رواية جحيم عينيك الفصل الرابع والعشرون
خيانة
وداخلك مزدحم بالضجيج وفوضى المشاعر.
قادت دراجتها الهوائية عبر أزقة مالطا العتيقة، حيث تمتد الممزات المرصوفة بالحجارة المصقولة على الطراز القديم، تلمع تحت ضوء النهار البارد كأنها مرايا صغيرة تعكس صمت المدينة.
الهواء كان هذا كأنفاس الشتاء، يلسع وجنتيها ويبعثر خصلاتها الكستنائية تحت قبعتها، بينما تدفع الدواسات بسرعة غير معهودة منها، وكأنها تهرب من شيء لا تريد أن تفكر فيه.
كانت الأزقة تضيق كلما توغلت، والجدران العتيقة بظلالها الصفراء تراقبها في صمت حجري.
توقفت أخيرا امام بيت صغير بباب أزرق باهب تتسلق أطرافه نبتة اللبلاب، فترجلت وهي تلتقط أنفاسها، ثم دفعت الباب ودخلت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيا ...
"خالتي، لقد عدت "
خلعت معطفها المبلل بندي البرد، وحذاءها الذي طبع على الأرض أثر رحلتها القصيرة، ثم صعدت الدرج بخطوات سريعة تخالطها رعشة خفيفة حاولت إخفاءها بابتسامة واهنة.
في الأعلى، ظهرت خالتها وهي تمسح يديها بمنديل المطبخ، وقالت بنبرة تجمع بين الفلق والعتاب.....
"كنت أخشى أن تتأخري، فيكتشف أبيل خروجك ويسمعنا موضحه اليومي.. لكنك أوصلت علب
المربى وعدت بسرعة هذا ليس من عادتك يا فتاة "
عضت على شفتها السفلى، وعيناها نائهتان بين الأرض وشيء لا تجرؤ على البوح به.
هل تخيرهما بما حدث في المطعم ؟ أم تبتلع الأمر وتصمت؟
لو علمت خالتها وأبيل، سيمنعانها من الخروج مجددًا، وربما يقرران الرحيل من الجزيرة كلها. وهي بالكاد ثالت هذا الهامش الضيق من الحرية بعد أشهر قضتها طريحة الفراش، تلتها شهور طويلة من العزلة داخل البيت حتى النظر من النافذة كان يوما ترفا محرما عليها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة تخفي وراءها ارتباكها واقتربت من خالتها تعبث بخديها بمرح مصطنع قائلة ..
"لأنني لا أريد سماع موضحه العمل، أوصلت الطلبية وجنت فوزا... ماذا تريدين أكثر من هذا يا خالتي ؟"
أنهت جملتها وهي تتجاوزها بخفة متعمدة نحو المطبخ، محاولة الإفلات من نقل الأسئلة.
كان المطبخ صغيرا تملأه رائحة الخبز المحفص والشاي الدافئ، وفي وسطه مائدة خشبية قديمة تزينها وجبة إفطار بسيطة خير مقطع قطعة زبدة صغيرة زيتون أسود، وجبن أبيض بجانبه برطمان من مربى الفراولة الذي صنعته خالتها ميرنا.
جلست فاليريا إلى المائدة تحاول التركيز في فطورها، لكن بديها كانتا ترتجفان بخفة تكشف اضطرابها.
تناولت قطعة الخبز وغمرتها بالجين دون أن تتذوقها، تحرك شفتيها فقط لتبدو منشغلة بالأكل. راقبتها ميرنا يصمت طويل ثم شبكت ذراعيها على صدرها وقالت بنبرة تحمل رائحة الشك...
فاليريا، أنت لا تخفين شيئا عني، أليس كذلك؟"
رفعت الأخرى عينيها ببطء، ابتلعت لقمتها بصعوبة كانها حجارة صغيرة، ثم قالت مبتسمة بفتور
عليقا لا، خالتي ... كيف يخطر لك ذلك؟"
تنهدت ميرنا ببطء، ثم فتحت علية الدواء وأخرجت منها حبة صغيرة وضعتها على الطاولة أمام فاليريا قائلة بنبرة حازمة ومعتادة...
" لا تنسي تناول الحبة"
تأففت فاليريا بخفوت، تداولت الكأس وابتلعت الحبة كمن يستسلم لقدر تقيل، ثم تمتعت في سرها بمرارة...
تيا لهذه الأدوية اللعينة.."
أسندت ظهرها إلى الكرسي، وشردت نظراتها نحو النافذة حيث يتسرب الضوء الشتوي الخافت على البلاط الحجري، فيغمر المطبخ بصفاء بارد يشبه حياتها الآن.
كم هو قاس أن تستفيق من غيبوبة طويلة، فلا تعرف نفسك ولا تتذكر شيئا من ماضيك ..... لا
والديك، لا عائلتك، لا طفولتك ولا مراهقتك.
كان أحدهم محاكل شيء من الذاكرة بممحاة لا ترحم، حتى اسمي، حين نطقت به خالتي الأول مرة، بدا لي كاسم قناة أخرى، لا علاقة لي بها. لم أشعر بأي ألفة معه، ولا بأي دفء حين عرضت علي صور والدي الراحلين.... كانت وجوها غريبة في ألبوم لا يخضني.
أعيش الآن في مالطا بشكل مؤقت بسبب عمل ابن عمي أبيل هو وخالتي ميرنا هما آخر من تبقى لي من عائلتي، يبدلان جهدهما لإنعاش ذاكرتي يحد ثانني عن حياتي السابقة في تركيا.....
حياة تبدو باهتة، بلا ملامح ولا أصوات. لا شيء يثير الذاكرة سوى بعض الصور القديمة التي . تحتفظ بها خالتي اراها كلما رغبت في تذكير نفسي بأن لي ماضيا ما، ولو على الورق فقط.
لكن هناك دائما شيء غامض، شعور خافت كأن في قضتهم ثغرة صغيرة لا يراد لي أن أراها. منذ أن استيقظت، وأنا أعيش في دائرة من الغموض والحرص والخوف، كأن العالم من حولي اصبح زجاجا هذا لا يسمح لي بلمسه.
قالوا لي إنني دخلت في غيبوبة لأيام بعد نوبة صرع حادة أصابتني، وإن هذا المرض يلازمني منذ زمن، أنعايش معه بفضل الأدوية ... أدوية إن أهملتها أو توقفت عنها، قد تسحيني إلى نوبة أخرى، وربما إلى غيبوبة لا أفيق منها أبدا.
عاليت بعدها مضاعفات انهكت جسدي، جعلتني عاجزة عن مغادرة سريري لأيام، يرافقها فقدان ذاكرة قيل لي انه عرض مؤقت، والتي سأستعيد ذاكرتي حالما أستعيد عافيتي.
وما أنا الآن أتحرك واتنفس كمن عاد إلى الحياة، لكن دون ماضي يخصه، أبدو معافاة جسديا. لكن داخلي ما يزال خاوياً تماما... لا أتذكر صورة واحدة عن حياتي قبل الغيبوبة، لا وجها، لا صوتاً، لا ذكرى فقط فراغ يمتد يعمق البحر الذي يحيط بهذه الجزيرة.
أحيانًا تنتابني لحظات غضب وجنون لا استطيع السيطرة عليها.
أصرخ، وأكسر كل ما تقع عليه بدي، كأنني أحاول تحطيم هذا القيد غير المرئي الذي يلتف حولي.
يقولون إن الأمر لحمايتي، لكني أشعر وكأنهم يخلقونني باسم الحذر.
لا يسمح لي بالخروج وحدي، وأن فعلت فعلي أن أضع نظارات داكنة وأعتمر قبعة ... كأنني لطي هارب من وجه الحقيقة.
كثيرا ما أشعر برغبة جامحة في الجري عبر شوارع طنجة، أن أقطع الأزقة حتى أصل إلى حدودها البحرية، وأعانق المتوسط الأزرق بكل شغف الغائب العائد.
كنت أتطلع كل مساء بعد الغروب إلى الأضواء المثلالثة في الأفق البعيد، هناك في الضفة الأخرى .... تلك التي تهدى ثورتي وتحمد غضبي، كأنها تهمس لي باسم أعرفه ولا استطيع نطقه.
وذات مساء، حين كنت أتأقل تلك الأضواء مع خالتي، سألتها عن مصدرها، فابتسمت وهي تتابع
الوميض البعيد وقالت....
" إنها إسبانيا.... بلاد الماتادور"
انتقلت بشكل مفاجئ من المغرب إلى مالطا، كمن ينتزع من حلم لم يكتمل.
تركت خلفي صورا ومشاهد ومواقف قليلة عن ذلك البلد، لكنها كانت على الأقل تملأ فراغ
ذاكرتي الموحشة ....
