الفصل 1 | من 11 فصل

رواية جمر الثأر وعاصفة العشق الفصل الأول 1 - بقلم هاجر سلامة

المشاهدات
95
كلمة
1,501
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

في دَوار عيلة الرَّحَايْمَة، كانت الأصوات عالية وواصلة لآخر السكة. ثريا واقفة ودموعها مغرقة وشها، بتِتِنِفِض من الخوف وبتصرخ في وش أبوها وعمها:
“لا يا بوي.. المو.ت أهون عندي ولا إني أدخل بيت الهواري! عيزني أتجوز بدر الهواري؟ بدر اللي عيونه بتطق شرار؟ اللي أبوه وأخوه اتقتلوا على يدنا؟ ده هيجتلني يا بوي، هيجتلني وينتقم لد.م أبوه وأخوه مني أنا!”
الحاج عبد الرحيم، بأصابع جافة قاسية، خبط عصايته الأبنوس في الأرض خبطة هزت المكان، وزعق بصوت يرعب:
“اسمعي يا بت عبد الرحيم! كلمة شيخ البلد مش هتنزل الأرض، ودمام القلوب اللي بيننا وبين الهوارية لازم تقف. كتب الكتاب الليلة، ورجلك فوق رقبتك هتروح هناك، عشان نحمي رقبة أخوكي ورقبة عمك!”
ثريا اترمت في الأرض عند رجلين ابن عمها “منصور”، وبتتوسل ليه:
“الحقني يا منصور.. هترضي يخدوني مني؟ هترضي بنت عمك وحبيبتك تروح لقا..تل؟”
منصور واقف عاجز، عيونه حمرا من الغل، بس جهر الحريم ورجالة العيلة مكتفينه.
في الزاوية الضلمة من الأوضة، كانت واقفة “زهرة”. الأخت الصغيرة اللي عيونها واسعة كحلية، بتراقب المشهد بقلب بيدق زي الطبول.
زهرة مكنتش خايفة زي أختها، زهرة كان جواها بركان شغال من سنين. هي عارفة بدر.. عارفاه من وهي عيلة صغيرة لما كانت بتِهرَب وتشوفه من بعيد ورا الغيط، وعارفة هيبته اللي خلت قلبها يدق ليه قبل ما تعرف إنه عدو عيلتها.
اتحركت زهرة بخطوات ثابتة، ودخلت مسكت اختها وبصوت هادي وراسي قالت:
“خلاص يا ثريا. أنا اللي هروح بيت الهواري. أنا اللي هبقى عروسة بدر!”
ثريا بصلتها بحزن .
ساد الصمت أرجاء القصر الكبير، صمتٌ ثقيلٌ كصخور الجبل المحيطة بالبلدة.
التفت الحاج عبد الرحيم إلى ابنته الصغرى زهرة بذهول، وتراجعت ثريا وهي تبتلع شهقاتها.
كانت زهرة تقف بقامة ممشوقة، ملامحها الصعيدية الأصيلة تنطق بالكبرياء، وعيناها اللامعتان تخفيان خلفهما سراً لم يقرأه أحد.
لقد اتخذت زهرة قرارها، ليس فقط لإنقاذ شقيقتها المقربة وثريا التي تعشق ابن عمها منصور، بل لأن هناك خيطاً سرياً يربط روحها بـ “بدر الهواري” منذ الطفولة.
كانت تهرب صغاراً لتلمح طيفه، حتى علمت بوشاح الد م الذي يلطخ العائلتين فابتعدت، لكن صورته وظلت محفورة في وجدانها.
تمت المؤامرة في خفاء الليل.
لم يكن هناك زفافٌ صاخب، بل عروسٌ تُنقل بوشاحها الأبيض الكثيف الذي يغطي كامل وجهها وملامحها. جُهزت زهرة بدلاً من شقيقتها، ودخلت هودج السيارة التي ستقودها إلى عرين الأسد.. إلى قصر عائلة الهواري.
في الجناح الكبير بقصر الهواري، كان بدر واقف بجلابيته الصعيدية السودة وهيبته اللي تخوف بلد. ملامحه رجولية حادة، وعيونه بتلمع بقسوة وتحدي. دخل الأوضة وقفَل الباب وراه، بَص للعروسة اللي قاعدة على السرير ووشها متغطي تماماً.
مشى بخطوات بطيئة، ووقف قدامها وقال بصوت رجولي رخيم وفيه نبرة كره:
“نورتي قصر الهواري يا بنت الرَّحَايْمَة.. واصلة لحد إهنه وفاكرة إنك هتبقي ست الدار؟ أنتي إهنه مجرد وجيعة، مجرد تمن لدم أبويا وأخويا اللي راح!”
مد إيده بقسوة ورفع الطرحة من على وشها وهو مستني يشوف وش “ثريا” اللي سمع عنها.. لكن الصدمة لجمت لسانه!
