الفصل 54 | من 60 فصل

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم داليا السيد

المشاهدات
14
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

الفصل الرابع والخمسين

باب مفتوح

هاتف خديجة عاد للرنين وهي بالمطبخ تعد المكرونة بالباشميل والذي طلبته جميلة، الحمل يفرض تلك الأمور وهي تصنعها بسعادة لأجل ابنتها..

أسرعت تضع الصينية بالفرن وخرجت للهاتف لترى ذلك الرقم. تعرفه ولكنها لا ترغب بالرد.. توقف الرنين وتوقفت معه أنفاسها..

أغمضت عيونها وهي لا ترغب سوى بحياتها الجديدة، أولادها، أحفادها وحتى أزواج أولادها، ليال وصفوان، تحبهم جدا، ترى نفسها وقد نالت فرصة جديدة بالحياة ولن تتخلى عنها

التفتت لتعود لكن الهاتف عاد للرنين، سكنت بمكانها لحظة ثم عادت وجذبته وبثبات أجابت "مرحبا أستاذ علي"

رفع رأسه، هي تحتفظ برقمه، هل هذا شيء جيد؟

"مدام خديجة، سعيد أنكِ تحتفظين برقمي"

رفعت رأسها، ماذا فهم من الأمر؟ هي لم تقصد شيء ولن تفعل "ليس لدي قائمة كبيرة، بالكاد عدة أرقام"

صمت، أدرك رسالتها ومع ذلك لم يتقبل الأمر لذا عاد للساحة "أردت رؤيتك"

تنفست بقوة، لفت لترى الحديقة بالخارج.. ليال تدفع عربة ابنها وابتسامتها مشرقة والصغير يضحك بسعادة، بالأعلى نافذة ابنتها التي تبدأ حياتها وهي معها..

عادت له "بالتأكيد سنفعل بحفل نسمة"

عبث بعينيه، هي ترفض بشكل لطيف، تعيده لحقيقة ما بينهم، عائلة الديب..

"أنا أتحدث عنا، وليس عن العائلة"

ابتلعت ريقها، أسكتت صوت الوهن الذي لازمها سنوات "ليس هناك عنا أستاذ علي، هناك أم لا ترغب سوى بسعادة أولادها والتمتع بأحفادها"

لف حول نفسه، هي كانت واضحة منذ لقائهم السابق وهي تكمل الآن "هذا لن يُمس"

رفعت رأسها، هي اتخذت قرارها، هي اختارت نفسها ولكن بين عائلتها، هي لم تعد تائهة ولا بحاجة لتعويض

أغلقت الماضي مع محمد، وعلي لن يكون رجل بديل، ربما لو كان بوقت آخر لفكرت

"ولكن أنا أرغب بأن أكون واضحة"

قالتها بهدوء قاطع وبلا تردد "أنا لست على استعداد لأي معرفة ولا أي بداية، ولا حتى فضول"

للحظة ظل جامدا، كان يحاول تفهم موقفها، بلا حرج ولا ضغوط متبادلة "فهمت"

ثم أضاف بنبرة طبيعية تماما، احترم فيها صراحة المرأة "أنا فقط أردت أن أعرف، وقد عرفت"

ظلت صامتة ثانية ثم قالت "تقديرك هذا له مني كل الاحترام"

رد بنفس الهدوء "والوضوح أكثر راحة من أي وهم"

وأغلق كلاهم بنفس الوقت..

ظلت خديجة بمكانها، نظراتها للحديقة وليال ما زالت تلعب مع أحمد والدفء حولهما

ابتسمت لنفسها، شعور لم تعرفه منذ سنين..

حرية مطلقة، سعادة حقيقية، وعائلة تحمي قلبها من أي ندم قديم

للحظة شعرت بثقل الماضي يخف شيئا فشيئا، وكل ما تبقى أمامها هو اليوم، العائلة، هي نفسها.

لا ندم، لا أعذار، لا انتظار. فقط الحياة كما اختارتها حتى بعلاقتها بهارون

ابتسمت أخيرا..

عادت للمطبخ، كل خطوة لها صدى واضح.. خديجة تعرف الآن من هي، وماذا تريد ولن تتخلى عن ذلك

بينما ظل علي بمكانه، ابتسم بخفوت، لم يكن هناك أي شيء يمكنه قوله أو فعله ليغير ما اختارته

هي لم تعد تبحث عن أي شيء من الماضي، ولا بحاجة لأي شخص غير عائلتها وحياتها التي نالتها أخيرا

هو فهم بالفعل، ليس له مكان بحياتها، ولا هو يريد أن يكون هناك إذا لم ترغب هي بذلك

تحرك مبتعدا، خطواته صامتة، لكنه يترك قلبه أخيرا حرا.. محاطًا بالهدوء، ومطمئنًا لأن خديجة اختارت حياتها ونفسها

****

وقف الكبير ثابتًا، الهاتف ما زال بيده. لثواني.. عاد هارون القديم يطل برأسه

الاندفاع.

الرغبة في الركض وحده. في إنهاء كل شيء بندم، لكن..

صوت آخر داخله تحدث.. أعمق. أهدأ

تذكر الفانيليا.. قلبها الذي عانى بغيابه

عيونها الباكية التي انتظرته وهو غائب

الثقة التي منحته إياها دون خوف

كلماتها الخائفة

تحذير محمد له بأن له زوجة وابن

قبض على الهاتف بقوة بلا اتصال وهمس "ليس تلك المرة"

**

الشيطان جالسا بسطوة وزهو.. ينتظر ضربته التالية

تلك المرة لن يسمح لهارون بأن يخرج منتصرا، هو من سينتصر..

سيسقط الكبير قبل أن يكبر.. ينتقم لكل الماضي والحاضر وينال هو المستقبل..

لكن..

لم يكن يدرك أن الكبير كبر حقا، بالفعل وليس باللقب

ظل جالسا بمكانه منتظرا

وطال الانتظار.. طال أكثر من اللازم ، الساعات تمر

لا هارون. لا مواجهة.. لا دم

شيء لم يحدث من قبل.. هارون لم يأتي.. لم يندفع للمواجهة

الجنون بدأ يستحوذ عليه والغضب.. ينهشه

لأول مرة هو ينتظر.. ولا أحد يمنحه اهتمام

نهض.. عصاه ترافقه كظل ملتصق والغضب ذراعه الأيمن

صرخ بالرجل الذي أسرع له "ماذا حدث؟ أين السيارة؟ أين هارون"

ارتجف الرجل ونظرات الخوف نابضة داخل مقلتيه.. الشيطان لا يرحم

وهارون يقف أمام نافذة مكتبه، عاقدًا ذراعيه، عيناه ضاقت على السيارة التي دخلت القصر ورأى ليال تتحرك للقاء

خروج سيارتان بنفس المواصفات من البيت القديم الذي كان لهندية، فكرة رائعة، ضللت رجال جسار

كان يعلم أن هاتفه مراقب والفضل للفانيليا..

والآن..

