تحميل رواية «جنه في مملكة الذئاب» PDF
بقلم هيام أيمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ جنه في مملكة الذئاب بقلم هيام أيمن.
رواية جنه في مملكة الذئاب الفصل الأول 1 - بقلم هيام أيمن
كانت جنة قاعدة على طرف السرير الحديد القديم وهي باصة للسقف السايب منه حتت محارة صغيرة كل شوية تقع على الأرض، البيت كله كان غرقان في صمت غريب بعد الخناقة اللي حصلت من شوية بينها وبين أبوها. مسحت دموعها بسرعة وهي سامعة صوته من برة بيزعق لأمها، كأن البيت ده معمول مخصوص عشان يدفن أحلامها وهي عايشة. فتحت اللاب توب القديم اللي جابته من شغل الإجازة وقعدت تكتب أكواد البرمجة بسرعة، دي كانت الحاجة الوحيدة اللي بتحسسها إنها عايشة فعلًا، الحاجة الوحيدة اللي لما بتمسك فيها بتنسا إنها بنت فقيرة في آخر قرية محدش يعرف اسمها.
في نفس الوقت كان سيف واقف قدام الواجهة الزجاجية لمكتبه في الدور الأربعين، القاهرة كلها تحت رجليه، عربيات وأنوار وناس رايحة جاية، لكنه رغم كل ده كان حاسس بوحدة تخنقه. فك رابطة الكرافتة بعصبية وبص لصورة أمه المحطوطة جنب المكتب. الصورة الوحيدة اللي عمره ما غير مكانها. ابتسم غصب عنه وهو بيفتكر صوتها، لكن الابتسامة اختفت أول ما الباب اتفتح ودخلت مرات أبوه.
“لسه سهران؟”
قالتها وهي بتقفل الباب وراها.
رفع عينه ليها ببرود.
“في حاجة؟”
قربت أكتر.
“قلقان عليك.”
ضحك ضحكة قصيرة مالهاش روح.
“بقالك عشر سنين بتقولي نفس الجملة.”
وقف وسابها ومشي، أما هي ففضلت باصة لطيفه بعين مليانة حاجة أبعد بكتير من الاهتمام.
بقلمي هيام أيمن الطوخي بعد أسبوع كامل كانت نتيجة المسابقة نزلت، وجنة كانت قاعدة وسط الفصل وماسكة الموبايل بإيد بترتعش. قلبها كان هيقف لما شافت اسمها في المركز الأول. للحظة حست إن العالم كله وقف. عينيها دمعت وهي بتضحك لوحدها، لكن الفرحة ماكملتش دقيقة لما أبوها دخل عليها البيت بالليل وقال وهو بيرمي الجريدة على الترابيزة:
“جهزي نفسك… كتب كتابك آخر الشهر.”
رفعت راسها بصدمة.
“إيه؟”
“اللي سمعتيه.”
“أنا مش هتجوز.”
القلم نزل على وشها في ثانية.
لأول مرة في حياتها تحس بالإهانة بالشكل ده.
وقفت قدامه رغم الدموع.
“أنا هكمل تعليمي.”
“وأنا قولت لأ.”
أما في القاهرة فكان سيف بيقلب ملفات الفائزين. وقف عند ملف معين. الاسم شد انتباهه. المشروع شد انتباهه أكتر. بدأ يقرأ سطر ورا سطر لحد ما ملامحه اتغيرت.
“مين دي؟”
الموظف رد بسرعة:
“البنت اللي كسبت يا فندم.”
“بنت؟”
“أيوة.”
سكت ثواني طويلة.
“هاتوها.”
“حضرتك الشركة مش…”
قاطعه بحدة:
“قولت هاتوها.”
لأول مرة من سنين ياخد قرار يناقض القاعدة اللي حاططها بنفسه.
كانت الطريق للقاهرة طويلة بشكل خنق جنة، طول السكة وهي باصة من شباك الأتوبيس ومش مصدقة إن دي أول مرة تخرج فيها من حدود بلدها. كانت شايلة شنطة صغيرة فيها هدوم بسيطة وملف فيه كل أحلامها، بينما قلبها كان مليان خوف وأسئلة. كل شوية تفتكر كلام أبوها وضربه ليها قبل ما تمشي، وتحس بوجع في قلبها أكبر من الوجع اللي في وشها.
لما وصلت الشركة وقفت قدام المبنى الضخم وهي رافعة راسها لفوق. المبنى كان عالي بشكل يخوف. دخلت وهي حاسة إن كل الناس حواليها أحسن منها وأغنى منها وأشيك منها، لكن جواها كان في حاجة بتقولها إنها مش أقل من حد.
الموظفة أخدتها للدور الأخير.
وقفت قدام باب مكتب سيف.
خبطت.
“ادخل.”
دخلت بثبات رغم التوتر.
كان قاعد على كرسيه، لابس بدلة سودا، وشكله بارد بطريقة مستفزة.
رفع عينه من الملف.
أول ما شافها سكت.
كانت أجمل بكتير من الصورة اللي في الملف.
أما هي فكانت متخيلة إنها هتشوف راجل كبير في السن، لكن اللي قدامها كان مختلف.
ملامحه حادة.
وعيونه غامقة بشكل غريب.
الصمت طال بينهم.
لحد ما قال:
“إنتِ جنة؟”
ردت بسرعة:
“أيوة.”
“المشروع ده بتاعك؟”
“أيوة.”
“لوحدك؟”
عقدت حواجبها.
“حضرتك فاكر إن في حد عاملهولي؟”
اتعدل في قعدته.
واضح إنها مش من النوع اللي بيخاف.
“أنا بسأل.”
“وأنا جاوبت.”
أول مرة حد يرد عليه بالطريقة دي.
أي موظف كان بيترعش قدامه.
لكن البنت دي لا.
فضل باصلها كام ثانية.
وبعدين قال:
“تمام.”
استغربت.
“تمام؟”
“أيوة.”
“يعني إيه تمام؟”
لأول مرة ابتسامة صغيرة ظهرت على طرف فمه.
“يعني نجحتي في المقابلة.”
خرجت من المكتب وهي مش فاهمة إذا كان مغرور ولا مريض نفسي ولا الاتنين مع بعض.
أما هو ففضل باصص للباب بعد ما خرجت.
في إحساس غريب اتحرك جواه.
إحساس بقاله سنين مدفون.
لكن هز راسه بعصبية ورجع للشغل.
في المساء…
كانت جنة واقفة في البلكونة الصغيرة للشقة اللي الشركة وفرتها ليها.
القاهرة من فوق كانت مختلفة.
صوت عربيات.
أنوار.
ناس.
حياة كاملة غير اللي كانت عايشاها.
رن موبايلها.
أخوها.
ردت.
لكنها اتصدمت من أول كلمة.
“أبوكي دخل المستشفى.”
اتجمدت مكانها.
“إيه؟”
“وقع فجأة.”
قلبها انقبض.
مهما كان بيعمل فيها.
لسه أبوها.
قفلت المكالمة وهي تايهة.
في اللحظة دي بالذات سمعت خبط على الباب.
فتحت.
واتفاجئت بسيف واقف قدامها.
بصتله باستغراب.
“حضرتك؟”
قال ببرود:
“عندي شغل لازم تخلصيه.”
بصتله بصدمة.
“دلوقتي؟”
“أيوة.”
عيونها لمعت بالدموع لأول مرة قدامه.
“أبويا في المستشفى.”
سكت.
لثواني.
ولأول مرة يشوفها ضعيفة.
مش البنت العنيدة اللي كانت بترد عليه.
ولا المبرمجة العبقرية.
بس بنت صغيرة خايفة.
نزلت عينه على دموعها.
وحاجة جواه اتوجعت بشكل مفاجئ.
قال بصوت أهدى:
“هتسافري؟”
هزت راسها.
“مش عارفة.”
فضل ساكت شوية.
وبعدين مد إيده بمفتاح عربيته.
اتصدمت.
“خديه.”
“إيه؟”
“السواق هيوصلك.”
بصتله وكأنها مش مصدقة.
لأن كل اللي كانت سمعاه عنه إنه راجل قاسي.
بارد.
ميهموش غير نفسه.
لكن لأول مرة…
شافته بشكل مختلف. بقلمي هيام أيمن الطوخي أما في الناحية التانية…
كان أبوه قاعد في الفيلا وبيكلم مرات سيف.
“البنت دي لازم تبعد.”
سألته بقلق:
“ليه؟”
ابتسم بخبث.
“لأن ابني بدأ يبص ليها.”
سكتت لحظة.
لكن الغيرة كانت بتاكل قلبها.
قبضت على الكوباية اللي في إيدها بعنف.
وقالت:
“سيب الموضوع عليا.”
ابتسم.
وكانت دي بداية كارثة محدش فيهم متخيل حجمها…
رجعت جنة الصعيد تاني وهي طول الطريق قلبها بيدق بعنف. أول ما وصلت المستشفى نزلت تجري تدور على أوضة أبوها، كانت متوقعة تشوفه تعبان أو في حالة صعبة، لكن أول ما دخلت لقيته قاعد على السرير وبيتكلم عادي. وقفت مكانها باستغراب.
“إنت كويس؟”
بصلها أبوها ببرود.
“الحمد لله.”
بصت لأخوها.
“مش قولتلي حالته خطيرة؟”
أخوها لف وشه الناحية التانية.
وفي اللحظة دي فهمت.
فهمت إنهم كذبوا عليها عشان ترجع.
رجعت تبص لأبوها.
“ليه؟”
قال وهو بيعدل جلابيته:
“عشان كتب الكتاب بعد أسبوع.”
كأن حد ضربها على دماغها.
“إيه؟”
“هتتجوزي.”
“أنا قولت لأ.”
“وأنا قولت أيوة.”
الدم غلى في عروقها.
“أنا مش ملكك.”
في ثانية كان واقف قدامها.
“إوعي تنسي نفسك.”
لكن لأول مرة في حياتها متراجعتش.
بصت في عينه مباشرة.
“أنا مش هتجوز حد غصب عني.”
