رواية غسق الجزء الثامن 8 بقلم آية محمد غسقرواية غسق الحلقة الثامنة ” منيــــر!! صـرخـت بإسمـه وعينـاها تتسـع بـهلع وهي تـرى النيـران تـُحيـط بها من كـل إتجـاه تلتهـم آثـاث غرفتهـا، إلتفتت حولها تضـع يدها على خصـرهـا كأنها تشعر بتلك اليـد لا زالت تـُحيـط بخصـرها…
همسـت بإسـم “عمها” هذه المره بـخوف وقـد بدأت عينيها تفـيض بالدمـوع، لن يسمعهـا أيا منهـما فهي في الطابق الأخير بعـيدا عن الشقتيـن وبالتأكيد كلا منهما نائمـا في غرفته.. وضعـت قدميهـا المرتجفـة أرضا وهي تنـظر حولهـا بـخوف تـُحـاول تمالك ذاتها تنـظر لبـاب غرفتهـا المغلق وقد أحاطت به النيران فوقفت بمكانهـا تحتضـن ذاتها تبكـي..
جثت على ركبتيهـا تستسلم لمصير محـتوم وقبـل أن تُغمض جفنيهـا شعـرت ببابهـا يـُحطـم وأمامها رأت منير بأعين زائغة قبـل أن تفقد الوعي.. كـان يقـف بسطـح المنـزل شاردا عندما استمـع لصوت صراخها بإسمه فأندفـع سـريعـا يدق بـابهـا عـدة مرات ولكنهـا لم تأتيـه فـدفع البـاب بقوة لأكثر من مره حـتى كُسرت أقفـاله و تحرك مسـرعا تجاه الغرفة ليجـدها أرضا في منتصفهـا تُجاهد لتفتح عينيهـا.
حملهـا منير و وضعهـا في فراشها ثـم أخذ كوب الماء ينثـر منه على وجهها برفق ففـتحت عينيها لتتساقط دموعها ثم انتفضـت تنظر حـولهـا تــصرخ خائفة: ” النـار! كان فيه نار هنا! كان فيه نـار في كل حتة! “.. قال منير برفق: ” دا كابوس يا شادية، إهدي مفيش حاجة “.. هزت رأسها نفيـا تقـول بـهستيريا سيطرت عليها:
” لا.. لا يا منير صدقنـي انا شوفت النـار كانت في كل حته، أنا وقفت هنا و حاولت اخرج معرفتش، انا كنت واقفه هنا وبعـدين وقعت على الأرض أنا… قاطعهـا يقـول بـتريث: ” طب إهدي بس… إشربي ماية الأول “.. ابتـلعت الماء سريعا تسأله باكية: ” مش أنت شوفتني! صح انا كنت على الأرض هنا “.. أومأ برأسه يقـول بحيره: ” ممكن تكوني مشيتي وأنتي نايمة والكابوس كان شديد عليكي شوية، أنتي نامي وإهدي ولا تحبي تنـزلي تنامي تحت عند عمك! “..
هزت رأسها نفيا بإرهاق تردد بضعف: ” لا.. هنام جسمي كـله واجعني عاوزة أنام “.. لم تكـن تشعر بما حولها، لم تستوعب حـتى تواجد كنيـر برفقتهـا بمفـردهم ودثـرت ذاتها بفراشها وأغلقت عينيها تشـعر بتثاقل جفنيها و غطت في نوم عميق.. تـرك لها منير باب غرفتهـا مفتوح وأغلـق بـاب شقـتها بعـد خروجـه يشعـر بالحيرة هـل يُخبر عمـها عن حالتها تلك و يُقلقـه في هذه الساعة المتأخرة من الليل!
قرر في النهـاية الذهاب لشقته والعودة للإطمئنان عليها بعـد صلاة الفجر.. …………………………………….. في الصبـاح التـالي.. قـال حسن بقلة حيـلة: ” وجدي لسه قـافل معايا و بيقولي هيقـروا الفاتحة النهـاردة”.. قـال ” منير ” بقلق: ” عمار لو عرف هيتجنن، أنت رأيك أنا غلطت لما قولتله إني مش هساعده! حسن رأسه نفيا يقول بجدية: ” وأنت فاكر إني مقدرش أساعده!
أنا بس إبني اللي عيـل خايب، أنا عارف إيه اللي بيدور في دماغه بس بردو مكانش ينفع يفـرط فيها، وجاي يفوق أصلا بعد إمتى! بعد ما هي خلاص قررت تشوف نفسهـا! “.. صمـت” منير ” يُفكـر في حـل بخصـوص هذا الأمر، حل يـُرضي كل الأطراف، رفع عينيه ليلـمح شادية ثقف أمام البـاب تُطـالعه بحرج، ربمـا استيقظت وتذكـرت ما مرت به في ليلة أمس و الآن تشعر بالخجـل منه.. قـال بهدوء: ” أنا هقوم أنزل الشغل، النهاردة أول يوم ادعيلي يا عمي “..