بدر تراجع خطوتين لورا، عيونه اتسعت بذهول وهو بيبص للوش الملائكي، للعيون الكحلية اللي سِرح فيها زمان في كام فرح لمحها فيهم، البت المؤدبة اللي ضحكتها هزت قلبه وندم لما عرف إنها بنت عدوه!
بدر زعق بعلو صوته وعروق رقبة بارزة:
“أنتي مين؟! فين ثريا؟! أنتي إيه اللي جابك إهنه يا بت الرَّحَايْمَة؟!”
زهرة وقفت بكل ثبات، ورغم إن قلبها كان هيقف من الخوف، إلا إن كبريائها كان أعلى. بصت في عيونه وقالت ببرود شديد:
“أنا زهرة.. زهرة عبد الرحيم الرَّحَايْمَة. وأنا اللي بقيت مرتك الليلة دي يا ابن الهواري.”
بدر مسكها من دراعها بقوة وعنف وقالها وهو بيجز على سنانه:
“لعبتوها معايا واصل؟! فاكرين هتنطلي عليا اللعبة دي؟ أنا هجيب أبوكي وعمك من شَعَرهم وهطين عيشتكم!”
زهرة شالت إيده من على دراعها بكل هدوء وثقة وقالت له:
“فات الأوان خلاص يا بدر بيه.. الفرح خلص، والبلد كلها عرفت إن بنت عبد الرحيم دخلت قصرك الليلة. لو عملت أي حاجة دلوك هتبجى فضيحة ليك قبل ما تكون لينا. عديها وخلاص.. ومبقاش ليه عازة الكلام دلوك.”
بدر اتصدم من برودها وقوة شخصيتها، وساب الأوضة وخرج وهو بيغلي، والدموع محبوسة في عيون زهرة اللي همست لنفسها: “البداية وعارفة إنها واعرة.. بس أنا قدها يا بدر.”
الفصل. الاول
التاني
أشرقت شمس الصعيد لتعود الروح إلى قصر عائلة الهواري، ذلك الحصن المنيع المبني من الحجارة الصلبة والجرانيت، والذي يمتد على مساحات شاسعة تحيط بها أشجار النخيل العتيقة وحقول القصب التي تخفي خلفها أسرار الثأر القديم. كان القصر داخلياً يجمع بين الفخامة والأصالة؛ ردهات واسعة، جدران مزينة ببنادق الصيد القديمة، وأثاث خشبي محفور يدوياً يفوح منه عطر العود والصندل الفاخر.
في الجناح الكبير، كانت زهرة قد قضت ليلتها الأولى مستيقظة، تجلس على طرف مقعد خشبي وراء الشرفة الواسعة، تراقب خيوط الفجر الأولى وهي تغازل النيل. لم تذق طعم النوم، فكرامتها كانت كالسياج الذي يحمي قلبها المرتجف من بطش هذا الهواري الثائر.
نزلت زهرة إلى الطابق السفلي بخطوات هادئة متزنة، ترتدي عباءتها الصعيدية السوداء ذات التطريز الذهبي الرقيق حول الرقبة، ترفع شعرها الأسود الغجري في كبرياء. توجهت مباشرة نحو المطبخ الكبير الملحق بالقصر لتبدأ مهامها، ليس كعروس، بل كابنة أصول تعرف كيف تفرض هيبتها في أي مكان وضعت فيه.
في المطبخ الكبير، كانت الشغالات واقفين بيلجلجوا وخايفين أول ما شافوا زهرة داخلة عليهم بطلتها القوية. زهرة قربت وجمعتهم وقالت بصوت هادي وراسي:
“صباح الخير يا بنات.. من اليوم وطالع، أنا اللي هقف في المطبخ ده، وأنا اللي هجهز فطور الحاجة آمنة وبدر بيه بيدي. وروني كل حاجة فين، وهمتكم معايا.”
الشغالات بَصوا لبعض باستغراب، لكن هيبتها خلتهم ينفذوا الكلام من سكات.
بعد ساعة، كانت زهرة شالة صينية الفطور الكبيرة، وعليها الفطير المشلتت السخن، والعسل الأسود، والجبنة القديمة، وطلعت بيها لغرفة المعيشة الواسعة، حيث كانت تقعد الحاجة “آمنة” والدة بدر. امرأة في الستين من عمرها، وشها فيه علامات الزمن والقسوة اللي فرضتها عليها ظروف الثأر، ماسكة سبحتها وبتسبح بنبرة حزينة.
وضعت زهرة الصينية بكل أدب وقالت:
“صباح الخير يا حجة آمنة.. فطورك جاهز يا أمي.”
