تحميل رواية جامحه بقلبه بقلم داليا السيد pdf
بقلم داليا السيد
الفصل 21
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ جامحه بقلبه بقلم داليا السيد.
الفصل 21
أيلا
عندما استيقظت كانت تشعر بتحسن لكن بالطبع أصبحت حركتها ثقيلة جدا، ولد وبنت، هكذا قال الطبيب وهكذا شعر رحيم بالفخر وهي بالخوف من القادم..
الأمومة من أصعب الأشياء التي تواجه كل امرأة وهي تشعر أنها لن تكون جديرة بما ستناله
كان ما زال نائما فقد كانت السابعة.. أخذت حمام منحها شعور أفضل وخرجت لتراه جالسا بالفراش يتابع هاتفه فقالت "صباح الخير، لماذا استيقظت؟"
لم ينظر لها وهو يقول "مسلم لديه دائما ما يوقظني حبيبتي، كيف حالك اليوم؟"
ورفع وجهه لها وهي تبتسم وتمرر يدها على بطنها المنتفخ "كنت بأسوأ حالاتي بالأمس أليس كذلك؟"
كانت واقفة مكانها وقد أصبحت تكره شكلها المنتفخ وحركتها البطيئة..
نهض وتحرك لها حتى وقف أمامها ونظراته تحتويها بحنان وهو يقول "بل أجملها مهرتي، تنسين أني لم أعيش معكِ تلك المراحل بأيلا"
ابتسمت له، يده استقرت على بطنها كما اعتاد أن يفعل، بل كثيرا ما كان يتمدد بجوارها ويتحدث معهم وكأنه يراهم.. كان يمتع نفسه بما فاته
رفعت يدها لوجنته وقالت "وجودك معي أجمل شيء بحياتي رحيم"
قبلته استقرت على راحتها ثم على شفتيها والباب يدق وأيلا تندفع للداخل وهي تهتف "مامي ليان ستذهب النادي اليوم وأريد الذهاب معها"
انحنت لها وقالت "ألم أخبرك ألا تدخلي هكذا أيلا؟"
قالت "آسفة، هل سنذهب؟"
نزل لمستوى ابنته وقال "ما رأيك لو ذهبتِ مع سحر وأنا سأمر لاصطحابك؟ مامي بحاجة للراحة اليوم"
هزت أكتافها وقالت "لكن مامي لا تتركني وحدي"
قلبها تألم فقالت "ولن أفعل، سأكون معك بعدما أنتهي من بعض العمل"
صفقت بسعادة وأسرعت خارجة وهو يواجها "مهرة أنتِ بحاجة للراحة وهي لابد أن تفهم ذلك"
ابتسمت وقالت "ستفعل حبيبي لكن لا تنسى أننا لا نرغب بأن تكره إخوتها"
وتحركت لكنه أوقفها وكان عليه أن يخبرها "سأصحب أيلا لرؤية ماما، سألت عنها بالأمس"
جمدت.. رحلت ابتسامتها، وواجهت نظراته الجادة بنظرات استفهام وعدم فهم وخوف وكل المشاعر المتضاربة وخرج صوتها خافتا، ضعيفا
"ماذا؟"
كان يعلم أن الأمر صعب عليها لكنه أيضا يعلم عقلها ورزانة أفكارها، أحاط وجهها براحتيه وقال "أيلا تركت أثر واضح لدى ماما مهرة، براءتها تفوز ونحن لن نقف بطريق علاقتهم"
كان يعنيها، كان يحذرها من التصدي لتلك العلاقة وهي.. ظلت جامدة، لا تعرف كيف تعبر عن مخاوفها، ظنونها، عدم تصديق أن عنان ستتقبل ابنتها؟
تحررت منه وهو تركها.. منحها لحظتها وهي ظلت صامتة لحظة قبل أن تقول "وهل تظن أني سأقف بينهم رحيم؟"
كعادته، أوقفها بلمسة على ذراعها وهو يقول "لكنتِ فعلتِ من قبل مهرة، أنا أعني أن الأمر الآن يأخذ شكل أفضل وربما هذا بداية لإصلاح علاقتها بكِ أيضا"
فتحت فمها لتخبره أنها لا تهتم بذلك لكن نظرته عنت الكثير، هي أمه وهو بحاجة لأن تكون راضية عن أسرته وتكتمل بها دائرته
أغلقت فمها وزاغت عيونها بعيدا عنه وهمست "افعل ما تراه صواب رحيم، فقط.. "
وصمتت وهو تفهم "لن تؤلمها مهرة، ماما تقبلت أيلا وأعلم أن مقاومتها لها تكاد تتلاشى، لا تخافي مهرة وأعدك أني لن أسمح لأحد بأن يؤلم ابنتي"
دموعها سقطت وهو رآها فتألم بصمت لها ولكنه لن يتراجع، جذبها لصدره ولفها بذراعه ومنحها كلمات تريح قلبها لكنه يعلم أن لا شيء سيريحها..
