجفان. همست له بصوتٍ متقطع: “خلاص… خلاص يا حبيبي… ماما معاك.” ثم حملته بين ذراعيها، وأسرعت خارج الفيلا دون أن تلتفت خلفها.

فتحت باب السيارة بسرعة، وأجلسته في المقعد المجاور، ثم ركبت خلف المقود وأدارت المحرك. انطلقت السيارة بأقصى سرعة. كانت أنفاسها متلاحقة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما كانت قبضتاها تشدان بقوة على عجلة القيادة، وعيناها تراقبان الطريق والمرآة في الوقت نفسه، خوفًا من أن يكون الوقت قد تأخر… أو أن يكون أحدهم قد بدأ بالفعل في ملاحقتهما… ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

نزل فارس درجات الفيلا ببطء، يحمل حقيبة سفره بيده، بينما كانت ياسمين تسير بجواره وهي تنظر إليه بين الحين والآخر بابتسامة هادئة. توقف عند آخر درجة، ثم وقعت عيناه على نور، الذي كان يجلس على الأريكة ممسكًا بهاتفه، يتظاهر بالانشغال به، متجنبًا النظر إليه. تنهد فارس بصمت، ووضع حقيبة السفر أرضًا، ثم اقترب منه عدة خطوات وقال بنبرة هادئة: “أنا وأمك هنسافر كام يوم… يكون خلالهم فكرت كويس في كلامي.”

رفع نور رأسه أخيرًا، ونظر إليه بثبات، ثم قال بإصرار لا يخلو من الضيق: “أنا مش محتاج أفكر… أنا عند قراري… ومش هتجوزها.” ظل فارس يحدق فيه للحظات، ثم تحرك.. انحنى والتقط حقيبة السفر من جديد، وقال بهدوء لم يتغير: “فكر تاني… لحد ما نرجع.” نقلت ياسمين بصرها بينهما، ثم عقدت حاجبيها وقالت باستغراب: “بس إنت لحد دلوقتي مقولتش… إحنا رايحين فين؟ التفت إليها فارس، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، وقال بنبرة حاول أن يجعلها مرحة:

“هتعرفي في الطريق… يلا، معاد الطيارة قرب.” ابتسمت وهي تهز رأسها، ثم اتجهت نحو نور.. انحنت قليلًا، وقبلته على خده بحنان، وقالت وهي تمرر يدها على شعره: “خد بالك من نفسك… ومن مريم لحد ما نرجع.” اكتفى بهزة خفيفة من رأسه دون أن ينظر إليها، بينما بقيت عيناه معلقتين بشاشة هاتفه. تبادل فارس وياسمين نظرة صامتة، ثم غادرا المنزل، وأغلق الباب خلفهما.

ظل نور ينظر إلى الباب بعد رحيلهما لثوانٍ طويلة، ثم ألقى الهاتف بجواره وزفر بضيق. امتزج الغضب بالحزن داخل صدره…كان يعلم أنه أغضب والده، لكنه في المقابل لم يكن قادرًا على تنفيذ ما يطلبه منه. خرج فارس إلى السيارة، ووضع حقيبة السفر داخل الصندوق الخلفي، ثم أغلقه برفق. التفت إلى ياسمين، فوجدها قد جلست في المقعد المجاور تنتظره بابتسامة مليئة بالحماس.

ابتسم لها تلقائيًا، ثم استدار، وجلس خلف عجلة القيادة، وأدار المحرك، لتنطلق السيارة بهما. طوال الطريق…كانت ياسمين تلتفت إلى الطرقات من حولها بين حين وآخر، ثم تعود لتنظر إليه بفضول واضح، لكنها لم تسأله مرة أخرى. أما هو…فاكتفى بابتسامة هادئة كلما لمح نظراتها. وبعد فترة…وصلا إلى المطار. أنجزا إجراءات السفر، ثم مرا عبر نقاط التفتيش، قبل أن يتوجها إلى الطائرة. جلس كلٌ منهما في مقعده، وربطا حزام الأمان.