” ربنـا معاك و يوفقك يا ابني “.. تحـرك” منير ” يأخذ محفظتـه يتجـه للخـارج يبتسـم لشادية يقـول بجدية: ” عـاوزك تتكلمي مع مريم تفكـر تاني في موضوع الجواز دا قبل قراية الفاتحة “.. قـالت بضيق: ” كلمتها بس دي صاحبتي وأنا عارفاها طالما الموضوع وصل لقراية الفاتحة يبقة هي خلاص أخدت قرار “.. سألها بإهتمام: ” أنتي متأكدة من مشاعر مريم ناحية عمار “.. ” أيوا دي باينـة للأعمى، بس هي عـمرها قبل كدا ما اتكلمت معايا في الموضوع “..
قـال بتفكير: ” يبقـى لازم نـفكر في حـل علشان نوقف الجوازة، بس من غير ما عمار يعـرف أي حاجة، على رأي عمي حسن هو لازم يتربى”.. أومأت برأسها تـقول بجدية: ” تمام أنا معنديش مانع بس بعـد ما أعرض المشروع بـتاعي يا منير أنا مشغولة جدا، أنت فكر وأنا هساعدك “.. أومأ برأسه ثـم تحـرك مستأذنا منها ليـذهب لعمله فـدلفت تـُلقي تحية الصبـاح على عمهـا ثم جلست بجواره فوضع أمامها الطعام يسألها بجدية: ” هتساعديه بجد؟
عمار يستاهل اللي بيحصل دا “.. هزت رأسها نفيا: ” عمار ميستاهلش يحـصله أي حاجة وحشـه، خصـوصا إنه يخسر مريم، يا عمي عمار عمره ما عشم مريم بحاجة إحنا ليه بنلومه! إنه كتم مشـاعره ومحبش يعلقها بيه! منير ميعرفش لكن أنا وأنت عارفين كـويس ليه عمار رافض يتجـوز مريم أو غيرها.. بس خـوفه إنه يخسرها بقى أكبر من خوفه من أي حاجة تانية وهو أدرك ده دلوقتي، لو في إيدي أساعده يبقى هساعده “..
تنـاولت طـعامها سـريعا تحت نـظرات” حسن “المتفحصـه وقبل أن تُغادر سألها: ” أنتي حاصل معاكي حاجة! “.. أومأت برأسها بتعب تتذكر ما حدث معها بالليلة الماضية ولكنها أردفـت بإرهاق: ” بس مش حابـة أتكلم في القصة أنا هبقى كويسـة.. سـلام دلوقتي وأنا احتمال اتأخر “..
أومأ لهـا حسن بتفهـم فتحركـت سريعـا تطـلب سيـارة للذهاب لعملهـا و أخذت طريقها سيـرا للشارع الرئيسي عينيها بهاتفهـا تـُطالع إشـعارات غفلت عنها من الليلة الماضية فـلم تنتبـه لتلك السيـارة القـادمة بسـرعة عاليـة لتـصطدم بهـا.. اندفع جسـد شادية بـعنف و سقطت فاقدة لوعيهـا وتناثـرت أغراضها على الطريق بينما تحطم هاتفهـا واجتمع النـاس حـولها يتفحصـونهـا..
قام أحد المارة بطـلب سيـارة الإسعـاف التي آتت بـوقت قصـير تحمل شاديـة و اتجهت بهـا لأحد المستشفـيات القريبة.. ………………………………………. بلـوعة وقلق تـحرك حسن وخلفه منيـر بين طرقات المستشفـى يسألون عن تلك المصابة التي آتتهم في حادث منـذ قـليل فأرشدهم ممـرض لـمكـانها في غرفـة الطـوارئ.. ” هما بيجهـزوها للعمليـات “.. اقتـرب منيـر يبحـث عنهـا ليجدها متمدده و ذراعهـا فوق عيـنيها تتأوه بألم.. ” ايه اللي حصـل! “..
اقترب جاثيـا جوارها فـرفعت يديها وطـالعته بأعين زائغه مليئة بالدموع تقـول ببكاء: ” رجـلي.. رجلي اتكسـرت، بتوجـعني أوي “.. اقتـرب حسـن يـُمسك بيدها يتألم خوفا لأجلها: ” هما سايبينك كده ليـه بتتوجعي! أنا هنقلها مستشفـى خاصة دلوقتي “.. قـالت بصوت خافت: ” هما قالولي لازم أدخل عمليات دلـوقتي وأخدت مسكـن و عملولي أشعـة “.. قـال بأمر لمنير: ” متتحركش من جمبها لحد ما أفهـم منهم “..