***
الانتظار كان ممل لأول مرة بالنسبة لعنان.. التفتت، صوت السيارة بالخارج جعلها تتجمد بمكانها..
ما هذا الذي يحدث لها؟
ورأتهم، لأول مرة يدخل وبيده تلك التي جعلتها تعرف كلمة "تاتا"
الفستان بلون الثلج، جميل جدا حقا، تعترف أن مهرة لديها ذوق عالي، ولماذا لا يكون رحيم؟ أليس مصمم أزياء؟
انفلتت يد أيلا من يده وهي تهرع لعنان "تاتا، هل تأخرنا؟ بابا قال إن الزحام يؤخرنا؟ هذا بيتك؟"
لأول مرة تنحني للفتاة، تلمس ذراعيها الصغيرة وتشعر بليونتهم وهي تتأمل ملامح الفتاة "نعم، هو بيتي، هل أعجبك؟"
رحيم ظل عند الباب واقفا، لم يرغب بكسر تلك اللحظة، جنب والدته الإحراج من إخفاء تلك اللهفة بنظراتها
صوت أيلا كان موسيقى ملأت المكان "الحديقة رائعة تاتا لكن ليس بها ألعاب، هل ستشترين لي واحدة؟"
ابتسمت عنان، تقريبا نست رحيم وأيلا تأخذ يدها وكأن هي صاحبة البيت وتسأل عن كل ما هو موجود وعنان لم تشكو بل تبعتها وأجابت كل سؤال
رحيم جلس والسجائر رفيقته وهاتف مهرة التي لم تتوقف عن الاتصال به منذ رحل بأيلا "رحيم، كيف حالها؟ هل حدث شيء؟ هل أغضبت والدتك أو.. رحيم هل هي بخير؟"
كان يدرك القلق الذي يسكنها فقال "اهدئي حبيبتي، هي بخير، ماما نست وجودي أصلا ولم ترحب بي، وأيلا هي من تأخذ ماما بجولة بالبيت"
لفت حول نفسها، دموعها تغرق وجهها، قلبها يدق بقوة، حتى طفليها يضربان برفق داخل رحمها، قلب الأم هش، يسقط من هبت ريح..
وضعت يدها على فمها بلا تصديق "رحيم هل تمزح؟ أيلا.. "
قاطعها "أيلا تقود مدام عنان بطريقة تذهلني أنا شخصيا مهرة"
تراجعت، جلست على المقعد وقلبها يحاول أن يهدأ وعاد يكمل "أخبرتك أن أيلا تفوز وقريبا والدتها ستفعل المثل، اعتدتِ أن تكوني بالمقدمة مهرتي الجامحة"
أغمضت عيونها، تاركة الدموع تنساب بهدوء وهي تذكر انتصاراتها ولم تندم لأنها ضحت من أجل ابنتها
صوت عنان جعله يغلق معها وهي تسقط يدها بحجرها وما زالت تتمنى لو كانت بجوار ابنتها لكنها تعلم أن عنان لن تقبل بها وهي تقبل بأن تحب ابنتها بدلا من أن تؤلمها
انتبه لعودة الثنائي وعنان تقول "رحيم متى دخلت؟"
ابتسم ونهض لوالدته ووضع قبلة على وجنتها كعادته وقال "منذ قليل، هل أرهقتك؟"
نظرت لأيلا التي تمسك بيدها وقالت "بالعكس، هي من طلب مني العودة، تقول أن المكان كبير وأنا سأتعب"
ورأى والدته تبتسم وأيلا تقول "تاتا هل كنت فتاة جيدة؟"
منحتها اهتمامها "نعم، لماذا؟"
هتفت "مامي قالت لو كنت فتاة مطيعة ولم أغضبك ستجعلني أراكِ كثيرا"
ارتبكت نظرات عنان بينما تدخل رحيم "ماما أنا أرغب بقهوة"
هتفت أيلا "وأنا الشوكولاتة خاصتي"
وتخطى الجميع ما كان وعندما انتهى اللقاء الذي استحوذت أيلا عليه وعلى اهتمام عنان الكلي قرر رحيم الذهاب على مضض من عنان
أيلا وقفت بجواره وقالت "لن تمنحيني قبلة تلك المرة أيضا تاتا؟"
تورد وجه عنان بلا شعور، أدركت أنها لم تفعل ولا مرة وتلك المرة لم يمكنها الرفض بل نزلت لمستوى الفتاة قبل أن يرفعها رحيم لوالدته
وتفاجأ الاثنان...