ألصقت ياسمين وجهها قليلًا بزجاج النافذة، تنظر إلى الطائرات الواقفة في الخارج، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، وامتلأت عيناها بحماس طفولي. التفت إليها فارس…وظل يتأمل ابتسامتها للحظات، فارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة. لكنها لم تدم.. فجأة…انقبضت ملامحه. ووضع يده على بطنه، بينما انخفض رأسه قليلًا، وكأن ألمًا حادًا باغته دون سابق إنذار. كانت ياسمين على وشك أن تقول بحماس: “المكان تحفة … ولسه الطيارة متحركتش و…”

لكن الكلمات توقفت على شفتيها حين انتبهت إلى شحوب وجهه.. اتسعت عيناها بقلق، وأمسكت يده بسرعة وهي تقول: “حبيبي… إنت كويس؟ رفع بصره إليها، ثم رسم ابتسامة صغيرة حاول بها طمأنتها، وقال بصوت هادئ: “بطني وجعاني شوية… خليكي هنا، هدخل الحمام وهرجع.” ظلت تنظر إليه بعدم اطمئنان.. ابتسم لها مرة أخرى، وأضاف برفق: “اطمني… مفيش حاجة.”

ثم نهض واتجه نحو دورة المياه.. ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى خلف الباب، بينما بدأ القلق يتسلل إلى قلبها دون سبب واضح. ما إن أغلق فارس الباب خلفه…حتى أسرع نحو الحوض. وضع كلتا يديه على حافته بقوة، وانحنى فجأة، ليبدأ في التقيؤ بعنف. كانت أنفاسه متقطعة، والعرق يتصبب بغزارة فوق جبينه وعنقه. أغمض عينيه بقوة، وانقبضت عضلات فكه من شدة الألم الذي مزق أحشاءه. ظل على حاله للحظات…حتى هدأ قليلًا.

فتح صنبور المياه، وغسل وجهه عدة مرات، ثم رفع رأسه ببطء نحو المرآة.. حدق في انعكاسه طويلًا…كان شاحبًا بصورة أخافته هو نفسه. أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يستجمع ما تبقى لديه من قوة، ثم مرر يده على وجهه، وأجبر شفتيه على ابتسامة باهتة، حتى لا تلاحظ ياسمين شيئًا. فتح الباب بعدها، وعاد إلى مقعده.. ما إن جلس بجوارها حتى التفتت إليه سريعًا، وقالت بقلق واضح: “بقيت كويس دلوقتي؟ أومأ برأسه بسرعة، وقال مبتسمًا:

“آه… بقيت كويس، متقلقيش.” ظلت تنظر إليه لثوانٍ، وكأنها تحاول التأكد من صدقه. ثم اقتربت منه فجأة، وأحاطت عنقه بذراعيها، وعانقته بقوة، مغمضة عينيها، وكأنها تحاول أن تقنع قلبها بأنه بخير بالفعل. ابتسم فارس، وضمها إليه بحنان.. لكنها…شعرت بدقات قلبه.. كانت سريعة بصورة غير طبيعية. تجمدت في مكانها، ثم ابتعدت قليلًا، ورفعت رأسها لتنظر إليه. انعقد حاجباها، وامتلأت عيناها بقلقٍ لم تستطع تفسيره.

في تلك اللحظة…بدأت الطائرة تتحرك استعدادًا للإقلاع. فشدد فارس ذراعيه حولها، يضمها إليه بقوة، وكأنه يريد أن يمنحها شعورًا بالأمان…بينما كان هو نفسه يخفي داخل صدره خوفًا لم يعد قادرًا على مقاومته. وبعد لحظات…ارتفعت الطائرة عن الأرض، وانطلقت نحو وجهتها، بينما بقي كلٌ منهما غارقًا في أفكاره… لا يعلم ما الذي ينتظره في الأيام القادمة.. ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

توقفت سيارة أدهم أمام الفيلا، فأطفأ المحرك واستند بظهره إلى المقعد، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة. أمسكت مريم بحقيبتها، ثم التفتت إليه وقالت بابتسامة امتنان صادقة: “شكرًا.” هز رأسه مبتسمًا، وقال بنبرة دافئة: “متشكرنيش… اعتبريني زي نور أخوكي. ولو احتجتي أي حاجة في أي وقت… هتلاقيني.” ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، وقالت وهي تومئ برأسها: “شكرًا.” ضحك بخفة وهو يهز رأسه باستسلام، ثم قال بمزاح:

“إحنا لسه هنرجع لنفس النقطة؟ مش قولت بلاش كلمة شكر؟ ده أنا كل اللي عملته إني وصلتِك.” ضحكت مريم، وانعكس صوت ضحكتها الهادئ داخل السيارة، ثم قالت بخجل بسيط: “طيب أقول إيه يعني؟ رفع كتفيه مبتسمًا وقال: “ولا أي حاجة… أهم حاجة متقوليش شكر تاني.” هزت رأسها وهي تبتسم: “خلاص… حاضر.” اتسعت ابتسامته تلقائيًا، وكأن مجرد موافقتها كانت كافية لتُسعده.