وسابته وخرجت.
خرجت وهي بتتنفس بصعوبة.
وكأن البلد كلها بتخنقها.
وكأن كل شارع فيها بيقولها إنها عمرها ما هتعرف تهرب.
في القاهرة…
كان سيف قاعد في مكتبه.
الملف قدامه مفتوح.
بس هو مش مركز في أي حاجة.
عقله كله رايح عند البنت العنيدة اللي قلبت نظام حياته في أسابيع.
دخل عليه مساعده.
“اجتماع المستثمرين جاهز.”
هز راسه.
لكن قبل ما يقوم قال فجأة:
“وصلت؟”
المساعد استغرب.
“مين؟”
رد بسرعة وكأنه بيتدارك نفسه.
“ولا حاجة.”
خرج المساعد.
أما هو ففضل باصص للشباك.
ومتضايق من نفسه أكتر من أي وقت.
لأنه لأول مرة من سنين…
كان قلقان على حد.
وفي نفس الليلة…
كانت مرات أبوه واقفة قدام أوضته.
الباب كان موارب.
شافته وهو ماسك صورة قديمة لأمه.
عينه كانت مليانة حزن.
ابتسمت بخبث.
ودخلت.
“لسه فاكرها؟”
رفع عينه ليها.
“اطلعي برا.”
قربت أكتر.
“أنا الوحيدة اللي واقفة جنبك.”
“قولت اطلعي.”
لكنها فجأة حطت إيدها على كتفه.
سيف انتفض وكأنه اتلسع.
ومسك إيدها بعنف.
“متلمسينيش.”
عيونها دمعت.
بس مش من الوجع.
من الغيرة.
من الغضب.
لأنها عرفت إن قلبه بدأ يروح لمكان تاني.
ولشخص تاني. بقلمي هيام أيمن الطوخي بعد يومين كانت جنة قاعدة في أوضتها بالليل، بتفكر تهرب.
أيوة تهرب.
لأنها وصلت لمرحلة معندهاش حل تاني.
وفجأة موبايلها رن.
رقم غريب.
ردت بحذر.
“ألو؟”
الصوت اللي جه خلاها تتجمد.
“إنتِ فين؟”
سيف.
سكتت لحظة.
“حضرتك جبت رقمي منين؟”
“سؤال ملوش لازمة.”
اتعصبت.
“بالنسبالي ليه لازمة.”
لكن لأول مرة صوته كان هادي.
بشكل غريب.
“إنتِ كويسة؟”
السؤال وقع عليها بشكل مختلف.
لأن محدش سألها السؤال ده من زمان.
قوي.
يمكن عمره ما حد سأله أصلًا.
بلعت ريقها.
وقالت بصوت مكسور:
“لا.”
سكت.
وسكتت هي كمان.
ثواني طويلة.
ولا واحد عارف يقول إيه.
لحد ما قالت:
“هيجوزوني.”
قبضته شدت على الموبايل.
“غصب؟”
“أيوة.”
سكت تاني.
لكن المرة دي الصمت كان أخطر.
لأن جواه حاجة بدأت تتحرك.
حاجة خلت الدم يغلي في عروقه.
ولأول مرة…
حس إنه عايز يتدخل.
مش عشان موظفة عنده.
ولا عشان مشروع مهم.
لكن عشان جنة.
وفي آخر المكالمة قال جملة واحدة.
جملة خلت قلبها يدق بعنف.
“محدش هيجبرك على حاجة طول ما أنا موجود.”
وساعتها…
ولا هو كان عارف إنه داخل على حرب مع عيلتها.
ولا هي كانت عارفة إن الجملة دي هتغير حياتهم هما الاتنين للأبد بقلمي هيام أيمن الطوخي
قلب جنة فضل يدق بسرعة بعد ما قفل الخط. فضلت باصة للموبايل كأنها مستنية يرن تاني. أول مرة في حياتها تحس إن في حد واقف في ضهرها، حد لما قالتله “لا” ما ضغطش عليها، ولما قالتله “خايفة” ما سخرش منها.
لكن الفرصة إنها تفكر مكنتش موجودة.
باب الأوضة اتفتح بعنف.
وأخوها دخل.
“بتكلمي مين؟”
خبّت الموبايل بسرعة.
“ملكش دعوة.”
قرب منها بعصبية.
“في راجل بيكلمك؟”
وقبل ما ترد خطف الموبايل من إيدها.
بدأ يقلب فيه.
وجنة كانت بتحاول تاخده منه.
لكن فجأة…
عينه وقفت على رقم سيف.
وشه اتغير.
“مين ده؟”
سكتت.
“انطقي.”
لأول مرة ابتسمت بسخرية.
“واحد محترم… حاجة مش متعودين عليها هنا.”
الكلمة نزلت عليه زي النار.
رفع إيده.
لكن قبل ما يضربها مسكت إيده.
وبصتله بجرأة عمرها ما شافها فيها.
“لو لمستني تاني هبلغ عنك.”
اتصدم.
وهي كمان اتصدمت من نفسها.
لكنها كانت وصلت لمرحلة مبقتش تخاف.
في القاهرة…
كان سيف قاعد في مكتبه الساعة اتنين بالليل.
الشركة كلها فاضية.
لكن هو كان لسه صاحي.
قدامه تقرير كامل عن عيلة جنة.
أسماء.
ديون.
مشاكل.
كل حاجة.
كان بيقرأ بصمت.
لحد ما دخل عليه صديقه الوحيد.
عمر السيوفي
وقف قدام المكتب.
“إنت بتهزر؟”
رفع سيف عينه.
“في إيه؟”
“بقالك أسبوعين مش بتتكلم غير عنها.”
اتعصب.
“عن مين؟”
ضحك عمر.
“البنت الصعيدية.”
سيف رمى القلم.
“متجيبش سيرتها.”
“خلاص يبقى بتحبها.”
الصمت اللي جه بعد الجملة كان كافي.
لأن سيف نفسه مكانش عارف الإجابة.
كان كل اللي عارفه إن أول ما اسمها بيتقال…
بيحس بحاجة غريبة جواه.
حاجة بقالها سنين ميتة.
**بقلمي هيام أيمن الطوخي**
بعدها بثلاث أيام…
البلد كلها كانت بتجهز لكتب الكتاب.
رغم إن جنة رافضة.
رغم إنها بتعيط كل ليلة.
ورغم إنها حاسة إنها بتتسحب لمصير مش بتاعها.
وقفت قدام المراية.
بصت لنفسها.
والدموع نازلة.
وفجأة…
سمعت صوت عربيات كتير برة.
استغربت.
البلد كلها استغربت.
لأن عربيات فخمة بالشكل ده عمرها ما دخلت الشوارع الضيقة دي.
الناس بدأت تتجمع.
والهمس زاد.
“مين ده؟”
“مين اللي جاي؟”
“أكيد حد مهم.”
وجنة خرجت للبلكونة.
بصت لتحت.
واتجمدت.
سيف.
كان نازل من العربية.
لابس بدلة سودا.
وشكله يخوف.
البلد كلها ساكتة.
وهو ماشي بخطوات ثابتة.
لحد ما وقف قدام بيتهم.
أبوها خرج وهو متوتر.
“حضرتك عايز مين؟”
رد سيف بهدوء.
“جنة.”
الناس بدأت تبص لبعض.
وأبوها وشه قلب.
“ليه؟”
رفع سيف عينه.
وقال الجملة اللي خلت كل الموجودين يتصدموا:
“جاي أخدها.”
الصمت نزل على المكان كله.
وجنة نفسها نسيت تتنفس.
أخوها قرب بغضب.
“إنت مين أصلًا؟”
لف سيف ناحيته ببطء.
ونظرة واحدة منه كانت كفاية تخليه يسكت.
أما جنة فكانت واقفة فوق.
حاسّة إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
لأنها عارفة إن اللحظة دي…
مش هتعدي بسهولة.
وإن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ.
وفي مكان تاني…
بعيد عنهم…
كانت مرات أبوه قاعدة في أوضتها.
قدامها صورة لجنة.
وجنبها ملف كامل عنها.
ابتسمت ابتسامة مخيفة.
وهمست:
“لو سيف اختارك…
يبقى لازم تختفي.” بقلمي هيام أيمن الطوخي
الهواء كان تقيل بشكل غريب في الشارع. الناس متجمعة قدام البيت، والكل مستني يشوف النهاية. جنة واقفة في البلكونة، وإيديها بتترعش، أما سيف فكان ثابت مكانه كأنه جبل.
أبوها ضحك ضحكة ساخرة وقال:
“تاخدها؟ هي شنطة سفر؟”
رد سيف بهدوء أخطر من العصبية:
“لا… إنسانة. وليها حق تختار.”
الكلمة دي عمرها ما اتقالت في البيت ده.
ولا في الشارع ده.
ولا حتى في البلد دي بالنسبة لناس كتير.
أخوها قرب أكتر.
“اسمع يا باشا… دي مشاكل عيلة.”
رفع سيف عينه ليه.
“ومن إمتى الإجبار بقى مشكلة عيلة؟”
بدأ الهمس يزيد بين الناس.
وأبوها حس إن الموقف بيخرج من إيده.
فبص لفوق ناحية جنة وزعق:
“انزلي هنا.”
لكنها لأول مرة…
متحركتش.
وقفت مكانها.
وبصتله.
وبعدين بصت لسيف.
لثواني محدش فيهم نطق.
لحد ما سيف قال:
“القرار قرارها.”
الناس كلها بصت عليها.
قلبها كان هيطلع من مكانه.
سنين من الخوف.
وسنين من السكوت.
وسنين من الأوامر.
واتحطوا كلهم في لحظة واحدة.
وأخيرًا قالت:
“مش هتجوز.”
الصمت نزل على المكان.
وأبوها وشه احمر.
“إيه؟”
“قولت مش هتجوز.”
ولأول مرة في حياته…
بنته تقف
قدامه بالشكل ده.
رفع إيده بعنف.
لكن قبل ما يلمسها…
كان سيف وصل.
ومسك إيده.
الشارع كله اتجمد.