أيلا لفت ذراعيها حول عنق عنان، احتضنتها ثم وضعت قبلة على كل وجنة وقالت "هذه القبلة لي وتلك القبلة لإخوتي"
وتراجعت وعنان ما زالت تتلقى المفاجآت منها الواحدة تلو الأخرى حتى رحلوا ورحيم لا يحاول النظر بعيون والدته ومن داخله فخور بابنته..
بل بزوجته التي أنشأت تلك الفتاة بتلك الطريقة
هذا اللقاء كان مؤثر جدا بالنسبة لعنان، منذ رحيل الفتاة وهي تبحث عن كل ما علقت عليه أيلا، تاتا هذا الزرع بحاجة لعناية، تاتا أرغب بأرجوحة هنا، تاتا هل أحضرتِ لي هدية.. تاتا، تاتا، تاتا
كل ساعاتها التالية كانت تاتا.. أرادت أن تكون كذلك ولنفس الفتاة التي سرقت قلبها دون مقدمات ولم تعد تذكر أنها ابنة مهرة بل هي حفيدتها ابنة رحيم وجزء من عائلتهم..
الاجازة التالية كانت بالنادي، لم يمكن لأيلا الذهاب لجدتها مرة أخرى لسفر رحيم المفاجئ وتلك المرة لم يوافق على سفر مهرة معه، هو يرى تعبها الذي تحاول إخفاؤه لذا أصر على الرفض..
وبالتالي كانت عنان هناك قبل موعد مهرة وأيلا.. نظراتها تبحث عن الفتاة، اللعبة التي طلبتها بالحقيبة الملونة على المائدة
لم تقوى على الانتظار، هل منعتها مهرة؟
رفعت الهاتف وضغطت رقم رحيم الذي لم يجيب لأنه لم يسمع الهاتف فتملكها الغضب حتى تمنت لو أن لديها رقم مهرة فتهاتفها وتثور بها
لكن..
اندفاع الروح وصلها.. وكلمة تاتا تنبع من القلب..
ابتسمت.. نست هاتفها وبلا شعور فتحت أحضانها للفتاة التي لم تتراجع وهي تلبي الحضن بسعادة
مهرة اختارت مائدة بعيدة لكن تمكنها من متابعة ابنتها مع جدتها أو بالألعاب لكن أيلا كانت مشغولة باللعبة الجديدة، مشروب الشوكولاتة، الطعام المفضل، كل الوقت كان لعنان ولكن دون أن تنسى والدتها بل كانت ما بين هنا وهناك حتى..
دخلت منطقة الألعاب وظلت مهرة تتابعها حتى كادت تسقط فهبت مسرعة لها ولم ترى عنان وهي تلحق بها ولكن أيلا كانت بخير لكن مهرة لم تعد بخير
اندفاعها وإسراعها مع المفاجأة جعل ألم يضربها بأسفل بطنها فتألمت وأيلا انتبهت لها "مامي، مامي ماذا بكِ؟"
التجمع كان قد انفض وعنان كادت تتراجع عندما سمعت كلمات أيلا فانتبهت ورأت الألم على وجه مهرة التي قالت بتعب "لا شيء حبيبتي، هل.. هل نذهب؟"
وانحنت ويدها على بطنها من الألم فارتدت عنان لها وأمسكتها ولاحظت الألم على وجهها فقالت "مهرة ماذا بكِ؟"
الألم جعلها تقول "ألم بأسفل بطني وظهري، آسفة لإزعاج حضرتك لكن.. "
ساندتها عنان وقاطعتها "هيا تعالي لنرى أي مشفى، أيلا تعالي"