أخرج نفس الهاتف واتصل ورفع جسار هاتفه على أذنه بلا كلمات

وصوت هارون ثابت "هل انتظرت كثيرا؟ أنتظر جسار فمن تنتظره لم يعد موجود"

الصمت حل، كسيف حاد يقطع الجنون الذي تملك الشيطان وهارون يكمل "الموجود الآن، الكبير والكبير يعرف كيف يدير الدفة جيدا، هندية ترسل لك لعناتها"

وأغلق وجسار يلف ويقذف الهاتف بالجدار ليسقط قطع مبعثرة "سأقتلك هارون، لن يرحمك أحد مني"

ومرة أخرى يشعر جسار بالهزيمة، هزيمة معنوية، هارون أسقطه مرة أخرى بالاحتقار.. أشعره أنه خصم ضعيف لا قيمة له

لف حول نفسه وعيناه تنبض بجمرات مشتعلة، هو يغلق حوله كل الأبواب، يضعه داخل سجن بلا قضبان وهو لن يظل هكذا..

ليس جسار الشيطان من يسقط أمام ديب..

****

خرج هارون من مكتبه، هندية تستند على ذراع ليال التي كانت سعيدة لرؤيتها جدا، فهندية تمنحها ومضة عن تلك الأيام السعيدة بالبيت القديم وأول مرة عرفتهم جميعا

يوم وصلت لحبيب قلبها..

انتبهت هندية له وهو يصل لها وبلا أي مقدمات تركت ليال ولفت ذراعيها حوله وهو انحنى لها، ضمها له..

ما زال يتنفس عطر الحنان بأحضانها، الدفء الذي كانت تلفه به، حمايته، وجودها معه بكل سنوات حياته حتى قطعت مي أواصر الحب والعشرة..

“اشقت لك حبيبي، اشتقت لك بني، سامحني، أرجوك سامحني أنا..."

دموعها طغت على كلماتها فأبعدها بحنان ولف وجهها براحتيه "على ماذا تطلبين السماح هندية؟ أنتِ لا تحملين أي ذنب"

قبضت على يده تجذبها لفمها لتقبلها لكنه جذب يده باعتراض "بل هو ذنبي هارون، ذنبي لأني لم أُحسن تربيتها، أنا من أفسدتها، أنا السبب"

ضمها له مرة أخرى "شوو، كفى هندية، لا أحد يحمل ذنب أحد، مي كانت كبيرة بما يكفي لتدرك نتيجة أفعالها"

هدأت قليلا وليال ما زالت تربت على ظهرها وهو أبعدها وعاد لوجهها المتعب "ليال أعدت لكِ غرفة بالأسفل حتى لا تصعدي سلم"

التفتت لليال التي مسحت دموعها وابتسمت هندية لها "شكرا حبيبتي، لطالما كنتِ مليئة بالحب والحنان، فقط أصبحتِ أكثر جمالًا"

ضحكت الديبة وهو يضع ذراعه على كتف المرأة ويدفعها للداخل "الحمل والولادة جعلاها فاتنة وأنا أرغب بحبسها بالبيت من نظرات الرجال"

ضحكوا لكلماته وجلسوا عندما دخل صفوان "مساء الخير، لقد انتهينا.. "

صمت لرؤية هندية.. ما زال ما فعله بمي على الطاولة لكن هندية ابتسمت رغم دموعها "صفوان، افتقدتك حقا"

زاغت نظراته بينها وبين ليال وهو يقول بصدق "أنا أيضا هندية، اشتقت لكِ وللكعك خاصتك"

ضحكت وهما أيضا وهو جلس وهي تمنحهم كلمات الود "سأعده لكم غدا"

ربتت ليال على ساقها "عندما نطمئن عليكِ أولا وبعدها ستفعلين، بل وستقومين بتعليم زوجته فهي تحب أن تصنع له الطعام"

هتفت بسعادة "زوجته؟ هذا أسعد خبر، وأنس؟"

الليلة كانت طويلة، الجميع تم استدعائه للتعارف والعشاء عدا خديجة ظلت بالظلام تتابعهم من بعيد ودموعها بعيونها

لكن..

هي لم تدرك أنه كان يراها.. هو الآخر راقبها من بين عائلته، راقبها ليس بقلب هارون الديب الغاضب بل..

بقلب ابن.. مشتاق لأم حتى ولو كان رافض..

****

ظل الشيطان يضرب بالرجل الذي أخبره بخساراته المتتالية، الفندق، النائب العام

سقط الرجل مضرجا بالدماء وجسار لا يرى قبضته التي أُدميت من كدماته، هو فقط يرى هارون.. بالنسبة له هذا هو العدو الأوحد بالحياة ولن يهدأ حتى يقتله

لكنه.. لا يموت..

جذب منشفة وجفف يده من الدماء وعصاه تنتظره حتى قبض عليها وابتعد والهاتف يصعد ليده الأخرى وقبل أن يختفي هتف بنبرته المخيفة "ألقيه بأي خرابة"

الصوت الهادئ أتاه عبر الهاتف "أنت لا تتعلم من أخطاءك جسار"

عاد لداخل الفيلا خاصته، ما زال يجدها مخبأ جيد، لا يعلم أن الديب الكبير يعرفه "وأنت تتعلم من أخطاءك يا باشا؟"

نفخ محمد دخانه بالهواء الطلق بحديقة قصره، الاسترخاء الآن هو كل ما يفعله ولكنه ما زال يحتفظ لنفسه بالكثير "خطئي الوحيد أنني لم أُوقفك بالوقت المناسب"

ضحك جسار والزهو لا ينطفئ رغم هزائمه المتتالية "أنا لا يمكن إيقافي يا باشا، آخر تحذير، لا تحاول حمايته مرة أخرى ولا تظن أني لا أستطيع إيجادك أنا فقط أتمهل بطريق انتقامي"

أغمض الرجل عينيه، لم يعد يتألم من كثرة ما تألم، هو من صنع الشيطان ولم يعد بإمكانه إيقافه لكنه لن يتوقف عن حماية هارون أبدا

"وأنا أنتظرك بني، من الأفضل أن أموت على يد ابني بدلا من مجرم لا معنى له"

نفخ جسار دخان سيجارته وتناول المشروب الذي كان بالكأس المجهز على مكتبه "لم أتأثر أبي العزيز، لم تمنحني ما يجعلني أبكي لأجلك"

تنفس الرجل، أنفاسه تحرق صدره، لم يكسب ود ابنه الأكبر رغم أنه كان يمنحه كل شيء "كنت بجواري سنوات طويلة جسار، أنت كنت نائبي حتى اخترت طريقك وحدك"

لا مكان للعقل فقد سقط وتمزق تحت خطوات الحقد والكره..

لا وجود للاعتراف بما كان.. ما هو قائم الآن هو القائد..

هارون نال ما ليس له وسيدفع الثمن

"هو السبب، أراد إزالتي من الطريق ونال كل شيء وأنت ساعدته، أنا أحذرك مرة أخيرة، لن أرحم أحد"

الكبير لانت نبرته لأول مرة "هو أخيك جسار، أوقف كل ذلك وحاول أن تتقبل أخيك و.. "

هتف به بجنون الكره "ليس أخي، لم ولن يكون كذلك أبدا هل تسمعني؟"

ولم ينتظر الرد..

أغلق..

الديب الكبير، الأب، لا يأبه لتهديد ابنه، لكنه..