وأبوها اتصدم.
لأن محدش عمره وقف قدامه.
لكن سيف قرب منه وقال بصوت واطي:
“إياك.”
كانت كلمة واحدة.
بس كأنها طلقة.
وبعد نص ساعة…
كانت جنة قاعدة في العربية جنب الشباك.
مش مستوعبة اللي حصل.
كل حاجة حصلت بسرعة.
أسرع من إنها تفهم.
أما سيف فكان سايق وساكت.
لحد ما قالت فجأة:
“ليه عملت كده؟”
مردش.
“أنا بسأل.”
تنهد.
وبعدين قال:
“معرفش.”
بصتله باستغراب.
أما هو فكان بيقول الحقيقة.
لأنه فعلًا مكنش عارف.
مش عارف إمتى بدأ يهتم.
ولا إمتى بقى قلقان عليها بالشكل ده.
ولا إمتى بقى وجودها بيفرق معاه.
وصلوا القاهرة قبل الفجر.
الشوارع كانت هادية.
والمدينة شكلها مختلف.
جنة كانت نايمة من التعب.
وسيف وقف بالعربية تحت العمارة.
وبص عليها.
شعرها نازل على وشها.
ووشها كان باين عليه الإرهاق.
فضل يبص ثواني.
وبعدين لف وشه بسرعة.
كأنه بيهرب من حاجة.
في نفس الوقت…
في الفيلا.
كان أبوه واقف قدام مرات سيف.
ملامحه كلها غضب.
“الولد جن.”
قالتها وهي بتحاول تهديه:
“إحنا لسه نقدر نسيطر على الموضوع.”
لكن الحقيقة إن الاتنين كانوا مرعوبين.
لأن لأول مرة من سنين…
سيف بيتصرف بقلبه.
ومش بعقله.
وده كان أخطر شيء ممكن يحصل.
تاني يوم…
جنة راحت الشركة.
وأول ما دخلت حسّت إن في حاجة غريبة.
الموظفين بيبصولها بطريقة مختلفة.
وهمسات في كل مكان.
دخلت المصعد.
لكن قبل ما الباب يقفل…
دخلت بنت جميلة جدًا.
شكلها راقي.
ولبسها غالي.
وقفت جنبها.
وبعد لحظة قالت:
“إنتِ جنة؟”
هزت راسها.
ابتسمت البنت.
بس ابتسامة باردة.
“أنا لينا.”
لينا الجارحي
سكتت ثانية.
وبعدين كملت:
“خطيبة سيف.”
الكلمة وقعت على جنة كأن حد ضربها في قلبها.
وبصتلها مصدومة.
أما لينا فابتسامتها وسعت.
لأنها كانت عارفة بالضبط هي بتعمل إيه.
وكانت عارفة إن الحرب بدأت من اللحظة دي. بقلمي هيام أيمن الطوخي
أما سيف…
فكان في مكتبه.
لسه ميعرفش إن بعد دقائق…
حاجة هتحصل هتقلب حياته كلها رأسًا على عقب.
جنة فضلت واقفة مكانها جوه المصعد كأنها اتجمدت. بصت للينا ثواني طويلة وهي بتحاول تستوعب اللي سمعته.
“خطيبته؟”
قالتها بصوت واطي.
لينا عدلت شعرها بابتسامة واثقة.
“آه… مستغربة؟”
باب المصعد اتفتح.
خرجت لينا بخطوات هادية وكأنها رمت قنبلة ومش فارق معاها الانفجار اللي هيحصل بعدها.
أما جنة ففضلت واقفة مكانها.
حاسة بوخزة غريبة في قلبها.
كانت بتقنع نفسها إن الموضوع عادي.
هو راجل ناجح وغني.
أكيد عنده خطيبة.
أكيد عنده حياة كاملة قبل ما هي تدخلها.
لكن ليه زعلت؟
ليه حست إن نفسها مخنوقة فجأة؟
وليه أول حاجة جت في دماغها هي المكالمة اللي بينهم؟
وكلامه؟
ونظرته؟
وهروبه من أي بنت غيرها؟
خرجت من المصعد وهي تايهة.
ودخلت مكتبها.
لكنها مكنتش مركزة في حرف واحد.
لحد ما الباب اتفتح.
ورفعِت عينها.
كان سيف.
بص عليها باستغراب.
“مالك؟”
ردت بسرعة.
“مفيش.”
عرف فورًا إنها بتكدب.
لكن قبل ما يسأل أكتر قالت:
“مقولتليش إنك مخطوب.”
سكت.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين فهم.
فهم إن لينا وصلت ليها.
سند بإيده على المكتب وقال بهدوء:
“عشان أنا مش مخطوب.”
جنة رفعت عينها بسرعة.
“إيه؟”
“لينا بنت شريك قديم لأبويا.”
“بس هي قالت…”
قاطعها.
“هي بتقول حاجات كتير.”
قلبها ارتاح بشكل غريب.
لدرجة إنها اتضايقت من نفسها.
ليه ارتاحت أصلًا؟
وإيه اللي فارق معاها؟
أما سيف فكان مركز في تفاصيل وشها أكتر من اللازم.
ولما شاف الراحة اللي ظهرت في عينيها للحظة…
ابتسم غصب عنه.
ودي كانت أول مرة جنة تشوفه بيبتسم بجد.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
في نفس اليوم…
كان أبو جنة قاعد في القهوة وسط رجالة البلد.
ووشه كله غضب.
الإهانة اللي حصلتله قدام الناس كانت حارقاه.
وفجأة قعد قدامه راجل غريب.
جلابية سودة.
ونظراته غامضة.
قال بهدوء:
“عايز تنتقم من بنتك؟”
أبو جنة بصله باستغراب.
“وأنت مالك؟”
ابتسم الراجل.
“اعتبرني صاحب مصلحة.”
وبدأ يحكيله حاجات خلت عينه تلمع بالطمع.
أما في القاهرة…
فكانت لينا واقفة قدام مكتب سيف.
“البنت دي لازم تمشي.”
رفع عينه من الورق.
“مين؟”
“متستعبطش.”
رجع للورق تاني.
“وأنا أسمح لنفسي ليه أناقش حاجة زي دي؟”
اتعصبت.
“عشان أنا بحبك.”
ضحك.
ضحكة قصيرة باردة.
“دي مشكلتك.”
الكلمة نزلت عليها كأنها صفعة.
لكن اللي وجعها أكتر…
إنها لأول مرة تحس إنها بتخسر.
خرجت من المكتب وهي بتغلي.
وفي اللحظة دي خدت قرار.
قرار لو اتنفذ…
هيكسر جنة.
ويمكن يكسر سيف معاها.
في المساء…
كانت جنة ماشية لوحدها بعد الشغل.
الجو كان هادي.
والشارع شبه فاضي.
لكنها فجأة حست إن في حد وراها.
بصت بسرعة.
مفيش.
كملت مشي.
وبعدين سمعت خطوات تاني.
قلبها بدأ يدق.
سرعت مشيتها.
الخطوات سرعت.
وفجأة…
إيد قوية شدت ذراعها من ورا.
شهقت بخضة.
ولفت بسرعة.
لكن الصدمة كانت أكبر من الخوف.
“أنت؟!”
الشخص اللي واقف قدامها كان المفروض يكون في الصعيد.
كان المفروض بعيد عنها بآلاف الكيلومترات.
لكن أخوها كان واقف قدامها.
وعينه مليانة كراهية.
وقال من بين سنانه:
“فاكرة إنك هتهربي بسهولة؟”
بقلمي هيام أيمن الطوخي
وفي نفس اللحظة…
كان موبايل سيف بيرن.
رقم مجهول.
رد بضيق.
لكن أول ما سمع الصوت اللي على الناحية التانية…
ملامحه اتغيرت بالكامل.
والقلم وقع من إيده لأول مرة من سنين.
تتوقعو سمع صوت مين و اي الي يصدمه
رواية جنه في مملكة الذئاب الفصل الثاني 2 - بقلم هيام أيمن
كان موبايل سيف بيرن.
رقم مجهول.
رد بضيق.
لكن أول ما سمع الصوت اللي على الناحية التانية…
ملامحه اتغيرت بالكامل.
والقلم وقع من إيده لأول مرة من سنين.
“إلحقها يا سيف بيه… البنت في خطر.”
وقف مرة واحدة.
“مين معايا؟”
لكن الخط اتقفل.
في نفس اللحظة…
كانت جنة بتحاول تفك إيد أخوها من عليها.
“سيبني!”
شدها بعنف.
“فاكرة إنك هتفضحينا وتهربي؟”
“أنا معملتش حاجة.”
“اسكتي!”
وفجأة عربية سودا وقفت قدامهم.
نزل منها تلات رجالة.
أخو جنة بص لهم باستغراب.
لكن قبل ما ينطق…
واحد منهم ضربه في بطنه.
وقع على الأرض وهو بيصرخ.
جنة اتراجعت بخوف.
“إنتو مين؟”
واحد منهم قرب منها.
“تعالي معانا.”
عيونها وسعت برعب.
وجريت.
جريت بكل قوتها.
لكن الشارع كان فاضي.
ومفيش حد حواليها.
واحد من الرجالة مسكها من دراعها.
وفي اللحظة دي…
صوت فرامل عنيف دوى في المكان.
كلهم بصوا ناحية العربية.
باب العربية اتفتح.
ونزل سيف.
وشه كان مرعب.
أكتر من أي مرة شافته فيها.
قرب بخطوات بطيئة.
والرجالة بصوا لبعض بتوتر.
“سيبوها.”
قالها بهدوء.
لكن هدوء يخوف.
واحد منهم ضحك.
“وإلا هتعمل إيه؟”
سيف بصله ثواني.
وبعدين لكمه في وشه لدرجة إنه وقع على الأرض.
الموقف كله اتحول لخناقة.
وأول مرة جنة تشوف سيف بالشكل ده.
كان بيتخانق كأنه فقد السيطرة على نفسه.
كأنه خايف عليها بجد.
بعد دقائق…
كانت العربية ماشية بأقصى سرعة.
