تحميل رواية غصن الورد الجاف بقلم هاجر سلامة pdf
بقلم هاجر سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ غصن الورد الجاف بقلم هاجر سلامة.
رواية غصن الورد الجاف الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامة
“يا فهد.. حب عمري كله ليك واصل، كيف تسيب بنت عمك اللي صاينالك جلبها من صغرها، وتروح لغيرها؟”
قالتها وردة والدموع مغرقة عيونها الكبار، يدها كانت بترجف وهي واقفة جباله في حوش البيت الكبير. فهد بص لها بعيون جاسية، نفض يده وزعق فيها ببرود كسر ضهرها:
“بجولك إيه يا وردة؟ الحب ده مش بالعافية! أنا جلبي مش شايف غير رنا بنت خالتي، هي دي اللي هتنور داري. أنتي كيف أختي يا بنت عمي، وفري دموعك دي ومتحلميش بيا واصل!”
انطلقت كلماته كسهام مسمومة استقرت في صدرها، فكتمت صفتها وحبست أنفاسها كي لا تنهار أمامه. تراجعت خطوة إلى الخلف، تشعر بأن جدران قصر “الحاج إسماعيل الهواري” العتيقة تضيق عليها.
كان فهد يرتدي جلبابه الصعيدي الداكن، يقف بقامته الفارهة وملامحه الحادة التي طالما عشقتها، لكن قسوته اليوم تجاوزت كل الحدود. استدار عنها ببرود، تاركاً إياها تصارع غصّة الحلق، ومضى يجر أذيال عناده ليواجه والده.
في المندرة الكبيرة، كان الحاج إسماعيل يجلس بهيبته المعهودة، ممسكاً بسبحته اليسر الخشبية، وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب.
وقف فهد أمامه وقال بصوت جامد:
“أنا عريس لرنا بنت خالتي يا بوي، ورايد أروح أخطبها السبوع ده.”
ضرب الحاج إسماعيل عصاه الأبنوس على الأرض بقوة هزت أركان الغرفة، وصاح بصوت جهوري:
“جرى إيه لعقلك يا فهد؟! تسيب وردة بنت عمك؟ الدانة المصونة اللي شايلاك في عيونها وتجري ورا بنت بحري؟ أنا مش موافج على الجوازة دي واصل!”
تصلب فهد في وقفته، وغلبه العناد الأعمى:
“يا بوي، الجواز مش غصب، أنا مش رايد وردة، ومهتجوزش غير رنا، لو وافجت هروح بيك، لو مش موافج هروح لبطولي واخطبها!”
طال الجدال، واشتعلت النيران بين غضب الأب وعناد الابن، حتى رضخ الحاج إسماعيل في النهاية وعلامات الخيبة تكسو وجهه، متمتماً بحسرة: “هتروح وتعرف إن الله حق يا ولد الهواري.”
تمت الخطبة وسط أجواء باردة من جهة عائلة الهواري، لكن فهد كان يظن نفسه ملكاً متوجاً لأنه نال من يحب.
في اوضة وردة .
“يا مري.. جالك الخبر الشوم يا وردة؟ فهد راح يخطب رنا بنت خالته رسمي ديلوقتي، والبلد كلها بتتحدث عن الجوازة!”
وقعت الكلمات على ودن وردة كيف الصاعقة، الصينية اللي كانت في يدها وقعت واتهبدت على الأرض، وكوبايات الشاي اتكسرت مية حتة، زيها زي جلبها اللي اتكسر في اللحظة دي.
بصت لأختها “فاطمة” بعيون ومبرقة ومش مصدقة، شفايفها كانت بترجف وهي مش قادرة تنطق الكلمة.
فاطمة جريت عليها وخايفة، مسكت يدها: “وحدي الله يا خيتي، لساتك واجفة كيف الصنم إكده لاه؟ جوليلك كلمة، عيطي يا وردة متكتميش في جلبك!”
دمعة سخنة نزلت على خد وردة، وبعدها انفجرت في العياط بنشيج يقطع الجلب، ركبتها مأشالتهاش ووقعت على الأرض وسط الحتت المكسورة.
