الفصل 1 | من 12 فصل

رواية جعلتني مجرما الفصل الأول 1 - بقلم دينا عبدالله

المشاهدات
38
كلمة
1,589
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

اشت’علت النيران في أرجاء البيت كو’حشٍ منفلت، تلتهم الأثاث والجدران، وتدفع بألسنتها الحمراء نحو السقف. تصاعد الدخان كثيفًا، يخ’نق الأنفاس، ويطمس الرؤية.
اندفع فارس إلى الداخل دون تردد، يتجاهل حرارة اللهب التي لفحت وجهه، وصوت الخشب وهو يتهاوى من حوله.
كان قلبه يخفق بع’نف، واسم ابنه يخرج من بين شفتيه مختنقًا بالهلع.
تقدّم بخطوات متعثرة وسط الدخان، يبحث بعينين دامعتين بين ألسنة النار، حتى لمح جس’دًا ملقى على الأرض.
تجمّد في مكانه.
كان ابنه نور هناك… ساكنًا لا يتحرك.
اقترب منه ببطءٍ مرتبك، وانحنى، ثم مدّ يده المرتجفة نحوه. ما إن لامست أصابعه قميصه حتى ابتلّت بكثافةٍ دافئة. أنزل نظره…الد’م.
كان غارقًا في دما’ئه، تنتشر حوله كبركةٍ داكنة، بينما النار تشتعل من حوله دون رحمة.
اتسعت عينا فارس، وتوقفت أنفاسه لثوانٍ، ثم انطلق صوته صر’خةً ممزقة، خرجت من أعماق صدره، صر’خة اختلط فيها الألم بالعجز والإنكار.
وفجأة—استيقظ مفزو’عًا.
اعتدل في فراشه بعن’ف، أنفاسه متلاحقة، وقطرات العرق تغطي جبينه، وقلبه لا يزال يركض داخل صدره كأنه لم ينجُ من النار بعد.
مرر يده على وجهه محاولًا استيعاب ما حدث… كان حلمًا… كابوسًا.
لكنه لم يكن كأي كابوس… تكرر كثيرًا.
في كل مرة تتغير التفاصيل… لكن شيئًا واحدًا لا يتغير أبدًا—
الدم.
انتفض فارس جالسًا على الفراش، صدره يعلو ويهبط بعنف. كان صوته الأخير — صرخة ممزقة — ما يزال يتردد في الهواء كجرحٍ مفتوح.
إلى جواره، انتفضت ياسمين فزِعة. فتحت عينيها على اتساعهما، وقلبها يقفز بين أضلاعها. استدارت نحوه في الحال، وما إن وقعت عيناها عليه حتى تجمّد الدم في عروقها.
كان شاحبًا كمن عاد لتوّه من موتٍ قصير؛ عيناه تائهتان، تبحثان في زوايا الغرفة عن شيءٍ لا يُرى، وقطرات العرق تتسابق على جبينه كأن جسده لا يزال محاصرًا داخل لهيبٍ لا ينطفئ.
رفعت يدها ببطء، بحذرٍ يشبه من يقترب من جرحٍ مفتوح، ووضعت كفها على كتفه. كان جسده مشدودًا، متوترًا كوترٍ على وشك أن ينقطع.
رفع رأسه نحوها ببطء، وعيناه المرهقتان اصطدمتا بعينيها. هناك، في أعماقهما، كان يقبع خوفٌ شديد.
تجمعت الدموع في مقلتيه، وارتجفت شفتاه دون صوت. انكسر صمته أخيرًا بدمعةٍ فلتت، تسللت على خده كاعترافٍ عاجز.
اقتربت ياسمين أكثر، ورفعت يديها تحتضن وجهه بين كفيها، ومسحت بإبهامها تلك الدمعة، وقلبها ينقبض عليه.
اقتربت بجبهتها من جبينه، وصوتها خرج مبحوحًا، ممتلئًا بالخوف عليه:
“مالك يا حبيبي؟ في إيه؟”
لم يجب… ظل ينظر إليها وكأنه يحاول التأكد أنها حقيقية… أن كل ما حوله .
طال صمته لثوانٍ ثم تحرّكت شفتاه أخيرًا، وصوته يخرج مرتعشًا :
“حلمت بالكابوس تاني… بس المرادي كان مختلف.”
توقّف، وابتلع ريقه بصعوبة. ارتعشت رموشه، وبدأت الدموع تتسرّب رغم محاولته كبحها. ضغط شفتيه معًا، ثم أكمل بصوتٍ متهدّج:
“بس… نفس اللي بيحصل كل مرة…”
وتوقّف.لم يستطع قولها…
تنفّست ياسمين بعمقٍ مؤلم، وهي ترى الانكسار يطلّ من عينيه. رفعت يدها ومسحت دموعه بأطراف أصابعها، وهي تهمس بحزن:
“فارس… دي مجرد كوابيس.”