هم أحفادها من تحملهم تلك المرأة وعليها واجب تجاههم بغياب ابنها
المشفى تلقاهم وأيلا ظلت بجوار عنان التي تولاها القلق حتى خرج الطبيب من غرفة الفحص وقال "تقلصات بالرحم من أثر الإجهاد والتوتر، هي بحاجة للراحة حقا هذا الشهر"
يد أيلا كانت بيد عنان وهي تسأله "هل هناك خطر على الأطفال؟"
أجاب بهدوء "لو حدثت ولادة مبكرة خلال السابع فنعم، سيكون هناك خطر عليها وعلى الطفلين"
تجهمت، وعادت تقول "متى يمكنها الذهاب؟"
عبس لحظة ثم قال "عندما ينتهي المحلول وتهدأ التقلصات"
جذبتها أيلا "تاتا، أريد مامي"
نزلت للفتاة وقالت بحنان "حسنا، سندخل لها لكن لا تثيري ضوضاء لأنها متعبة"
هزت رأسها ودخلا ومهرة مغمضة العيون، شاحبة الوجه وقد بدأ الألم يهدأ وما أن سمعت صوت حتى قالت بضعف "أيلا، أين ابنتي؟"
سمعت الصغيرة تهتف "مامي أنا هنا"
فتحت عيونها ورأت ابنتها بجوار الفراش فابتسمت لها "حبيبتي هل أنت بخير؟"
تابعتها عنان من عند الباب، مهرة امرأة مخالفة عمن ظنت، أو عمن جعلتها نارا تظنها، هي تمنح ابنتها كل اهتمامها، هي تعامل عنان بطريقة جعلتها تعيد أفكارها عنها
صوت أيلا قطع الشرود "نعم مامي، هل ما زلتِ تتألمين؟"
لم تبكي وهي تجيبها "لا حبيبتي لقد أصبحت بخير"
ورفعت عيونها لعنان والتقت بنظرات المرأة الثابتة عليها ولم تعرف ماذا تقول سوى "شكرا لحضرتك"
نارا لم تخاطبها بتلك الطريقة من قبل، بل وكأنها صديقتها لكن مهرة تضع حدود بينهم، بل هي من وضعت تلك الحدود
هزت رأسها وقالت "سنذهب بعد المحلول"
امتنت للمرأة وقالت "يمكن لحضرتك الذهاب، لقد شغلتك معي"
أيلا صعدت بجوار مهرة واستلقت رأسها على صدر مهرة بينما اقتربت عنان وقالت "لم يكن لدي شيء، ما أن ينتهي المحلول سنذهب، ربما.. ربما تأتين البيت عندي بغياب رحيم، الطبيب قال أنكِ بحاجة للراحة هذا الشهر"
اتسعت عيون مهرة غير مصدقة ما سمعته، عنان نفسها لم تكن تعرف ماذا تقول سوى أن عائلة ابنها بحاجة للرعاية بغيابه
مهرة لم تجد كلمات تجيب بها والممرضة تدخل لمتابعة المحلول وأيلا نامت بجوارها والصمت علا الغرفة
***
رحيم رفع رأسه عندما سكت مسلم وهتف هو "مهرة ماذا؟"
لم يتحرك مسلم وهو يمنحه ملخص لما حدث وعاد يقول "تعبت بالنادي ومدام عنان أخذتها المشفى و.. "
توقف عندما نهض رحيم من على الأريكة بغرفته بالفندق ووقف أمام مسلم "وماذا؟ أخبر الطيار أني عائد مصر فورا"
لكن مسلم قال "هي بخير مستر رحيم، لقد خرجت من المشفى والآن .."