لفت يدها حوالين أختها وفضلت تصرخ بصوت مكتوم:
“ليه يا فاطمة؟! ليه يعمل فيا إكده ولد عمي؟ ده أنا صايناله جلبي من صغري! عمري ما شوفت راجل غيره، وكل الدوار عارف إني ماليش غير فهد.. كيف يروح للغريبة ويكسرني جبال البلد كلها؟! كيف هجدر أحط عيني في عينه بعد اليوم؟”
فاطمة كانت بتبكي مع عياط أختها، وطبطبت على ضهرها بحرقة: “يا جلب أختك، فهد عما عينه العناد، ورايح ورا المظاهر والوشوش الكدابة. بس وحق دموعك دي يا وردة، هيعرف قيمتك لما يندم، والندم عياكل جلبة أوعي ترخصي نفسك عشان اللي باعك.”
وردة رفعت راسها وعيونها حمرا كيف الدم، والدموع مغرقة وشها: “يندم؟! بعد إيه يا فاطمة؟ بعد ما داس على كرامتي وخلاني فرجة للّي يسوى واللي ميسواش؟ أنا جلت له بحبك وجالي الحب مش بالعافية! الجلمة دي جطعت شرايين جلبى.. فهد خلاص مات بالنسبالي يا فاطمة.. مات!”
حطت راسها على حجر أختها وفضلت تبكي بنحيب يوجع الحجر، والكسرة ملت أركان الأوضة، وهي مش قادرة تستوعب إن حبيب عمرها وولد عمها بقا خلاص ملك لواحدة تانية.
مرت الأسابيع، وفي يوم كانت رنا تسير معه في إحدى أسواق المدينة، فجأة شحب وجهها وسقطت مغشية عليها.
أصابه الذعر، وحملها بين ذراعيه راكضاً بها إلى أقرب عيادة طبية خاصة.
كانت الطبيبة المناوبة صديقة مقربة لرنا.
أدخلتها الغرفة لتباشر فحصها، بينما وقف فهد في الممر الخارجي يذرعه ذهاباً وإياباً، وقلبه ينبض خوفاً عليها. بعد دقائق، هدأ القلق قليلاً، وقرر أن يدخل الغرفة دون أن يطرق الباب ليطمئن.
وضع يده على المقبض، وضغط عليه ببطء، لكن الكلمات التي تسرّبت من شق الباب جعلت جسده يتصلب كالصنم.
سمع صوت الطبيبة وهي تقول بحدة وقلق:
“أنتي حامل يا رنا! في الشهر الثاني واصل.. هتعملي إيه ديلوقتي والمصيبة دي هتنكشف؟!”
جاءه صوت رنا، بارداً، خبيثاً، خاوياً من أي ارتباك:
“ولا حاجة .. أنا كلها كام شهر وهتجوز فهد، و هقول إني حامل منه في الشهور الأولى، ومحدش هيركز ورايا.”
شهقت الطبيبة: “أنتي اتجننتي؟! هتلبسيها لفهد؟ تفتكري عيصدجك؟”
ضحكت رنا بامتلاك وثقة عمياء:
“ومش هيصدق ليه؟ ده بيموت فيا، وساب أبوه وأهله وكسر بنت عمه عشاني! مستحيل أضيعه من يدي.. اهو فهد الهواري بفلوسه وهيبته أحسن بمراحل من الكلب ياسر اللي غدر بيا وسابني بعد ما خد اللي عايزه!”
الفصل الثاني
رواية غصن الورد الجاف الجزء الثاني 2 بقلم هاجر سلامة
غصن الورد الجافرواية غصن الورد الجاف الحلقة الثانية
لم يشعر فهد بنفسه إلا وهو يدفع الباب بقدمه ليتحطم القفل، وعيناه تحولتا إلى كتلتين من الجمر المشتعل.
صرخت رنا برعب وهي تراه يقف كعز..رائيل أمامها.
“فـ.. فهد! أنت اهنه من ميتى؟” تمتمت برعب.
امتدت يده كالملقاط، قبض على ذراعها بقوة كادت تكسر عظامها، وجرها خلفه على الأرض وهي تصرخ وتتوسل، والصدمة تلجم لسانها.
ركب سيارته وانطلق كالمجنون حتى وصل إلى بيت والدها.