يخشى أن يتواجه ولداه مرة أخرى ولن يتحمل فقدان أي واحد منهما فأغمض عيونه من الألم والخوف الذي ملأ قلبه

هاتف ابنه الأصغر "هارون توقف عن إغضاب جسار"

الكبير كان يتجول بحديقة القصر بالصباح.. لم يرحل للمكتب..

"هو لا يفعل شيء سوى الغضب يا باشا"

محمد الديب لا يعجبه التحدي الواضح بنبرة هارون "هارون أوقف تلك الحرب، لم تصبح كبير لتنتقم منه"

توقف هارون..

خديجة تراقبه منذ نزل الحديقة.. تشبع عيناها منه.. تتمنى لو واجهته مرة أخرى وطالبته بأن يسمعها

"لا، لكني لم أصبح الكبير لأفر من أي معركة"

الزرقاء التقطت ظل خديجة الساقط على الأرض خارج نافذة غرفتها..

ما زالت تراقبه.. هل تهتم به؟

لم يتحرك.. يده تدفع خصلاته الحرة للخلف.. الفانيليا جذبت رباط شعره قبل أن يترك غرفتهم ولم تمنحه له وسط ضحكاتها

نفخ الديب الكبير.. مدركا صحة كلمات ابنه لكن لابد من حل "وتطلب مني أن أظل متفرجا؟ أوقف كل ذلك قبل أن نندم جميعا وتذكر أنه بالنهاية أخيك"

وأغلق..

ظل هارون بمكانه.. أخيك كلمة لا مكان لها بحياته لذا لم تمر على عقله

ولا قلبه..

لحظة مرت وهو ينظر للفراغ أمامه حتى رأى خديجة تتحرك خارجة من البيت

اعتدل.. الآن معركة أخرى فهل سيفر من المواجهة؟

توقفت أمامه.. عيونها انعكاس عيونه.. نفس اللون ونفس النظرة

قامته العليا جعلته يسقط نظراته عليها بثبات، منتظرًا كلمات الاستجداء والصمت لا يقطعه سوى ضجيج دقات القلوب

تجازف بوقوفها أمامه..

ترى نفسها وهي ما زالت تعاني آثار الولادة..

تلف قطعة اللحم الحمراء بغطاء قديم يكاد لا يمنحه أي دفء وتتركه..

هناك.. على عتبة باب عندما انفتح انفتحت معه بوابة العذاب التي عاش بها..

ظلت ثابتة، لن تفر مرة أخرى، لن تخاف ولن تتراجع..

هي من ارتكبت فعلتها وهي من عليها تحمل العواقب، وقد فعلت..

"لم يكن لي أحد يسأل عني.. عندما عرفت بأني حامل وأني لا يمكنني الاحتفاظ بحملي.. خفت، هربت، ويوم وضعتك اكتشفت أن علي مواجهة غول كبير وحدي.. غول اسمه الدنيا"

سقطت دمعة من عيونها مسحتها بكبرياء رافض للحظة ضعف، وهي الآن تستحضر كل قوتها وهو ظل ثابتا..

لم يرمش.. لم يرحل..

فقط يسمع..

عادت ممزقة.. بين ماض قاسي أهلكها بلحظة فقدان أغلى ما تملك، وبين حاضر أيضا يهلكها بحرمانها من نفس الشيء

"لم أستطع مواجهة الغول بك.. أردت منحك مكان تنام به بوقت كنت لا أملك فيه مكان لأنام"

أخفضت وجهها، تلك الحقيقة مؤلمة.. لكن تظل حقيقة

"أنا لا أبرر" ابتلعت ريقها وأكملت "سأظل لنهاية عمري مذنبة ليس فقط بنظرك ولكن.. حتى بنظر نفسي"

ورفعت وجهها الشاحب له..

نظراته الفارغة أوجعتها أضعاف.. صمته عقاب مخيف..

"أعلم أن لا حق لي بطلب السماح لكن.. لا تحرمني من أن أمضي ما تبقى من حياتي بجوارك، فقدتك بما يكفي"

ظل واقفا أمامها، عيناه لا تحملان غضبًا ولا غفرانًا.. فقط مسافة باردة لم يعرف يوما كيف يعبرها

ثم استدار ببطء، تاركًا الكلمات معلقة بينهما، أثقل من أي حكم

أحيانا الصمت لا يعني الرحيل..

بل يعني أن الجرح ما زال أعمق من أن ينطق.. لكن..

ربما آن الأوان ليبدأ في العلاج

تحرك نحو باب القصر..

دفعه ثم توقف. لم يلتفت، لم يقل شيئا، لكنه عندما تحرك للداخل لم يغلق الباب..

كان هذا أقرب ما يستطيع تقديمه.. الرد على طلبها.. فرصة.. فرصة لا تُقال، بل تُمنح..

باب مفتوح..

دخل غرفة أحمد.. المربية تراقب الصغير وهو يجلس بفراشه يلعب..

نهضت واقفة لرؤية الكبير فرفع يده لها لتنصرف وفعلت..

الصغير ضحك له بصوت مرتفع فابتسم..

رفعه بين ذراعيه "مرحبًا صغيري، تبدو بأفضل حال"

لوح الطفل بيده وهو يبتسم لوالده، سعيدا أنه يحمله ويتحرك به للنافذة..

رآها.. ما زالت تقف بمكانها.. رأسها منخفض.. تتألم، وهو يعلم..

لمست يد الصغير وجهه فعاد له، أمسك الأصابع الصغيرة وقربها لفمه ووضع قبلات عليها..

مشاعره تجاه ابنه مختلفة، سعادة، حب، حماية، قسم صامت بأن يمنحه ما لم يناله بحياته

كيف أمكنها تركه بلا رحمة؟

هل تستحق الرحمة؟

السماح والغفران؟

لمسة على كتفه جعلته يلتفت..

ابتسامتها توقف كل الألم والحزن، لم تجعله يلاحظ أنها رأته مع خديجة أو أنه يراقبها من هنا

"عرفت أنه من سرقك مني بيوم الاجازة"

ولفت يدها بذراعه وأحمد يصرخ بسعادة لرؤيتها، بل ويقذف نفسه عليها من بين ذراع والده

ضحكت وهو غضب بتصنع "هكذا إذن؟ تتركني وتذهب لها؟"

حملت ابنهما ووضعت قبلة على وجنته والكبير ابتعد، خديجة لم تعد بالأسفل وهو لا يهتم.. وهي لم تصمت "هل أسأل؟"

عبث بالألعاب المعلقة بفراش ابنه.. صمته لن يظل للأبد "عن..؟"

تحركت.. اقتربت بحدود "والدة جميلة"

لم ينظر لها.. ظل يحرك الألعاب المعلقة للحظة "لم أنل أي لعبة بحياتي"

صمتت..

"لعبتي الوحيدة كانت بالجيم الفقير خلف الملجأ، بدأت بالخامسة"

عرفت الآن بداية بناء هذا الجسد المثقل بالعضلات، لا يزيد ولا ينقص إنش مهما مرت الأيام والشهور..