غير أن الأيام في هذه الجزيرة بدأت تمحوها شيئا فشيئا، تسرقها مني كما تنسل كرة خيط بين أصابع واهنة، حتى صرت أخشى أن أستيقظ ذات صباح وقد تلاشت آخر ما تبقى من ذاكرتي تفاقا.
لم يكن انتقالنا مجرد سفر عابر، بل هروب صامت من خطر غامض من شيء لم يقل لي بوضوحلكنني شعرت به كظل يلاحقنا في كل مكان.
ومنذ ذلك الحين، عدت إلى عزلتي ووحدتي وسجني الطوعي..... لا خروج لا حديث مع الغرباء
ولا نوافذ مفتوحة على العالم.
مع مرور الوقت بدأنا تتظاهر بالاعتياد خالتي عادت لصنع المربي في مطبخها الصغير، وأنا. أتحجج بمساعدتها فقط لأخطف لحظة حرية مسروقة، ولو لدقائق.
لكن ما يريكني حقا هو ذلك الخوف الذي يسكن عيون ابيل، على قدر لطفه و اهتمامه بي، يظل غامضا، مهموما، كأنه يحمل عبنا لا يريد لأحد أن يراه.
تقول خالتي انه سيكون زوجا مثاليا إن قبلت به، لكن الفكرة وحدها تخنقني.
كيف أقبل بمن لا أطيق نظراته ؟
ابيل بالنسبة لي ليس سوى أخ كبير غريب....
غريب حد أن وجوده نفسه يتير في داخلي شيئا يتبه الربية.
يلازمنا طوال الوقت يلح في القاء ملاحظاته وتحذيراته وإرشاداته بشكل مستمر... حتى بات
شعور غريب يراودني، شعور أنه يخفي سرا ما.
بدأ شعور القلق يزداد داخلها مع كل لحظة تتأخر فيها عن إخبارهم بالفتاة التي لحقت بها
وصورتها بكاميرا هاتفها.
لم تستطع كتمان الأمر أكثر، خاصة بعدما نصحتها أبيل بضرورة أن تخبره بكل ما يحدث معها خارج البيت.
وضعت كأس الشاي على الطاولة قائلة بترقب....
"خالتي... لقد حدث معي أمر غريب.... لا أدري هل أخبر أبيل أو لا داعي لذلك ؟"
التفتت إليها ميرنا وهي تحضر طعام الغداء عيناها تعكسان القلق...
"ماذا حدث؟ هيا.... تكلمي "
فركت يديها بتوتر تم بدأت بالكلام في اللحظة نفسها التي دخل فيها أبيل المطبخ حاملاً
أغراض البقالة ...
"عندما خرجت من المطعم بعد تسليم طلبية المرتى لحقت بي فتاة شقراء وصورتني بكاميرا هاتفها"
اقتربت ميرنا يحذر وسألتها بصوت هادئ لكنه متخن بالتوتر...
قد تكون سائحة تلتقط صورا للمكان ؟
نظرت إليها بعينين متسعتين، ونبرة صوتها ارتجفت قليلا...
لا... لم تكن كذلك، كانت تنظر إلى مباشرة وابتسمت لي... كأنها تعرفني
في تلك اللحظة سقطت أغراض البقالة من يدي أبيل الأرض، وقف ثابتا، عيناه جاحظتان وفمه مفتوح، ووجهه شاحب فجأة.
هذا جعل ميرنا وفاليريا تلتفتان إليه بتوتر وقلق...
ثم انطلق مسرعًا من المطبخ مخرجا هاتفه من جيبه بحركة عصبية يحاول الاتصال بأحدهم... لحظات من الانتظار أخيرا سمع صوته من الجهة الأخرى...
ثارت ثائرة أوستن ليصرخ في وجهه لاعنا وناعنا إياه بأقبح النعوت...
"إن لم تكن تملك سلطة على تلك الساقطة فاذهب إلى الجحيم وابتعد عن مؤخرتي، إياك أن تذكر اسمي حين يعثر عليك يمان ويضاجع أجدادك في قبورهم.... عليك اللعنة !"
أغلق الخط في وجهه دون أن يمنحه فرصة للشرح فليست أول مرة يلجأ إليه ويساعده في كل مرة.
بقي أبيل واقفا بلا حيلة والخوف قد تمكن منه، رغم أن بصيص أمل ضعيفا تملكه بأن ما جرى مع فاليريا قد يكون صدقة، إلا أن احتمال أن يكتشف أمرهم جعل ركبتيه ترتجفان وكان الخوف يكرر طرقه داخل عظامه.
عاد مسرعًا إلى البيت يلهث كمن جرى أميالاً، وحين وقفت سيدنا البيت تنظران إليه بقلق، قال بصوت متقطع ...
"اجمعا أغراضكما ... ستغادر البيت مؤقتا"
انتفضت ميرنا غاضبة...
"ماذا تظننا؟ حيوانات اليفة أم متاعا تنقله من مكان لآخر كما يحلو لك ١٢"
وضعت فاليريا رأسها بين يديها، صوتها خافت من نقل الغم، بينما رد قريبها بعصبية مكبوتة ....
قلت مؤقنا... موقنا وستعود حالما تهدأ الأوضاع
ارتفعت نبرة ميرنا حتى ملأت المكان غضبا ...
"أنا لن أتحرك من هنا حتى أقف على حقيقة الوضع لن أسير عمياء وراء قراراتك بعد اليوم. قلت لي إن القناة مطاردة من رجل مافيا خطير، فهزيتها إلى المغرب، وطلبت مني أن أترك كل شيء بيتي، عملي، حياتي في ألمانيا لأرعاها، أمضيت سنة كاملة أحرم نفسي من الخروج ومن متع بسيطة لكي أبقى بجانبها حتى تستعيد عافيتها. ثم طلبت مني البقاء حتى تقنعها بالزواج منك، وحينها أعود إلى ألمانيا ... لكن الأمور لم تسر كما تمنيت تنتقل من بلد إلى آخر هربا من مجهول لا وجود له إلا في مخيلتك المريضة عن أي قاتل تتحدث عن أي مافيا ؟ بالله عليك!"
كانت فاليريا تستمع لجد الهما، عينيها تتنقل بين ملامحهما وحركاتهما، تبحث في كل نظرة وإيماءة عن الحقيقة في هذه المعمعة، ماسكة رأسها بيدها، ضائعة بين الحيرة والتساؤل.
اقترب أبيل فجأة وأمسك يد فاليريا بحزم، ووجه كلامه لميرنا بصوت ثابت...
"أنا أعفيتك من مسؤوليتها. يمكنك العودة إلى ألمانيا وقتما تشائين. أما نحن، فسوف نرحل من هنا
لكن ميرنا لم تتراجع، أمسكت اليد الأخرى الغاليريا محاولة انتزاعها منه بعنف وتحد...
ستكون مخطئا إن ظننت أنني سأتركها لك بعد كل هذا، إما أن تخبرني بالحقيقة، أو ساتصرف كما أرى وأتصل بالشرطة "
ابتسمت بسخرية، تمزر سبابتها تحت أنفها بحركة ماكرة..
تعرف جيدا أن الشمامين لا وزن لهم أمام القانون "
تجمد أبيل في مكانه، مبتلغا ريقه بصعوبة، كيف عرفت بإدمانه اللعين؟
كان حريضا دائما على الا يظهر أمامها إلا وهو بكامل وعيه، ويأخذ جرعته فقط في الليل داخل غرفته الخاصة. لو بعيدا عن البيت..
نظرت إليه ميرنا بحدة وسخرية...
ماذا؟ هل ابتلع القط لسانك ؟ أم كنت تظنني غبية حتى لا أميز بين مدمن مخدرات وشخص طبيعي ؟ انظر إلى وجهك الشاحب الهالات السوداء تحت عينيك، كيف أمن على القناة مع متعاط مثلك .. الغربة علمتني الكثير، فلا تستهن بي أبيل "
أبدى استسلامه أخيرا، فغير أسلوب العصبي إلى الاستعطاف وإلقاء الوعود...
"أعدك... سأخبرك بكل شيء حين تصل إلى مكان آمن بماذا سينفعك الندم حين يقتحمنا جحافل من المسلحين ويهدون البيت على رؤوسنا ؟ سيقتلوننا ويخطفون فاليريا ... أرجوك
دعينا ننجو بحياتنا أولا، ثم نصفي حساباتنا بعدها"
نظرت ميرنا إلى فاليريا، وزفرة بياس وحيرة ترتجف بين شفتيها .... لا تعرف ماذا تفعل.
ربما جاءت خلفها بدافع المال، لرعايتها وهي في فراش المرض دون أن تتأكد من صحة ما قبل لها ... لكنها تعلقت بها، أحيتها، ولا تستطيع أن تدير ظهرها لها، تاركة إياها مع شخص ضائع كابيل.
هزت رأسها مطمئنة فالبريا، بصوت هادئ...
"لا بأس بالمغادرة مؤقتا... أليس كذلك ؟"
حين وصل رأى أونور على وشك إغلاق باب المصعد، فاندفع في اللحظة الأخيرة وقفز داخله.