تحـرك” حسن ” تجاه طبيب الطـوارئ و جـلس منير أرضـا جوار شاديـة التـي عادت تبكـي متألمـه اثر اصابتهـا البالغة ولكنها همست بحزن: ” مستحيـل أقدر أكمل المشروع “.. ” صحتك دلوقتي أهـم ده اللي لازم تفكري فيه”.. قـالت باكية: “وتليفـوني اتكسـر”.. ” معلشي فداكي، بإذن الله أول لما هقبض هجيبلك واحد جديد”.. سحـب هاتفهـا المحطـم جوارهـا وتفحصـه ليردف بـسخرية: ” دا لسه شغال! فلوسك حلال “..
طـالعته بأعين زائغة تشعر بأنها على وشك فقدان الوعـي مرة أخرى فأتت ممرضـه تسحب منها عينـة دم تتفحصهـا فسألتها بوهن: ” أنا مش قادرة أفتح عيني “.. أجابتها: ” علشان المسكـنات اللي احنا حطينهـا في المحـلول، أنا جاية دلوقتي علشان أخد منك عينة دم هنعمل كذا تحليل قبل ما تدخلي العملية “.. أومأت تمد لهـا ذراعهـا فأخذت الممرضـة منها العينة و رحـلت وظـل منير يتابعها بصمـت حتى قطع صمتهم صوت رنين هاتفهـا بإسم” آواب “..
لم تلتفـت” شادية ” حتى لهاتفهـا فحمله منير وتحرك بعيدا عنها يُجيبه.. ” أنتي اتأخرتي كده ليه؟! “.. حمحم منير يقـول بثبات: ” أنا منيـر “.. سأله آواب بتعجب: ” والآنسة شادية فين! أنا بكلمها لإنها لسه موصلتش وهي مبلغتش حد إنها هتغيب “.. ” هي حاليا في المستشفى عملت حادثـة و هتدخل تعمل عملية كمان شوية، لسه عمها بيخلص الورق “. ” حادثه! حادثه كبيرة ولا ايه؟ هي كويسه ولا لا؟ “..
” اه هي حالتها مش خطيـرة بس فيه كسر في رجليها “.. ” مستشفـى ايه! ابعتلي العنوان “.. قـال منير بحيـره: ” هو أنا مش عـارف العنوان بالظبط الحقيقة بس هي المستشفى اسمها ****** “..
حمـل” آواب ” مفاتيـح سيـارته وتحـرك لعنـوان المستشفـى، ما أمر تلك الفتاة لا تتوقف الحيـاة عن مفاجـئتها، فتـاة غريبـة لا يـدرى لكنها قويـة و ذكيـه و تعمل بجـد، معلوماتها ثرية ومجتهـده بالوقت ذاته يراها بريئة و ضعيفة تحتمـي بظهر عمهـا وتبكـي بين يديـه، تبكـي ضيق الوقت ثـم تـُبدع وتنـهي عملها في الوقت المناسب، كيف لم يـُلاحظها من قبـل! ولما الآن!!
تـوقف أمام غرفة الطـوارئ يبحث بعينيه عنهـا بين العـديد من المرضـى حتى وجـدها و جوارها يجـلس منير أرضا و عمهـا يقف يحمل بيده العديد من الأوراق.. يتسائل بجدية: ” ليـه مدخلتش العملية لحد دلوقتي وسايبينها كده!؟ “.. فتحـت شادية عينيها بـوهن تتسائل بتعجب: ” آواب منفعل! دي القيامة هتقوم ولا ايه! “.. قـال حسـن منهكا: ” هما مش سايبينها بس لسه في تحاليل مطلعتش النتيجة بتاعتها، خلاص كـلها ربع ساعة وهتدخل العمـلية “.
