الفصل السادس عشر
المدخل ~~
بقلم / رنين شوق
من آستريا إلى رعد
لي قلب ملئ حبا وودا
أنى له أن يعرف كرها وحقدا
فرحة وابتسامة كانتا دوما
على شفتي رسما خطا
والآن قد صرت للأحباب ندا
أواجههم وعيوني ترجو البعدا
في الماضي قد أحببت رعدا
والآن بات قلبي يتوقف نبضا
هلموا يا قوما كانوا ضدا
لعاشقة هربت لتسترجع حبا
*******
بقلم / sandra1sandros
من استي لرعد😍
في كل ليلة
اجلس امام مرآتي
امشط شعري الطويل لاجلك
اتعلم لم اقصه منذ رحيلك
واغدق العطر اللذيذ فوق نحري
خلف اذني
على معصمي
ثم استنشقه بعمق لاتلذذ به
واسال نفسي كل ليلة
ترى هل سيحب عطري هذا ام هذاك
اتعرف انها قارورة العطر العاشرة التي غيرتها
ام ربما العشرون لم اعد اذكر
فقد اغتسلت بعشرات العطور لاجلك
فانا يا حبيبي على الوعد كل ليلة
اقوم بكل طقوس العاشقين
اختار احلى الثياب
وادلل انوثتي كعروس
ثم اجلس في سريري المفرد
اتذكر تفاصيلك بشغف عاشقة
لم تعرف الحب الا معك وبين يديك
عاشقة تؤمن ان الحب مرة واحدة
لكنها تستمر الى الابد
ويظل بعدها القلب يواصل عيش تلك اللحظة
مرارا وتكرارا بلا ملل ولا امل
لكنه يبقى يواصل
انتظرك رغم كل شيء
لانني لازلت اوؤمن بك
واعلم يقينا
انه ان كان لنا لقاء اخر خط في لوح القدر
فهي مجرد مسألة وقت
اتعلم لماذا يافارسي الاثير
لانني ببساطة لازلت أؤمن بعصر الفرسان
ولازلت اصدق ان الرجل كلمة ووعد
وان فارسي الذي عشقته لن يخذلني
فقلبي لايزال يؤمن بوعود قطعتها شفتاك
على هذا الوعد ياحبيبي
بعثرت عمري في محراب عشقك
وعلى هذا الوعد يافارسي
قلبي سيمضي ويواصل
**************
ساد الصمت المميت المكان والنظرات الحائرة تنتقل بين الواقفة
عند الباب والخدوش في وجهها والدماء الجافة غطت أغلب تلك
البشرة العاجية ودموعها قد بدأت بالنزول من عيناها المتورمتان
من كثرة البكاء ... انتقالا للواقف متسمرا مكانه ينظر لها نظرة
من عاد ميته للحياة مجددا ولم يستوعب بعد بأن ذاك الميت يقف
حقا أمامه درجة أن عجز حتى عن الحركة فقام بأبسط ما استطاع
فعله أن رفع ذراعيه لها هامسا بصوته الرجولي العميق
وعيناه تمتلئان ببطء بدموع الحسرة والندم والشوق رغم تلك
الابتسامة الطفيفة التي زينت شفتيه المتصلبتان
" آستريا لرعد يوما ما "
فانطلقت الواقفة هناك راكضة نحوه ... من عاشت تلك العبارة
في قلبها لأعوام طويلة بل لما يقارب العقد والنصف تحلم في كل
ليلة بأن تسمعها منه مجددا بأن تراه وإن من بعيد وبأن تشبع
عيناها المشتاقة له .. ارتمت في ذاك الحضن الذي عاشت على
ذكراه تمني نفسها به في نومها وصحوتها تعد قلبها المشتاق
بأنها لن تعرف سواه بأن لا تنام على غير تلك الأضلع فيه ،