وجنة قاعدة جنبه.
وشها شاحب.
وإيديها بتترعش.
أما هو فكان ساكت.
ساكت بشكل مخيف.
لحد ما قالت:
“كنت هتسيبني أموت؟”
ضرب فرامل فجأة.
وبصلها.
لأول مرة عيونه كانت مليانة غضب وخوف في نفس الوقت.
“متقوليش الكلمة دي تاني.”
اتصدمت من نبرته.
أما هو فلف وشه بسرعة.
لأنه لأول مرة…
كان مرعوب من فكرة إنه يخسر حد.
حد اسمه جنة.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
في مكان تاني…
كانت لينا قاعدة في أوضتها.
قدامها الراجل اللي قابل أبو جنة في البلد.
ابتسمت وهي بتسأله:
“خلصتوا؟”
هز راسه.
“كنا هنجيبها.”
اختفت الابتسامة من وشها.
“يعني إيه كُنتوا؟”
“سيف ظهر.”
كسرت الكوباية اللي في إيدها بعصبية.
والشرار كان طالع من عيونها.
“يبقى هبدأ أنا.”
“تقصدي إيه؟”
ابتسمت ابتسامة خلت الراجل نفسه يتوتر.
وقالت:
“هخليه يكرهها بنفسه.”
وفي الوقت ده…
كان في شخص تالت بيتابع كل حاجة من بعيد.
شخص محدش يعرفه.
واقف قدام صورة قديمة لأم سيف.
وهمس:
“الوقت قرب…”
“وقرب جدًا.”
وصلت العربية قدام العمارة.
لكن محدش فيهم نزل.
الصمت كان مالي المكان.
وجنة كانت باصة قدامها.
أما سيف فكان قابض على الدريكسيون بقوة لدرجة إن عروقه ظهرت.
لحد ما قالت بهدوء:
“شكرًا.”
بصلها.
“على إيه؟”
“إنك لحقتني.”
رجع يبص قدامه تاني.
وقال ببرود حاول يرسمه على وشه:
“كنت بلحق موظفة عندي.”
الكلمة ضايقتها.
أوي.
رغم إنها عارفة إنه بيكدب.
لأن نظراته وقت ما شافها كانت أصدق من أي كلام.
فتحت باب العربية.
لكن قبل ما تنزل سمعته بيقول:
“متخرجيش لوحدك الفترة دي.”
بصتله.
“ليه؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“عشان قولت كده.”
ابتسمت غصب عنها.
أول مرة تحس إن أوامره فيها خوف مش تحكم.
طلعت شقتها.
أما هو ففضل قاعد مكانه.
يبص على نور أوضتها اللي ولع بعد ما دخلت.
ولأول مرة من سنين…
حس براحة.
راحة غريبة.
كأنه اتأكد إنها بخير.
وفي اليوم اللي بعده…
كانت الشركة كلها مقلوبة.
لأن خبر اللي حصل امبارح وصل لناس كتير.
والعيون كلها بقت على جنة.
وخصوصًا…
لينا.
اللي كانت واقفة قدام مكتبها.
بابتسامتها المستفزة.
“صباح الخير.”
ردت جنة باقتضاب:
“صباح النور.”
قربت لينا.
“شكلك نمتي كويس.”
استغربت جنة.
لكن الصدمة جت بعدها بثانية.
لما لينا حطت مجموعة صور قدامها.
صور لسيف.
وهو خارج من عربية جنة بالليل.
وصور تانية وهو واقف قدام بيتها في الصعيد.
وشوية صور متفبركة بشكل احترافي.
تبين إن بينهم علاقة.
اتسعت عيون جنة.
“إيه ده؟”
ابتسمت لينا.
“فضيحة صغيرة.”
“إنتِ مجنونة؟”
“لسه.”
وفي اللحظة دي…
الموبايلات بدأت ترن في الشركة كلها.
والموظفين بقوا يبصوا لبعض.
لأن الصور نزلت على صفحات أخبار مشهورة.
وانتشرت بشكل مرعب.
وفي أقل من ساعة…
اسم سيف المنياوي بقى تريند.
واسم جنة معاه.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
في نفس الوقت…
كان سيف داخل اجتماع مهم مع مستثمرين أجانب.
باب القاعة اتفتح فجأة.
ودخل عمر.
وشه كان متوتر.
وده لوحده كان كفاية يخلي سيف يقوم.
“في إيه؟”
عمر قرب منه ووراه الموبايل.
سيف أخده.
وبص للشاشة.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وفجأة…
ملامحه كلها اختفت.
مبقاش فيه أي تعبير.
وده كان أخطر بكتير من الغضب.
قفل الموبايل.
وقام من مكانه.
المستثمرين نادوا عليه.
لكنه خرج.
من غير كلمة.
من غير ما يبص لحد.
عمر كان ماشي وراه.
عارف إن العاصفة جاية.
ولما وصلوا المكتب…
سيف رمى الموبايل على الحيطة.
واتكسر.
أول مرة عمر يشوفه بالشكل ده.
قال بحذر:
“أكيد لينا ورا الموضوع.”
سيف رفع عينه.
النظرة لوحدها كانت مرعبة.
وقال:
“هاتوهالي.”
“مين؟”
“لينا.”
وفي مكان تاني…
كانت جنة قاعدة في مكتبها.
بتعيط لأول مرة من يوم ما وصلت القاهرة.
مش عشان الصور.
لكن عشان أهل بلدها.
عشان أمها.
عشان الكلام اللي هيتقال عليها.
وفجأة…
باب المكتب اتفتح.
رفعت عينها بسرعة.
واتجمدت.
لأن الشخص اللي دخل…
مكنش سيف.
ولا عمر.
ولا أي حد من الشركة.
الشخص اللي دخل كان…
أم سيف.
أو على الأقل…
الست اللي الكل مقتنع إنها ماتت من عشرين سنة.
جنة اتجمدت مكانها وهي باصة للست اللي دخلت.
ملامحها كانت راقية بشكل غريب.
عيونها شبه عيون سيف بطريقة صادمة.
وشعرها الأسود كان فيه خصلات بيضا بسيطة.
لكن أكتر حاجة خوفت جنة…
إن الست كانت باصة ليها وكأنها تعرفها من زمان.
قربت منها بهدوء.
وقالت:
“إنتِ جنة؟”
هزت راسها من غير كلام.
الست ابتسمت.
ابتسامة حزينة.
وقالت:
“كنت متخيلة أشوفك بشكل مختلف.”
عقدت جنة حواجبها.
“حضرتك مين؟”
سكتت الست ثواني.
وبعدين قالت:
“أنا نادين.”
“تمام… بس مين نادين؟”
الست أخدت نفس طويل.
وقالت الجملة اللي خلت جنة تحس إن الأرض بتهتز تحتها.
“أنا أم سيف.”
اتسعت عيون جنة.
“بس… بس هي ماتت.”
ابتسمت الست بوجع.
“وده اللي خلوه يصدقه.”
في نفس اللحظة…
كان سيف واقف قدام لينا.
المكتب كله ساكت.
ولينا لأول مرة كانت متوترة.
لكنها حاولت تبان قوية.
“بتبصلي كده ليه؟”
قال بصوت بارد:
“الصور.”
ابتسمت بسخرية.
“صور إيه؟”
قرب منها خطوة.
“آخر فرصة.”
بدأ الخوف يظهر في عينيها.
لكنها قالت بعناد:
“معرفش حاجة.”
وفجأة…
سيف رمى ملف ضخم قدامها.
الصور الأصلية.
وتقارير التعديل.
وأسماء الأشخاص اللي اشتغلوا عليها.
وشها اتسحب
منه الدم.
وعرفت إنه عرف كل حاجة.
قال بهدوء مرعب:
“خلصتي؟”
بلعت ريقها.
“أنا عملت كده عشان بحبك.”
ضحك.
ضحكة قصيرة خلتها ترتعش.
“الحب؟”
وبعدين كمل:
“الناس اللي بتأذي مش بتحب.”
لأول مرة دموعها نزلت.
لكن سيف كان فقد أي تعاطف.
“من النهاردة انتهى أي تعامل بينا.”
“سيف…”
“برا.”
صرخ فيها الكلمة.
لدرجة إن الشركة كلها سمعتها.
وخرجت لينا وهي منهارة.
لكن وهي خارجة كانت عيونها مليانة حقد.
حقد أخطر من أي وقت فات.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
أما جنة…
فكانت قاعدة قدام نادين.
لسه مش مستوعبة.
“يعني حضرتك عايشة طول السنين دي؟”
هزت راسها.
“غصب عني.”
“إزاي؟”
نزلت دمعة من عينها.
وقالت:
“أبو سيف حاول يقتلني.”
الصمت نزل فجأة.
وجنة حست بقشعريرة.
كملت نادين:
“كنت عارفة أسرار كتير.”
“أسرار إيه؟”
رفعت عيونها ناحية جنة.
وقالت:
“الثروة اللي سيف فاكر إنها بتاعته… نصها مش بتاع عيلته أصلًا.”
جنة سكتت.
أما نادين فكملت:
“وفي ناس مستعدة تقتل عشان السر ده يفضل مدفون.”
وقبل ما جنة تسأل أي سؤال…
الباب اتفتح بعنف.
ودخل سيف.
كان جاي بسرعة.
واضح إنه أول ما عرف بوجودها ساب كل حاجة وجري.
وقف مكانه.
وعيونه اتثبتت على الست.
الست اللي فضل عشرين سنة يزور قبرها.
ويكلم صورتها.
ويعيط عليها وهو لوحده.
الست اللي عمره ما تخيل يشوفها تاني.
إيده بدأت ترتعش.
وعيونه لمعت.
لكن الصدمة كانت أكبر من أي مشاعر.
“أمي؟”
قالها بصوت مبحوح.
نادين دموعها نزلت.
وقالت:
“وحشتني يا سيف.”
لكن بدل ما يجري عليها…
رجع خطوة لورا.
وشه كله بقى غضب.
غضب عمره ما حس بيه قبل كده.