طـالع” آواب ” شادية برفق وسألها: “أنتي كويسه؟ في حاجة بتوجعك”.. تعلم جيـدا بأن التوقيت غير ملائم مائة بالمئة ولكنها شعرت بالخجـل وهي تهز رأسها نفيا رغـم انها لا زالت متألمة.. بـعد نصف ساعـة كان ثلاثتهم أمام غرفة العمليـات يـنتظرون و قد استمر انتظارهم لساعتين اخرتيـن قبـل أن تـخرج” شادية ” غافية على الترولي يـدفعها التمريض تقـول إحداهن:
” هتدخل العناية الساعتين تلاته الجايين دول وبعدين هتروح على القسم الداخلي لحد بكرا الصبح، متقلقوش عليها “.. راقبـوا رحيـلها كـلا بمشاعر مخـتلفة وأردف حسن بآسى: ” اخر مره شـوفتهـا بالشكل دا كان يوم وفـاة أبوهـا، مات بعـد أمها بـفترة قصيـرة و كانت في حـالة صدمة، اتيتمت بـدري و شقيت بـدري في حياتها ولسه مكتوب لهـا الشقى والتعب، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا اعتراض، ربنا يشفيكي يا بنتي “.. قال منيـر يواسيه:
” أيوا كده يا عم حسن هو ده اللي تقوله تدعيـلها و بس وربنـا أرحم بيها، معلشي شدة وتـزول “.. قـال” آواب ” بـجدية: ” أنا هـكلم بـابا يأجل شوية في معاد مناقشة المشروع، دي حاجة هتفرحها وهترفع من معنوياتها لأنها مهتمة جدا بالموضوع ده”.. قـال حسن بتفهم: ” أيوا يا ابني بس هي بردو مكانتش عاوزة تتقدم بأيي حجة أو عذر و تقدمه في معاده “.. أومأ آواب لـه يقول بهدوء:
” أنا استلمـت منصب جديد واخد كل وقتي، أنا كمان مش هلحق اشتغـل عليه، أنا هبلغه إن في تقصير من عـندي أنا لـحد ما نشوف هنقـدر نعمل إيه “.. وافقـه” حسن ” بإمتنـان رغم أن الشك تسلل لقلبـه من مشاعر ذلك الشاب تجـاه ابنة أخيـه، هل يا تـُرى تبـادله شادية نفس المشاعر!! …………………………….
كانت ليـلة مرهقـة على الجميـع بداية من ” عمار ” الذي أرهق جـسده في تمارينـه الريـاضية وعينيه تكـاد تقطر دما بـدلا من الدموع لشدة إحمرارهـا وهو يُفكر بأمر ذلك الزواج الذي سيُهلكه لا محال.. وقف أمام المرآة يـُطالع هيئتـه المزريـة تلك يـردف بحـده: ” مكانش لازم أضيع بس مكـانش ينفـع أبقى معاها وأنت عارف إيه اللي جـواك “… ” ومـاله بس اللي جواك!! “..
انتفض عـمار للخلف و قـد تبلل قميصـه عرقـا واشتدت عروقـه وهو يـُطالع ذاته، جسده يتحرك أمامه، يُحادثه من ذاخل المرآه ولـكن بصوت غير صوتـه هو… ” أنت تقـدر تخليها ليك، عندك الموهبة، إرث عظيم إزاي تهملـه لأجل إيه! “.. قـال عمـار بإنفعـال رغم خوفه الدفين: ” بسبب ده.. بسبب اللعنة اللي بتسميهـا موهبـة، السحر اللي جري في عروقي زي السم من وقت ما كنت عيـل صغير “.. ” سم!
هيكون سم لما تستخـدمه في حاجات تانية.. حاجات عملها جدك الكبير “.. ” أنا مش عاوز، مش عاوز أستخدم حاجة ولا أتعلم ولا أعرف حاجة لا في خيـر ولا في شـر “.. ” ولا حتى علشـان تمنع جواز مريـم! الكـل رفض يساعدك.. أبوك و… منير “.. قـال عمار بحده:
” مريم أنا من الأول بعـدت عنها علشان خايف عليها، خايف من الجانب الأسود من اللي أنا فيـه، هفضل طول عمري أقاوم مش هستسلم، لـو فاكر إنك هتـجبرني أخضـع لك وهتقـدر تستغـل حبي ليها يبقى غلطان أنت وكل بني جنسك بالعكس دا أنت أكدت ليا إني كنت صح، هتوجع دلوقتي بدل ما السواد اللي جوايا يوجعهـا بعد سنيـن لو في يوم غصـب عني استسلمت “.. ” أنا مش ضدك، أنا حليفك.. هخدم مصالحك وبس “.. قـال عمار بصراخ:
” وأنا مش هغضب ربنـا.. مش هعمـل كده أنا آه عندي ذنوب كتيرة بس مش هقـع في إثم عظيم زي ده، وأنت! أنت أكيد مش ملاك طاير عاوز خدمتي إخلاصا للساحر بتاعك لا أنت أكيد ليك مصلحـة وهعرف هي ايه وهكون حريص كويس أوي إنك متاخدهاش”… “وأنت أكـيد مش هتتحـداني.. هتتحدى واحد من الجن! بعـد ابتسامتـه الساخرة عـادت المرآة تعكـس هيئة عمار الحقيقـة فرآى ملامحه البـاهته وعينيه الغاضبـة، اقتـرب أكثر يـُحدث ذاته بحده:
” أنت لازم تنـساها… لازم تبعد عنهـا، أنت أسود وهي أبيض لازم تنساها يا عمار “.. ضرب قبضتـه في المرآة بقوة فتهشمـت و هوى أرضا يبكـى كالطفل الصغير وبدأت قـواة تخور مع نزيف يـده حتى بعد ساعة من بـكاؤه وهمساته المبهمة غـفى في نوم عميق اثر تعبه وإرهاقه… …………………………………………………… في الصـباح التـالي فتحـت” شادية ” عينيها تشعر بالألم بكـل جسدهـا، تأوهت وهي تعتـدل تـُنادي بألم: ” يا عمي! منيـر! “..