كانت أصابعها تقبض على قميصه بقوة تدفن تلك لدموع والعبرات
وسط صدره حيث دفن ذاك العهد بينهما وللأبد وحيث أقسم لها ذات
مرة أن لا تعرفه امرأة غيرها .. لن تختبر دفئه وحنانه أي النساء
عداها ولن تلتف تلك الذراعان القويتان حول جسد أنثى قبلها ولا
بعدها يشدها له بقوة عبر فيها عن كل ذاك الشوق .. عن سنوات
الفقد والحرمان من كل شيء فيها .. عيناها ابتسامتها صوتها
ضحكاتها الرقيقة وحتى أحرف اسمه التي خرجت يوما من شفتيها
ولم يشعر بعدها بأن لاسمه معنا وقد بات مجرد كلمة خاوية جوفاء
فقدت معنى ارتباطها بحياته ، ضمها بقوة يدفن وجهه في شعرها
المموج بنعومة وكثافة فريدة من نوعها .. دفن فيه دموعه الصامتة
التي لم يفكر في احتجازها أبدا بل ترك لها العنان تعبر عن احتراق
كل تلك السنين في جوفه .. عن الحب والفقد والفراق الطويل وألم
الاشتياق الذي لا نهاية له وأصابعه تخترق تلك الخصلات يضم
رأسها لعنقه أكثر وأغمض عينيه بقوة متنهدا بعمق فها قد خرجت
تلك النيران المشتعلة في قلبه من أعوام .. خرجت من صدره أخيرا
ورحمته ، خرجت في دفعات الواحدة تلحقها الأخرى هامسا
" آآآه يا قلب رعد ... ليتك تعلمي فقط كم يحترق في جوفه "
تمسكت ذراعاها بعنقه أكثر وهمست بعبرة تقطعت لها القلوب
" تأخرت عني يا رعد ... تأخرت كثيرا "
مشهدا أبكى ثلاثة أشخاص حولهما وعبث بمشاعر الاثنان الآخران
رغم أنهما لم ينشغلا بمشاهدته مثلهم وأحدهما والجالس مقيدا بذاك
الكرسي ينظر للآخر والواقف عند الباب الذي دخل وتلك الفتاة منه
والذي كان نظره على الواقفة قربهما هناك تمسح دموعها التي
ترفض التوقف ... نظرة لا يستطيع فهمها سوى رجل مثله عرف
معنى أن يحب وأن يجرح التي وحده من يشعر بجراحها قبلها ..
من قد دمره فراقه لها قبل أن يدمرها هي ، فها هو يجمع شتات
من حولها بالتعاقب .. هو وجهينة ثم رعد وحبيبته بينما يقف
هو وحيدا مكتفيا بالنظر للتي تبكي اجتماع الأحبة في كل مرة .
تنهد بأسى على حالهما الأكثر تعقيدا من مشاكل البلاد بأكمله
ونقل نظره لها حين تحركت خطواتها ببطء ناحية الذي تمسكت
أصابعها بكتف قميصه ودفنت وجهها في ذراعه تبكي معهما فهي
من يعلم معنى الفراق .. معنى الألم ومعنى أن تموت وحيدا بين
جدران ماضيك الباردة لا أحد يمسح دموع الشوق عن وجنتيك ...
يخبئك في حضنه الدافئ ويعدك بأنه لك وللأبد وبأن الموت وحده
ما قد يأخذه منك ليرحل به مجرد جسد فقط لأنه سيترك قلبه وروحه
معك مثلما سيأخذ شبيهاتها معه تحت التراب ويسرق كل واحد منهما
روح الآخر وللأبد ، بكت فراقهما وبكت اجتماعهما معا بل وحتى
لبكائهما فلن يفهم أحد مثلها شدة ما يمران به غير أنها طرف
وحيد في الحكاية كما ترى وليس مثلهما .