وسكت، مال رأس رحيم بلا فهم وردد بغضب واضح "والآن ماذا مسلم، انطق"
تراجع مسلم وأجاب "بمنزل والدتك، الرجال تابعتهم وما زالوا هناك ووالدتك أخبرتهم أن مدام مهرة ستبقى حتى تعود أنت"
صمت سقط كسور عالي تهدم فجأة مخلفا دمار لا معنى له لكن معه جلب ألغاز لم يفهمها
عاد للمائدة وجذب هاتفه ورقم مهرة يرن بلا إجابة.. الغضب زاد فهاتف أمه التي كانت تغلق باب غرفته التي نامت بها مهرة وأيلا بجوارها
أخرجت الهاتف وأجابت "أهلا رحيم"
رحيم اعتدل وهو لا يستطيع وقف جنون الغضب "ماما ماذا حدث لمهرة؟ لماذا لا تجيب الهاتف؟ وأين أيلا؟"
دخلت غرفتها وقالت بهدوء "مهرة بخير، هي نائمة بغرفتك وأيلا بجوارها"
رفع رأسه وعدم الفهم يتملكه "بغرفتي أين ماما؟ ماذا يحدث عندك بالضبط؟"
جلست والراحة تملأ قلبها بشكل أدهشها بعدما نفذت ما أرادت "لا شيء يحدث رحيم، هي تعبت بالنادي وذهبنا المشفى والطبيب طالبها بالراحة طوال هذا الشهر كي لا تصاب بولادة مبكرة وأنت لست موجود فأحضرتها معي وعندما تعود خذها مرة أخرى"
لف حول نفسه.. تلك المرة لم يعد يمكنه تجاهل ما يحدث، هي مهرة من تتحدث عنها، مهرة التي رفضتها وثارت بوجهها "ماما هل تعي ما تقولين؟ هل.. "
قاطعته بحزم "لا تنسى نفسك رحيم، أنا أمك ولست مجنونة، المرأة وحدها، تحمل توأم ولديها فتاة والحمل بخطر، ماذا أردتني أن أفعل؟ هل أبدو قاسية لتلك الدرجة؟"
جذب السجائر وأشعل واحدة محاولا تهدئة صراعه الداخلي وهو يفرك جبهته ويقول "ماما مهرة ليست سيئة هي.. "
قاطعته "هل توفر كلماتك هذه لنفسك وتعود لعملك لتنهيه بسرعة وتعود لبيتك"
لم يعد يعرف أين هو ولا ماذا يحدث حوله "حسنا ماما، عندما تستيقظ أرغب بأن تهاتفني"
وأغلق وهو يحاول تفهم ما يحدث بلا فائدة..
الصباح أتى بسرعة.. فتحت مهرة عيونها على ضوضاء لا تعرف مصدرها.. اعتدلت بالفراش الغريب وللحظة ظلت لا تعرف أين هنا
وأخيرًا تذكرت ما كان بالأمس.. عنان والمشفى وهنا.. غرفة رحيم قبل أن ينفصل لفيلته الخاصة..
عنان لم توافق على تركها تعود البيت وحدها..
تراجعت بالفراش ولم تنهض.. الطبيب أخبرها بالتزام الراحة لتجنب الولادة المبكرة
أغمضت عيونها ثم فتحتها من الضوضاء.. استعادت بعض من قوتها ونهضت للنافذة ورأت السبب..
أيلا كانت تسبح بحمام السباحة مع سحر، هل أرسلت للمربية أيضا؟
نظراتها لفت المكان لترى عنان تجلس بجوار حمام السباحة تتابع حفيدتها بابتسامة واسعة.. هل هو حلم؟
اهتزاز الهاتف جعلها ترتد لتبحث عنه ووجدته بحقيبتها فجذبته لتجيب زوجها الذي نفخ بقوة عندما أجابته "رحيم"
ترك الرجال التي كانت تقف حوله وابتعد "وأخيرًا مهرة، كيف حالك حبيبتي؟ ما الذي أصابك؟"
جلست على طرف الفراش وقالت "تعبت بالنادي ووالدتك لم تتركني، هي أصرت على بقاءنا هنا رحيم وأنا لا أعرف ماذا أفعل؟"
السيجارة رافقته والدخان خرج من فمه بتوتر "هل ضايقتك بشيء؟"
أجابت بصدق "لا بالعكس، لم تتركني لحظة وساعدتني حتى الفراش والآن هي بالأسفل مع أيلا وسحر معهم"
جذب نفس عميق من السيجارة ثم أطلقه دخان كثيف وقال "أخبرتك أنكِ ستحققين الفوز مهرتي، من الأفضل لكم البقاء معها حتى أعود، تعلمين تعقد الأمور هنا"
تفهمت القلق الذي يسكنه فقالت "أعلم حبيبي، لا تقلق سنكون بخير، أعدك ألا أضايق والدتك بأي شكل"
ابتسم وقال "أنتِ لا تعرفين كيف تضايقين نملة، حافظي على نفسك لأجلي ملاكي"
قالت بحب "سأفعل حبيبي وأنت أيضا"
أغلقت وفزعت من صوت عنان خلفها "صباح الخير"
عنان دقت الباب ودخلت دون أن تنتبه مهرة ووقفت دون قصد تسمعها وهي تخبره أنها لن تضايقها..
بكل مرة تواجه أخطاءها عندما حكمت على امرأة دون أن تعرفها..