دلف إلى الدار وسحبها من يدها ورماها تحت أقدام والدها مثل جوال قديم.
صاح أبو رنا بفزع: “جرى إيه يا فهد يا ولدي؟ كيف ترمي بنتي إكده؟!”
قال فهد وصوته يخرج كفحيح الأفعى: “خاد بنتك عندك يا عمي، أنا عيلة الهواري مبيشيلوش شيلة حد، ولا بيلبسوا توب مغمس في الطين!”
فهم الأب بذكائه الصعيدي، ونظر لابنته المنهارة، ثم قال بفزع: “أنت عملت العملة ورايد تتبرى منها ومن شيلتك يا ولد الهواري؟”
بصق فهد على الأرض باحتقار وقال: “أنا راجل وصاين نفسي، بنتك حامل صح.. بس مش مني! بنتك حامل من ياسر جاركم الكلب!”
ولم ينتظر رد أحد، بل خرج كالإعصار وصعد إلى شقة ياسر الجار.
كسر الباب وانهال عليه بالضرب، لكمات متتالية حطمت عظام وجهه، وسحله من شعره على الدرج حتى أنزله الشارع وجرّه أمام أعين والد رنا.
“انطج يا كلب! جول للحاج بنتها حامل من مين؟!”
زعق فهد وهو يضع حذاءه فوق رأس ياسر.
تكلم ياسر بضعف ودماء تسيل من فمه: “منيي أنا.. حامل مني أنا يا حاج.. أمانة عليك سيبني يا فهد!”
نظرت رنا إلى فهد بعيون باكية ومذلولة، وزحفت نحو قدميه: “ونبي يا فهد بلاش تسبني.. أنا بحبك أنت، متمشيش وتفضحني!”
نظر إليها بنظرة احتقار قاتلة، ونفض ثوبه وقال: “خسارة فيكي الحب.. وخسارة فيكي نطق اسمي.”
ترك فهد القرية بأكملها، ونيران الندم تأكل أحشاءه.
سافر إلى القاهرة، وجلس في غرفته بأحد الفنادق ليومين كاملين لم يذق فيهما طعم النوم. كان شريط الأحداث يمر أمام عينيه؛ كيف كسر وردة، كيف استخف بحبها الطاهر النقي الذي لم تطلب خلفه جزاءً ولا شكوراً، وكيف ركض خلف سراب لامرأة خائنة.
حدث نفسه بمرارة: “لو كنت خطبت وردة.. لو كنت سمعت كلام أبوي.. ما كان صابني كل الوجع ده.. أنا اللي رخصت الغالي وجريت ورا الرخيص.”
حزم حقائبه بسرعة، وعاد إلى الصعيد يدفعه الشوق والندم، عازماً على أن يرتمي تحت قدمي وردة ويطلب عفوها.
دخل دوار عيلة الهواري، وكان يتوقع الهدوء، لكنه فوجئ بالمنزل يضج بالحركة، والمندرة الكبيرة غاصة بالرجال من كبار عائلات البلدة، والضحكات تعلو، بينما يجلس والده الحاج إسماعيل مبتسماً يرحب بالضيوف.
سأل فهد أحد الغلمان واقفاً على الباب بوجل: “إيه المَجمَع ده يا ولد؟ في إيه عندنا واصل؟”
أجابه الغلام بابتسامة: “ده الفرح جرب يا فهد بيه! عيلة الشناوي جايين يخطبوا ست البنات وردة، والحاج إسماعيل عيطيهم كلمة ديلوقتي!”
سقطت الكلمات على رأس فهد كالصاعقة. تجمد مكان في حوش البيت، ونظر نحو المندرة حيث يجلس العريس الجديد وبجانبه والده. شعر بنبضات قلبه تتوقف؛ لقد عاد نادماً، ولكن.. بعد فوات الأوان.
….
لقراءة الفصل التالي :
لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غصن الورد الجاف)
CaMoمنذ يوم واحد
0 2 دقائق
الفصل الثالث
رواية غصن الورد الجاف الجزء الثالث 3 بقلم هاجر سلامة
غصن الورد الجافرواية غصن الورد الجاف الحلقة الثالثة
دخل فهد إلى المندرة وعيناه تشتعلان بلهيب خفي، لم يكن يرى أحداً سوى ذلك الشاب الجالس بثقة يُدعى “عبد الله”. كان عبد الله مهندساً وسيم الملامح، يتحدث بهدوء نال استحسان الحاج إسماعيل.