وما أن ابتعدت عنه مسحت على ظهره هامسة ببحة
" رعد اتركها ألا ترى جسدها والجروح فيه؟يكفي أنت تؤذيها هكذا "
ارتخت ذراعاه عنها حينها وأبعدها عنه وأمسك وجهها بيديه وقبل
جبينها بعمق مغمضا عينيه قبل أن ينظر لعينيها يحاول بأطراف
أصابعه مسح الدموع من وجنتيها المليئة بالخدوش هامسا
بابتسامة محب
" لن أسمح برؤية هذه الدموع مجددا آستريا "
ونزل بأصابعه لشفتيها ممررا ظهر سبابته والوسطى عليهما برفق
قبل أن يرفعهما لشفتيه وقبلهما فأنزلت نظرها حياء من الموجودين
هناك قبل أن ترفعه له مجددا قائلة بحزن وعبرة بكاء
" لم يمسسني أي رجل يا رعد ، شقيقك لم يترك أحدا يقترب مني
وكان من يحرسني بنفسه وقبله صديق شقيقك الكاسر والذي لولاه
بعد الله ما كنت أعلم ما سيحدث لي "
قبل جبينها مجددا وقال ناظرا لعينيها
" ما كان ذلك ليعنيني يا آستريا ، المهم أنك هنا وأراك أمامي
فلا يد لك في أي من ذلك "
لامس كفها يده التي لازالت تحتضن وجهها وقالت ونظرها معلق
في عينيه
" شقيقك أوصاني أن أخبرك أمرا "
مسح بكفه على شعرها قائلا
" اتركي الحديث عن كل شيء الآن فأنتي تحتاجين للراحة
ولمن يعالج جراحك أولا "
حركت رأسها برفض قائلة
" هو أوصاني بأن أقول ذلك ما أن أصل إليك وأمام الجميع "
نظر لها باستغراب فتابعت قائلة ونظراتها الدامعة معلقة بعينيه
" قال أمانتك وصلتك فأحفظ أمانتي حتى تصلني "
نظر لها بصدمة انتقلت منها سريعا للواقف عند الباب ومن
تحولت نظراته لغضب أسود يشد قبضتيه بقوة فركز نظره على
عينيه يحاول إخبار بأمر واحد فقط
( لا تكن فريسة سهلة له مجددا يا مطر )
وعلم فورا بأنه فهم الرسالة وقد استدار فورا وخرج ضاربا ذاك
الباب خلفه ونزل عتباته بخطوات كانت كفيلة بتحطيمها بل
وبإشعال الأرض تحتها وبالكامل .
" مطر "
توقف مكانه والتفت للواقفة في الأعلى ما أن وصله ذاك
الصوت الرقيق والذي كان ما يزال متأثرا ببكائها السابق ..
الصوت الذي كان كفيلا بإيقافه دون أن يقف مع عقله لحظة
تفكير واحدة وقد نظر لعينيها بصمت لازال يقاوم نفسه عن
فعلها وسحبها لحضنه لا بل حملها على كتفه والفرار بها من
عالم عائلة شراع صنوان بأكملها قبل هذا المنزل والمدينة .