ترك الألعاب وتحرك لمقعد قريب وجلس، ربما الماضي أثقل من أن تحمله قدماه "القوة، الشجاعة، الموت، هو كل ما عرفته، حتى فررت ووجدت المثل بالشارع والكبير كان ملجأ جديد لكن.. بلا أبواب"

أسند رأسه على أصابعه.. نظراته زائغة وكأنه ينظر من فتحة الزمن ويرى نفسه يصارع بالشارع ليعيش..

اكتسب اسم بسرعة رغم صغر عمره والكبير أخذه تحت حمايته

"بالعشرين من عمري عرفت أنه أبي، اللطمة الثانية، لم يتبناني كما أخبرني بل أنا بالأساس ابنه لكن مرفوض"

الشرود لا يصل له فهو لا يفقد الزمن.. إن غفل مات..

"طالبت بالحرية والاستقلال ومنحني إياها ليس لإرضائي لكن لأنه يعلم أني أستحق، وأصبحت الريس بالخامسة والعشرين.. وحدي"

ورفع نظراته لها.. ورأت الألم، المرارة

استقبلتهم بعيون تنبض بالحب والسكينة.. لا شفقة

تنفس بعمق.. ابتلع ريقه وتحركت تفاحة آدم بعنقه "هل تعرفين معنى الوحدة ليال؟ هل زرت يوما ملجأ فقير غير موجود على خريطة الحكومة ورأيت ماذا يفعلون بساكنيه؟"

تحركت..

وضعت أحمد الذي نام على كتفها بفراشه واتجهت له..

كادت تجلس على الأرض بجواره لكنه أمسك يدها والتقى بنظراتها لحظة ثم جذبها لتستقر على ساقيه

يدها رحلت لصدره، فوق قلبه الذي كان يدق بقوة ويدها الأخرى تربت على مؤخرة رأسه "لقد وعدته ألا يرى ما رأيت، لن أجعله يشعر بالبرد أو الجوع أو أي حرمان بأي يوم، سأكون له الأب الذي لم أناله وستكونين الأم.."

واختنقت كلماته..

لم يكمل..

أغلق عيونه على الألم الذي ظهر بهما مختلط بدمعة عنيدة، قوية تصارع قوة الريس..

الزعيم..

الكبير

تحركت يدها على وجنته..

جذبت رأسه لصدرها فارتاح عليه..

الدفء الذي لم يعرفه.. الحنان الذي لم يناله..

الحب الذي بحث عنه حتى وجده بعينيها وهي بالعاشرة وانتظره سنوات حتى ناله..

ضمته لها ولم ترغب برؤية دموعه التي انسابت لأول مرة على صدرها.. ولكنها كانت تشعر بالألم الذي يمزقه..

وعلمت.. أنه حتى لو منح خديجة فرصة للبقاء فهو أبدا لن يسامحها

****

وتعود الحياة..

الكرة لا تتوقف عن الدوران

عدة أيام بمطروح ما بين الاجازة والعمل، البحر والألعاب المائية لأحمد ولها هي والكبير جعلها ترى حياة أخرى لم تعرفها من قبل من الترفيه والسعادة وهو شاركها إياها ليس لأنه يرغب بها بل ليكون مع صغيرته

صفوان وأنس كلاهم لم يصحبا زوجاتهم بسبب الحمل

المجنونة حرمته الطبيبة منها نهائيا بالفترة الأولى من الحمل والبسكوتة تنتظر موعد الولادة..

ابتسمت الفانيليا والكبير يلفها بالمنشفة..

القرية فاخرة حقا وتضم كبار العائلات وهما لا يهتمان سوى بنفسهم ومتعتهم والحراسة لا تتركهم "المياه رائعة هارون"

الشاطئ الخاص داخل القرية أمتعهم.. أحمد يجلس بعربته والمربية بجواره وهو نائم

أنس اقترب منه "الغداء هنا أم بالداخل؟"

تابعها وهي تجلس وأحد الرجال يمنحه منشفته فجذبها وأجاب "بالداخل أنس، لدينا موعد بالخامسة"

تراجع أنس لهاتفه بينما جففت هي شعرها وهو يجلس بجوارها "أعجبك المكان؟"

ابتسمت بسعادة حقا "جدا هارون، ذلك الفندق الذي سنشتريه لن يمنحنا كل ذلك"

جذب هاتفه وفتحه ثم عبث به ودفعه له "تلك قطعة أرض على أطراف المدينة صاحبها يعرضها للبيع هل تناسبك؟"

ظلت تحدق به ثم سقطت نظراتها على الهاتف وجذبته، كيف يفكر بما تفكر به قبل حتى أن تنطق به؟

رفعت وجهها له فرأت نظارته تواجها والعصير يرتفع بيده لها.. "متى بحثت و.. "

لم يبعد العصير "أنا رجل عملي صغيرتي، سنوات عمري كلها رحلت بالسوق والبحث عن الأفضل"

منحته الهاتف وأخذت العصير "هذا يعني أن فندق.. "

عاد برأسه للبحر وبيده عصير خاص به وقاطعها "بداية جيدة لنا بالمدينة وتلك الأرض تأكيد لوجودنا"

تراجعت.. لا تفهم أو تفهم ولا تصدق "لا هارون"

أنهى العصير وترك العلبة الفارغة ولف وجهه له بلا معاني على وجهه ولكنها لم تهتم بل أكملت "لن أجعلك تتحمل كل ذلك لمجرد أنك لا ترغب بإغضابي"

ابتسم.. لا هواء حولهم بذلك الوقت الدافئ من السنة.. حرك يده وقبض على يدها "سأدفع كل ما أملك برضائي كي لا أراكِ لحظة واحدة غاضبة أو حزينة ملاكي"

تنفست بسرعة، عندما يمنحها كلمات الحب تنسى العالم ولا تذكر سواه.. روحها ترحل له وتغادر جسدها وتسكن قلبه..

تتمنى لو تظل تتنفس بأنفاسه وترى بعيونه وتسكن قلبه للأبد "أنا لا أريد أي شيء سوى أن أظل ما تبقى من عمري معك هارون.. أنت لا تعلم كم تمنيت قلبك وحلمت بقربك.. أنت كل ما أردت وأريد حبيبي"

ابتسم الكبير..

رفع يدها لفمه ووضع قبلة ووجهه لا يفارق وجهها..

هو الآخر يعيش على ما تمنحه له، ليس فقط كلمات فهي تعرف جيدا كيف تمنحه ما يتمناه بلا كلمات "وحبيبك يرغب بوضعك داخل ضلوعه وإغلاقهم عليك صغيرتي"

ضحكت.. ضحك العالم له..