جلس فهد في الزاوية، يضغط على قضيب عصاه الأبنوس بكل قوته حتى ابيضّت مفاصيله. لم يحتمل فكرة أن رجلاً آخر جاء ليأخذ “وردته” التي فرط فيها بغبائه.
بعد دقائق من الحديث والاتفاق المبدئي، تنحنح عبد الله وقال بأدب:
“يا حاج إسماعيل، لو مفيهاش إساءة أدب، أنا رايد أقعد مع بنت عمي وردة شوية في الحوش برة، نتحدث في تفاصيل جوازنا ودخلتنا، عشان نبجى على نور.”
المواجهة والغيرة المشتعلة
الحاج إسماعيل لسه هيتكلم ويبتسم، فهد وقف طوله فجأة زي الأسد الثاير، وصوته رج المندرة:
“جعدت عليك حيطة يا بعيد! تقعد مع مين وتتحدث مع مين عاد؟! بنات الهواري مبيجعدوش مع حد واصل قبل ما يتكتب كتابهم!”
عبد الله بص له باستغراب وقال بهدوء: “جرى إيه يا فهد بيه؟ ده حقي شرعاً وناسنا كلهم بيعملوا إكده.. وأنا داخل من الباب مش من الشباك.”
فهد قرب عليه وعيونه طالع منها شرار: “شرعك ده تخليه لنفسك يا باشمهندس! الكلمة اهنه كلمتي، ووردة خط أحمر.. رجلك لو خطت برة المندرة دي هكسرهالك، سامع ولا لاء؟!”
الحاج إسماعيل زعق بفزع وهيبة: “اجعد مكانك يا فهد! جلت حياك جبال الضيوف! عيب عليك يا ولد!”
فهد بص لأبوه بوجع وعناد: “مش عيب يا بوي، اللي عندي جلته، ومحدش عيقعد مع وردة واصل!”
انسحب فهد من المندرة وعقله قد غاب عنه تماماً. كان يبحث عنها في أرجاء الدوار كالمجنون. لم لمح طيفها يدخل المطبخ الكبير لإعداد الشاي للضيوف، تحرك كالإعصار.
دخل خلفها وأغلق الباب الخشبي الثقيل بعنف، مما جعلها تنتفض بخوف وتسقط الصينية من بين يديها.
وردة لفت برعب ولقت فهد واقف جبالها، عيونه حمرا ونفسه عالي.
زعقت فيه وهي بتلم الحتت المكسورة: “جرى إيه يا فهد؟! خضيتني! وداخل عليا المطبخ ليه وبتقفل الباب كده ليه؟!”
فهد قرب منها ومسك يدها بقوة وعصبية: “أنتي عتتجووزي عبدالله ده يا وردة؟! عتوافقي عليه بجد؟ أنتي بتحبيه؟! جوليلي.. بتحبيه واصل البرنس ده؟!”
وردة حست بوجع في يدها وفي جلبها، نفضت يدها منه وقالت بكسرة وعين مليانة دموع:
“وأنشفلك عاد؟ أحبه ولا محبهوش أنت مالك؟! مش أنت اللي جلتلي زمان الحب مش بالعافية وأنتي كيف أختي؟ وادي ربنا كرمني باللي شباها وشايفني نورت داره.. سيبني في حالي يا فهد واطلع برة!”
فجأة، كل الجبروت والعناد اللي في فهد اتهد
وردة اتصدمت لما لقت فهد نزل على ركبه جبالها في أرض المطبخ، ومسك طرف جلبابها وهو بيبكي بنشيج يقطع الجلب، دموعه نزلت على يدها زي النار.