وهو يلهث...
مهلا يا رجل أوصلني إلى القسم السري، ثم اذهب أين تشاء.... يمان ينتظرني هناكا"
ابتسم الآخر بهدوء، وضغط على زر النزول للأسفل....
"طريقنا واحد... لقد استدعاني أيضًا."
رفع لوكاس حاجبيه بدهشة، نظرة استغراب على وجهه...
"لقد طمأنتني يا رجل ... "
نظرا غير لوحة الكترونية محددين من خلالها القسم المضاء حيث يتواجد الزعيم، فاتجها على الفور نحو قسم الأجهزة الإلكترونية والبرمجيات، ليجداه جالنا بهدوء مريب، مطرق الرأس
وعيونه الجامدة تحدق في شاشة هاتفه.
لحظة رؤيتهما له، لعن لوكاس تحت أنفاسه...
" هذا الوجه لا يبشر بالخير"
كان كل منهما يعرف ذلك الوجه كيف ينقلب إلى جحيم مرعب، محفل بنذر عذاب أليم ونهر من الدماء.
اقترب أونور ومال بقلق...
هل من خطب أيها الزعيم ؟ "
رفع الزعيم شاشة هاتفه في وجههما، فتقدم أوتور محاولا فهم الإشارة الخضراء ومصدرها، فيما اقترب لوكاس يدقيق النظر هو الآخر...
مالطا... من لديك في مالطا ؟"
تحدث الزعيم بسخرية بسواد...
"تلك الإشارة اللعينة... من المفترض أن تصدر من داخل قبر زوجتي المرحومة، وليس من مالطا!"
ساد صمت نقل في المكان، لا أحد من الاثنان تجرأ على فتح فمه خوفا من النطق بما لا يحمد عقباه.
الموضوع حساس ويتعلق بزوجته، لذلك تبادلا نظرات مصدومة.
لكن اونور كسر هذا الصمت بخسارة وهو يكاد يحاول فهم ما حصل بالضبط...
كيف وصلت الشريحة إلى مالطا؟"
قبل أن يكمل، أشعل الزعيم شاشة الحاسوب ظهرت الصورة التي التقطتها باولا بوضوح، وفور رؤيتهما لها انفلتت اعصاب الرجلين في صرخة واحدة...
فاليريا لا تزال على قيد الحياة
أخذ الزعيم هاتفه ببطى صوته هذه المرة قاس بلا رحمة ...
"لا أريد أن يعلم مخلوق واحد بما يدور هنا المهمة التي سأكلف كما بها يجب أن تنفذ بسرية تامة. إن تأكدت شكوكي.... سامسح تلك الجزيرة من الخريطة. لم يخلق بعد من يخدعني ويبقى حيا"
توجه بكلمات موجهة الأولور...
"أنيش ذلك القبر وقم بالتحليل الجيني، أريد أن أعرف هوية الراقد هناك منذ سنة لعينة كاملة "
ثم نادا بصوت صارم...
وانت يا لوكاس لحد رجالك واصطحب طبيب العائلة المتقاعد إلى المزرعة، سأكون في
انتظار كما هناك علي أن أعرف ما حيك من وراء ظهري كونا على أهبة الاستعداد؛ في أي لحظة
ستقلع الطائرة إلى تلك الجزيرة ... مفهوم ؟
ردا معا بصرامة مختصرة
"مفهوم، أيها الزعيم"
غادرا وهما متقلان بمفاجأة جمدت التفكير في حلقتيهما؛ لم يجرؤ أي منهما على طرح سؤال واحد من كومة الأسئلة التي داهمت عقلهما الإجابات؟ ستنكشف في الساعات المقبلة.
أخذ أونور فريقه الخاص إلى المقبرة، محيطا بها من كل الجهات، وأخرجوا النعش يحذر الأخذ العينة المطلوبة للتحليل.
ما إن دخل، حتى تجمدت ملامحه من المنظر أمامه أخرج هاتفه واتصل بالزعيم، بينما بدأ رجاله بالانتشار في أنحاء المنزل يحقا عن أي دليل أو شخص آخر.....
"لقد وجدنا الطبيب.... هينا بطلق ناري في الرأس، أيها الزعيم
جاء صوت الزعيم بارداً كالجليد وهو يلقي تعليماته ...
تفقد وضع الجنة.... هل هي باردة ومتصلبة أم لا؟"
كذلك فعل لوكاس دون تردد، ثم تمتم بصدمة...
"سحقا ... لقد مات قبل لحظات من وصولنا ... دماؤه لا تزال طازجة"
رد الزعيم بنفس البرود والصرامة ...
"خذ رجالك والحق بي أنت وأونور إلى الطائرة...
تساءل لوكاس بفضول، محاولا فهم الأمر بسرعة...
نتائج التحليل تحتاج للوقت حتى تظهر؟ "
أجاب الزعيم بعبارة مقتضبة قبل أن يغلق الخط...
"لم يعد لها داع..."
استغرقت الرحلة ثلاث ساعات فقط، لكنها كانت كافية ليحرك الزعيم خيوط شبكته في مالطا. خلال تلك الساعات كانت الأوامر تنفذ بصمت، والاستعدادات تستكمل بدقة.
وحين لامست عجلات الطائرة مدرج مطار مالطا الدولي، كانت طائرات الهليكوبتر تصطفى على مسافة أمان، محركاتها تهدر في انتظار الزعيم ورجاله .... لتأخذهم للوجهة المقررة مسبقا.
العبارة كانت تشق عباب البحر في صمت ثقيل، بينما الريح تلسع وجوههم بملوحة حادة. جلس أبيل عند المقدمة، عيناه معلقتان بخط الأفق الذي يبتعد شيئًا فشيلا عن جزيرة مالطا، إلى جواره ميرنا وفاليريا. وقد غظنا نفسيهما بملاء تين خفيفتين تحاولان اتقاء البرد أكثر من أعين المتربصين.
لم يكن في ذهنه سوى هدف واحد أن يبتعد أن يختفي تماما قبل أن تضيق الدائرة حوله. جوزو كانت تلوح في الأفق كملاذ مؤقت جزيرة ثانية ضمن الأرخبيل المالطي، لكنها بالنسبة له الآن كانت ملاذا مؤقتا وخطوة أولى في رحلة هروب لا يعلم إلى أين ستأخذهم هذه المرة.
لقد أختار الترحال والهرب لبقية حياته ليس خوفا من الموت وإنما خوفا من فقدان فاليريا.
تلك التي على الرغم فقدانها لذاكرتها .. لحياتها السابقة.. على الرغم من ارادتها المسلوبة وضعفها واحتياجها... هو لم يتزحزح من دائرة الأخوة في عقلها وقلبها.
مشاعرها تجاهه دائمة البرود والتيلد. ولولا الحصار الذي فرضه عليها بحجة حمايتها ومصلحتها الاستغنت عنه بسهولة.
تحول حبه لها إلى هوس قاتل... ناز التهمت كل شيء في طريقها، حياته، عائلته، مستقبله، حتى لم يبق منه سوى شظايا رجل تائه في دوامة بلا مخرج، لا خلاص فيها سوى الموت.
اكثر ما يتقنه سطر أبيض جديد في سلسلة الأسطر التي شكلت فصول حياته التعيسة. وقف أمام مرأة دورة مياه ضيقة، تكسو جدرانها رطوبة مقرفة، يتأمل انعكاسه ويبتسم لنفسه .... ابتسامة رجل فقد المعنى.
حمل سفرة صغيرة، خط سطرا دقيقا ومتناسقا على سطح بارد، ثم انحنى عليه بأنفه كأنه مكنسة كهربائية يستنشق الكوكايين في لحظة واحدة الزلق إلى عالم آخر، عالم لا صوت فيه سوى دقات قلبه وهي تتلاشى في العدم.
من كان يصدق أن الابن المثالي المتفوق، الملتزم، سيتحول إلى مدمن کوکایین... مطارد. وهارب من نفسه قبل أي أحد؟
في تلك الاثناء وعلى إحدى مقاعد العبارة، حيث تستند فاليريا برأسها على كتف خالتها، عيناها نصف مغمضتين من تعب تقيل وذهن يطفو بين الحضور والغياب.
أمامها كانت جزيرة مالطا لتراجع شيئا فشيئا، تتحول في الأفق إلى بقعة رمادية تبتعد عن مدى البصر ... وعن الذاكرة.
تنهيدة خرجت منها كأنها محاولة أخيرة التشبت بالس، فهي تعرف أن الذكريات ستبدأ بالذوبان كما ذابت من قبل ذكرياتها عن المغرب.