نهضت واقفة لرؤية حماتها، قلبها يدق بسرعة وقوة وعنان تتقدم منها وتقول "لم تسمعي دقاتي على الباب، كيف حالك الآن؟"
ارتجف جسدها كله، ولكنها شبكت يداها كي لا تكشف نفسها وقالت "بخير، شكرا لحضرتك وآسفة لإزعاجك"
وقفت أمامها، عنان امرأة أنيقة جدا، جميلة، عمرها لا يظهر عليها، ظلت تواجه مهرة حتى قالت "توقفي عن الأسف، أنتِ لم تزعجيني، أم محمد ستصعد بحقيبة ملابسك لتستبدلي تلك الملابس فقد أرسلت بطلبهم من بيتك وبعدها تعودي للفراش كما قال الطبيب"
ظلت ثابتة، تحاول أن تفهم تصرفات المرأة حتى قالت "هذا كثير، ربما يضايقك وجودنا"
لكن عنان قالت بثبات "لو ضايقني ما أبقيتكم، ماذا ستفعلين بمدرسة أيلا؟"
تنبهت وقالت "السائق سيتولى أمرها، فقط لو أمكن إحضار ما يخصها من البيت"
قالت وهي تلف لتذهب "سحر فعلت"
وتحركت لتذهب ولكن مهرة نادتها "مدام عنان"
توقفت المرأة دون أن تلتفت فقالت مهرة "شكرًا لأنكِ لم تتركيني وحدي"
الكلمات رحلت لقلب المرأة ومع ذلك لم تلتفت وهي تقول "أنتِ تحملين أولاد ابني ومن واجبي رعايتهم بغيابه"
وتركتها وخرجت وسقطت مهرة على الفراش تحرر أنفاسها، تغمض عيونها، تضع يدها على بطنها، تربت على أولادها وهي لا تصدق أن عنان، المرأة التي أعلنت عداوتها لها من أول لحظة سمعت عنها، هي من تفعل معها كل ذلك الآن
باليوم الثالث تحسنت كثيرا وتجرأت عندما نزلت بالصباح الباكر لرؤية أيلا وهي ترحل للمدرسة وعنان تتابعها بابتسامة مشرقة
التفتت عنان لمهرة وانسحبت ابتسامتها.. لم تتواجه المرأتان إلا بكلمات الاطمئنان ثم تتركها عنان بالفراش وتذهب والآن..
لم تعرف مهرة ماذا تفعل فالتفتت لتعود غرفتها لكن عنان قالت "سأتناول الإفطار بغرفة الطعام، من هنا"
وتحركت ومهرة تلتفت لها والدهشة ما زالت تزداد داخلها..
جلست بجوارها وهي تترأس المائدة، تابعت طريقة مهرة بتناول الطعام، متى وكيف تعلمت ذلك ابنة..
تراجعت.. والدها لم يكن سائس بل مدرب فروسية.. كل شيء يخبرها أنها كانت خطأ
انتهت مهرة بقليل من الطعام ولاحظت عنان فقالت "أنتِ لم تتناولي شيء؟"
بصعوبة رفعت عيونها لها "معدتي لا تتقبل شيء، حضرتك تعرفين الحموضة بتلك الشهور"
نعم. لا..
رحمة لم تكن تشاركها شيء.. كانت تعيش شهور الحمل بعملية، تسافر كثيرا مع زوجها
ظلت تنظر لها وقالت "وليس لديكِ دواء لذلك؟ الأطفال بحاجة لغذاء"
ولم تقل وأنتِ كذلك
أخفضت مهرة عيونها، لكم تمنت أن تكون والدتها معها بتلك المرحلة
قالت "لدي، سأصعد لتناوله، كنت أرغب بطلب"
منحتها اهتمامها فقالت "هل تسمحين للسكرتيرة خاصتي واثنان من المساعدين بأن يأتوا هنا لمناقشة بعض أمور العمل معي؟"
كادت تثور بوجهها وتغضب لكنها تراجعت وتأنت قائلة "هل تجدين نفسك قادرة على ذلك؟"
هزت رأسها وقالت "بعد الراحة التي نلتها بفضل حضرتك فنعم، وحضرتك تعرفين العمل خاصة ورحيم غير موجود"
هزت رأسها وقالت "حسنا، بجوار غرفة الطعام غرفة أخرى، هي مكتب والد رحيم رحمه الله ورحيم كان أيضا يستخدمه، يمكنك استخدامه"
ونهضت تاركة مهرة بحيرتها ونظراتها تتبعها ومن داخلها لم تعد تفهم تلك المرأة ولا تصرفاتها
لكن..
عنان كانت تراقب مهرة.. كل كلمة، كل تصرف..