وقال:
“إنتِ مين؟”
اتصدمت نادين.
أما جنة ففهمت.
فهمت إن الصدمة أكبر من إنه يصدق بسهولة.
لكن محدش منهم كان يعرف…
إن الشخص اللي بيدير كل المصايب من البداية…
كان واقف وقتها قدام شاشة مراقبة.
بيتفرج عليهم كلهم.
وبيبتسم.
وقال بهدوء:
“أخيرًا… اللعبة بدأت بجد.”
سيف كان واقف مكانه وعينيه متثبتة على نادين.
كل الذكريات كانت بتضرب في دماغه مرة واحدة.
صورة قبرها.
سنين الحزن.
ليالي الوحدة.
كل حاجة.
لكن عقله كان رافض يصدق.
“إنتِ مين؟”
قالها للمرة التانية.
وصوته كان أقسى.
نادين دموعها نزلت أكتر.
“أنا أمك يا سيف.”
ضحك.
بس ضحكة مكسورة.
“أمي ماتت.”
“لا.”
“أمي دفنتها بإيدي.”
جسمها كله اتهز.
أما جنة فكانت واقفة ساكتة.
حاسة إن الوجع اللي في عيون سيف أكبر من أي حاجة.
نادين قربت خطوة.
“صدقني.”
رجع خطوة لورا.
“متقربيش.”
واتحولت ملامحه لغضب.
“لو دي لعبة جديدة من أبويا أقسم بالله…”
“مش لعبة.”
قاطعتها وهي بتعيط.
“أنا كنت بموت كل يوم بعيد عنك.”
سكت.
بس قلبه بدأ يهتز.
لأن فيه حاجة جواه كانت حاسسها.
حاجة بتقوله إن الست دي مش كدابة.
لكن سنين الكره والخداع كانت أكبر من إنه يصدق بسهولة.
وفجأة…
موبايل نادين رن.
بصت للشاشة.
واتغير لون وشها.
سيف لاحظ.
“في إيه؟”
قفلت بسرعة.
“مفيش.”
لكن كان واضح إن فيه حاجة.
وفي نفس اللحظة…
وصلت رسالة على موبايل سيف.
فتحها.
واتجمد.
كانت صورة.
صورة حديثة لنادين.
ومع الصورة رسالة قصيرة.
“اسألها عن ليلة الحريق.”
رفع عينه عليها ببطء.
وقال:
“إيه حكاية ليلة الحريق؟”
وشها شحب فجأة.
وجنة حست إن فيه سر كبير مستخبي.
سر أخطر من كل اللي عرفوه.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
في الناحية التانية…
كانت لينا قاعدة في أوضتها.
كل حاجة حواليها متكسرة.
كاسات.
مرايات.
حتى الموبايل رميته في الحيطة.
أول مرة سيف يطردها بالشكل ده.
وأول مرة تحس إنها خسرت فعلًا.
لكن الغضب كان أكبر من الحزن.
وفجأة الباب خبط.
دخل الراجل الغامض.
نفس الراجل اللي كان بيتعامل مع أبو جنة.
بصلها بهدوء.
“انفعالك مش هيفيد.”
صرخت فيه.
“اسكت.”
قعد قدامها.
“لسه عندنا ورق نلعب بيه.”
بصتله.
“إيه؟”
ابتسم.
“جنة.”
سكتت.
فكمل:
“كل نقطة ضعف لسيف اسمها جنة.”
بدأت ابتسامة بطيئة تظهر على وشها.
ابتسامة خلت الراجل نفسه يقلق.
وقالت:
“يبقى نخليه يخسرها.”
في نفس الوقت…
كانت جنة راجعة شقتها.
دماغها كانت هتنفجر من التفكير.
أم سيف رجعت.
أبوه بيخبي أسرار.
في حد بيراقبهم.
ولينا بتكرهها.
ووسط كل ده…
قلبها كان متعلق بسؤال واحد.
هو سيف حاسس بإيه ناحيتها؟
دخلت الشقة.
قفلت الباب.
ورمت نفسها على الكنبة.
لكن بعد ثواني…
سمعت صوت حاجة وقعت جوه أوضتها.
اتجمدت.
هي متأكدة إنها كانت قافلة الشقة.
قامت ببطء.
وقلبها بيدق.
وقربت من الأوضة.
والباب كان مفتوح سنة صغيرة.
دفشته بإيديها.
وبصت جوه.
وللحظة…
شهقت.
لأن اللي شافته خلا الدم يتجمد في عروقها.
على السرير كان فيه صندوق أسود كبير.
وفوقه ورقة مكتوب عليها………
تتوقعو اي الي مكتوب في الورقه يخلي جنه دمها يتجمد كده
رواية جنه في مملكة الذئاب الفصل الثالث 3 - بقلم هيام أيمن
جنة قربت من السرير بخطوات بطيئة.
إيديها كانت بتترعش.
وعيونها متعلقة بالورقة.
مدت إيدها وأخدتها.
وأول ما قرت أول سطر…
وشها اتسحب منه الدم.
“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أم سيف…
اقابلي الليلة الساعة 11 في العنوان ده.”
وتحت الجملة…
كان فيه عنوان.
لكن الصدمة الحقيقية مكانتش في العنوان.
الصدمة كانت في التوقيع.
اسم شخص المفروض ميت من سنين.
شهقت جنة.
ورجعت خطوة لورا.
“مستحيل…”
قعدت على طرف السرير وهي بتحاول تستوعب.
مين دخل شقتها؟
ومين يعرف أسرار أم سيف؟
ومين الشخص اللي بعت الرسالة؟
وفجأة…
موبايلها رن.
رقم مجهول.
قلبها دق بعنف.
ردت بتردد.
“ألو؟”
لكن اللي اتسمع كان صوت أنفاس فقط.
ثواني طويلة.
وبعدين صوت راجل قال بهدوء:
“لو قولتي لسيف هتضيعي كل حاجة.”
واتقفل الخط.
في نفس الوقت…
كان سيف قاعد في مكتبه.
قدامه صورة الحريق القديم.
وصورة أمه.
وورقة فيها أسماء.
وفجأة عينه وقعت على اسم واحد.
اسم كان متشطب عليه من سنين.
لكن ظهر تاني دلوقتي.
رفع الموبايل بسرعة.
وكلم عمر.
“هاتلي كل حاجة عن الشخص ده.”
عمر استغرب.
“بعد السنين دي كلها؟”
رد سيف بصوت متوتر:
“لأن لو اللي بفكر فيه صح…”
سكت لحظة.
وبعدين كمل:
“يبقى كل حياتي كانت كدبة.”
بقلمي هيام أيمن الطوخي
أما لينا…
فكانت قاعدة قدام المراية.
وبتبص لصورة جنة على الموبايل.
ابتسمت ابتسامة غريبة.
وهمست:
“لسه البداية يا جنة…”
“لسه محدش شاف اللعبة الحقيقية.”
الساعة كانت قربت على 11 بالليل.
وجنة قاعدة على الكنبة.
الورقة في إيدها.
وعقلها هيطير من التفكير.
تروح؟
ولا متروحش؟
لو راحت ممكن تعرف الحقيقة.
ولو مرحتش يمكن تضيع فرصة عمرها.
بصت للموبايل أكتر من مرة.
كانت عايزة تكلم سيف.
لكن افتكرت الجملة.
“لو قولتي لسيف هتضيعي كل حاجة.”
عضت شفايفها بتوتر.
وفي الآخر قامت.
لبست جاكيت بسيط.
وخدت شنطتها.
ونزلت.
قلبها كان بيدق مع كل خطوة.
أما في الناحية التانية…
كان سيف قاعد في مكتبه.
بس فجأة حس بحاجة غلط.
إحساس غريب.
إحساس إنه لازم يشوف جنة.
دلوقتي.
مسك موبايله واتصل بيها.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
مفيش رد.
عقد حواجبه.
واتصل تاني.
برضو مفيش.
ساعتها قام من مكانه مرة واحدة.
وقال:
“عمر.”
دخل عمر بسرعة.
“نعم؟”
“جنة فين؟”
استغرب.
“معرفش.”
القلق بدأ يظهر على ملامح سيف.
وده كان كفاية يخلي عمر يفهم إن الموضوع كبير.
كبير جدًا.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
أما جنة…
فكانت واقفة قدام مبنى قديم.
المكان مهجور.
وشكله يخوف.
بصت للعنوان مرة أخيرة.
كان هو.
خدت نفس طويل.
ودخلت.
الممر كان ضلمة.
وكل خطوة كانت بتعمل صدى.
لحد ما وصلت لأوضة مفتوحة.
ولما دخلت…
اتجمدت.
في نص الأوضة كان في راجل كبير.
قاعد على كرسي.
وضهره ليها.
أول ما سمع خطواتها قال:
“اتأخرتي.”
بلعت ريقها.
“إنت مين؟”
لف ببطء.
وأول ما شافت وشه…
شهقت.
لأنها كانت شافته قبل كده.
في صورة قديمة جدًا.
معلقة في مكتب سيف.
صورة عائلية.
وكان الراجل واقف فيها جنب أم سيف.
بصلها وقال:
“أنا الوحيد اللي عارف الحقيقة كاملة.”
وفي اللحظة دي…
صوت باب الأوضة اتقفل بعنف.
جنة لفت بسرعة.
لكن الباب كان اتقفل فعلًا.
ورجعت تبص للراجل.
لقته مبتسم.
وقال:
“دلوقتي نقدر نتكلم.”
وفي نفس اللحظة…
كان سيف واقف قدام كاميرات المراقبة الخاصة بالعمارة.
وبيشوف جنة وهي خارجة لوحدها.
ملامحه اتبدلت فورًا.
ولما شاف اتجاهها…
اتسعت عيونه.
وقال بصوت منخفض:
“لا…”
عمر بصله باستغراب.
“في إيه؟”
رد من بين سنانه:
“رايحة المكان الغلط.”
وخطف مفاتيح عربيته.
وجري.
لأن المكان اللي رايحاله جنة…
كان آخر مكان شوفت فيه أم سيف قبل ما تختفي من عشرين سنة.