****

انتهت الاجازة وعودة أثناء النهار.. طريق مختلف غير الطريق المعتاد وهي تساءلت "هذا ليس طريقنا المعتاد هارون"

عبث بهاتفه لحظة، يرد على رجل من رجاله والذي منحه تحذيره "جسار غاضب جدا، يرغب بالرد"

وضع الهاتف بجيب الجاكيت وارتدى زي الكبير ورد "جسار على الطريق العام حبيبتي لذا تركته له"

اتسعت عيونها السوداء.. ارتفع صدرها بأنفاسها المرتعبة.. سكنت نظراتها على طفلها النائم بمقعد السيارة بجوارها ويد هارون تلمس يدها

"اهدئي ليال أخبرتك أنه بالطريق العام وهو لم يتوقع أن نحيد عنه"

عادت له وطارت خصلاتها الحرة من قوة التفاتها والفزع الذي اعتلاها "جسار لن يتركنا هارون"

أبعد يده عنها وعاد بنظره للأمام "ولكني أتركه" ولف وجهه لها "للوقت المناسب"

شحب وجهها.. صفوان واجه نظرات الرعب بعينيها بالمرآة وأنس لف وجهه لهارون.. الهدوء هو كل ما ارتسم على وجه هارون.. وكأن الشيطان لا يطارده

لم يكن عليك إخبارها يا كبير.. قلب الفانيليا هش، قلب أم، زوجة، حبيبة

ارتجفت يدها فضمتهم لبعضهم البعض لتوقف رجفتها

وهو يكمل "الحساب يزداد"

قلبها من ارتجف تلك المرة من نبرته.. القوة سحقت هدوئها.. الغضب الهادئ داخله أخبرها عما يرسمه لخصم لن يتوقف عن الهجوم أبدا حتى يسقط أحدهم

"لم أخبرك لتخافي.. طالبتك بالثقة والشجاعة"

منعت دموعها بصعوبة "وأنا قد أفقد واحد منكما؟ أو ربما كلاكم"

وأشارت له ولأحمد.. دمعة لمعت بعينيها فأبعدت وجهها للنافذة

"لن تفقدي أحد منا ليال.. أخبرتك أني لم أعد ذلك الرجل، هناك ما يوقفني الآن عن الاندفاع للموت"

لم تنظر له.. كلماته لا معنى لها أمام الجنون الذي تعرفه عن جسار.. شيطانه يجلس على وحشه ويركض به ليكتسح كل ما بطريقه ليحقق دوافعه وانتقامه

الصمت لفهم وطريق العودة لم ينتهي إلا بوقت متأخر والسيارات تدخل القصر وهي متعبة، لم تنظر له وهو انجذب لهاتفه معظم الطريق لكن وجزء من عقله مع الفانيليا الغاضب

بل الخائفة وهذا يثير جنونه..

لم ينزل معها..

السيارة رحلت به بلا كلمات وهي احتضنت طفلها وخديجة تسرع لها "ليال.. الحمد لله على سلامتكم.. افتقدتكم جدا"

حاولت أن تبدو طبيعية وخديجة ترحب بحفيدها.. تحتضنه وتضع قبلات كثيرة على وجهه "شكرا مدام خديجة.. اسمحي لي، الطريق كان متعب"

رأت المرأة ما حاولت الديبة إخفائه "بالطبع يا ابنتي، سأعيد أحمد لغرفته"

لم ترد وهي تدخل غرفتها وتنزع حذاءها وتتحرك للفراش.. استقرت على طرفه وهي تحدق بالفراغ..

ماذا ترغب من وراء غضبها؟ ليس ما بينه وبين جسار ثأر سيحمل كفنه ويقدمه له ليسقط الثأر

ما بينهم حرب لا تنتهي ولن تنتهي سوى بموت واحد منهم ولا تعرف من سيكون؟

انحنت ووضعت رأسها بين كفيها وقلبها يؤلمها، هل يمكن أن تفقده ثانية؟ تعيش تلك الأيام مرة أخرى ولكن بلا أمل بعودته؟

انفجرت بالبكاء.. الخوف يقودها والكره بعين جسار يواجها وهدوء هارون يثير جنونها وضحكة ابنها تمزق قلبها..

من ستفقده تلك المرة؟

*****

صفوان التفت له بالسيارة، نظراته مفهومة وهو لا يرغب بأي عتاب، ليس الآن وعقله مزدحم بالكثير

"تعلم أنها على حق بمخاوفها"

أسند رأسه على أصابعه وذراعه على مسند الباب.. نظراته خارج النافذة، ما زال البحر يتماوج كالنزاع المتماوج داخله..

"ربما، لكنها تعرف جيدا من أنا"

أنس تدخل "كنت أنت أيضا من فقدناه ستة أشهر وبسببه وعاشت هي ونحن جميعا كابوس لا نرغب بتكراره"

صمت..

الحقيقة تواجه من يرفض الاعتراف بها..

هي تخاف تكرار ما كان..

ألم الفراق لا يماثله ألم.. يمزق القلب ولا تعرف كيف توقف الألم

ترى من فقدته أمامك، مبتسما، باكيا.. تسمع صوته وربما تجيبه لكن عندما تهرع لتحتضنه..

لا تجده..

تتذكر أنه رحل وبلا عودة ويزداد الألم وتتساقط الدموع ولا شيء يعيد ما رحل

رحم الله كل من فقدناهم ولم نتجاوز بعد ألم فراقهم

صفوان يكمل المسيرة "لا تضغط عليها كثيرا هارون، تعلم كم تحبك"

أغمض عيونه، هو أيضا يعلم ويحبها أضعاف حبها، هي ابنته، حبيبته، زوجته.. هي كل شيء..

هي المرأة الوحيدة بحياته..

لم يكن له أم، أخت، ولا أي أقارب لذا هي كل شيء بحياته

أخرج هاتفه وضغط اتصال على رقمها

انتفضت من صوت الرنين.. رفعت رأسها باحثة عن حقيبتها، أخرجت الهاتف ورأت اسمه..

زادت دموعها وهي تضع الهاتف على أذنها "تعلمين كم أحبك"

زادت الدموع على وجنتيها ولم ترد لكنه كان يسمع همس بكائها "أنا أتمسك بالحياة من أجلك وأجل أحمد"

كتمت شهقاتها بيدها، تتألم، خائفة، رافضة لكل ما يحدث

"لكني منحتك وعد ألا أندفع للموت بنفسي"

انغلقت عيونها على صراخ قلبها الرافض لفكرة الفراق "فقط ثقي بي، للمرة الأخيرة ليال، ثقي بالرجل الذي سيدفع عمره كله ليبقى معك ما تبقى من حياته"

وأغلق وسقط الهاتف من يدها وانهارت بالبكاء

سقط جسدها على الفراش والغطاء يستقبل دموعها التي لا تتوقف

****

تحطم التمثال الثمين على أرضية المكتب لفتات لا حصر لها وهتاف الشيطان يمزق الليل..

خسائر لا حصر لها تلاحقه..

يدرك أن هارون خلف كل الدمار الذي يجتاحه لكن لا شيء بالواجهة يثبت ذلك

تراجع الرجل الذي منحه الأخبار السيئة من أمام الغاضب..

لا يرحم أحد والجميع لا يأمنون غدره.

"لا.. لا يمكن أن أخسر تلك الأرض أيضا ولن نهد ما بنيناه"

ظل واقفا بمنتصف الغرفة، أنفاسه لا تهدأ، احمرار وجهه يعلن عن اشتعال النيران داخله..