فـتح” حسن ” عينيه كان قد غفى منذ ساعات قليلة بجـوارها في الغرفة الصغيرة بداخل القسم الداخلي.. سألته متألمة: ” أنا خرجت من العناية امتى! “.. ” امبارح الساعة 12 بليل، هما اتطمنوا عليكي وطمنونا و الحمد لله هتبقى زي الفـل “.. سألته بإرهاق: ” منير راح فين! سابك لوحدك؟ “.. هز رأسه نفيا:
” لا والله ده فيه الخير فضـل معايا لحد الساعة 8 الصبح بس قولتله قوم روح البيت غير هدومك وروح شغلك، هو صحيح تخمه ومش عارف يتصرف بس هنعمل ايه هو جديد على الدنيا دي “.. ” بس هو غلبان أوي وطيب، مش عارفة بس ايه اللي وراه يخليه يـوصل لحد هنا “.. صمتت لثواني ثم سألته من جديد: ” وآواب؟ “.. طـالعهـا بتساؤل وهو يتعمق بعينيها يُجيب سؤالها بأخر: ” ماله! “.. ” مشي علطول ولا قعد شوية! “..
دق بـاب الغرفـة وبعد دقيقـة دلف” آواب ” وهو يحمـل حقيبة مليئة بالطعام والعصائر والمعلبـات تركهـا على الكرسي عندما رأها أمامه يسألها بهدوء: ” صحيـتي إمتى؟ هروح أشوف الدكتورة لو وصلت تيجي تبص عليكي “.. ” آواب الساعة 11″.. قالت بإستنكار طـالعهـا بتعجب فأكملت بحيره: ” أنت سايب الشغل علشاني! “..
كأنهـا كانت بحاجة للإحتفاظ بسؤالها لنفسهـا فقد تـوترت الأجواء وابتسم حسن بسخرية فقد تأكدت شكوكه ويبـدو أن شرارة الحب قد اشتعـلت بين شخصين.. أحمقين بالكامل.. بعـد دقيقة واحدة من تجـاهل آواب لسؤالها دلف منير بإبتسامتة المعتادة التي ازدادت اتساعا عندما رأى شاديـه قد عادت لوعيها.. ” صباح الخير! ألف حمد لله على سلامتك “.. قـال” حسن ” ينظر لآواب بـسخرية بينما يوجه حديثه لمنير:
” الظاهر مش آواب بس اللي ساب الشغـل علشانك.. أنت بتعمل اي هنا يا منير أنت كدا هتترفد يا ابني!! “.. قال ضاحكا: ” خدت أجازة وهيخصم اليوم من مرتبي “. قال حسن بتهكم: ” لا يا حبيبي بالوضع ده أنت كده هتشتغل لله، والله إنك شكلك مش بتـاع شغـل “.. ” لا لا! صدقني يا عمي أنا كـنت بكسـب كويس في شركة أبويا قبل ما آجي هنا “.. سأله آواب بإهتمام: ” أنت والدك عنده شركة؟ بتشتغل في ايه! “.. قال بإبتسامة:
” شركة تطوير عقاري واستثمار سياحي”.. رفع ” آواب ” حاجبيـه يقول بإهتمام: ” دا أنت منافس بقى! دا نفس المجال بتـاعنا! اسم شركتكم ايه”.. حمحم ” حسن ” بقلق وهو يـرى حماس منير للحديث تن شركات عائلتـه يخشى أن يفضح هويتـه بأي شكل ولكـنه لم ينتبه له حتى وهو يقول بإبتسامة: ” جبران جروب للتطوير العقاري “.. عبس” آواب ” كأنه يعـرف الإسم يـُحاول تذكره:
” أنا مسمعتش الإسم ده غيـر في كذا مشروع أخدناه زمان أنا و والدي كانت تطـوير أكتر من قرية سياحية نفذتها شركة بالإسم دا في أول الخمسينات، بس اللي أعرفه عن الشركة دي إنها أعلنت إفـلاسها في أول الستينات و صاحبها سافر برا البلد بعد ما ابنه اتوفى، أعتقد جدي كان بعرفه “.. زادت ضربات قلب منير و انقبض صدره وهو يسأله: ” أفلست في الستينات! يعني الشركة دي ملهاش أي وجود!؟ “.. هز” آواب ” رأسه نفيـا يُطالع منير بتعجب يسأله:
” فيه صلة قرابه! بما إنه نفس الإسم! “.. قال منير بآسى: ” لا هو مجرد تشابه اسماء، احنا شركتنـا لسه اسمها مش كبير علشان كده شركة كبيرة زي شركة حضرتك مش هتكون سمعت عنها “.. قال آواب بود: ” وهكون مبسوط لو حصـل تعاون ما بين الشركتين “.. قال” حسن ” بهدوء مزيف: ” لا هو فيه مشكلة كبيرة حاليا بين منير و أبوه علشان كده هو قاعد معانا وهيشتغل مع الشيخ و لا ايه يا منير؟! “.. أومأ منير برأسه ثم قال بصوت خافت:
” بعد إذنكم شوية وهرجع “.. تحرك منير للخارج و الحزن و الآسى يسكنا ملامحـه، ترك والده وحيدا، هرب كالجبـان من ذنبا لم يقترفـه… هرب من ذنب بذنب آخر و والده وشركته التي كافح لأجلها دُمرت في أشهر قليلة فقط، كيف كان حال والده! و لأي دول هاجر! و هل عاد يـوما لمصر! لا يـعرف! لا بعرف حتى متـى وكيف وآين مات والده! تركـه وحيدا ولم يفـكر به… في الـداخل
كـانت تـُفكر شـادية في حـال” منير ” بآسى، الأمر مؤلم بحق هـو حنى اليوم لم يتستطع التكيف مع عالمه الجـديد، يجد صعـوبة في مواكبـه التطور الذي حدث رغم ذلك لا تفارقه ابتسامته ولكنها تغيب اليوم عند ذكر أمر والده، حزت هي أيضا لأمر ذلك الأب الذي تُرك وحيدا بالجانب الأخر من بوابة الزمن تلك.. “مش ناوية تاكـلي! ”.. قـبل أن تهـم بالحـديث وجـدت من تركض لداخل الغرفـة تقـترب منها تضمهـا وهي تتحدث بهستيريا وأعيـن مليئة بالدموع:
” والله العظيم مكنتش أعرف أنا بابا لسه قايلي والله اتخانقت خناقة كبيرة أوي أنه خبى عليا، أنا أسفة اني مكنتش معاكي يا شادية أنا مقصرة اوي ناحيتك أنا آسفة، طمنيني عليكي أنتي كويسة دلوقتي؟ فيه حاجة بتوجعك “.. ضحكت شادية تقـول بين ضحكاتها: ” ايه يا بنتي كل ده اهدي شوية هو أنا بـودع! خلاص رجلي واتكسرت وعملت فيها شرايح ومسامير، خير خير كله مقدر ومكتوب “.. ضمتهـا مريم وسألتها بصوت خافت: ” يعني مفيش حاجة بتوجعك! قالت بـهدوء:
” أنا واخده مسكنـات كتير ورجلي بس بتشـد عليا دلوقتي، ربنا العالم لسه بعد ما اوقف المسكنات الوضع هيكون ايه، بس الحمد لله على كـل حال “.. قـال حسن بـهدوء: ” أنا عاوزك بس يا مريم تاخـدي المفـتاح بتاع شقتها تجيبيلها هدوم تلبسها غير دي يا بنتي “ أومأت برأسها تجيبه بإحترام: ” حاضر يا عمي، هـروح أجيبهم وأرجع علطول “.. قـال بهـدوء:
” طيب استنى لما منير يرجع علشان متروحيش وتيجي لوحدك، آهو رجع… هتاخد مريم هتروح تجيب لبس لشادية و تجيبها تاني “.. أومأ منير بطـاعه بينما قالت مريم بهـدوء: ” أنا معايا عبد الرحمن يا عمي هو هخليه يجـي معايا متقلقش”.. ضيق الجميـع أعينهم حتى آن آواب انتبـه لهم و التفـت لموضوع تمركز نظراتهم تجاه الباب حيث وقـف ” عبد الرحمن ” على مسافـة منـه فنـادته مريم بصـوت هادئ: ” عبد الرحمن! تعـالى ادخل “..
دلف عبد الرحمن، بدا شابا لطيفـا بملامح وجه وسيمة يبـدو هادئ الطباع مثـل مريم، ألقى تحية الإسلام و التفت تحاه شادية يقول بإبتسامة: ” ألف سلامة عليكي يا آنسة شادية “.. قالت بإقتضاب: ” الله يسلمك “.. قـالت مريم بهدوء: ” دا عمي حسن يا عبد الرحمن، هو صاحب بابا و زي اخوه وانا بعتبره عمي واتربيت في بيته من وأنا صغيرة.. و دا عبد الرحمن يا عمي… خطيبي “.. قال حسن بهدوء: ” ربنا يتمملكم على خير يا بنتي، ألف مبروك يا ابني “..