" ما سبب ما قلت وقت دخولك ؟ ما الذي يحدث بينك وبين جبران ؟ "
نظر لها بصمت ولم يعلق فقالت بجدية تشد قبضتيها بقوة
بجانب جسدها
" لن أسمح لك بأذية شخص آخر من عائلتي وأعتقد بأنه
هذه المرة أيضا ليس غسق ولا ابنتها من تستثنيهما من
عدلك وانصافك "
لوح بيده بقوة وقد طفت نيران غضبه للسطح
" سأكون معك ومع ابنتك أكثر عدلا منه ولن يمسكني عنه شيء
إن فعل ما أتوقعه يا غسق ... لا شيء إلا موتي "
صرخت فيه من فورها
" يكفيك يا مطر ، بل يكفيني أنا من تشييع جثامين عائلتي ، قسما
إن مات بسببك أن ... "
قاطعها صارخا بحدة أكبر
" توقفي عن الدفاع عنه وعن رؤيته كفرد من هذه العائلة لأنه
لا يستحق دماء شراع صنوان التي تجري في عروقه وأمامك تري
ما فعل بشقيقه وحبيبته "
نفضت يدها قائلة بحدة والدموع تتصارع بين حدقتيها ورموشها
" ثمة حلول كثيرة غير الموت والقتل يا مطر ، لما وحده من
قررت تغيير سياستك ناحيته ؟ "
مد يده لباب السيارة المجاور لكرسي السائق وفتحه ونظر لها
وكأنه يخيرها بين أن ترحل معه الآن أو أن ينفذ ما قال فنقلت
نظرها بينهما قبل أن تنظر لعينيه قائلة بصدمة
" ما معنى هذا يا مطر ؟ تساوم بالأرواح ! "
ضرب الباب بقوة مغلقا له وقال بغضب مشتعل
" هذا لتفهمي من أي نوع هو ذاك الرجل الذي تدافعين عنه
ولازلت تنظرين له كشقيق لك ، لقد ساوم بك مقابل الفتاة
الثنانية وحرب الثنانيين إن كان يعنيك هذا ، ولن تفهمي قط
معنى ما قام به أيضا "
نظرت له بصدمة فتابع رافعا سبابته أمام وجهه قائلا بحزم
" قسما إن فعلها وخرجت قطعة سلاح واحدة من اليرموك لأيدي
المدنيين هناك لن يمسكني عنه سوى أن يكون أجله لم يحن بعد "
قبضت يديها لا شعوريا حين دار حول السيارة ووقف مقابلا لها
بعدما فتح بابها وقال بحزم ناظرا لعينيها الدامعة
" وقسما يا ابنة دجى الحالك أن يكون مصير أي رجل يفكر فقط
في أن يقترب منك الموت وعلى يداي "
ركب بعدها سيارته وغادر تراقبه نظراتها وعيناها السوداء
التي تسربت منها الدموع سريعا هامسة بأسى
" تأخرت يا مطر .... ليتك فقط لم تقتلني يوما ليموت تباعا
كل هذا لدي "
ثم نظرت حولها وتلك الدموع تسقي رموشها الكثيفة فهنا دفنت
كل شيء حتى غسق .. هنا دفنت مشاعرها وسنوات عمرها
وحيدة من دونه وقد علمها الفراغ أن تعتاد على أن تعيش من
دون سماع صوته .. أن تنسى ذكرى حضن الرجل الوحيد الذي
عرفته والأضلع التي تمنت أن قتلت وما حرمت يوما من النوم
والهذيان بينها ، التفتت للباب الذي خرجت منه تمسح عيناها
بقوة تحاول ترك كل ذلك خلفها وعدم الالتفات له وإن قتلها
ودخلت ونظرت للذي كان يجلس على الأريكة يداه تحضن
يدي الجالسة بجواره لا يتوقف عن تقبيل باطنهما وهي تراقبه
بعينين دامعة وقد دفن وجهه فيهما ولم يستطع إمساك نشيجه
الباكي حينها فسحبتهما منه وضمت رأسه لصدرها بقوة تشاركه
البكاء ، تكره مقاطعتهما وأن يحرما من أي لحظة يختاران مشاركتها
معا وكان عليها أن تفهم وأن تعلم ما الذي يجري وما معنى كل ما
قاله من غادر من هنا قبل قليل !