فهد بصوت مخنوج بالبكاء: “أنا أسف.. أسف يا وردة.. جطعي رجبني بس متمشيش معاه. أنا كنت أعمى وجاهل، الغشاوة كانت على عيني.. لما سبتك وروحت للرخيصة عرفت قيمتك، جعدت يومين في المصر جلب بيتحرج عليكي.. أنا بعشقك يا وردة! بعشق تراب رجلك.. متكسريش جلبي وتوافقي عليه، أنا بموت في الدقيقة مية مرة وأنا شايفه جاي يطلبك!”
….
الفصل الرابع
رواية غصن الورد الجاف الجزء الرابع 4 بقلم هاجر سلامة
غصن الورد الجافرواية غصن الورد الجاف الحلقة الرابعة
تجمدت وردة في مكانها، واتسعت عيناها بذهول ممتزج بالصدمة. الرجل القاسي، ابن عمها الوسيط المتكبر الذي كسر كبرياءها الأنثوي، يبكي الآن تحت قدميها ويتوسل حبها!
شعرت بغصة في حلقها، وعجزت عن النطق. كان قلبها ينبض بعنف، لكن كرامتها المجروحة كانت تصرخ فيه.
سحبت يدها منه ببطء، وابتعدت عنه وهي تنظر إليه بنظرات غامضة خالية من التعبير، ثم استدارت وخرجت من المطبخ مسرعة، تاركة إياه غارقاً في دموعه وندمه.
فهد ضرب الأرض بقبضته، واعتصر قلبه الألم. ظن أن نظرتها وصمتها يعنيان شيئاً واحداً: “لقد مات حبها لي، ولم تعد ترغب بوجودي.”
قام ببطء، ومسح دموعه، وخرج من باب الدوار الخلفي وهام على وجهه في شوارع القرية الحزينة، مقررًا الابتعاد تمامًا بعد أن ظن أن الأوان قد فات حقًا.
مرت ساعات الليل ثقيلة كالجبال على فهد وهو يجلس في أرضه الزراعية البعيدة، ينظر إلى النجوم بيأس. وفي الدوار، كانت وردة تجلس مع والدها والحاج إسماعيل، وقالت بكلمات حاسمة: “يا بوي، يا عمي.. أنا مش مرتاحة لعبد الله واصل، ومهجدرش أكمل الخطوبة دي.. الجواز جَبول وأنا مش جبلّاه.”
احترم الجميع رغبتها، وتم الاعتذار لعبد الله وعائلته بالمعروف.
وبمجرد أن غادرت عائلة العريس الدوار، أخرجت وردة هاتفها، ودقات قلبها تتسارع، وضغطت على رقم فهد.
فهد كان قاعد وراسه بين يديه، تليفونه رن، لما لقى اسم “وردة” جلبة دج دجة جفرت في صدره. فتح الخط بصوت مرعش:
“ألو.. وردة؟”
وجاءه صوتها الرقيق عبر الهاتف، فيه نبرة عتاب وحب ممتزج بالدموع:
“أنت فين يا فهد؟ سيبت البيت ومشيت لاه؟”
فهد اتنهد بوجع: “مشيت عشان خلاص.. المندرة مليانة بضيوفك، وأنا جلبى ميتجملش يشوفك مع غيري يا بت عمي.. مبروك عليكي.”
وردة ابتسمت وسط دموعها وقالت بدلال صعيدي يجنن:
“ومين جالك إني وافجت عاد؟ أنا فركشت الخطوبة وجمعت العيلة وجلتلهم مش مرتاحة، ومش هكون لغيرك يا ولد عمي.. تعال طوالي ديلوقتي، أنا لساتني بحبك وعتنفس هواك!”
فهد وقف طوله، حاسس إن الروح ردت فيه من تاني، الفرحة طيرت عقله. صرخ في التليفون:
“جايلك يا جلب وروح فهد! جايلك طيران يا ست البنات”
ركض فهد في شوارع القرية كالمجنون حتى وصل إلى الدوار، ودخل والمندرة لا تزال دافئة، وارتمى في حضن والده الحاج إسماعيل وهو يصيح: “أنا رايد وردة يا بوي! وعنكتب الكتاب الليلة قبل بكرة!”
ضحك الحاج إسماعيل من قلبه، وعمت الفرحة أرجاء بيت الهواري.