قال عبد الرحمن بود: ” الله يبـارك في حضرتك أنا اتشرفت بيك النهاردة وألف سلامة على الآنسة ان شاء الله تبقى أحسن “.. قال حسن بهدوء: ” الشرف ليـا “.. أخذت” مريم ” مفتاح شقـة “شادية” و رحلت رفقة عبد الرحمن بينمـا طالع منير آثرهم بحـده و أردف بتوعد: ” احنا لازم نخلص من العدو قبـل ما الجيش يهجم بنفسه.. لازم نسيطر على الوضع “.. قالت” شادية ” بتهكم: ” وهتعمل ايه يا عم جيمس بوند!
انت مش شايف دول لسه ملبسوش دبـل وبتقول عليه خطيبهـا!! يلاهوي لو عمار كان هنا، دا ألف حمد وشكر يا رب انه مش هنا كان زمانه بـلعهم هما الاتنين “.. ضحك” آواب ” وسألهم بسخرية: ” هو فيه ايه! “.. قالت شادية بآسى: ” إحنا لازم نعمل حاجة، لازم نفشكل خطوبتها من الواد الحليوة ده، ونجوزها عمار اللي مش باينله وش من قفا طب والله دي لوحدها جريمة “.. ضحكت شادية بسخـرية فقـال حسن بحده: ” أنا بكررها تـاني يا شادية، عمار ميستاهلش “..
قالت شادية بجديه تُعانده: ” يستاهل.. عمار يستاهل أعمل علشانه أي حاجة، وأنا هساعد منير علشان خاطر أخويا “.. ابتسم” آواب” رغم أن أحدا لم يشرح لـه ما حـدث فانتبهم شادية لإبتسامته وقالت بمشاغبة: ” أهوه و آواب كمان هيساعدنا “.. قال بهدوء: ” فهمينـى الأول وأنا هساعدك أكيد “ أخبـرته “شاديـة” بقصـة عمار و معاناته و حربـه مع ذاتـه و ساعدها منير بإخباره بأخر موقف بيـنه وبين عمار قبـل سفره و راقب آواب علامات عدم الرضا على وجـه
حسن فأردف بهدوء: ” الموضوع مش موضوع يستاهل أو لا يا عمي، بس أنا موافقن في الرأي يا شادية.. عمار هو اللي لازم يدافع علشان حبه “.. قال بتصميم: ” وأنا مش هسيبـها تضيع نفسها وتضيـعه معاها، مريم بتحب عمار من واحنا عيال صغيرة وكلنا عارفين، حتى أبوها وأمها “.. ” بس هي كبيـرة و واعيه للي بتعمله دلوقتي، وأكيد أخدت القرار اللي يناسبها “.. سألته بتهكم: ” أنت بتتكلم زي العواجيـز ليه!
يا آواب احنا لازم ننقذ قصة حب من انهـا تدفن بالشكل ده “.. تسائل بحيره: ” شادية عاطفية! هي القيامة هتقوم ولا ايه! “.. قالت بآسى: ” أنا ممكن أعمل اي حاجة علشان خاطر مريم وعمار، لو هما أغبياء فأنا ذكية مش هسيبهم يضيعوا بعض، مريم شوية وهتفوق من الصدمة في اللي هي بتعمله ده و عمار لـو الولد ده أخدها منـه ممكن يجراله حاجة، خلينا بس نساعده دلوقتي وانا هعلمه الأدب إزاي يحافظ عليها “… سألها بجدية:
” أنا هسألك سؤال واحد يا شادية.. لو اللي بتحبيـه وبيحبك معملش حاجة علشانك، أي حاجة خالص و لقيتي اخته هي اللي بتـحارب انك تكوني معاه، انتي قلبك هيكون راضي!! “.. صمتت تطـالعه بحيـره فقال بهدوء: ” أنتي هتساعدي مريم بس “.. سألته بحيره: ” إزاي! “..
” مش عارف دي ممكن نفكر فيها سوا، بس أنتي لازم تكون دي نيتك إنك هتساعدي مريم علشان خاطرها هي، ان هي نفسيتها مش أحسن حاجة وبتختار شخص مبتحبهوش ف لا هي لازم تاخد وقتهـا و تستنـى اللي قلبها يميل ليه الأول سواء بقى عمار أو غيره.. فهمتي؟ “.. كيف يمكنه أن يكون مثاليا، رائعا و وسيما لهذا الحد! شـردت شادية لدقيقـة بعينيـه قبل أن تومأ برأسها بـتيـه فحمحم حسن يقول بجدية:
” الله يجازيك خير يا ابني، فهم جوز المجانين دول أحسن هما فاكرين إني كاره ابني.. مش فاهمين إن مريم كمان بنتي وأنا مقبلهاش عليها يا شادية “.. أومأت لـه شادية بتفهـم بينما منيـر كان يغوص في ذكريـات لقاؤه الأخير مع عمار عندما توعده بالتخلص من ذلك الشاب إن عاد و وجده قد خطب مريم!! قـال بجديـة: ” وعمـار والجنان بتـاعه!! ده ممكن يرتكب جناية أنت مشفتوش أخر مرة يا عمي؟ “.. أجابه حسن بحده:
” يخبط دماغه في الحيـط، هو جبـان وضعيف و أنا قولتلـه بدل المره عشرة إنها مسيرها هتتجوز! هو كان فاكـرها هتفضل قـاعده جمبه ومستنياه!؟ حتى لو بتحبـه هي التانية بس لازم هتفكر بعقلها في مستقبـلها، لازملها يكون ليـها راجل وبيت وعيلـة “.. قـال آواب يؤيده: ” ومع احتـرامي ل عمار بس مش يمكـن عبد الرحمن يحبهـا فعلا ويعوضهـا! يمكن يحبها أكتر من عمار نفسه! أوقات ممكن الشخص يحـب شخص من حب اللي قدامه ليـه، ممكن تحب حبـه ليها “..