ستنسى لون جدران غرفتها، شكل فنجان القهوة الصباحية الشوارع الضيقة التي كانت تعرفها ككف يدها، البقال المقابل للبيت، وصاحب المطعم الذي توصل له المربي بابتسامة عابرة، كل
كان هذا الإحساس يمرقها من الداخل كأن أحدهم يقطع شرائح من لحمها بسكين حاف وصدى مع كل ذكرى جميلة تسقط من ذهنها، تسقط قطعة أخرى من روحها.
بعد مضي بعض الوقت، عاد أبيل بملامح منتشية من أثر المخدر ويحمل بين يديه بعض الطعام محاولا كسر الجمود بينه وبين المرأتين.
اقترب منهما بخطوات مترددة، لكن لم يلق سوى التجاهل والعبوس، وضع أكياس الطعام أمامهما وهم بالكلام... حين شق صراخ طفل صغير سكون البحر.
صرخ وهو يشير بيده نحو الأفق، يصيح بلغته المالطية... "Ommu, hares! II-bastimenti iswed qed jogorbu malajr"
" أمي، انظري : القوارب السوداء تقترب بسرعة !"
التفت الجميع بينهم ابيل يتابع وسط زرقة البحر، قاريان من نوع "زودياك" بشقان البحر بسرعة فائقة نحو العبارة، يلفهما السواد بالكامل، حتى من ركابه كأنهم زبانية من الجحيم.
احتاج ثانية واحدة فقط ليفهم أنهم لم يأتوا عبثا، إنهم جاؤوا من أجل فاليريا.
في رمشة عين تسلق المقنعون حائط العبارة بخفة الصيادين، وقفزوا إلى ظهرها، فعم الذعر بين الركاب بينما صاح أبيل بأعلى صوته وهو يلوح بذراعيه لفاليريا وخالتها ...
اهريا نحو مكتب الشرطة البحرية !"
فركضتا وسط الفوضى، بينما انقض عليه ثلاثة من المهاجمين من حيث لا يدري، طرحوه أرضا. قيدوا يديه خلف ظهره، وضاعت صرخاته في صحب المحركات وصيحات الناس.
في الجانب الآخر من العبارة، كانتا تتعثران بين الجموع، حتى وجدت ميرنا بابا صغيرا المخزن تحت السلالم المؤدية للطابق السفلي، فسحبت فاليريا من يدها ودخلا بسرعة، ثم أغلقت الباب بارتجاف.
حاولنا ضبط انفاسهما المتسارعة في تلك الظلمة الخائفة، للحظة ظننا أنهما بأمان هنا.
لكن الباب ارتح يعنف، ركلة، ثم أخرى وانكسر مفرجا عن تلك الظلمة، ليندفع المقنعون إلى الداخل وجذبوهما بقسوة، قاموا بتكميمهما، وتكبيلهما.
قبل أن يضعوا الغطاء على رأسيها، لمحت فاليريا أحدهم ينحني نحو قدمها، يمزر جهازا على وشمها، قالبعث منه رنين حاد ليرفع المقنع اللاسلكي إلى فمه وقال بيرود قاتل.....
" تم العثور على الهدف"
كان حدسها يخبرها دائما بأن وراء هذا الوشم تكمن قصة ضاعت في غياهب النسيان، كما ضاعت كل الأشياء الأخرى.
طالما سألت خالتها وقريبها عنه، لكن الإجابات كانت دائما مبهمة، لا تشيع فضولها ولا تهدي قلقها.
لم يكن ممكنا أن يكون مجرد وشم وضع في لحظة طيش، كما قالا. كان موقعه دقيقا بالقرب من جرح قديم عبارة محفورة بعناية Mi gata" وتاريخ مكتوب
بأرقام الاتينية.
شيء ما في هذا الوشم يربطه بالجرح الذي لا تعرف عنه شيئا، ويكشف الآن سرا أعمق .....
ذلك الوشم، بلا شك، هو ما قاد أولئك الرجال المقنعين إليها، وجعلها هدفا لهم.
المستقبل المجهول .... كان أسوأ بكثير من الماضي المجهول، وأكثر رعيا.
حين وضعوا القناع على رأسها القلب كل شيء إلى ظلام كثيف، يضع بصبحات الركاب المذعورين من حولها.
أصواتهم المتقطعة تتقاطع مع صرخات شرطيين سقطا أمام أعينهم، أثناء محاولتهما إيقاف الرجال المقنعين الذين اجتاحوا العبارة بلا رحمة.
كانت تختطف من بين الجموع الخائفة والمستسلمة، دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض فتمنت أو أنها لم تستفق من غيبوبتها أبدا.
ما تعيشه الآن، وهي معصوبة العينين يشبه الكوابيس التي تركض فيها دون أن تحرك ساكنا، أو تحلق في الهواء بلا وزن، أو نسقط من حافة لا قرار لها.....
لكن الفرق هنا أن الحالم يستيقظ عند السقوط، ليطمئن أنه مجرد كابوس.
اما فاليريا، فالكابوس كان حقيقة صارخة، لا مهرب منها.
مدير محرك الزودياك يخترق مسامعها بقوة، والرياح وقطرات الماء تصدم جسدها بعنف، نقوده
لحظات بعد ذلك، توقف هدير المحرك فجأة عن اختراق مسامعها تاركا صعلا ثقيلا يضح بقلقها الداخلي.
قادوها عبر ممر طويل رائحة البحر تلاحقها، مالحة، مبللة، تخترق أنفاسها، تذكرها بأنها لا تزال في قلب الماء، بعيدا عن أي أمان.
الأرضية تحت قدميها لم تكن ثابتة تماما، تمايلها الخفيف جعلها تدرك أنها على متن قارب أو سفينة كبيرة، والمسافة التي قطعتها لم تكن قصيرة.
وأخيرا أودعوها في مكان مغلق ومظلم، مكتفين بتقيد إحدى يديها فقط.
صوت الباب وهو يعلق وراءهم تركها في ظلام قائم موصدة الأمل أمامها، وحيدة مع صمت
يزداد تقلا مع كل ثانية.
أزاحت الغطاء عن رأسها، فواجهها الظلام الدامس المستودع ضيق، لا يكسره سوی شعاع خافت يتسلل من نافذة صغيرة في السقف، كعين وحيدة تراقبها من فوق.
مزقت اللصاق عن فمها وصرخت بأعلى صوتها صراخ يختلط برتين دموعها، رغم يقينها النام أن صرخاتها لن تغير شيئا.
لكن الموقف استدعى ذلك لا أكثر ولا أقل، فما الذي يمكن أن تفعله امرأة في مثل هذا الوضع ؟ لا شيء سوى الصراخ، طلب النجدة، والشعور بكل ذرة ضعف تتراكم داخلها، بينما الصمت المظلم يلتهم صداها ببطء.
البخت كان فحقا، نحفة معمارية على أعلى طراز مجهز بتقنيات متطورة ووسائل اتصال
حديثة، سطحه يحتضن مهبط طائرات عمودية ومسبحا كبيرا يلمع تحت أشعة الشمس، وسط البحر المتوسط، بدا وكأنه جزيرة عالمة لاستضافة الزعيم ورجاله.
في مكتبه الداخلي، جلس الزعيم بهدوء مخيف، غارقا في سحابة من الدخان الكثيف، عيناه لا تفارقان الأفق، وكأنه يحصي كل حركة في البحر من حوله.
توقف لوكاس يلعن نفسه على هذا المنظر، يرى الكم الكبير من السجائر التي أحرقت رتني زعيمه
منذ لحظة صعودهم على متن الطائرة من إسطنبول وهو يدخن دون توقف كأنه يطفئ تارا بأخرى.
عقله يكاد ينفجر من التفكير بما سيحدث بعد أن أصبحت فاليريا أمرا واقعا وهي هنا على هذا البخت
سحقا، ماذا سيفعل الزعيم بعد أن اكتشف أنها حية.. أو اللعنة، إن اتضح أنها شريكة في هذه المؤامرة الدنيئة...
حقا لا يريد أن يتخيل حتى.
تقدم نحو زعيمه قائلا بملامح جادة على غير عادته...
" انهم هنا.. بماذا تأمرنا أيها الزعيم ؟"
سمع صوته البارد كالجليد، رغم النار التي تستعر داخله....
ضعوا المرأة التي برفقتهما على جهاز كشف الكذب أثناء التحقيق"
رد لوكاس بسرعة، بلا تردد...
"حلا"
نهض الزعيم مقعده المواجه لشاشات المراقبة، تلك التي سجلت كل لحظة منذ وصول فريقه الخاص مع الرهائن الثلاثة، عيناه ترافيان كل حركة بدقة متناهية.
في ذهنه، كانت شياطينه المستعرة تحدثه بكسر باب المستودع الذي وضعت فيه زوجته، كسر
عظامها كما كسره غيابها عنه.
لكن قلبه رفض تصديق الخيانة، رفض فكرة أن فاليريا، التي يعرفها، يمكن أن تتواطأ مع ذلك المخنت و تهرب معه.