أُقيم لوردة وفهد زفاف أسطوري تحدثت عنه الصعيد بأكملها لسنوات. وفي ليلة زفافهما، نظر فهد في عينيها وقال بحب جارف بالعامية: “أنا أحببتك متأخر قوي يا وردة.. بس العِوض في جربك يسوى الدنيا باللي فيها، وأنتي صونتي جلبي ودموعي.”
مرت السنوات سريعة كلمح البصر، محملة بالدفء والبهجة والمحبة العميقة التي لم تنطفئ يوماً بين فهد ووردة. في قصر عائلة الهواري العتيق، الذي كان يملأه الصمت والوجع في الماضي، أصبح الآن يعج بالحياة والحركة بفضل المعجزة الطيبة التي أثلجت صدور العائلة بأكملها؛ فقد وضعت وردة ثلاثة أطفال توائم، ثلاثة فرسان ولدوا في يوم واحد، يحملون ملامح والدهم الحادة وصوته الجهوري، وعيون والدتهم الواسعة الجميلة التي طالما كانت ملجأً لفهد من قسوة الأيام.
في ذلك العصر الخريفي الدافئ، كانت الشمس تميل نحو الغروب وتلقي بأشعتها الذهبية على حديقة الدوار الواسعة.
كان الحاج إسماعيل الهواري يجلس على مقعده الخشبي الكبير بوقاره وهيبته المعهودة، وممسكاً بسبحته اليسر يراقب أحفاده الثلاثة الصغار (إسماعيل، وفارس، وسليم) وهم يركضون في أنحاء الحديقة بجلبابهم الصعيدي الأبيض الصغير، وتتعالى ضحكاتهم التي تملأ المكان بهجة.
كان فهد يجلس على مقربة من والده، يتأمل هذا المشهد وعيناه تلمعان ببريق الرضا والشكر، بينما اقتربت وردة بخطواتها الرقيقة وبيدها صينية الشاي الصعيدي الثقيل، يزين وجهها ثوبها الصعيدي الأنيق وابتسامتها الدائمة التي لا تفارق شفتيها.
حوار العوض والوفاء
وردة حطت صينية الشاي على التربيزة وبصت لفهد بحنية وقالت: “الشاي المظبوط اللي بتحبه يا بو إسماعيل، جلبتهولك بيدي عشان يظبط دماغك بعد تعب اليوم في الغيط.”
فهد مسك يدها جبال أبوه، وباسها بكل احترام وحب، وعيونه بتلمع: “تسلم يدك يا ست البنات، ويا ست الدار كلها. الشاي من يدك عيرد الروح فيا، كيف ما ردت جبال سابق لما كلمتيني وجلتِ لي رجعتلك.”
الحاج إسماعيل ضحك بصوت عالي وهز راسه وقال: “وه، جرا إيه يا ولد الهواري؟ عتغازل مرتك جبالي وعيون الولاد حواليكم؟ كبرت يا فهد وبجيت أبو الفرسان لساتك عتشوف وردة كيف العيلة الصغيرة!”
فهد بص لأبوه وبص لوردة وقال بنبرة مليانة صدق ووجع قديم اتحول لفرحة: “يا بوي، وردة دي جلب فهد، والواحد مهما كبر عيفضل يحس إن عمره الحقيقي بدأ من يوم ما دخلت الدار دي وهي مرتي. أنا زمان كنت أعمى يا بوي، وربنا جازاني بوردة عشان يصون اسمي وعيلتي.”
وردة قعدت جنبه، ولمت عيالها الثلاثة اللي جريوا عليها وارتموا في حضنها وحضن أبوهم، وقالت بدلال ووفاء: “أنا نسيت كل الوجع يا فهد من يوم ما شوفت دموعك في المطبخ زمان وأنت عتتأسف لي. والنهاردة وأنا شيفاك وسط عيالك وعيلة الهواري مرفوعة راسها بيك، بقول إن الصبر أخرته عِوض كبير قوي من عند ربنا.”
فهد حضنها وحضن عياله الثلاثة بقوة، وباس راس إسماعيل الصغير وقال: “أنتو العِوض اللي يخليني أعيش عمري كله أحمد ربنا عليه، وعيالنا دول عيطلعوا رجال يصونوا العرض والأرض، وميغلطوش غلطة أبوهم واصل.”
النهاية