لكنّه هزّ رأسه بعنف وقال:
“لا… دي مش مجرد كوابيس. كل مرة… كل مرة لما أنا أو إنتي نحلم بحاجة كده… بعدها بتحصل مصيبة. واللي بنشوفه… بيحصل.”
اتسعت عينا ياسمين، واهتزّ قلبها وهي تراه ينهار أمامها. هزّت رأسها بسرعة، ودموعها بدأت تتجمّع هي الأخرى:
“طيب… عشان خاطري اهدى. مفيش حاجة هتحصل… نور كويس.”
حاولت أن ترسم ابتسامة، ابتسامةٍ مكسورة مليئه بالرجاء، ومدّت يدها تمسك بكفّه قائلة:
“متنساش إن ابننا نور ظابط قد الدنيا. محدش يقدر عليه… ولا يقدر يأذيه. يبقى انت خايف ليه دلوقتي؟”
ظلّ فارس صامتًا، يحاول أن يُقنع نفسه أن كل شيء سيكون على ما يُرام، وأن ما رآه لم يكن سوى كابوسٍ لا أكثر.
أخذ نفسًا عميقًا… يحاول أن يهدّئ نبض قلبه الذي ما زال يركض بلا رحمة.
لكن فجأة… ارتفع صوتٌ خافت من الأسفل — صوت باب الفيلا وهو يُفتح.
تجمّد للحظة، ثم انتفض واقفًا، وكأنّ روحه عادت إليه دفعةً واحدة.
“نور رجع…”
قالها بلهفةٍ ، واندفع خارج الغرفة.
نهضت ياسمين بسرعةٍ خلفه، تلاحقه بخطواتٍ قلقة.
هبط فارس السلالم مسرعًا، لا يشعر بثقل جسده ولا بتعثّر أنفاسه. وعندما وصل إلى أسفل، كان نور يقف عند الباب، بملابس عمله، ملامحه مرهقة، لكنه واقف بثبات.
توقّف نور لحظة حين رأى وجه والده. شيء في عينيه أخافه.
اقترب منه بخطواتٍ مترددة، قلق واضح في صوته:
“مالك يا بابا؟ في إيه…؟ انت كويس؟ وإيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟”
لكن فارس لم يُجب.. وقف أمامه، يحدّق فيه بصمتٍ . عيناه تجوبان وجه ابنه، كتفيه، ذراعيه… وكأنه يتأكد أن كل شيء فيه كما يجب أن يكون، أن لا جرح، لا دم، لا أثر لشيء.
التفت نور نحو أمه، قلقه يزداد:
“في إيه يا ماما؟”
اقتربت ياسمين ببطء، وقالت بصوتٍ خفيض، مليئ بالحزن:
“رجع يحلم بنفس الكوابيس تاني…”
تنفّس نور بعمق، ثم أعاد نظره إلى والده. وضع يده على كتفه بحنان، وابتسم ابتسامةً هادئة، يحاول أن يبدّد ذلك الظل الجاثم فوقهم قائلا:
“يا بابا يا حبيبي… قولتلك ألف مرة اطمن ومتقلقش. ابنك وحش. محدش يقدر حتى يفكّر مجرد تفكير إنه يأذيني أو يعملي حاجة.”
نظر إليه فارس، وعيناه ممتلئتان بخوفٍ لا يعرف كيف يُخفى:
“خلي بالك من نفسك كويس… عشان خاطري يا بني.”
انكسرت ملامح نور للحظة وهو يرى دمعةً تفلت من عين والده. مدّ يده ومسحها بطرف إصبعه، ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة، دافئة:
“اطمن يا سيد الناس… طول ما انتوا معايا، ودعواتكم حواليا، هفضل دايمًا كويس. متقلقش.”
لم يتمالك فارس نفسه أكثر. تقدّم خطوةً واحدة فقط، ثم جذب ابنه إلى صدره واحتضنه بقوة، كأنّه يخشى إن تركه سيفلت من بين يديه.
شدّ ذراعيه حوله، ودفن وجهه في كتفه، يتشبّث به وكأنّ حضنه هو البرهان الوحيد أن كل ما رآه لم يكن حقيقة.
ارتسمت على وجه نور ابتسامة هادئة، ثم أحاط والده بذراعيه هو الآخر، وربّت على ظهره بحنان، في محاولةٍ لطمأنة قلبٍ ما زال يرتجف.
وقفت ياسمين على بُعد خطوة، تراقبهما بعينين تلمعان بالدموع وابتسامةٍ امتزج فيها الارتياح بالخوف المتبقّي.
رفع نور رأسه نحوها، ثم مدّ يده إليها دون كلام. ابتسمت من بين دموعها، واقتربت ببطء، ثم انضمت إليهما، تلتفّ بذراعيها حولهما معًا.