جنة كانت واقفة مكانها.
مش قادرة تشيل عينها من الراجل.
ملامحه كانت غريبة.
فيها حاجة مألوفة.
لكن في نفس الوقت مخيفة.
قال بهدوء:
“اقعدي.”
فضلت واقفة.
“أنا مش جاية أقعد.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“طبعًا شبهها.”
عقدت حواجبها.
“شبه مين؟”
بصلها ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“أمك.”
اتصدمت.
“إيه؟”
“قولت شبه أمك.”
قلبها دق بعنف.
“إنت تعرف أمي؟”
هز راسه ببطء.
“وأكتر مما تتخيلي.”
سكتت.
أما هو ففتح درج صغير جنب الكرسي.
وطلع صورة قديمة.
مدها ليها.
إيديها كانت بتترعش وهي بتاخدها.
وأول ما بصت للصورة…
شهقت.
كانت صورة لأمها وهي صغيرة.
لكن الصدمة مكانتش هنا.
الصدمة إن اللي واقف جنبها في الصورة…
كانت نادين.
أم سيف.
رجعت تبصله بذهول.
“إيه ده؟”
قال بهدوء:
“السر اللي مستخبي من سنين.”
“إيه علاقته بيا؟”
أخد نفس طويل.
وقال:
“علاقة أكبر مما تتخيلي.”
بقلمي هيام أيمن الطوخي
في نفس الوقت…
كانت عربية سيف بتشق الطريق بسرعة جنونية.
وعمر قاعد جنبه.
“اهدى شوية.”
لكن سيف كان مركز قدامه.
وعيونه كلها قلق.
“مش هقدر.”
“إنت حتى متعرفش هي هناك ليه.”
قبض على الدريكسيون أكتر.
وقال:
“عارف.”
استغرب عمر.
“عارف؟”
سكت ثواني.
وبعدين قال:
“لأن نفس الرسالة جاتلي من عشر سنين.”
لف عمر ناحيته بسرعة.
“إيه؟”
لكن سيف مكملش.
لأن الذكريات بدأت ترجع.
نفس المكان.
نفس الخوف.
ونفس الإحساس إنه هيخسر حد مهم.
وللمرة التانية…
الاسم كان جنة.
أما في الفيلا…
فكان والد سيف واقف قدام نادين.
ملامحه كلها غضب.
“إنتِ رجعتي ليه؟”
نادين بصتله بثبات.
“عشان كفاية كدب.”
ضحك بسخرية.
“بعد عشرين سنة؟”
“بعد عشرين سنة.”
قرب منها.
وقال بصوت واطي:
“لو اتكلمتي… الكل هيدفع التمن.”
لكن نادين لأول مرة مبتخفش.
وقالت:
“التمن اتدفع من زمان.”
وفي اللحظة دي…
دخل شخص عليهم.
أول ما شافته نادين…
وشها شحب.
أما هو فابتسم.
وقال:
“واضح إنكم افتقدتوني.”
اتجمدت في مكانها.
لأن الشخص ده…
كان المفروض ميت.
والمفروض محدش يشوفه تاني.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
أما جنة…
فكانت لسه ماسكة الصورة.
وعقلها مش مستوعب.
“عايز أفهم.”
الراجل قام من مكانه.
وقرب من الشباك.
وقال:
“زمان جدًا… قبل ما سيف يتولد.”
سكت لحظة.
“كان في وعد.”
“وعد إيه؟”
لف ناحيتها.
وعيونه مليانة أسرار.
“وعد بين عيلتين.”
قلبها بدأ يدق أسرع.
فكمل:
“عيلة المنياوي…”
سكت ثانية.
وبعدين قال:
“وعيلتك.”
الصمت نزل على المكان.
وجنة حسّت إن الأرض بتميل تحت رجليها.
لأن كل حاجة كانت فاكراها عن نفسها…
بدأت تتكسر حتة حتة.
وفجأة…
صوت إطلاق نار جه من برة المبنى.
الراجل اتجمد.
وجنة شهقت.
وبعدها بثواني…
الباب اتفتح بعنف.
ودخل سيف.
عينه كانت بتدور عليها بجنون.
وأول ما شافها واقفة…
اتنفس كأنه رجع للحياة.
لكن قبل ما ينطق…
لفت نظره الصورة اللي في إيدها.
الصورة وقعت من إيد جنة على الأرض.
وسيف انحنى يشيلها.
وأول ما شاف اللي فيها…
اتسعت عيونه بصدمة.
وقال بصوت مخنوق:
“مستحيل…”
سيف كان
واقف مكانه.
الصورة بين إيديه.
وعيونه متسمرة عليها.
كأن الزمن وقف حواليه.
جنة كانت بتراقبه.
وقلبها بيدق بعنف.
أما الراجل الغامض فكان ساكت.
مستني رد فعله.
بعد ثواني طويلة…
رفع سيف عينه.
وبص للراجل.
وقال:
“جبت الصورة دي منين؟”
الراجل رد بهدوء:
“لأنها كانت عندي.”
“ليه؟”
“لأن الحقيقة كلها كانت عندي.”
اتعصب سيف.
“بلاش ألغاز.”
لكن الراجل مكملش.
لأنه فجأة سمعوا صوت عربيات كتير برة.
صوت فرامل.
وصوت أبواب بتتفتح.
ملامح الراجل اتغيرت.
وقال بسرعة:
“وصلوا.”
جنة اتوترت.
“مين؟”
بص ناحيتها.
وقال:
“الناس اللي مستعدة تعمل أي حاجة عشان السر ده يفضل مدفون.”
وفي اللحظة دي…
اتكسر إزاز الشباك.
وجنة صرخت بخضة.
وسيف شدها ناحيته بسرعة.
ووقف قدامها بشكل تلقائي.
الراجل بصله لحظة.
وكأنه فهم حاجة.
حاجة كان شاكك فيها من البداية.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
في الناحية التانية…
كانت لينا قاعدة في العربية.
وبتبص للمبنى من بعيد.
جنبها نفس الراجل الغامض.
اللي كان بيتعامل مع أبو جنة.
قالت ببرود:
“كلهم جوه؟”
هز راسه.
“أيوة.”
ابتسمت.
لكن ابتسامة مخيفة.
“يبقى أخيرًا هنعرف مين هيكسب.”
وفي نفس اللحظة…
كان عمر بيجري ناحية المبنى.
بعد ما سيف سابه ونزل لوحده.
وقلبه حاسس إن الليلة دي مش شبه أي ليلة.
أما جوا…
فكان سيف ماسك إيد جنة.
لأول مرة.
من غير ما يحس.
ومن غير ما يفكر.
وكان كل تركيزه إنها تبقى بخير.
جنة بصت لإيده اللي ماسكة إيدها.
وبعدين بصتله.
ولأول مرة…
حست بالأمان وسط كل الفوضى دي.
لكن اللحظة مفضلتش كتير.
لأن الراجل الغامض قرب منهم.
وقال:
“قبل ما يوصلوا لازم تعرفوا الحقيقة.”
سيف بصله بحدة.
“انطق.”
أخد نفس طويل.
وقال:
“جنة مش مجرد بنت دخلت حياتك بالصدفة.”
الصمت نزل.
وجنة قلبها وقف.
أما سيف فملامحه اتجمدت.
فكمل الراجل:
“اللي بينكم بدأ قبل ما تتولدوا أصلًا.”
اتسعت عيون جنة.
“يعني إيه؟”
رد بهدوء:
“زمان كان في شراكة كبيرة بين عيلة المنياوي وعيلة الطوخي.”
شهقت جنة.
لأن ده اسم عيلتها.
كمل الراجل:
“وكان في اتفاق.”
“اتفاق إيه؟”
“إن أول ولد من المنياوي…”
سكت لحظة.
“…يتجوز أول بنت من الطوخي.”
الصمت بقى مرعب.
وجنة وسيف بصوا لبعض.
وكل واحد فيهم مش قادر يستوعب.
لكن الصدمة الحقيقية لسه مجتش.
لأن الراجل قال بعدها مباشرة:
“وأبو سيف هو اللي خان الاتفاق.”
سيف اتجمد.
“إيه؟”
“وأمك دفعت التمن.”
في اللحظة دي…
صوت رصاصة دوى في المكان.
والنور كله انطفى.
والمبنى غرق في ضلمة كاملة.
وجنة شهقت بخوف.
وبشكل تلقائي…
اتعلقت في دراع سيف.
أما هو فشدها ناحيته أكتر.
وقال بصوت منخفض:
“متخافيش.”
لكن محدش فيهم كان عارف…
إن الشخص اللي دخل المبنى دلوقتي…
كان جاي مخصوص عشان جنة.
وإن الليلة دي هتكشف أسرار عمرها أكتر من عشرين سنة
رواية جنه في مملكة الذئاب الفصل الرابع 4 - بقلم هيام أيمن
الضلمة كانت خانقة.
وصوت أنفاس جنة بقى أعلى من أي حاجة حواليها.
سيف شدها وراه أكتر.
وقال بصوت حازم:
“محدش يتحرك.”
لكن فجأة…
اتسمع صوت خطوات بطيئة.
خطوات شخص واثق.
شخص عارف المكان كويس.
الراجل الغامض رجع لورا خطوة.
ولأول مرة…
الخوف ظهر في عينيه.
همست جنة:
“مين ده؟”
لكن محدش رد.
وفجأة…
نور كشاف قوي اتسلط عليهم.
جنة غمضت عيونها من شدة الضوء.
أما سيف فوقف قدامها فورًا.
ولما الصوت اتكلم…
اتجمد الكل.
“بقالكم سنين بتجروا ورا الحقيقة.”
سكت لحظة.
“بس الحقيقة عمرها ما كانت بعيدة.”
الشخص قرب.
وكل خطوة كانت بتزود التوتر.
لحد ما بقى واضح قدامهم.
شهق الراجل الغامض.
وقال:
“إنت!”
ابتسم الرجل.
“واضح إنك فاكرني.”
أما سيف…
فكان مصدوم.