الحاجة آمنة بصت ليها بعيون حادة وفاحصة، ونزلت النظارة من على عيونها وقالت بنبرة جافة:
“أنتي زهرة؟ بت عبد الرحيم الرَّحَايْمَة؟ واد ابني بدر قالي على اللعبة اللي لعبتوها بالليل. فاكرة لما تدخلي إهنه وتعملي فيها ست بيت هنسى د.م جوزي وواد ابني اللي راح على يد أبوكي؟”
زهرة وقفت بكل

ثبات، وبصت في عيون الحاجة آمنة وقالت بصدق ونبرة قوية:
“يا حجة آمنة، الدم اللي بيننا بحور، وعيلتي كمان مات منها رجالة على يد عيلتكم. أنا مجيتش إهنه عشان ألعب.. أنا جيت عشان أقفل باب الدم ده بدموعي أنا. واعتبريني من اليوم كيف خدامة تحت رجليكي، بس كرامة عيلتي مش هسمح لحد يمسها واصل.”
الحاجة آمنة اتفاجأت من رد زهرة وقوة قلبها، ومقدرتش تنكر إن البنت فيها أصل وعزة نفس، وسكتت وهي بتبص لل فطور اللي ريحته سدت الدوار.
في اللحظة دي، دخل “بدر” بهيبته اللي تزلزل الأرض، عيونه كانت حمرا من قلة النوم والعصبية.
بَص لزهرة وهي واقفة بكل برود وثبات قدام أمه، وحس إن برودها ده بيتحداه. قرب منهم وصوته رعد في المكان:
“أنتي لساتك واقفة ومبتسمة كمان؟ فاكرة الدينا صفت ليكي يا بت الرَّحَايْمَة؟”
زهرة لفت ليه، وبكل برود وهدوء ملوش مثيل، قالت له:
“أنا عملت الفطور ليك وللحجة، ولو عندك كلام واعِر خليه بيني وبينك في أوضتنا، بلاش نتعب قلب الحاجة على الصبح يا بدر بيه.”
بدر جز على سنانه من طريقتها، وحس إن البنت دي مش زي أي حد قابلها في حياته، كرامتها صلبة زي حديد الصعيد.
أمسك بدر بمعصمها بقوة طاغية، واقتادها نحو الأعلى مجدداً إلى جناحهما المغلق.
دفعها بالداخل وأغلق الباب بعنف أصدر صوتاً هز الجدران. كانت أنفاسه تتصاعد وتتلاحق كبركان أوشك على الانفجار، وعيناه تحملان خليطاً غريباً من الغضب الشديد، وتلك المشاعر القديمة المكبوتة التي ترفض أن تموت تجاه هذه الفتاة بالذات.
وقفت زهرة أمامه، عدلت ثوبها بهدوء، ولم تظهر له ذرة ضعف واحدة، رغم أن قلبها كان ينبض بعنف كطائر حبيس في قفص صدري ضيق.
بدر قرب منها لحد ما بقاش في مسافة بينهم، وقال بفحيح زي الأفاعي:
“أنتي واخدة في نفسك مقلب كبير جوي.. فاكرة عشان سكت بالليل هسيبك؟ أنتي إهنه عشان تتعذبي وبس! تمن لد.م أخويا وأبويا!”
زهرة بصت في عيونه مباشرة، وقالت بنبرة هادية وبترتيب شديد:
“أنا عارفة كل ده.. وعشان أكفيك وأكفي نفسي الوجع، أنا عندي اقتراح واعر ويوفر علينا كتير يا ابن الهواري.”
بدر رفع حاجبه بسخرية:
“وايه هو عاد اقتراحك يا ست العارفين؟”
زهرة قالت ببرود تام:
“إحنا نعيش في الأوضة دي زي الأخوات وبس. قدام الناس والمجالس إحنا متجوزين، وجوا الأوضة دي كل واحد في حاله. ولو عايز تتجوز وتعيش حياتك وتجيب عيال براحتك عادي أنا مش هفتح خشمي بكلمة واصل!”
كلام زهرة نزل على بدر زي الصاعقة. البرود اللي اتكلمت بيه كسر هيبته وكرامته كرجل صعيدي. مكنش متخيل إنها بالبساطة دي تتنازل عنه أو تقبل بضرة، وحس إنها مش طايقاه كرجل.
بدر عيونه طق منها الشرار، ومسكها من كتافها وهزها بعنف وهو بيصرخ:
“أخوات؟! أنتي بتجولي إيه يا بت أنتي؟! أنتي اتجننتي في عقلك واصل؟! أنتي إهنه جارية ماليش عازة فيكي، ومتقوليش أنا أعمل إيه وماعملش إيه! أنا اللي بقرر في البيت ده، وأنتي عليكي تسمعي الكلام وبس ورجلك فوق رقبتك!”
زهرة فضلت تبص لعيونه من غير ما ترمش، وبرودها زاد أكتر وقالت:
“تمام.. اللي تشوفه يا بدر بيه. بس افتكر إن الكرامة عندي أغلى من روحي.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...