♡ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡
في صباح اليوم التالي… داخل أروقة المستشفى، كان الضوء الأبيض البارد يملأ الممرات الطويلة، وصوت الأجهزة يمتزج بخطوات الممرضين في إيقاعٍ هادئ.
توقّف أحد الممرضين أمام مكتب الاستقبال، ثم التفت ونادى بصوتٍ منخفض:
“دكتورة خديجة.”
رفعت خديجة رأسها ببطء. كانت ترتدي نقابًا أسود يُخفي ملامح وجهها، لكن عينيها الواسعتين بلونٍ يميل إلى العسليّ كانت كافية لتكشف الكثير. كان في نظرتها هدوءٌ

ناعم.
اقترب منها الممرض بخطواتٍ سريعة، وانحنى قليلًا وهو يقول:
“الأستاذ فارس عايز حضرتك في مكتبه.”
أومأت برأسها في هدوء، وارتسمت ابتسامة خفيفة لم تُرَ إلا في انحناءة عينيها. أعادت ترتيب الملفات بين يديها، ثم تحرّكت بخطواتٍ ثابتة عبر الممر الطويل.
كانت الأرضية اللامعة تعكس ظلّها وهي تسير، وصوت كعب حذائها الخافت يتردد في الممر كنبضٍ منتظم.
توقفت أمام باب المكتب للحظة، أخذت نفسًا قصيرًا… ثم رفعت يدها وطرقت الباب بخفّة.
سمعت صوته من داخل المكتب، ثابتًا وهادئًا:
“ادخلي يا دكتورة خديجة.”
دفعت الباب برفق ودخلت، ثم أغلقت خلفها بهدوء. رفعت رأسها نحوه وقالت بصوتٍ ناعمٍ يحمل ابتسامةً خفيّة تحت النقاب:
“السلام عليكم.”
رفع فارس رأسه عن الأوراق أمامه، وارتسمت ابتسامةٌ هادئة على وجهه وهو يرد:
“وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.”
اقتربت خديجة بخطواتٍ هادئة وجلست على المقعد المقابل لمكتبه، ثم قالت بلطف:
“حضرتك طلبتني؟”
ضحك فارس بخفّة، وهزّ رأسه وهو يقول بنبرةٍ مازحة:
“يا دي حضرتك دي… مش قولنا نبطلها بقى؟”
ضحكت خديجة برِقّة، وانحنت قليلًا للأمام قائلة:
“معلش… استحملني شوية. كنت عايزني في إيه بقى؟”
تغيّرت ملامح فارس تدريجيًا، وغابت الابتسامة شيئًا فشيئًا. أسند كفّه على سطح المكتب، ونظر إليها بجديةٍ واضحة:
“المريض اللي مسؤولة عن حالته… أخباره إيه؟”
قالت خديجة بهدوءٍ ، ونبرتها ثابتة:
“لسه لحد دلوقتي في غيبوبة… ومفيش أي جديد في حالته.”
أغمض فارس عينيه لثانيةٍ قصيرة، ثم رجع بظهره إلى الكرسي وتنهد ببطء.
راقبته خديجة بصمتٍ لثوانٍ، ثم مالت قليلًا إلى الأمام، ونبرة الفضول تتسلل إلى صوتها:
“هو… ممكن أعرف مين ده؟ وليه حضرتك مهتم بحالته أوي كده؟”
رفع فارس عينيه إليها، وحدّق فيها لحظة، ثم قال بهدوءٍ حاول أن يبدو عاديًا:
“أنا بهتم بكل مريض في المستشفى دي.”
أومأت خديجة برأسها، لكن نظرتها لم تتغيّر، وابتسامة خفيفة مرّت في صوتها:
“عارفة… بس اهتمامك بالمريض ده بالذات… غير أي مريض تاني هنا. والغريب إن لحد دلوقتي محدش جه سأل عليه.”
ساد الصمت للحظة، قبل أن يردّ فارس بصوتٍ خافتٍ يختلط فيه التفكير بالشرود:
“يمكن أحسن…”
ثم استقام قليلًا وقال بنبرةٍ حاسمة:
“دلوقتي روحي شوفي شغلك يا دكتورة.”
نظرت إليه خديجة لثوانٍ، كأنها تحاول قراءة ما خلف كلماته، لكنها لم تجد شيئًا سوى جدارٍ صامت. نهضت بهدوء، واتجهت نحو الباب، ثم خرجت وأغلقته خلفها بلطف.
بقي فارس وحده.
أسند مرفقيه إلى المكتب، ودفن وجهه بين كفّيه للحظةٍ طويلة. ثم أنزل يديه ببطء… وتوقفت عيناه على إطار الصورة فوق مكتبه.
صورة نور.
ظلّ يحدّق فيها طويلًا، وعيناه تغوصان في تفاصيل وجه ابنه، بينما تتراكم في أعماقه أسئلةٌ لا إجابة لها … وخوفٌ لا يعرف له مخرجًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...