الخسارة ليست هائلة لكنها خسارة، ومن العدو.. هارون

رنين هاتفه جذبه من جنونه "تحدث معي، أنت لا تحصل مني على ملايين بلا فائدة، أين طرقك القانونية أيها المستشار؟"

محاميه الخاص يقف عاجزا أمام انهيارات موكله والتي تتم بدقة وبلا خطأ "القانون يقف عاجز أمام الأدلة الصحيحة سيد جسار.. أوراق المالك صحيحة والقديمة هي الزائفة"

قبضت أصابعه على الهاتف حتى ابيضت مفاصله.. فقد الكلمات لأول مرة

عاد الرجل يمنحه تحذير خفي "هناك أصابع خفية تعبث خلفنا سيد جسار.. قضية الشركة والتي جعلنا نصار يتحملها لتخرج أنت منها، والفندق والآن الأرض"

صمت.. تحرك وعصاه تضرب الأرض بقوة غضبه وسخطه.. هو يعرف لكن لا يملك دليل عليه.. ولا يعرف كيف يرد الضرب..

لا يملك الوقت ليفعل..

"سأهتم بالأمر"

عاد ليجلس خلف مكتبه.. أسند رأسه على مقعده.

وجه هارون لا يفارق مخيلته، هو يزحف فوقه.. يدفنه تحت الخسائر حتى لا ينهض ويضرب ضربته

بلا مواجهة.. بلا صراع..

صراع العقل.. الدهاء

لكنه لن ينهزم من هذا اللقيط..

فتح عينيه وجذب هاتفه وكتب "لا تظن أن لقيط مثلك سيهزمني"

اجتماع المجلس الأول بعد توليه منصبه كان منعقد لذا لم ينظر لهاتفه.. اهتمامه انصب على الاجتماع والمناقشات

وانتهى والرجال تتراجع بالمقاعد، نظراتهم له بانتظار آخر كلماته "جيد، ستقوم الحرية للإنشاءات بتولي إدارة الشركة الجديدة هل من معترض؟"

ورفع نظراته لهم وواجهته عيونهم بثبات.. لا أحد اعترض كما لم يعترضوا على تنصيبه وكأن محمد الديب قد منحهم فكرة مسبقة

أو ربما الجميع مجمعون على أن الديب الصغير جدير بمكانة والده

أغلق الملف وتراجع بالمقعد "جيد، صفوان سيتابع المشروع بنفسه، لديه فكرة جيدة عن الأدوية، انفض المجلس، توقيعاتكم يا سادة"

ونهض ليعود لمكتب الكبير والذي أصبح له حاليا..

جذب هاتفه ورأى الرسالة.. ابتسم ابتسامة ديب يعرف أن فريسته تنهار ببطء

كتب "اللقيط لم يفعل بعد، ولا الكبير"

رآه يكتب فتحرك لمكتبه وجلس وصفوان يدخل وملامحه ليست جيدة "هارون أنا لن أنفصل عنك"

الرسالة وصلت "عش اللحظة الآن لأني سأحرمك من هذا المقعد، لأنه حقي"

هدوء هارون مخيف، لا يبدي أي رد فعل على وجهه وكلماته موزونة "وأنا أنتظر"

وترك الهاتف على مكتبه ورفع وجهه لرفيقه "ومن تحدث عن انفصالك عني؟ أنت نائبي"

ظل صفوان جامدا مكانه.. لا يفهم كلمات رفيقه ولا يستوعب تصرفاته "هارون تلك الشركة، أنا لا أفهم"

ظل مضجعًا بمقعده ونظراته ثابته على العملاق التائه بتصرفات رفيقه "أنت مسؤول عنها وعن كل ما يخصها، افعلها كما تشاء، بنفسك، برجال تضعها وتثق بها ولكن وأنت معي، ذراعي الأيمن ونائبي"

حك صفوان لحيته ونظراته تسقط على الفراغ والكبير أكمل "هي أصبحت ملك لك صفوان، هدية الزواج والحمل من أخيك وخال طفلك"

ارتد له وكأن الكلمات صفعته، ما الذي يتحدث عنه؟ لا يمكن أن يفعل به ذلك

قبل أن يعترض أغلق عليه الكلمات "هو ليس قرار قابل للتفاوض، هو أمر"

شحب وجه العملاق، سقط بالفخ وانتهى أمره وهارون لا يرحمه

"هارون هذا أمر صعب، لا يمكنني قبول ذلك أنا.. "

لم يتراجع "بلى ستفعل، أخبرتك أنه أمر ولن نمضي اليوم كله بجدل لا فائدة منه، أخبر أنس ألا يترك ليال تلك الأيام، جسار يجلس على صفيح ساخن"

استعاد صفوان نفسه من الصدمة. هارون لا يتراجع بقراراته لذا لا فائدة من الجدل كما قال

****

الفانيليا لا تتوقف عن توسيع شبكة فنادق الديب كما أطلقت عليها، أجرت العديد من التطويرات، زارت فنادق هارون المنسية ومنحت أوامرها والكبير يترك بصمته خلفها

"أوامر الديبة تطاع"

هذا ولم تنسى موهبتها..

زيادة برامج التأمين الخاصة بالمجد جروب، أجهزة زوجها الشخصية وأخيرا تنفيذ طلباته هو شخصيا

اختراق نظم مملكة الشيطان.. وهي تعمل عليها حتى الآن

رسالة على هاتفها جعلتها تنتبه "أرغب برؤيتك، والدك"

ارتجفت أصابعها لحظة.. أنفاسها توترت، دقات قلبها لم تعد منتظمة وبالحال هاتفت الكبير "ملاكي"

ظلت جامدة بالمقعد وهي تطمئن بصوته "شريف يرغب برؤيتي هارون"

ضاقت عيونه، التوقيت سيء وهو لم يضع عين عليه. عبث بعينيه لحظة قبل أن يجيب "لن يكون وحدك"

رفعت وجهها من الرد وهي لم تتوقعه وإن كان عليها توقعه فالكبير لا يفر من أي مواجهة وأخبرها أنه بظهرها

أكمل "هذا لو رغبتِ برؤيته"

تراجعت بالمقعد.. أنفاسها عميقة عمق الألم الذي يتجدد بذكر والدها "سأراه"

فتح عيونه، يعلم أنها ستفعل، هي ليست جبانة ولا ضعيفة وبالنهاية هو والدها "حددي معه الوقت المناسب وأخبريني"

صمتت قليلا.. استنشقت هواء يفتح شرايينها التي انغلقت من هواء الذكريات الملوث بجرائم لم يكن لها يد بها

نفس عميق، وقبل أن تسأل أجاب "لن تكوني وحدك، سأكون معك كما أخبرتك"

أغمضت عيونها وأخرجت الزفير بارتياح أدركه "حسنا هارون"

ظلت جامدة لحظة، استجمعت نفسها ثم فتحت الهاتف وكتبت "غدا يناسبني، فندق هارون.."

لحظة وكتب "سأكون هناك.. لو طلبت رؤية حفيدي.."

ولم يكمل وانقبض قلبها "ليس الآن.. هو لا يخرج من البيت"

لم يرد فقط منحها علامة الموافقة وتركت الهاتف

لم تكن تفكر بشريف كثيرا مؤخرا.. رحل واختار الابتعاد مما منحها راحة ولكن لا شيء يبقى على حاله..

حتى اتصاله الأخير لم يمنحها أي شيء، لم يمكنها مسامحته ولكن على الأقل تقبلت كلماته

****

اللقاءات تأتي سريعا وهي تكره الانتظار..