حتى وهي بين الموظفين كانت تقف خارج الشرفة تسمعها وهي توجههم، تتعامل معهم بطريقة مثيرة للاهتمام
كانت تأمر بطريقة بسيطة، تمنح أفكار عبقرية ومثيرة للإعجاب..
ابتعدت للحديقة وجلست وذهنها يعيد حساباته..
مهرة تجذبها بشكل غريب وليس فقط ابنتها الصغيرة.. وهي لا تعلم إلى أين ستصل الطرق بها..
عندما انتهت جلسة العمل كانت عودة أيلا التي أشاعت الضوضاء بالبيت ومهرة تحاول منعها وعنان لا توقف الفتاة بل مبتسمة وكأنها سعيدة أن الفتاة أعادت الحياة للبيت
الغداء كان على نفس المستوى وعنان تتابع رعاية مهرة لابنتها وطريقة تعاملها معها، كانت كما قالت عزة، راقية حقا..
سألت فجأة "من علمك كل ذلك مهرة؟ أقصد ذلك.."
وأشارت للطعام ومهرة فهمت والاحمر كسا وجهها وهي تقول "ماما، عندما كان بابا يصحبنا معه بالمسابقات كنا نلتقي بأشخاص من كل المستويات وماما كانت تعرف كيف تتعامل معهم وهي من علمني"
سألتها مرة أخرى "وأين هي؟"
وضعت رأسها بالطبق وقالت "صارعت السرطان منذ عدة سنوات ثم رحلت"
وسقط الصمت..
عادت عنان تقول "عرفت أنكِ كنتِ فارسة ماهرة"
ابتسمت للذكريات وقالت "كنت أحب الفروسية وسباقات الخيل، بابا هو من تولى تدريبي ولكن الزواج والحمل بالطبع جعلوني أتوقف"
تدخلت أيلا "لقد جعلتني مامي أركب حصان بالنادي، وعدتني أن تجد لي مدرب لأكون مثلها"
واجهتها عنان "وأنتِ ترغبين بذلك؟"
هتفت "جدا تاتا، أتمنى لو يكون لي فرس خاص بي وأفوز به كل السباقات مثل مامي"
ابتسمت مهرة وصمتت عنان وهي تراقب مهرة تهمس لأيلا بكلمات توعية بطريقة سهلة وبسيطة.. لكن أعجبتها
اليومين التاليين تراجعت الحواجز أكثر وعنان منحت مهرة مساحة أكبر، كانت تحب التحدث معها، وجدتها مثقفة، بسيطة، مؤدبة
لا مكان للتعالي أو الغرور كزوجة رحيم العزايزي..
بل فقط مهرة النادي..
مهرة نفسها أحبت المرأة، وجدتها غير ما كانت تظنها، هي فقط كانت تقيم الحواجز بينهم كنوع من التحفظ لخلفيتها عنها
لكن الآن الكثير بدأ يتبدل..
كانت العاشرة عندما دخلت الفراش بعد أن نامت أيلا بالغرفة التي منحتها لها عنان وسحر معها.. تمددت وهي تنتظر مكالمة رحيم، منذ الصباح وهاتفه مغلق ولم يهاتفها..
كان يوم متعب مع أيلا فغدا التقييم النهائي لنهاية العام وهي ذاكرت لها حتى شعرت بالتعب يهاجمها بدخول عنان التي غضبت وأجبرتها على إنهاء الأمر والعودة لفراشها
ذلك الاسبوع جعلها تتعلق بعنان بشكل غريب، ربما لأنها وجدت من يهتم بها غير زوجها وربما لأنها وجدت بها الأم التي رحلت..
كان الليل قد تجاوز منتصفه عندما توقفت سيارته أمام الفيلا ومسلم يفتح له لينزل..
أم محمد فتحت له وقالت "الحمد لله على سلامتك يا بيه"
لف بوجهه حوله وقال "شكرا أم محمد، أين مهرة؟"
قالت من بين النعاس "بغرفتك القديمة يا بيه، الهانم جعلتها تدخل لترتاح فقد.. "
ولم ينتظرها وهو يتحرك للأعلى قافزا السلالم والقلق يدب داخله بقوة وعندما فتح الباب فتحت عيونها وكأنها كانت تشعر به..