مستحيل، هي تواجه لا تهرب تموت ولا تخون
كان يحاول أن يجد مبرزا وعذرا لها، ربما حدث لها شيء منعها من إظهار نفسها، ربما كانت مسلوية الإرادة ....
لكن مجرد احتمال كهذا لم يكن يزيده إلا مرارة، يلهب غضبه أكثر.
كل الاحتمالات لم تهدئ قليه الممزق بالشكولا القاتلة والتخمينات المربعة.
استدار نحو لوكاس بملامحه مظلمة وغاضبة، ملامح تفوح منها رائحة العذاب والموت، ملامحمن الجحيم السفلي، لا أثر فيها لقبس من نور، نفحة سلام أو ذرة شفقة.
تمنى لوكاس لو كان أراس هنا لأنه لا يعرف كيف سيكيح غضب هذا الرجل الجبار.. اللعنة كان يجب أن يكون هناء
احتجز فيها أبيل.
تبع الزعيم في صمت يراقب خطواته الهادئة كالموت، حتى توقف عند باب المستودع الذي.
كان أونور هناك أيضا، يريد الدخول محاولاً اختراق تعلت الحارسين بوجه لا يعرف الانكسار.
لكنه سرعان ما تنحى برفق حين أدرك وصول زعيمه، فاسحًا له المجال ثم قال بلهجة متراخية
لكنها متوترة ...
دعنا نقوم باستجوابه وسنوافيك بكل المعلومات "
حين لم يجد منه ردا اقترب هامشا قرب أذنه، وكلماته مبللة بخوف لا يخفى على زعيمه...
"يمان... أنت لست في وضع يسمح لك بتقييم الأمور بشكل عقلاني... أرجوك سيموت بين
يديك من أول كف"
لم يلتفت الزعيم إلى التحذير بدلا من ذلك ابتسام كالشياطين ببطء، وبصوت ثابت تكلم .....
"George, dame un bate de béisbol, por favor"
(جورج، أعطني مضرب بيسبول من فضلك.)
اقترب رجل مقنع ذا بنية ضخمة، يحمل مضرب بيسبول ملفوفا بأسلاك شائكة، قطعة حديدية تبدو كفاض جاهز للحكم، رد الرجل بلا تردد..
*.Por supuesto, jefe»
(بالطبع أيها الزعيم.)
النقطه الزعيم بهدوء بقبضة احترافية قائلا بمكر غاضب....
"معك حق .... هذه ستكون أرحم من كفي على شقيق حبيبتك "
فتح أحد الحراس الباب، ثم اختفى الزعيم وراء ظلام ذلك المستودع قبل أن يغلق الباب.
بقى أونور واقفا على محيط الصدمة؛ عجزه عن الرد ارتسم على وجهه، ووقع الصمت التقيل
كفير قبل الصياح.
هر لوکاس رأسه بأسى، في عينيه شفقة على ذلك الأحمق الذي تجرأ على اللعب بالنار.... نار الزعيم.
سأل بصوت خافت وهو يتابع بنظراته ذلك الباب المغلق...
"هل عرفت منه شيئا؟"
اجابه أونور بإيماءة نفي بطينة، ووجهه شاحب..
الا... لم يدعني أدخل إليه"
ساد بينهما صمت تقبل بينهما، كلاهما يعرف أن ما يحدث خلف ذلك الباب ليس استجوابا... بل
طقسا من طقوس العقاب التي لا تعود منها الأرواح كما كانت.
طالما كان للزعيم وجه خفى جانب لا يرى إلا حين يقرر هو ذلك
. وما هو الآن، يطل بوجهه الحقيقي في هيئة رجال بألسنة ولهجات مختلفة، لا تجمعهم إلا طاعته العمياء... صقور تحلق في السماء، وحيتان تغوص في أعماق البحر، ووحوش تدب على الأرض.
جيش يتحرك بإشارة من إصبعه، يلبون النداء في أي مكان على وجه البسيطة.
اما في الداخل فيبدو أن جرعة الكوكايين التي لا تزال صارية المفعول في دمه أبقت قدميه
ثابتتين على الأرض بشجاعة زائفة وهو ينظر بعيون زائفة إلى آخر شخص يمكن أن يتخذه
المرؤ غربما له...
صوت المضرب الشائك وهو يحتك بأرضية المستودع مصدرا نغمات معدنية مع خطوات الزعيم الثقيلة والبطيئة، كفيلة بأن تجمد الدماء في العروق. لكن المخدرات اللعينة عطلت ميزة تقدير
الموقف ومدى خطورته ليبتسم ببلاهة في وجه قابض الأرواح.. "نبا"
هكذا حدث نفسه متمنيا أو أبدى بعض التقدير للموقف وخاف بقدر ما يستدعي الحدث المرعب
في هذه اللحظة... فقط "تبا "!!
امتص الزعيم آخر نفس من السيجارة ليلقي بها وهو يقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة، لا يفصل بينهما سوى شعرة لينفت الدخان في وجهه مع حقد دفين وغيظ مستعر، تلاه كلمات
باردة ومرعبة ...
مرت سنة ويوم واحد على آخر مرة رأيتك فيها .. كنت فكرة... مجرد ظل كتيب... تجلس أمامي
نظر إليه بازدراء واكمل...
" وها أنت هنا في مالطا.. ومع زوجتي التي دفنتها بيدي تحت التراب.. أمامنا الليل بطوله لتروي لي حكاية هروبك الماكر مع زوجتي...
اقترب قائلا بصوت أشبه بفحيح الافاعي...
"كلى أذان صاغية أيها المخنث... لكن قبل ذلك، أحببك على ذكائك في الاختباء كجرة قدر طوال هذا الوقت .."
فجأة جحضت عينا أبيل وشرع فمه مطلقا صرخة خنقها الألم المبرح هوت قاعدة المضرب على بطنه.. كان الألم ثانيا لا يحتمل ولا يوصف لدرجة أنه عجز عن النقاط أنفاسه، ولولا أنه مكبل
إلى عمود وسط المستودع لسقط مغشيا عليه...
تلاشي مفعول الكوكايين من الضربة الأولى ليتسلل الخوف الحقيقي إلى قلبه .. خوفه على فالبريا، لا على نفسه، فقد حطم نفسه سابقا ولم يترك لغريمه ما يحطمه سوى عظامه ...
استدار الزعيم ليفك وثاقه فوقع أبيل على الأرض يلهث غير أن قدرته على تحريك يده والضغط
بها على بطنه لتخفيف الألم الحارق كان أفضل بكثير...
رفع أبيل رأسه فرأه يسحب كرسيا بالقرب منه ليجلس عليه واضعا المضرب على فخذيه قائلا...
"هيا أمامك عشرة ثواني لتستفرغ أكبر قدر من المعلومات."
نظر إلى ساعته دلالة على بدأ العد.. فلم يكن أبيل قادرا على استيعاب ما يحدث له.. لا زال الألم يفتك ببطنه وعقله يترنح ، حتى إنتهت العشر ثواني دون أن ينطق بكلمة واحدة لينهض الزعيم
مقتربا منه بينما هو ممدد على الأرض بلا حيلة ...
وما كاد ابيل يدرك ما هو مقبل عليه حتى هوى مضرب البيسبول على ساقه بقوة وحشية
مهشمة إياها لتنفجر صرخة مدوية من صدغيه.
المضرب مرق اللحم الأشواك غربت نفسها في عظم ساقه، كانت الضربة كفيلة بإسقاطه في غياهب اللاوعي، لكن أثر المخدر أبقاه مستفيقا بصعوبة.
لبا.. ضربة حصدت العظم واللحم وسيحتار فيها الأطباء إن خالفه الحظ وخرج حيا من هنا....
عاد الزعيم إلى مقعده بملل...
وفر صرخاتك... لا زلنا في البداية فقط . "
رمق ساعته من جديد قائلا....
" عشرون ثانية ستفي بالغرض، أليس كذلك ؟...
بدأ العد من جديد، ومعه دب الرعب في أوصال ابيل، ارتجف عظامه تتن، وفكرة ضربة أخرى جعلت الدم يتجلط في عروقه جسده المنهك لن يتحمل ضرية أخرى.
يتكلم وهو يلهث، كمن يركض ضد الوقت الكلمات تتدافع من قمه الملطخ بالدم، تتسابق مع خوفه قبل أن يهوي ذلك المجنون بالمضرب مرة أخرى.
الدموع انحدرت على خديه بحرارة ممزوجة بطعم الدم والاحتقار لنفسه المهزومة. صرخ
بصوت متقطع ويانس...
"أنا أحبها ... بجنون لا أستطيع العيش بدونها لم أتحمل فكرة زواجها برجل غيري.... فخططت لخطفها ... ونفذت الخطة وحدي هي لا ذنب لها بما حدث... أنا المذنب الوحيد.... اقتلني وانته من الأمراء
صمت المكان للحظة، إلا من لهاته المنقطع، كان الجدران نفسها تنتظر الحكم، ثم دوى ضحك الزعيم، ضحكة هستيرية مجنونة خارجة من عمق مظلم في صدره تتصاعد كعواء حيوان مفترس وجد فريسته تتوسل الرحمة.