لم يأتي الكبير الفندق منذ أخذ المقعد، الترحيبات كانت واضحة وهو ثابت الملامح وزوجته تتحرك بجواره لمكتبه والحراسة تلفه والمدير يسرع خلفه ونظراته تتجول هنا وهناك

بصمة الديبة واضحة بكل مكان.

لم يجلس خلف المكتب والجدار الزجاجي كما هو فقط الملهي تبدل بالخارج، أصبح أكثر جمالا وارتفعت الخدمة المقدمة..

المدير لهث خلفه "المكان تشرف بوجودك يا كبير"

لم يلتفت له وليال تجلس على الأريكة وصفوان ظل واقفا بمكانه عند الباب

"الباش مهندسة تترك بصمتها على المكان"

لم ترد، ذهنها بالقادم لرؤيتها وماذا يريد منها

الرجل أجاب "الباش مهندسة لديها أفكار وصلت للغرف والمطاعم وحتى البهو والقاعات، الكبير يرغب بالاطلاع على الأمور؟"

لف وجهه لها، منذ الصباح عندما عاد القصر والتوتر واضح عليها، كلماتها قليلة.. ذهنها شارد ورفضت أي حديث عن القادم

عاد للمدير "لا، هي تعرف ماذا تفعل جيدًا"

ورفع يده فتحرك الرجل للخارج وصفوان معه، وانغلق الباب عليهما وتحرك لها.. جلس على المقعد المجاور ونظراته ثابتة عليها..

شرودها يقلقه "هل أنتِ بخير صغيرتي؟"

لفت وجهها له، رفعت شعرها لمنتصف رأسها.. بدلة سوداء وكأنها بجنازة على حياتها مع ذلك الرجل، لا مساحيق تجميل ولا أي زينة..

ترتاح لأنه لم يتركها لكن.. ما زالت لا تعرف ماذا يرغب شريف منها؟ ومع ذلك سمحت له برؤيتها

"نعم"

دفع جسده للأمام وواجه ملامحها المرهقة من عدم النوم " ترغبين بإلغاء اللقاء؟"

ثابتة، ترفع وجهها بلا انهزام، ليست الديبة من تفر من المعركة "تعلمت بغيابك ألا أتراجع بأي قرار"

نظراته ثابتة على قتامة عينيها، صدرها المتحرك بسرعة مع سرعة أنفاسها.. مد يده ليدها الثابتة على ساقها..

باردة، فقدت حرارتها من التوتر.. دفء يده منحها هدوء مؤقت "جيد لنكمل ما أتينا له"

دقات على الباب فأذن وصفوان يمنحه نظراته "شريف وصل"

عاد لها فتنفست بقوة ثم هزت رأسها فمنح صفوان إيماءة وتنحى العملاق ليتحرك شريف للداخل..

هي لم تلف وجهها له.. ظلت ثابتة على وجه هارون..

يده تركت يدها وتراجع بالمقعد لمواجهة حماه والذي بيوم ما كان عدوه ويرغب بقتله..

أغلق صفوان الباب، قام بنفسه بتفتيش شريف قبل أن يسمح له بالدخول رغم تفتيش الحراسة، ووقف شريف ساكنا بمكانه

هي لم تراه منذ أنقذها من جسار بذلك القبو، تلقى رصاصته من السويفي واختفى وصوته بالهاتف هو كل ما نالته

شريف السمنودي منحها حياة الإجرام بالصغر ولا تعلم هل يمكنها مواجهته الآن؟

"مساء الخير"

ظل هارون ثابتا، نظراته رحلت للرجل ولا شيء يوقفه عنه سوى امرأته "مساء الخير شريف، أراك بخير"

رفع نظراته من على ليال للكبير، لم يرمش، رجل مثله واجه مجرمين بلا حصر بالسجن وخارجه، لم يعد يرتعد أمام أحد

"نعم، كيف حالك ليال؟"

أحيانا الذكريات المؤلمة تتوارى خلف ستار واهن، فقط كي لا تؤلمنا أكثر وهي الآن تتجاوز عن السيء منه

"بخير"

نهض هارون فرفعت وجهها له، لا تتركني، هكذا نطقت عيونها لكن كان عليه أن يفعل.. "لديك عشر دقائق فقط شريف"

عاد لها ورأى الخوف، القلق، الرجاء بألا يذهب لكنه انحنى عليها، منحها نظرة اطمئنان "أنا بالقرب منكِ ملاكي"

وتحرك خارجا ولم تتبعه بنظراتها حتى شعرت بحركة شريف وجلوسه مكان هارون وأيضا لم تنظر له حتى قال "أعلم أنكِ تكرهيني"

قوتها موجودة لكن قلبها قد يهزمها بأي وقت

"أستحق، لكن، صدقيني وقت رأيتك بخطر كل شيء تبدل، ليال أنا ليس لي سواكِ، أخبرتك بالهاتف أن المال أعماني مرة لكني بالنهاية أب وأقسم أني أحبك"

سرقتها الدموع، تهاوت على وجنتها، عاشت سنوات كثيرة وحدها تظن أن لا أحد يحبها وأنها منبوذة حتى التقت بمن منحها الحياة، منحها الحب، العائلة، الأمن والاستقرار

شريف لم تعرف معه سوى الخوف، الضياع، السقوط بالمستنقع والالتفاف بالرذيلة

الآن لا تعرف ماذا تصدق؟

صوته جذبها "لست هنا لأطلب أي شيء"

أخيرا رفعت عيونها الباكية له..

رأت نظرة لم تراها من قبل بعينيه التي تشبه عيونها

رأت سنواته الستين واضحة على وجهه بالتجاعيد المرتسمة حول عينيه وبجوار فمه

رأت دمعة قريبة على أعتاب مقلتيه..

عاد ليكمل "أتيت لأطلب منكِ أن تسامحيني، تسمحي لي برؤيتك من وقت لآخر، رؤية حفيدي"

كانت تسمعه، الدموع تقوم بدور لسانها العاجز عن الرد وهو يكمل "أنا توقفت عن الإجرام ليال، ضابط جيد وقعت بيده مرة، لم يسجني وإنما تحدث معي ثم ساعدني بالحصول على كشك مرخص وأعيش منه بالحلال"

هزات رأسها كانت بلا وعي، لا ترفض ما يقول وإنما صعب تصدق ما تسمع "بلى ليال وزوجك يمكنه التأكد من كلماتي"

أخفض وجهه لحظة، مسح الدمعة الجريئة من على وجهه وعاد لها "لو لم ترغبي برؤيتي أخبريني ولن أفعل"

لم تعرف أين رحل صوتها؟ كيف هجرتها الكلمات؟

ذلك الألم داخل صدرها لا يتركها.. يوقف حتى أنفاسها

نهض، شعر من صمتها أنها لن تقبل به.. لا تصدقه. الإجابة أتته بلا كلمات

كاد يتحرك لكن أخيرا طاوعتها الكلمات، عبرت من جوفها وخرجت من فمها غصبا عنها "بابا انتظر"

توقف.. سقطت دمعة، اثنان، لا تعد

نهضت رغم خوفها من أن تخونها ساقيها وتسقطها لكنها لم تفعل، ارتفع وجهه لوجهها الباكي.. دموعه جعلتها ترتبك

لأول مرة تراه هكذا.. لطالما كان قوي، ثابت وهي كانت ترتعد أمامه

هل يمكن أن يتبدل الإنسان هكذا؟ هل يمكن أن يتحول من الحرام للحلال؟

تنفست بعمق، الهواء يمر ليفتح أبواب الحياة التي كانت قد أغلقت عليها بمتاريس من حديد "أنت حقا تركت ذلك العالم؟"

هز رأسه، ومنحها تأكيد "والله فعلت.. يمكنكِ أن تمري بأي وقت على الكشك لرؤيتي وعندما يكبر حفيدي يأتي لأمنحه الحلويات، سأمنحها له بلا مال ليال، تبت لله والله تبت"

انهار كلاهم بالبكاء ولا يعلم كلاهم من رحل لأحضان الآخر

انفتح الباب.. ورآهم يجلسون على الأريكة..