لأنه كان نفس الشخص اللي شافه من دقائق في صورة قديمة جدًا.
الشخص بص لجنة مباشرة.
وقال:
“أخيرًا قابلتك.”
رجعت خطوة لورا.
“إنت تعرفني؟”
ابتسم.
“أعرفك أكتر مما تعرفي نفسك.”
قلبها اتقبض.
“إيه اللي تقصده؟”
لكن قبل ما يرد…
اتفتح باب المبنى بعنف.
ودخل عمر ومعاه رجال الأمن.
المكان كله اتحول لفوضى.
صرخ عمر:
“سيف ابعد عنها!”
وفي نفس اللحظة…
الشخص الغريب سحب من جيبه ملف قديم.
ورماه ناحية جنة.
الملف وقع عند رجليها.
بصتله بتردد.
وفتحته.
وأول ورقة وقعت قدامها…
خلت الدم يتجمد في عروقها.
شهادة ميلاد.
لكن الاسم المكتوب عليها…
ماكانش اسمها.
ولا حتى اسم عيلتها.
رفعت عيونها بصدمة.
وقالت:
“دي مش بتاعتي!”
الشخص رد بهدوء:
“بل دي الحقيقة اللي اتسرقت منك.”
سيف خطف الورقة من إيديها.
وقرأها بسرعة.
وملامحه اتغيرت تمامًا.
لأن خانة الأب…
كان مكتوب فيها اسم يعرفه جيدًا.
اسم مستحيل يكون موجود هناك.
اسم هز كيانه كله.
همست جنة:
“في إيه؟”
لكن سيف ماقدرش يتكلم.
أما الشخص الغريب فابتسم ابتسامة غامضة وقال:
“دلوقتي فهمتوا ليه كانوا عايزين يدفنوا السر.”
وساعتها…
دوى انفجار قوي هز المبنى كله.
وسقف الأوضة بدأ ينهار.
وسيف بدون تفكير جذب جنة لحضنه وحماها.
بينما آخر حاجة سمعوها قبل ما يغرق المكان في الدخان…
كانت جملة الرجل الغامض:
“جنة… إنتِ مش مجرد جزء من القصة…”
“إنتِ القصة كلها.”
الدخان كان مالي المكان.
والرؤية شبه منعدمة.
وصوت انهيار الحجارة جاي من كل ناحية.
جنة كانت محاوطة بدراعات سيف وهو بيحاول يحميها من السقف اللي بيقع فوقهم.
“جنة! إنتِ كويسة؟”
سعلت بقوة.
وحاولت ترد.
“أيوة…”
لكن صوتها خرج ضعيف.
فجأة…
إيد قوية مسكت دراعها من وسط الدخان.
واتشدت بعنف.
“سيف!”
صرخت بأعلى صوتها.
سيف لف بسرعة.
لكن حد ضربه في ضهره.
وقع على ركبته.
وحاول يقوم.
لكن كان فات الأوان.
جنة اختفت وسط الدخان.
“جنة!”
صرخته هزت المكان كله.
لكن مفيش رد.
مفيش غير الصمت.
الصمت اللي كان مرعب أكتر من أي صوت.
بعد نص ساعة…
كان سيف واقف وسط أنقاض المبنى.
هدومه متبهدلة.
ووشه مليان تراب وجروح.
وعينه بتدور في كل مكان.
كأنه رافض يصدق.
عمر قرب منه بحذر.
“سيف…”
لكن سيف قاطعه.
“دوروا عليها.”
“إحنا بندور.”
“لا…”
لف ناحيته بعينين حمرا من الغضب.
“اقلبوا الدنيا كلها.”
ولأول مرة من سنين…
عمر شاف الخوف الحقيقي في عيون سيف.
الخوف من الفقد.
في مكان تاني…
جنة فتحت عينيها ببطء.
راسها كانت بتوجعها بشدة.
حاولت تتحرك.
لكن اكتشفت إنها قاعدة على كرسي.
ومتربطة.
اتنفض قلبها.
وبصت حواليها بسرعة.
الأوضة كانت واسعة.
وقديمة.
وكل حيطانها متغطية بصور.
صور كتير جدًا.
لكن أول ما ركزت فيها…
شهقت.
كل الصور كانت ليها.
من وهي طفلة.
من أيام المدرسة.
حتى صور حديثة جدًا.
كأن حد كان بيراقبها طول عمرها.
وفجأة…
اتفتح الباب.
ودخلت ست أنيقة.
ملامحها قوية.
لكن عيونها فيها حزن غريب.
جنة بصتلها بخوف.
“إنتِ مين؟”
الست وقفت قدامها.
وعيونها اتمسكت بملامحها.
كأنها بتشوف حاجة ضاعت منها من سنين.
وبعدين…
نزلت دمعة من عينها.
وقالت بصوت مرتعش:
“كبرتي…”
اتجمدت جنة.
أما الست فكملت:
“كبرتي وبقيتي شبهها جدًا.”
“شبه مين؟”
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
“شبه أمك.”
جنة هزت راسها بعصبية.
“كلكم بتقولوا نفس الكلام! مين أمي؟!”
الست أخدت نفس عميق.
وقالت:
“الست اللي ربتك مش أمك الحقيقية.”
الصمت ضرب المكان.
وجنة حسّت إن قلبها وقف.
“إيه؟”
“الحقيقة اتدفنت يوم ميلادك.”
“كدب!”
“للأسف… دي أول حقيقة.”
ورمت قدامها ظرف قديم.
“افتحيه.”
إيدي جنة كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
وطلعت منه ورقة.
ومع الورقة…
سوار صغير من الفضة.
أول ما شافته…
اتسعت عيونها.
لأنها كانت لابسة واحد زيه بالضبط طول عمرها.
نفس النقش.
نفس العلامة.
رفعت عيونها بذهول.
“إزاي؟”
الست همست:
“لأن نص السوار عندك…”
وسحبت من رقبتها السلسلة اللي لابساها.
وكان فيها النصف التاني.
في اللحظة دي…
اتجمع النصين قدام عيون جنة.
وكونوا رمز واحد.
رمز الذئب.
نفس الشعار الموجود على خاتم سيف.
نفس الشعار اللي شافته عشرات المرات.
وفجأة…
كل حاجة بدأت ترتبط ببعض.
لكن قبل ما تنطق…
دخل شخص للأوضة.
وأول ما شافته الست…
وشها شحب.
أما جنة…
فاتجمد الدم في عروقها.
لأن الداخل كان…
والد سيف.
ابتسم ببرود.
وقال:
“واضح إنكم بدأتوا تحكوا أسرار كتير.”
بصتله الست بخوف.
“إنت المفروض متعرفش مكاننا.”
ضحك.
“أنا اللي صنعت اللعبة كلها.”
وبعدين ثبت عيونه على جنة.
وقال:
“بس للأسف…”
“حان وقت النهاية.”
الهواء في الأوضة بقى تقيل.
وجنة كانت حاسة إن قلبها هيخرج من مكانه.
بصت لوالد سيف.
وبعدين للسوار اللي في إيدها.
وبعدين للست اللي كانت واقفة قدامها.
وكل الأسئلة كانت بتخبط في دماغها مرة واحدة.
“إيه الحقيقة؟”
صوتها خرج مبحوح.
“حد يفهمني!”
والد سيف ابتسم ابتسامة باردة.
وقرب خطوة.
“الحقيقة؟”
رفع عينه ناحية الست.
“الحقيقة دي كان المفروض تموت من عشرين سنة.”
صرخت الست:
“كفاية!”
لكنه تجاهلها.
وكمل وهو باصص لجنة.
“يوم ما اتولدتي… حصلت خيانة كبيرة.”
جنة عقدت حواجبها.
“خيانة مين؟”
“خيانة ناس وثقنا فيهم.”
الست هزت راسها بعنف.
“لا… أنت اللي خنت الكل.”
الصمت نزل للحظة.
وجنة بدأت تحس إن فيه حاجة أكبر بكتير من اللي متخيلها.
وفجأة…
رن موبايل والد سيف.
بص للشاشة.
واتغيرت ملامحه.
رد بسرعة.
“إيه؟!”
سكت ثواني.
وبعدين صرخ:
“إزاي هرب؟!”
قفلت المكالمة.
ولأول مرة…
بان القلق على وشه.
الست استغلت اللحظة.
ومسكت إيد جنة.
وهمست بسرعة:
“اسمعيني كويس.”
“مين إنتِ؟”
“أنا خالتك.”
اتسعت عيون جنة.
وكأن الدنيا وقفت.
“إيه؟!”
نزلت دموع الست.
“أيوة… وأنا اللي دورت عليكي سنين.”
قبل ما جنة تستوعب…
باب الأوضة اتفتح بعنف.
ودخل واحد من الحراس.
وشه شاحب.
وأنفاسه متقطعة.
“بيه…”
“في إيه؟”
“سيف المنياوي هنا.”
اتجمد والد سيف.
أما جنة…
فقلبها دق بعنف.
سيف وصل.
في الخارج…
كانت
السيارات واقفة حوالين القصر القديم.
ورجال الأمن في كل مكان.
أما سيف…
فكان واقف قدام البوابة الحديدية الضخمة.
وعيونه كلها نار.
عمر قرب منه.
“إحنا مش متأكدين إنها هنا.”
رد من غير ما يبصله.
“هي هنا.”
“إزاي متأكد؟”
طلع السوار اللي لقاه وسط أنقاض المبنى.
وقال:
“لأنهم سابوا أثر.”
وفي اللحظة دي…
البوابة بدأت تتفتح ببطء.
صوت الحديد كان مرعب.
لكن سيف مترددش.
ودخل.
وكأنه داخل حرب.
مش مجرد مكان.
جوا القصر…
كانت جنة واقفة قدام الست.
وعقلها عاجز عن الاستيعاب.
“إنتِ خالتي؟”
هزت رأسها.
“وأمك كانت أختي.”
“طب هي فين؟”
نزل الصمت فجأة.
الدموع لمعت في عيون الست.
وجنة حسّت بالخوف قبل ما تسمع الإجابة.