رفع المضرب مجددا وتقدم نحوه بخطوات ثقيلة، كل خطوة تصدر صريرا معدنيا في الصمت المشبع بالخوف. لم يتردد، لم يتنفس حتى.
هوى بالمضرب على ساقه الثانية فارتطم الحديد باللحم والعظم واهتز الهواء بصوت مكتوم كان العذاب نفسه فقد صوته من شدته.
صرخة أبيل اخترقت جدران المستودع، طويلة، مشقوقة بين الألم والعجز.
سقط بجده المرتعش قدماه تهنزان گفصنين مهشمین
اللعنة ... لقد أصبح مقعدا بالتأكيد..
أمسكه الزعيم من ياقة قميصه، رجه بعنف، وصوته الجهوري يهدر كالرعد في أرجاء المستودع ....
" هل تظنني غيباً إلى هذه الدرجة ؟! أصدق أن نكرة مثلك خطط ونفذ وخطف زوجتي من
الكبسولة التي أفرغتها في فنجانها ؟!"
تشتح فك أييل وهو يضغط على أسنانه، يتصبب عرقه بغزارة، والدهول يلوح في عينيه...
كبسولة ؟!.. كيف عرف بأمرها ؟!"
من الزعيم يده إلى جيب بنطاله الخلفي، وأخرج رسالة مطوية بعناية، لوح بها أمام وجه أبيل قائلاً بنيرة ساخرة...
"أليست هذه الرسالة لك؟ اليس هذا خط يدل؟ ألم تضعها بنفسك داخل علية الشوكولاتة ؟ " رمقها الآخر يعينين رائعتين محاولاً التحديق في الكلمات، ثم صرخ بجزء ممزوج بالإنكار...
"لا! لم أكتب هذه الرسالة أبداً!"
وهنا فقط انكشف له فخ أوستن، ذلك الذي خدعه بوعود كاذبة؛ وعده ألا يكشفه أن التزم الصمت، مقابل سلامة عائلته وسلامته هو لكن ما عاد الصمت ممكناً، ولا الكتمان ينفذه.
رفع رأسه يصعوبة صوته يتهدج كمن يتكلم من قاع الجحيم...
"سأخبرك بكل شيء.... لكن عدني أن تحمي أبي وأختي .... أنهما في خطر كبير.."
زمجر الزعيم كوحش مفيد فقد صبره...
"لست في وضع يسمح لك يطلب شيء ! تكلم... قبل أن أحطم كل أطرافك !"
أنفاسه، يستعد لقول ما قد يغير مصيره.....
تردد صدى صوته في الغرفة كصوت فأس تشق صمت المقابر، بينما أبيل يلهث، يحاول النقاط
"كنت في أحد الملاهي الليلية حين جاء رجل غريب يدعى أوستن.... جلس بجانبي بهدوء، وضع کيسا صغيرا من المخدرات أمامي، وقال ببرود.....
راتبك الضئيل لن يكفيك لتلبية مزاجك المكلف... لكن أن نفذت ما سأطلبه منك بحذافيره. ستعيش في مستوى آخر من البذخ والترف... مع حب حياتك. "
رفعت رأسي مذهولاً وسألته...
" من تقصد؟"
ابتسم ابتسامة شيطانية وهو يهمس ...
" فاليريا... قريبتك "
لا أتذكر كم استغرق لإقناعي بفكرته التي راقت لي انذاك، لكنني لم أكن أملك الشجاعة لتنفيذها
فورا... ومع ذلك، اقتنعت في النهاية.
كانت الخطة بسيطة ومجنونة في الوقت نفسه.
أخبر أهلي أنني سأغادر البلاد نهائياً، وأحجز تذكرة السفر ليوم 31 ديسمبر ليلة رأس السنة.
وفي ذلك اليوم أزور فاليريا الأودعها قبل السفر.....
اعطاني كبسولة تحتوي على سائل قال إنه يسبب أعراضاً طبية تستدعي نقلها فوراً إلى المستشفى في اليوم التالي.
لكنني لم أكن ساذجاً تماماً ... أمنت نفسي قبل أن أضع يدي في يده. سجلت أحد حواراتنا، وأرسلت التسجيل إلى صديق لي مع مقطع فيديو أتحدث فيه عن خطة أوستن بالكامل.
قلت له بصراحة إن حدث لي أو الفاليريا أي مكروه، فالتسجيلان سيصلان إليك... وهذا آخر ما
يريده أوستن، وقد أخبرته بذلك حتى لا يتلاعب بي "
توقف لبرهة، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم أكمل بصوت خافت كانه اعتراف أخير...
" قد أكون إنساناً بسيطاً ومسالماً، لكنني أملك من الذكاء ما يكفي لأدرك أن عقدة أوستن الأزلية هي أنت... هو يها بك، يمان، بهابك بشكل يثير السخرية، أول مرة أرى وحشا يخاف من نظيره. استغليت ذلك لصالحي .... لأضمن التزامه بوعده أفرغت محتوى الكبسولة في فنجانها بثقة بعد
أن سحبتها أنت للتحدنا جانباً ... أما الرسالة، فأقسم لك أنها ليست مني!
لماذا سأجازف بفضح نفسي ووضع عائلتي في وجه المدفع ؟!"
اقترب منه الزعيم، نظر إليه بحدة كان عينيه خنجران بخترفان صدره...
"أنت أخبرني"
أعاد أبيل رأسه إلى الخلف مستنداً على العمود، أنهكه الألم...
"لا يوجد تفسير آخر... أوستن هو من أراد تثبيت التهمة على وإبعاد الشبهات عن نفسم "
نهض الزعيم ببطى خطواته تقيلة، ملامحه لا تقرأ عاد إلى مقعده أمامه وقال بنبرة صارمة ... "
وماذا حدث بعدها ؟"
المصباح المائل...
"لا أعرف تفاصيل ما حدث بعدها ... لأنني كنت حينها في طريقي إلى ألمانيا، أنتظر آخر التعليمات.
كل ما أعلمه أن أوستن كان يخطط لتزوير موت فاليريا بمساعدة طبيب ما ... تم تهريبها خارج البلاد"
ابتلع ريقه الممزوج بدماءه بصعوبة ليواصل .....
لاحقاً، أرسل في عنوانها في المغرب، فاستقللت طائرة بجواز مزور، وحين رأيتها لأول مرة .... أصابتني القشعريرة .... كانت كجثة هامدة تحيط بها الممرضات أخبرني الطبيب التابع الأوستن أن الحقنة التي سببت أعراضاً تشبه الموت كانت قوية، وأنها لن تستعيد وعيها بسهولة، وقد تحتاج إلى علاج فيزيائي طويل قبل أن تتمكن من الوقوف على قدميها.
حينها قررت أن أستدعي خالتها، دون أن أخبرها بحقيقة ما جرى... لتعتني بها وتلبي احتياجاتها الخاصة إلى أن تستعيد عافيتها.
وقد فعلت، طمعاً في مبلغ من المال... مبلغ لو عاشت حياتين مثل حياتها، لما حلمت بالحصول عليم"
توقف قليلاً، وكأنه يسترجع شريطاً من الصور المؤلمة، ثم أكمل بنبرة تختلط فيها الحسرة بالجنون...
" بعد ذلك انتقلنا إلى مالطا... حتى عثرت علينا. كنت حريصاً على ألا ينكشف أمرنا ... فعلت كل ما بوسعي لأحافظ عليها. صحيح أنني عشت رعباً متواصلاً وقلقا لا يهدأ، لكنها كانت أجمل سنة في حياتي .... سنة كاملة أراها صباحاً ومساء، لا يشاركني فيها أحد، كانت قناة برينة... قلبها صاف كصفحة بيضاء، فاليريا اليوم لا وجود لك في قلبها ولا في عقلها، لقد فحيث من ذاكرتها إلى الأبد"
رفع رأسه يبطي نظر إلى الزعيم بعينين رائعتين، وابتسامة مريضة شفت وجهه وهو يقول بسخرية لاذعة ....
"هذا المخبث الذي تحتقره... تمكن منك أخيراً، أخذ منك امرأتك، يمان... أتدرك سخرية الأقدار ؟!"
كان يعلم أن الموت حتمي لا محالة، فهل سيترك فرصة ليمزق كبرياء من داس عليه يعجرفة أن تفوته ؟
لم يكن متوقعا الخروج من هنا حيا، فلماذا لا يتأر لنفسه ويهين غريمه في رجولته، لعله يتال موتة أسرع بدل هذا العذاب البطيء.
لم يكن صعبا استفزازه وإخراج أسوأ ما فيه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمرأة التي أحبها، بالمرأة التي حملت اسمه وشرفه.