هزت” شادية ” رأسها نفيا: ” لا.. عبد الرحمن ده اه هو محترم وكويس بس هو اتجوز مريم علشان امه اللي مختارها ليـه، ده اصلا السبب اللي كان مخلي مريم رفضاه في الأول.. وبعـدين محدش هيحب مريم أكتر من عمار.. هو غبي اه بس اخويا وأنا عارفاه هو فعلا ممكن يعمل مصيبـه “.. قال منير بتفكير: ” يبقى الحل عند مريم.. مريم لازم تتراجـع عن قرارها لأن كلنا عارفين ومتفقين إنه قـرار متهـور “.. قالت شادية بـجدية:
” احنا هنعمل بحث مكثف عن الواد ده هو وأمه و مريم أنا هفضل أزن عليها، و زي ما بيقولوا الزن على الودان أمر من السحر “.. ابتسـم آواب بسخـريـة وهو يـتابع جديتها في الحـديث، كأنها أصبحت أحد المحققيـن و أراد حقا رغم أن الموضوع لا يُهمه ولا دخل له ولكنه أراد الإنضمام لها.. قـال بإبتسامة: ” سيبيلي أنا البحث المكـثف عن الواد وأمه، ابعتيلي بس اسمه بالكامـل ولو تعرفي عنوانه “..
طـالعه” منير ” ببعض الضيق فقد كانت تلك مهمته هو.. لما يقحم ذلك الغريب نفسه بينهـم! كم يُضايقه وجود هذا الرجـل في بعض الأوقات.. عـاد “آواب” لعمـله بعـد بقـاؤه لساعة إضافيـة و ظـل حسـن ومنيـر جـوار شـادية وانضمت لهـم مريـم بعـد عودتهـا مرة أُخرى حتـى أسدل الليل ستـاره و قرر الأطباء بقـاء شادية للليلة إضافية فقـال بهدوء: ” خلاص روحوا كلكم يلا.. خدهم يا منير وامشي أنتوا لازم ترتاحوا “.. قال حسن بـجدية:
” أنا مش هتحرك يا شادية، أسيبك إزاي! “.. ” لا يا عمي أنت باين عليك التعب أصلا، أنا كويسة والله.. يلا بقى متتعبنيش معاك، خدهم يا منير و روحوا “.. قال منير بـهدوء: ” عمي حسن ياخد مريم و يروح وأنا هسهر في القهوة اللي قدام المستشفى علشان لو احتاجتي حاجة “.. التفتت له مـريم وأردفت: ” لا أنا هبات معـاها هنا، خد أنت عمي حسن و روحوا، أنتوا اللي كنتم بايتين معاها من امبارح”.. قـالت شادية بهدوء:
” خلاص سيبولي مريم و روحوا.. يلا يا عمي علشان خاطري “.. أومأ لها حسن و رحـل رفقـة منير رغم اعتراض الأخير و بقيت مـريم رفقـة شادية التي أرادت الـتحدث إليها ولكن لم يكن لا التوقيت أو المكان مناسب للحديث.. في النهاية استسلمت للنوم بـعد جرعة إضافية من المسكـنات.. عدة ساعات في نوم عميق لم يُفسده أي ضجيج فذلك ابجزء من المستشفى كان هادئا بشكـل مريح للمرضى ولـكن..
تلك الأصوات التي تطرقت لأذنها بشكل متكرر أزعجتها، الحرارة التي تـصاعدت لـجسدها الذي بات بتصبب عرقـا، فتحت عينيها في هلع لتـراه من جديد، نفس المشهد الذي شهدته من قبل بداخل غرفتها، نيـران مشتعـلة تحـرق الغرفة بأكمـلها و تكاد تلتهمـها.. وأمامها ظهر هو.. شخصا رأته كسـراب، ظل لا ملامح لـه، اقترب يهمس بـخبث: ” المره دي عدت… المره الجاية مفيش حاجة هتساعدك “..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!