“أمك…”
بلعت ريقها.
“أمك لسه عايشة.”
اتسعت عيون جنة.
“إيه؟!”
“عايشة من عشرين سنة.”
الصدمة كانت أقوى من أي حاجة.
لأن كل الناس كانت بتتكلم عنها كأنها ماتت.
“فين؟”
لكن قبل ما الست ترد…
دوى صوت إطلاق نار في القصر.
واتكسر الزجاج.
والكل اتفزع.
والد سيف جذب سلاحه بسرعة.
أما جنة…
فالتفتت ناحية الباب.
وفي وسط الفوضى…
ظهر سيف.
واقف عند المدخل.
ملابسه متربة.
ووشه عليه آثار المعركة.
لكن أول ما عينه وقعت عليها…
وقف الزمن للحظة.
اتأكد إنها بخير.
وده كان كل اللي يهمه.
جنة حست بشيء غريب جواها.
راحة.
أمان.
وكأن وجوده وحده طمنها.
لكن اللحظة ما استمرتش.
لأن والد سيف رفع سلاحه فجأة.
ووجهه ناحية جنة.
صارخًا:
“لو الحقيقة هتظهر…”
“يبقى محدش هيخرج من هنا حي.”
اللحظة كلها اتجمدت.
وجنة وقفت مكانها.
مش قادرة تتحرك.
ولا حتى تتنفس.
أما سيف…
فأول ما شاف السلاح متوجه ناحيتها.
اتغيرت ملامحه بالكامل.
وقال بصوت منخفض وخطير:
“نزل السلاح.”
والده ضحك بسخرية.
“بتأمرني؟”
“بقولك نزل السلاح.”
الصمت كان مرعب.
والكل مستني.
مستني مين هيكسر اللحظة دي.
لكن المفاجأة حصلت من شخص تاني.
الست اللي قالت إنها خالة جنة.
وقفت قدامها فجأة.
وحمتها بجسمها.
وقالت بدموع:
“كفاية لحد هنا.”
والد سيف زمجر بغضب.
“ابعدي.”
“لا.”
“ابعدي يا نجلاء.”
هزت رأسها.
“عشرين سنة وأنا ساكتة.”
نزلت دموعها.
“وعشرين سنة وإحنا بندفع التمن.”
سيف عقد حواجبه.
“تمن إيه؟”
بصت له نجلاء.
وبعدين بصت لجنة.
وقالت:
“تمن اللي حصل ليلة الحريق.”
اتجمد سيف.
لأن دي نفس الليلة اللي اختفت فيها أمه.
ونفس الليلة اللي اتغيرت فيها حياته كلها.
في الخارج…
الرعد ضرب السماء.
والمطر بدأ ينزل بغزارة.
أما داخل القصر…
فكان السر أخيرًا بيطلع للنور.
نجلاء أخدت نفسًا طويلًا.
وقالت:
“أم جنة وأمك يا سيف مكانوش مجرد أصحاب.”
“كانوا أخوات.”
شهقت جنة.
أما سيف فاتسعت عيناه.
“إيه؟”
هزت رأسها.
“أخوات من الأب.”
الصمت نزل على المكان.
وكأن الجميع فقد القدرة على الكلام.
كملت بصوت مرتجف:
“وجدك هو اللي فرق بينهم.”
“ليه؟”
“عشان الطمع.”
والد سيف صرخ:
“اسكتي!”
لكنها كملت.
“لأن كان في ميراث ضخم.”
“ميراث؟”
“أراضي وشركات ووثائق.”
التفتت ناحية جنة.
“وكل ده كان المفروض يبقى باسم بنت واحدة.”
“مين؟”
نزلت دمعة من عينها.
وقالت:
“إنتِ.”
جنة حسّت إن الأرض بتدور بيها.
“أنا؟!”
“أيوة.”
وفجأة…
صوت تصفيق اتسمع من آخر القاعة.
الكل لف بسرعة.
وفي مدخل جانبي…
وقفت امرأة.
ملامحها شاحبة.
لكنها جميلة بشكل لافت.
وعيونها مليانة وجع السنين.
أول ما شافتها نجلاء…
شهقت.
وأول ما شافها والد سيف…
رجع خطوة لورا.
أما جنة…
فحست إن قلبها وقف.
لأن الست كانت شبهها بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس الملامح.
نفس الابتسامة الحزينة.
المرأة بصت لجنة.
والدموع نزلت من عينيها.
وقالت بصوت مكسور:
“جنة…”
ارتعشت شفايف جنة.
“إنتِ…”
المرأة قربت خطوة.
“أنا أمك.”
في اللحظة دي…
كل شيء انهار داخل جنة.
السنين كلها.
الأسئلة كلها.
الفراغ اللي جواها طول عمرها.
كل حاجة انفجرت مرة واحدة.
ودموعها نزلت بدون إرادة.
“أمي؟”
هزت المرأة رأسها وهي تبكي.
“سامحيني.”
“إنتِ كنتِ عايشة؟”
“كل يوم كنت بموت ألف مرة عشان أوصلك.”
لكن قبل ما أي حد يقرب من التاني…
ارتفع صوت طلقة.
طلقة واحدة.
مدوية.
والكل اتجمد.
وجنة فتحت عينيها بصدمة.
لأنها شافت أمها تقع على الأرض.
والدم بينتشر تحتها ببطء.
صرخة جنة شقت المكان.
“مامااااا!”
أما أمها…
فرفعت يدها المرتعشة.
وأشارت ناحية شخص واحد فقط.
شخص كان واقف في آخر القاعة.
مختبئًا بين الظلال.
وقالت آخر كلماتها بصعوبة:
“هو… السبب…”
ثم أغلقت عينيها.
وسقطت يدها بلا حراك.
لكن قبل ما يلتفتوا للشخص اللي أشارت إليه…
كانت الظلال قد ابتلعته.
واختفى.
كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
صرخة جنة كانت كفيلة تهز أركان القصر كله.
جثت على ركبتيها جنب أمها.
وإيديها بتترعش وهي بتحاول تصحيها.
“ماما… افتحي عيونك.”
“عشان خاطري.”
“متسبنيش.”
لكن مفيش رد.
مفيش غير الصمت.
الصمت اللي كان أقسى من أي حقيقة عرفتها الليلة.
أما سيف…
فكان واقف مصدوم.
لكن عقله وقف عند كلمة واحدة.
“هو السبب.”
مين؟
مين الشخص اللي كانت بتقصده؟
وفجأة…
افتكر حاجة.
حاجة صغيرة جدًا.
لحظة عابرة.
لما دخل القاعة أول مرة.
كان فيه شخص واقف في آخر الممر.
وشه ماكانش واضح.
لكن كان لابس خاتم.
خاتم عليه نفس رمز الذئب.
اتسعت عيون سيف.
ولف بسرعة ناحية والده.
“مين كان هنا؟”
والده سكت.
وده كان كفاية.
كفاية جدًا.
لأن سيف لأول مرة شاف الخوف الحقيقي في عيون أبوه.
—
بعد ساعات…
كانت جنة قاعدة في أوضة كبيرة بالقصر.
ملفوفة في بطانية.
لكنها مش حاسة بأي حاجة حواليها.
كل اللي في دماغها…
إنها لقت أمها.
وخسرتها في نفس الليلة.
الباب اتفتح بهدوء.
ودخل سيف.
وقف ثواني من غير ما يتكلم.
وبعدين قعد قدامها.
الصمت بينهم طال.
لحد ما جنة قالت بصوت مكسور:
“أنا تعبت.”
بصلها بحزن.
“عارف.”
“كل ما أعرف حقيقة…”
نزلت دموعها.
“بخسر حد.”
سكت سيف.
ولأول مرة…
ماعرفش يقول إيه.
لكن بعد لحظة.
مد إيده.
وحطها فوق إيدها.
وقال بهدوء:
“مش هتخسري تاني.”
رفعت عيونها ليه.
وشافت الصدق في كلامه.
لكن قبل ما ترد…
دخل عمر بسرعة.
ملامحه متوترة.
“سيف.”
وقف فورًا.
“في إيه؟”
عمر بلع ريقه.
وقال:
“لقينا حاجة.”
بعد دقائق…
كانوا كلهم في غرفة قديمة تحت القصر.
غرفة سرية.
مكان محدش دخله من سنين.
وفي نص الغرفة…
كان فيه صندوق حديدي ضخم.
عليه نفس رمز الذئب.
الصندوق كان مقفول.
لكن عمر قال:
“لقيناه تحت الأرض.”
سيف قرب منه.
وبص للقفل.
واتفاجأ.
لأن القفل ماكانش بمفتاح.
كان محتاج نصين سوار.
نفس السوار اللي مع جنة.
والنصف التاني اللي ورثته من أمها.
جنة قربت ببطء.
وإيديها بتترعش.
ركبت نصفي السوار في مكانهم.
وفجأة…
صدر صوت قديم.
وتحرك القفل.
وبدأ الصندوق يتفتح ببطء.
الكل كان حابس أنفاسه.
مستني يشوف السر اللي اتدفن عشرين سنة.
ولما الغطاء اتفتح بالكامل…
اتجمدوا.
لأن الصندوق ماكانش مليان فلوس.
ولا أوراق ملكية.
كان فيه ملف واحد
فقط.
ملف أسود قديم.
وعليه اسم بخط واضح:
“الحقيقة الكاملة.”
سيف أخده بسرعة.
وفتح أول صفحة.
لكن أول سطر خلاه يشحب.
وخلى جنة تحس إن قلبها وقف.
لأن المكتوب كان:
“إذا كنت تقرأ هذه الأوراق الآن… فاعرف أن جنة ليست ابنة عائلة الطوخي.”
الصمت نزل كالصاعقة.
وجنة بصت للورقة.
ثم لسيف.
ثم للورقة مرة تانية.
وهي مش قادرة تستوعب.
لكن الصدمة الأكبر كانت في السطر اللي بعده.
السطر اللي قلب كل شيء رأسًا على عقب.
“جنة هي الوريثة الشرعية الوحيدة لعائلة ….