أغمض عينيه باستسلام، را صدا موته في نظراته الملتهبة. رفع الزعيم المضرب عالياً، ثم هوي به على العمود الإسمنتي خلف ابيل، يصب شحنة الغضب المميت هناك بدل أن يفرغها على جسده الضعيف.
كانت ضربات متتالية، أصواتها صدى حديدي يتقصف، والخرسانة تتفتت وتتساقط على رأس ابيل ولم يتوقف حتى الشطر المضرب إلى نصفين.
عندما فقط هدأت بعض مما يعلي داخل صدره، لكنه لم يكتفي بذلك بل هبط كالصاعقة على أبيل مسددا له لكمات متتالية على وجهه.
زمجر بصوت وحشي خرج من أعماق الجحيم، وعروق رقبته وجبينه تكاد تنفجر من الغليان...
" إن كان كلامك صحيحًا.... فلن أدعها تنعم ينقين واحد بعدها.... أنا لست عابر طريق المحته بالصدفة حتى تنساني أنا لا أنسى... ولا أركن في الزاوية ... أقسم بشر في أنك ستدفع الثمن أنت وهي عن ثلاثمائة وستة وستين يوما قضيتها مؤمنا بأنها ماتت... صدقني ستتمنيان الموت..... لكنكما لن تنالاه.... أبدا!"
انهال عليه باللكمات كمن فقد آخر ذرة من السانيته، حتى الفتح الجرح على الجرح، وغاب أبيل عن الوعي ووجهه غارق في الدماء.
اندفع لوكاس ومعه الحراس انتزعوه من بين قبضتيه بالقوة وسحبوه كالجنة على الأرض نحو الممر.
أمسك لوكاس الزعيم من ذراعه محاولا تهدئته .....
"كفى سيموت بين يديك قبل أن تعرف كل ما يملكه من معلومات .... أرجوك تمالك أعصابك أنا أفهم شعورك .....
"لا ثمل علي ما يجب أن أفعل ! لا أحد منكم يفهم ما يدور في هذه الجمجمة اللعينة منذ أن اكتشفت أنها حية
لا أحد منكم شعر بما شعرت به لا أحد عاش تلك السنة الملعونة بدقائقها وساعاتها وجحيمها ولن تفهموا ما أشعر به الآن... لذلك ابق لسانك في حلقك يا لوكاس... ولا تجرؤ على الوقوف في وجهي ثانية !"
خرج الزعيم بخطوات متناقلة نفيض غضبا، الباب ارتطم بالجدار بعنف جعل الزجاج يرتجف. بقي لوكاس في مكانه، يمرر يديه على جبينه بتعب، كأنما يحاول أن يضغط على وجعه ليصمت.
شيء ما انكسر داخله حين لمح، وسط عاصفة الغضب تلك يريق حزن حقيقي في عيني زعيمه ... بريق كفيل بأن ينسف كبرياء أي رجل، لم يكن غضب قائد فقد السيطرة، بل انهيار رجل كان أقوى من الحديد.
جلس على الكرسي، يحدق في أثر الدم المتناثر على الأرض، وهمس بمرارة كمن يختنق...
" يا إلهي ... ليس هذا هو الزعيم الذي أعرفه .... هذا رجل سحقه الحزن من الداخل "
أطبق يديه بقوة على رأسه وأغمض عينيه، يدعو من أعماق قلبه الا يكون تقاليريا يد في جرحصديقه، وألا تمتد أصابعها، ولو يطرف واحد إلى تلك المؤامرة القذرة.
ليتها كانت ميتة فعلا....
تمنى ذلك من أعماق قلبه وهو يحذق في صفحة المياه التي تلمع تحت ضوء القمر، بينما عينيه تجمدت فيهما دموع الإشتياق.
تسللت الريح عبر سطح البحث تعبث بمعطفه الأسود، كأنها تذكره بكل ليلة بكى فيها على قبر لم يكن إلا كذبة.
كان ما يعتصره الان شيئا لا يحتمل .... وجع لم يعرف له اسما من قبل لا هو حب، ولا كره، بل لعنة مشاعر يتمنى لو يستطيع قتلها أو البكاء عليها.
لا يقدر على دفنها، ولا على احتضانها، ولا حتى على التعامل معها.
استدار ببطء كتفاه مثقلان كأن الجاذبية نفسها تريد أن تركعه، ووجهه تحجر كتمثال تحته الألم.
هناك خلف الباب المعدني للمستودع آخر كانت فاليريا قد خفت صوتها انكسر منذ زمن وجسدها المرهق انكمش في ركن غارق بالعتمة، تبكي بصمت وتهمس برجام خافت، تدعو للنجاة..
اقترب من الباب الفولاذي الذي يفصل بينهما، لا يجرؤ على تجاوزه، ولا يملك الشجاعة لينظر في عينيها متسائلاً: هل ما زال ربيع حبه مخضراً فيهما ومورقاً ... أم يبس واصفر تم انتهى ؟
لأول مرة، منعه الخوف من البحث عن الحقيقة قلبه لم يحتمل فاجعة أن يموت حبه في قلبها ويدفن في قبر النسيان.
حتى هذه اللحظة، لم يستوعب كيف عاشت بعيدة عنه، تتنفس وتأكل وتشرب بينما هو يسير كالأموات بين الناس، هاتماً على وجهه من لوعة الفراق.
كل المشاعر السلبية التي حملها داخله صارت جبالا تعلو قلبه الغضب السخط الغدر الخيانة. العار الضياع، الألم.... كل ما هو مظلم غطى شمسه وكنا سمارة بالسواد
انفلات اعصابه وضرب بقبضته على الباب فولادي حينها رفعت فاليريا رأسها نحو مصدر
الضربة، تتطلع إليه بأمل ضئيل، لعل الفرج قريب.
لكن لكماته ازدادت عنفاً، مزمجراً كالوحش الضار، لتتقهقر هي وتختبئ مرتعدة من شدة الضرب.
تتمنى أن يصمد الباب أمام تلك الضربات، دون أن تعرف أن وراءه الرجل الوحيد الذي حقق له قلبها وأذعن له كيانها، ملك قلبها، صاحب سعادتها ... وكيف لها أن تعرف، وهي بلا ذاكرتها. تفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة غائبة عنها.
فجأة عم الصمت، وهدات اليد التي كانت تلهب الباب بالدماء التي نزفت منها.
سمع خطوات تقترب ... ليتضح له اولور بملامح منفرجة، مبتسم كمن اكتشف كنزا للتو.
أخفى الزعيم يده في جيبه وقال ببرود قاتل...
هل انتهى التحقيق مع المرأة؟"
فرد اونور محاولاً صرف ذهنه عن يقع الدم التي نطخت الباب، قائلاً بصوت ثابت...
لعم... ما توصلنا إليه يبرئ فاليريا من كل الشكوك"
طمانيه ..
"تلك المرأة تكون خالتها هي من قامت برعايتها طوال فترة مرضها، لم تفارقها ولو للحظة.
يمان .... فاليريا فقدت ذاكرتها، ولا تعرف شيئاً عن ماضيها
أغمض الزعيم عينيه مطلقاً زفرة حارة كأنها محاولة للإفراج عن جزء من النيران التي تنهشه من الداخل.
بدأت الصورة تتضح تدريجياً، وبدأ بصيص خافت من الأمل يلوح في الأفق.
همس الزعيم متأملاً كلمات أونور.....
"فقدت ذاكرتها ... ولا تعرف شيئاً عن ماضيها.....
جملة أعادت الروح إلى قلبه، جعلته يلتقط نفساً عميقاً من بين رماد الألم.
ثم نظر إليه مجدداً، صوته ملؤد الحذر والربية...
"هل تأكدت من كلامها .... ماذا لو كانت متواطنة مع ذلك الحقير؟"
رد الآخر بثقة مطمئنة .....
جهاز كشف الكذب كان ليكشفها لو نطقت بما يخالف الحقيقة ... وهي فعلاً لا تعرف شيئاً عن المؤامرة. كل ما فعلته كان تلبية لطلب أبيل مقابل المال .."
قاطعه الزعيم يغضب محتدم، عينيه تتوهجان...
"كيف ظهرت فجاة وهي منقطعة عن العائلة منذ أن كانت فاليريا طفلة صغيرة ؟"
أجاب أونور بابتسامة هادئة وواثقة...
ذهب أبيل للبحث عن فاليريا في المانيا بعد وفاة والدها... وهناك تعرف على الحالة، وذهبت إلى المغرب حين استدعيتها."
سكت أونور تبرهة، وكأن الكلمات علقت في حلقه، فهر الزعيم رأسه أمراً بصوت خافت لكنه نافذ
قل ما لديك، لا تخف "
ابتلع اوتور ريقه، ثم تشجع قائلا...