مدت يدها إلى مقبض الباب، وفتحته استعدادًا للنزول، لكنها توقفت فجأة، ثم عادت لتغلقه مرة أخرى، واستدارت نحوه. رفع حاجبيه باستغراب، فسبقته بالسؤال: “هو صحيح… نور ساب القضية خلاص؟ اختفت ابتسامته قليلًا، وتنهد بأسف قبل أن يجيب: “للأسف… آه. سلّم كل أوراق القضية لمجدي.” انعقد حاجباها بحزن، ثم أومأت في صمت، وقد بدا عليها أنها لم تتوقع ذلك.

عادت تمسك بمقبض الباب، لكن صوته أوقفها مرة أخرى، وكأنه يبحث عن أي سبب يطيل به الحديث معها ولو لدقائق إضافية. قال محاولًا إخفاء فضوله خلف نبرة عادية: “بالمناسبة… أخبار نور إيه؟ من بدري مشوفتوش، وبرن عليه مش بيرد.” هزت كتفيها ببساطة وقالت وهي تبتسم ابتسامة صغيرة:

“بصراحة… معرفش. أنا مرجعتش البيت بقالي يومين ولا تلاتة تقريبًا. كنت مشغولة مع صاحبتي في موضوع خاص بالشغل والصحافة، وبعدها روحت قعدت مع ميرال شوية… ومن ساعتها لحد دلوقتي.” ثم رفعت هاتفها المطفأ وقالت وهي تضحك بخفة: “أكيد عمو فارس كان عمال يتصل بيا… بس التليفون فصل شحن.” ابتسم أدهم وهو يتأمل عفويتها، وشعر أن الحديث معها يمر أسرع مما يتمنى. قال وهو يشير برأسه نحو الفيلا:

“طيب… ادخلي بقى قبل ما عمو فارس يحاسبني أنا كمان.” ضحكت بخفة، ثم قالت: “معاك حق.” فتحت الباب أخيرًا، ونزلت من السيارة، ثم أغلقت الباب ولوّحت له بيدها قبل أن تتجه نحو الفيلا. ظل أدهم يتابعها بعينيه دون أن يشعر بنفسه… كانت خطواتها الهادئة، وطريقتها البسيطة، وحتى التفاتها الأخيرة قبل دخولها الفيلا، كافية لأن ترسم ابتسامة عاشقة على وجهه. ولم يُبعد نظره عنها إلا بعدما اختفت تمامًا خلف الباب.

تنهد بخفوت، ثم أدار المحرك وانطلقت سيارته بهدوء مبتعدة عن المكان. على الجانب الآخر من الشارع…كانت هناك سيارة متوقفة في الظل. يجلس بداخلها يوسف، وقد ثبت عينيه على المشهد بأكمله منذ بدايته. لم يفته شيء…ولا حتى نظرات أدهم التي كانت تلاحق مريم حتى بعد دخولها الفيلا. اشتدت قبضة يوسف على عجلة القيادة حتى برزت عروق يده، وانقبض فكه بقوة، بينما انعكست في عينيه نظرة قاتمة لا تبشر بأي خير.

ظل يحدق في باب الفيلا لثوانٍ طويلة، ثم حرك بصره إلى الطريق الذي غادر منه أدهم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة… لكنها كانت تخفي خلفها شيئًا أخطر بكثير. ثم أدار محرك سيارته ببطء، وغادر المكان، بينما كانت عيناه لا تزالان تحملان ذلك البريق المظلم الذي ينذر بعاصفة قادمة… ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ بعد ساعات من السفر… كانت شوارع إيطاليا تلمع بأضواء المساء الهادئة، بينما كانت سيارة فارس تشق الطريق بهدوء.

كانت ياسمين غارقة في نوم عميق، وقد أسندت رأسها على كتفه من شدة إرهاق الرحلة، وأنفاسها المنتظمة تلامس عنقه برفق. أدار فارس رأسه إليها، فتأمل ملامحها طويلًا… وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحب بالحزن. رفع يده بحنان، ومرر يده فوق وجنتها، ثم همس بصوت لم تسمعه: “حتى وإنتِ نايمة… جميلة.”