لم يكونوا عشر دقائق، بل ساعة كاملة مرت والحكايات لا تنتهي حتى رأى شريف هارون يدخل فنهض واقفا وهي لفت وجهها له

تعلم أنه تابعها من الكاميرات واطمئن عليها فمنحها وقتها

شريف بدأ الحديث "شكرا هارون لأنك منحتني كل هذا الوقت مع ليال"

تحرك حتى وقف أمامه، ابتسامة ليال جعلته يدرك أنها سعيدة، قلبها لا يعرف القسوة

منحها نظرة عادية قبل أن يرتد لشريف "سعادة ليال هي كل ما أرغب به شريف"

ملامح الرجل لم تعد مخيفة "أعلم، أتمنى لكم السعادة، لو لم تمانع أرغب برؤيتها كل فترة"

ظل هارون صامتا لحظة قبل أن يجيب "طالما هي ترغب بذلك"

تفهم الرجل احترام هارون لرغبة امرأته، أخفض وجهه لحظة ثم رفع عيونه له "أنت تعلم أني توقفت عن ذلك العالم أليس كذلك؟"

عقد ذراعيه.. منحه عتمة لا تعني أي شيء "وماذا؟"

تجهمت ليال، لا تفهم سؤاله لكن شريف يفهم "لا شيء، سعيد بلقائك يا كبير، إلى اللقاء ليال"

نهضت واقفة، ابتسمت له وهو يضع قبلة على جبينها ثم يتحرك خارجا وهي تواجه نظرات زوجها بلا فهم

أوقفته قبل أن يبتعد "ماذا عنيت بسؤالك هارون؟"

عتمة عيونه تعرف متى تنقشع وحتى الآن لم تفعل.. واجهتها "لا شيء ليال"

والتفت لكنها تحركت، يداها على صدره، نظراتها ترتفع للزرقاء "تحدث هارون، تعلم أني قادرة على مواجهة أي شيء"

ليس وهي كانت ترتجف قبل مواجهة الرجل.. ليس وهو يحتضنها وهي المثل.. ليس والكبير يُسكت ظنونه داخله

"أعلم لكن ليس لدي شيء لأخبرك به سوى أني لا أثق بأحد وأنتِ تعلمين ذلك"

وتحرك مبتعدا وسقطت يداها بجوارها وعيونها تتبعه وهو يقف أمام الجدار الزجاجي يلف ذراعيه أمام صدره، يوقف ظنونه لأجلها

"رجالك بالتأكيد عرفوا عنه كل شيء فلم لا تخبرني ما عرفوه؟"

لم ينظر لها "عرفوا ما أخبرك به، الكشك، وترك عالم الجريمة"

هتفت بقوة "لماذا تشكك به إذن؟"

التفت لها، قوي كعادته، حاسم بقرارته "أخبرتك ليال، أنا لا أمنح ثقتي لأحد، لا أغفر بكلمة، ولا أنسى الضرر السابق بسهولة"

ضاقت عيونها، لاحت خديجة أمامها، كادت تنطق بما قد يجعلها تندم لكنها التفتت هاربة من جنونها "أنا رأيت الصدق بعينيه، رأيت أب نادم وتائب"

أجاب "جزئيا"

التفتت له، التساؤل ملأ عيونها فأكمل "ربما معكِ نادم حقا، ممتن للفرصة الجديدة بينكم وخائف من رفضك لها، وقد يكون حذر من العودة لعالم الإجرام لكنه ما زال متأثر بماضيه"

اقترب منها "نحن لسنا كلنا نور ليال، توبتنا ليست كاملة رغم أننا نسعى لها منذ سنوات فماذا عن شريف الذي ما زال يخطو لها؟ هل تظنين أنه الثوب الأبيض؟"

ظلت صامتة، حائرة، خبرته أكثر منها بمراحل لكن ذلك الرجل والدها وترغب بأن تصدقه

يد زوجها قبضت برفق على ذراعيها ونظراتها ارتفعت له بدموع الخوف والحيرة "أنا لا أمانع بعلاقتكم حبيبتي، لكن أرغب بأن تكوني حذرة، لا يمكن حذف الماضي بضغطة زر فهو ليس حاسب آلي بل بشر، تعلمي ألا تمنحي ثقة مطلقة لأي أحد لأن الطعنة تأتي من أقرب الناس"

للحظة ظنت أنه يبالغ لكن بهدوء استوعبت كلماته.. الثقة بحساب والغفران أيضا بحساب

هزت رأسها بتفهم، لم تخلط الأمور بالهجوم عليه وأنه لا يعرف الغفران كما يفعل مع والدته

مسح دموعها براحتيه وتركهم على وجنتيها "هو والدك ولن يوقفك أحد عنه لكن.. "

توقف فأكملت "بحذر"

هز رأسه فأغمضت عيونها تستوعب الدرس فجذبها له ولم يمنحها شكوكه تجاه والدها ولا نظرة الطمع بعيونه لولا مخاوفه من هارون

فقط منحها ما رغبت بأن تسمعه

هو والدك..

وترك الباب مفتوح..

****

الباب المعدني لم يكن مغلقا بل تُرك مواربًا، يئنّ مع نسمة هواء باردة.

الضوء الشحيح المتسلل من فتحة السقف سقط مائلا، شق العتمة بخيط باهت واستمر عند الركن الأبعد

هناك..

بين صناديق خشبية متراصة

كان الجسد..

شريف السمنودي..

ممدد على الأرض الباردة، جسده ملتف قليلًا كمن حاول المقاومة في لحظة أخيرة وفشل..

يداه متيبستان؛ إحداهما مفتوحة على فراغ، والأخرى منغلقة بقوة كأنهما ما زالت تقبض على سر لم يُقال

وجهه شاحب، لكن ملامحه لم تكن ساكنة.. فيها بقايا ذهول، بقايا سؤال انطفأ قبل أن يجد إجابته

وبركة ممتدة من الدماء، تركت جسده لجواره

قطرة ماء سقطت من السقف، ارتطمت بالأرض قرب رأسه.

الصوت الوحيد في المكان.

أعلى من الصمت نفسه والجدران المعدنية الباردة تختفي خلف الصناديق المغلقة، على الأرقام والعلامات المدهونة عليها..

الاسم محفور بحروف داكنة.. تخبر عن صاحب هذا المكان..

هارون الديب

الفصل الخامس والخمسون من هنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...