" الخالة لا تعرف أن فاليريا متزوجة، وتؤكد أنه لا وجود لأي علاقة بينها وبين أبيل .... رغم أنها حاولت كثيراً أن تدفعها نحوه فيديو التحقيق سيصلك على هاتفك بعد قليل "
ساد الصمت للحظة قصيرة، ثم أمر الزعيم بصوت بارد وحازم....
" حين يستفيق ذلك المخنث ضعه على الجهاز وحقق معه بنفسك "
اعترض الآخر بحذر...
"الرجل حالته سيئة جدا، وغائب عن الوعي، أن يستطيع الكلام إلى أ..."
قاطعه الزعيم، نبرته كالسيف....
"أريد نتيجة التحقيق في أقرب وقت ممكن"
انحنى اونور، مستسلماً..
"كما تشاء، أيها الزعيم"
وقبل أن يغادر، وصل لوكاس بخطوات متسارعة، في بده ورقة، وفي الأخرى هاتف، ثم قال بجدية ...
"أراس على الخط... يقول أن الأمر شديد الأهمية"
أخذ الزعيم الهاتف ووضعه على أذنه...
"نعم، أسمعك "
جاء صوت أراس من الطرف الآخر وهو في مكتبه داخل القصر عيناه مثبتتان على رجل أنيق في الأربعين من عمره، قصير القامة قليلاً، كان يفرك يديه بتوتر واضح، والحزن ياد على وجهه... "إنه ابن الطبيب مارتينيز الذي وجد مقتولاً هذا الصباح في بيته.... لا أعرف لأي درجة وصلتم في التحقيق حتى الآن، لكن الرسالة التي أرسلتها لك تحتوي على حقائق صادمة، اقرأها ... ثم افتح الفيديو المرفق للرسالة ارسلته للتو على هاتفك "
أغلق الزعيم الخط بوجه متجهم، وأخذ الرسالة من يد لوكاس.
ورقة تحمل توقيفا يعرفه جيدا.. الطبيب أو كنافيو مارتينيز، طبيب العائلة الذي رافقهم أكثر من
عشرين عاما، ورجل طالما حظى بثقته الكاملة.
سأموت وفي داخلي مرارة وندم شديد لأنني أكون أحد الأعمدة التي قامت عليها المؤامرة ضدك، يؤلمني حقا أنني كنت الخائن الأكبر.
كنت مجبرا حين وضعت حياة عائلتي من أكبر فرد فيها إلى أصغرهم مقابل وضع يدي في يد أعدائك وتنفيذ خطتهم القذرة...
حدث ذلك عشية الاحتفالات برأس السنة... حين عدت مبكرا لأجد كل العائلة بانتظاري، ليس بوجوه ضاحكة واحضان مفتوحة وهدايا جميلة، بل بعيون مذعورة واقواه مكمومة مقيدين وحولهم رجال مسلحون ومقنعون ثم يفرقوا بين رجل وامرأة ولا بين صغير وكبير، حتى أختي العجوز المقعدة نالت نصيبها من الترهيب، في حين كان قائدهم المدعو أوستن يجلس بأريحية وابتسامته الخبيثة تشق وجهه إلى نصفين.
العرض كان: إما أن أخبرك موت زوجة الزعيم وأهربها من المستشفى أو تباد عائلتي بالكامل.
أنت أكثر شخص علم من حوله حب العائلة والتضحية لأجلها منك أخذت هذه الصفة فلم أتردد
في تنفيذ ما طلبه مني وعلى وجه الدقة وجناح السرعة.
فعائلتي ستبقى على هذا الوضع حتى تتكلل العملية بالنجاح، وإن فشلت فسيموتون جميعاً.
هكذا عدت ادراجي إلى المستشفى الأحضر للعملية التي تتطلبت وجود جثة بديلة ستحل محل السيدة فاليريا داخل النعش
تسلمت من رجال اراس فتاة في نفس العمر، الوزن والطول على وشك الموت فأخذت عينة دم منها وتركتها تموت بسلام
لم يكن هناك مجال لانقادها أساسا فقد تسقمت منذ ساعات بسم قاتل كل ذنب تلك الفتاة أنها تواجدت في المكان والزمن الخطأ.
حين وصلت مع زوجتك، كان علي حقنها بمادة خطيرة ومحظورة دوليا لا يملكها سوى جهات امنية نافذة ومنظمات سرية.
لم استغرب حين قدمها لي أوستن وطلب مني حقن زوجتك بها، ولم يكن الأمر سهلا إذ تتطلب عملية الحقن دقة عالية فهي تحقن داخل النخاع الشوكي بمقدار دقيق جدا.
طبعا قبل أن أفعل ذلك أخذت عينة من دمها للتمويه وخداع الطبيب المساعد.. إدعيت التوتر حتى لا يستغرب وضعي للعينة في جيبي لأجل تغيرها بعيدة الفتاة الأخرى.
الله وحده يعلم كم تألمت لحالك، حتى أنني لم أخف من الموت وأنت تضع مسدسك على رأسي. وبعد أن بينت التحاليل براءتي المزيفة، عزمت على إنهاء الخظة باستبدال زوجتك بجنة الفتاة الهيئة.
كانت لحظة فارقة ومليئة بالمجازفة كونك لم تبتعد عن نعش زوجتك أبدا فكنت في موقف لا أحمد عليه، لو بقيت معها أكثر من ذلك كانت ستستيقظ وينكشف كل شيء.
لكن بمجرد أن خرجت من الغرفة لتستعد للجنازة دخلت مع رجلين من رجال أوستن بزي الأطباء، لإتمام ما بقي من العملية قبل عودتك.
بعد تهريبها، بقيت اتابع حالتها عن بعد فقد تعرضت امضاعفات سببت مكوتها في السرير الأشهر. والأسوء أنها كانت تتناول دواء، يبقى ذاكرتها في حالة حمول بل يوقفها عن العمل نهائيا، فلا تتذكر شيئاً عن ماضيها، حتى الأحداث التي تمر عليها أيام معدودة تنساها بسهولة وتصبح مجرد سراب مشوش، لأنها لا تستطيع حفظ ما تستقبله في ذاكرتها المعطلة ...
فاليريا أصبحت طفلة صغيرة، في جسد امرأة بالغة... أن جمعكما القدر ثانية امنع عنها ذلك الدواء، وانعش ذاكرتها بالاماكن الأحداث التي عاشتها سابقاً وستستعيد ذاكرتها مع مرور الوقت...
فحوى الرسالة وتفاصيل الاتفاق بيني وبين أوستن، لا أحد من أفراد عائلتي يعلم عنهما شيئاً. حتى ابني الأكبر لا يعرف غير أن الرسالة والفيديو يجب أن يصلا إليك بعد موتى مباشرة.
ملاحظة: نفس الكلام الذي كتبته بخط يدي في الرسالة، هو الذي قلته بعظمة لساني وبكامل إرادتي في الفيديو، فقط لتأكيد كلامي والإقرار صوتا وصورة وكتابة بذنبي العظيم. وأدعو الله أن يسامحني .."
نهاية الرسالة
كان لا يزال واقفا أمام باب المستودع حين أنهى مشاهدة مقاطع الفيديو بعد قراءة الرسالة المبعوثة عبر الإيميل...
ليغرق في التفكير
حتى ابني الأكبر لا يعرف غير أن الرسالة والفيديو يجب أن يصلا إليك بعد موتي مباشرة.
ملاحظة: نفس الكلام الذي كتبته بخط يدي في الرسالة، هو الذي قلته بعظمة لساني وبكامل إرادتي في الفيديو، فقط لتأكيد كلامي والإقرار صوتا وصورة وكتابة بذنبي العظيم.
وادعو الله أن يسامحني..."
نهاية الرسالة
كان لا يزال واقفا أمام باب المستودع حين أنهى مشاهدة مقاطع الفيديو بعد قراءة الرسالة المبعوثة عبر الإيميل...
ليفرق في التفكير
واحد غزر به والثاني هذه يموت عائلته، كلاهما خاندان
الأول خان ابنة عمه وقرابة الدم.. والثاني خان ولي نعمته والثقة الغالية... حتى لو تعددت الأسباب والدوافع نظل الخيانة واحدة لا لبزر ولا تجفل...
رمق المستودع بنظرة باردة، ثم التفت إلى أونور ولوكاس بصوت حازم...
أعيدا فاليريا وخالتها لبيتهما في مالطا، واحرصا على تأمين محيط سكنهما واحتياجاتهما، ولا تنسيا تنبيه خالتها بألا تفتح فمها بما حصل هنا وتواصل دورها كالسابق"
فسأل لوكاس باستغراب بعد تردد...
ألن تراها وتعيدها إلى تركيا؟.. ألم تشتق لها ؟."
وضع يديه في جيبه مع تنهيدة عميقة ونظرة أعمق...
بلى ... اشتقت لها كثيرا. لكن اللحظة لم تأت بعد لبس قبل أن أصفي حساباتي مع أوستن والأكاديمية .... ليس قبل أن أستعيد اعتباري ... وانتقم لكبريائي"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!