أعاد نظره إلى الطريق، ثم إلى شوارع إيطاليا التي طالما تمنى أن يصحبها إليها.. وبعد دقائق…أوقف السيارة بالقرب من ميناء هادئ، كانت ترسو فيه سفينة سياحية كبيرة الحجم، تتمايل فوق سطح الماء مع حركة الأمواج الخفيفة. ألقى نظرة عليها.. ما زالت نائمة…ابتسم بحنان، ثم فتح الباب ونزل بهدوء. دار إلى الجهة الأخرى، وفتح الباب بحذر حتى لا يوقظها.

انحنى قليلًا، ثم حملها بين ذراعيه برفق شديد.. ورغم الألم الذي كان ينهش جسده، ورغم التعب الذي يثقل أنفاسه… لم يسمح لأي شيء أن يظهر على ملامحه. كل ما كان يشعر به…أنها بين ذراعيه.. صعد بها إلى السفينة، ودخل إحدى الغرف التي سبق أن جهزها. أنزلها برفق فوق الفراش، ثم جذب الغطاء حتى كتفيها. ظل واقفًا يتأملها للحظات، قبل أن يبتسم ويغادر الغرفة بهدوء. كان قد اتفق مسبقًا مع قبطان السفينة على كل شيء.

وبعد دقائق، غادر القبطان والطاقم في قارب صغير، تاركين السفينة بأكملها لفارس وياسمين وحدهما. توجه فارس إلى غرفة القيادة.. أدار المحرك، وبدأت السفينة تشق المياه ببطء، بينما كانت الأمواج تتراقص حولها في هدوءٍ ساحر. بعد فترة… فتحت ياسمين عينيها ببطء، ثم اعتدلت وهي تتثاءب بنعاس.. لكنها تجمدت فجأة.. أخذت تنظر حولها بعدم فهم. الغرفة ليست غرفتها…ولا الفندق الذي توقعت أن تنزل فيه.

شعرت باهتزاز خفيف تحت قدميها.. عقدت حاجبيها باستغراب، ثم نهضت سريعًا. فتحت الباب وخرجت وهي تنظر في كل اتجاه بقلق. ارتفع صوتها وهي تنادي: “فارس! … فارس… أنت فين؟ لم يجبها أحد.. تقدمت عدة خطوات…ثم توقفت فجأة عندما وقعت عيناها على البحر الممتد من كل الجهات. اتسعت عيناها بذهول.. همست لنفسها: “إحنا… على سفينة؟

رفعت رأسها أكثر…فوقع بصرها عليه.. كان يقف عند السور، واضعًا كلتا يديه عليه، ينظر إلى صفحة الماء بشرود، بينما كانت نسمات البحر تعبث بشعره. ابتسمت تلقائيًا.. اقتربت منه بهدوء، ثم وضعت يدها على كتفه برفق.. التفت إليها.. وما إن رآها…. حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامته التي كانت كفيلة دائمًا بأن تطمئن قلبها. بادلته الابتسامة، ثم أخذت تدير رأسها حولها بانبهار وهي تقول: “أنا مش مصدقة… إحنا فين؟ مد ذراعه وجذبها إلى جانبه،

ثم قال بهدوء: “في إيطاليا.” شهقت بخفة، ثم رفعت رأسها إليه بدهشة امتزجت بالسعادة: “بجد؟ … بس ليه كل ده؟ تعبت نفسك وصرفت فلوس كتير.” ابتسم وهو يهز رأسه نافيًا: “في حاجة في الدنيا تغلى عليكي؟ … وبعدين أنا وعدت نفسي… أي أمنية تقوليهالي، هحاول أحققها.” اتسعت ابتسامتها فجأة، ثم نظرت إليه بحماس طفولي: “يعني… جبتني هنا علشان مشهد تايتنك؟ ضحك وهو يحيط وجهها بكفيه: “آه… اعتبريني مصباح علاء الدين.” ضحكت من قلبها، ثم أحاطت

عنقه بذراعيها وقالت بحب: “أنت أصلًا مش مخليني محتاجة أتمنى حاجة.” ظل ينظر إليها بعشق للحظات، ثم أشار نحو مقدمة السفينة وقال: “يلا… حققي أمنيتك.” لمعت عيناها بسعادة، واتجهت معه نحو السور.. لكنها عندما نظرت إلى الأسفل، ورأت ارتفاع السفينة، تراجعت خطوة لا إراديًا. ابتسم فارس.. أمسك يدها برفق، ثم وضع يده الأخرى حول خصرها ليطمئنها. نظر إليها بعينيه قبل أن يقول: “وأنا معاكي دايماً.”