هتفت "رحيم"
كان بجوارها قبل حتى أن ترمش يساعدها ليأخذها بأحضانه وقد قتله القلق عليها وعلى أطفالهم
استمتعت بقبلاته وأحضانه واستعادت روحها بعودته وهو يرفع وجهها له ويتأمل ملامحها "اشتقت لكِ مهرتي، افتقدتك جدا وكاد القلق عليكِ يمزقني"
ابتسمت وقالت بصدق "لم يكن عليك القلق حبيبي، أخبرتك أن والدتك ترعاني جيدا"
ظل وجهها بين راحتيه وهو يحاول استيعاب ما تقول وقد ظن أنها كانت تخبره ذلك كي لا يقلق "مهرة.. "
قرأت ما بداخله فابتسمت وقالت بصدق "صدقني رحيم، والدتك كانت تعاملني أفضل معاملة.. "
جذب وجهها لصدره ولفها بذراعيه والراحة أخيرا حلت محل القلق وهمس "الحمد لله أنكم بخير حبيبتي"
عنان رأت سيارته، عرفت بوصوله ولكنها أدركت لهفته على زوجته المريضة ورغم غيرتها لأنه اختار زوجته إلا أنها تفهمت أن ما بينه وبين مهرة ليس نزوة ولا مرحلة وستنتهي كما صورتها نارا..
ما بينهم حب، رأته بنظرات مهرة عندما تتحدث عنه وبتصرفات رحيم وتمسكه بها..
جلست وهي قد انتهت من إعادة حساباتها و..
دقات خفيفة على الباب جعلتها تنتبه وتنهض لتفتح فرأته وابتسمت..
كعادته انحنى ووضع قبلة على وجنتها وقال "ظننتك نائمة لكن مهرة أخبرتني أنكِ تفضلين القراءة وستكونين سعيدة برؤيتي"
تفهمت أنه يخبرها أن زوجته من أصرت على أن يأتي لرؤيتها..
لقد فهمت، ربما متأخر، لكن فهمت من هي تلك الفتاة، بل المرأة التي تزوجها ابنها
قالت "بالطبع حبيبي سعيدة بك وبوجودك هنا لكنك بحاجة للراحة، اذهب وسأراك بالصباح"
وضع قبلة أخرى على وجنتها ثم قال "شكرا لرعايتك لهم بغيابي، أحبك"
وتحرك عائدا لغرفته وهي ابتسمت مغلقة الباب خلفها سعيدة أنها منحت ابنها السعادة التي رأتها بعيونه..
أيلا أثارت ضوضاء كبيرة لأجل رحيم حتى رحلت للمدرسة وارتدوا ثلاثتهم لصالة الجلوس ورحيم يقول "ماما نحن سنرحل بمجرد عودة أيلا من المدرسة، لقد أزعجناكِ بما فيه الكفاية"
تجهم وجه عنان.. ومهرة لاحظت ذلك ولكنها لم تتدخل، رحيم رغب بذلك وهي لا تعترض ولكن عنان لها رأي آخر "هل ضايقك وجودك هنا مهرة؟"
شحب وجه مهرة وأسرعت تجيب "بالعكس حضرتك.. "
قاطعها رحيم "مهرة لا علاقة لها بالأمر ماما، فقط أنا بحاجة للعودة للبيت، تعلمين أن كل ما يخصني هناك"
هي تعلم ذلك، انفصاله ليس بسبب مهرة، بل كان قبل ذلك بكثير، تنهدت وقالت "زوجتك متعبة وبحاجة للراحة وابنتك بحاجة لرعاية"
ابتسم وقال "سأفعل، لقد انتهيت من زحمة العمل وسأمنحهم وقتي كله حتى يرحل هذا الشهر"
رفعت عيونها لمهرة، لكن مهرة ظلت تنظر لأصابعها، هل ترغب بالذهاب؟
تبدل الحديث وهاتفه جذبه فنظرت مهرة لها وقالت "أنا لن أنسى كل ما فعلتيه معي بذلك الاسبوع، سأظل مدينة لكِ"
حدقت بها عنان بقوة وهي تقول "لذا ترغبين بالذهاب بمجرد عودته"
هزت رأسها وقالت "صدقيني هي رغبته، لكن بالتأكيد أيلا ستقنعه بالعودة مرة أخرى، أو ربما.. "
وسكتت ..
خشيت أن تكمل ولكن عنان سألتها "أو ماذا؟"
تشجعت وقالت "ربما حضرتك تفكرين بقضاء يوم أو.. أو أكثر معنا"
كانت تقترح وقلبها يضرب بقوة، ولسانها يعارضها بالاقتراح وعنان لم ترد، اختارت الصمت..
الفصل