ابتسمت له بثقة، ثم صعدت بحذر فوق الحافة.. وقفت فوقها، بينما كان فارس خلفها مباشرة، يحيط خصرها بذراعيه حتى لا تفقد توازنها. أغمضت عينيها.. ورفعت ذراعيها في الهواء. اندفعت نسمات البحر تداعب وجهها ، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، شعرت معها وكأنها تحلق فوق العالم كله. ضحكت من قلبها…ضحكة حرة لم يخرج مثلها منها منذ سنوات.. ثم شعرت بذراعي فارس تحتضنانها أكثر من الخلف.

فتحت عينيها ببطء…واستدارت برأسها قليلًا.التقت عيناها بعينيه.. لم يتحدث أيٌّ منهما.. كانت نظراتهما وحدها تكفي. امتلأت عيناها بالدموع، لكنها كانت دموع سعادة خالصة.. همست بصوت اختنق من شدة تأثرها: “بحبك… أوي يا فارس.” ابتسم، ثم لامس جبينه جبينها وهمس: “وأنا… بحبك أضعاف أضعاف حبك ليا.” أغمضت عينيها مرة أخرى، وأسندت رأسها إليه، بينما تركت نفسها تستمتع بتلك اللحظة…لحظةٌ كانت بالنسبة لها حلمًا قديمًا تحقق…

وبالنسبة له…كانت ذكرى أراد أن يتركها في قلبها… قبل أن يرحل عنها .. ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡ في مكانٍ آخر… وتحديدًا داخل أحد الممرات الجانبية بالمستشفى…كان أحد الأطباء يركض بخطوات متعثرة، يلتفت خلفه كل بضع ثوانٍ، بينما كانت أنفاسه تتلاحق بعنف، والعرق يتصبب من جبينه ووجنتيه. ارتجفت يداه وهو يتمتم لنفسه بخوف: “لازم أوصل للأستاذ فارس… لازم يعرف الحقيقة.”

لكن…توقفت قدماه فجأة.. تجمد في مكانه عندما وجد رجلًا يقف في منتصف الممر، يسد الطريق أمامه تمامًا. ارتفع رأس الطبيب ببطء، واتسعت عيناه، بينما أخذ يتراجع خطوة تلو الأخرى. ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوتٍ مرتجف: “إ… إنتوا هتعملوا فيا إيه؟ اقترب الرجل منه بخطوات هادئة، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيه، ثم قال بنبرة أوحت بالخطر: “قول الأول… كنت رايح فين؟

ظل الطبيب يتراجع ورغم الرعب الذي كان ينهش قلبه، حاول أن يتمسك بما بقي لديه من شجاعة.. رفع رأسه وقال بانفعال امتزج بالغضب: “كنت رايح أقول للأستاذ فارس الحقيقة… الراجل تعب سنين عمره كلها عشان يبني المستشفى دي ويرجع ثقة الناس فيها بعد اللي أخوه عمله… وإنتوا دلوقتي عايزين تضيعوا شقى عمره! ازدادت نبرته قوة رغم ارتجاف صوته: “أنا… مش هسكت… ومش هخليكم…….. ” انقطعت كلماته فجأة.. تجمدت ملامحه، واتسعت عيناه في ذهول.

خفض بصره ببطء، وكأن جسده لم يستوعب ما حدث للحظة. ثم ترنح خطوة إلى الأمام، قبل أن يسقط على ركبتيه، بينما سالت الدماء من فمه، وانهار بعدها على الأرض بلا حراك. رفع الرجل بصره بهدوء.. كانت تقف خلف الطبيب، وقد سحبت السلاح الأبيض في هدوء تام، دون أن يظهر على وجهها أي انفعال. ألقت نظرة سريعة إلى الجثة، ثم حولت عينيها إليه وقالت ببرود حاد: “مش عايزة يفضل وراه أي أثر.” ثم أضافت وهي تنظر إلى كاميرات المراقبة المثبتة في الممر:

“والكاميرات… اتصرف فيها.” أومأ الرجل برأسه في طاعة، دون أن ينطق بكلمة. أما هي…فاستدارت وغادرت الممر بخطوات ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث… …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...