رفعت نظرها للأعلى فجأة ليقع على الواقف هناك منحن بجسده
على سياج السلالم يراقب ما يجري في الأسفل مبتسما قبل أن ينتبه
لها وفر حينها ضاحكا بصمت فحركت رأسها بيأس منه وكانت
تود اللحاق به وتوبيخه بما يستحق لكن ثمة من عليها زيارته
أولا فغيرت وجهتها لممر غرفة رماح والتي دخلتها دون أن
تطرق بابها ليقينها أولا من أنه لا يغير ملابسه وحيدا ولن يكون
نائما بالطبع وثانيا لأنها تريد التأكد مما تتوقعه وما وجدته عليه
بالفعل حينها وهي تقترب منه موليا الباب ظهره فالتفت لها سريعا
ما أن شعر بوجودها وقد قلب الصورة التي كانت في يده قبل أن
يدسها في الدرج مجددا وأغلقه فابتسمت بحزن ودارت حول
كرسيه حتى أصبحت واقفة مقابلة له وقالت بجدية
" لما تلاحق أطياف حبيبتك في صورة قديمة وليس يفصلها عنك
سوى أمتار قليلة يا رماح ؟ "
أشاح بوجهه عنها ولم يعلق فقالت بأسى
" لما لا تقدر معنى أن يكون أحدهم وفيا لك حتى الموت ؟
أن يحترم ذكراك وأنت بعيدا عنه وأن يخسر كل شيء من أجلك
وحتى سنوات عمره ؟ "
نظر لها ولعينيها الممتلئة بالدموع ... مشهد طمر خلف السنين
كمشاهد بكائها التي لم يروها مجددا إلا من وقت قريب فلم يتخيل
أن يراها تعانق وجنتيها وقت رجوعه من لندن وهو من لم يراها
ولا وقت وفاة والده رغم معرفته بأي ليال تكون تلك التي مرت
عليها وحيدة في غرفتها ... أمر جعل مطر شاهين يغادر منفاه
ولأول مرة ويدخل البلاد لليلة واحدة فقط ولساعتين زار فيهما
هذا المنزل فقط وتحديدا تلك الغرفة في الأعلى والجميع يقدر له
ذلك فهم كانوا سيخسرونها وللأبد بسبب هذيانها الباكي ليلا
تنادي والدها الذي رباها كالمجنونة ، قال بهدوء محدقا في
عينيها السوداء الواسعة
" توقفي عن تعذيب نفسك بسببنا يا غسق .. يكفيك قتلا
لروحك الجميلة شقيقتي "
حركت قبضتها نحو الأسفل قائلة بضيق
" افعل الصواب إذا يا رماح وأنصف تلك الفتاة وإن من أجلك
أنت وليس هي "
تنهد بعمق وقال
" لا أريد أن أظلمها يا غسق ، لما ترفضين فهم.... "
قاطعته بغضب
" لما لا تفهم أنت معنى ظلمك الحالي لها ؟ أي ظلم هذا الذي
ستعيشه أسوء مما تراه الآن وها أنت بعدما لحقت بك إلى هنا
ستغادر لحوران وتتركها "
قال ببرود
" وانقلي عملها ووالدتها وشقيقها لحوران فلن يصعب ذلك
عليك وأنتي زوجة رئيس البلاد "
صرخت فيه فورا
" رماح أنا لا أمزح "
قال بضيق
" ولا أنا أمزح أيضا حين أقول أنه على جهينة أن تحكم عقلها
وأن لا تضيع عمرها خادمة لي "
قالت بضيق مماثل
" أنت يمكنك السير يارماح لو أردت ذلك "
قال بجمود محدقا في عينيها
" وإن لم يحدث ذلك يا غسق ؟ ماذا إن حدث العكس وفقدت
حتى القدرة على الوصول للحمام قبل أن أتبول على نفسي كالأطفال ؟
ماذا إن فقدت القدرة على ممارسة حياتي معها كزوجين طبيعيين ؟
ما الذي ستتحول له حياتنا حينها وأي ثمن ستدفعه تلك الفتاة ؟ "
أبعدت نظرها عنه مغمضة عينيها لبرهة وتنفست بعمق وكأنها تحاول
طرد التفكير في ذلك من عقلها قبل أن تنظر له مجددا قائلة
" حررها منك حينها ولا تكتب التعاسة لكليكما بسبب فرضيات
الله وحده يعلم صحتها من عدمها "
علق من فوره وبسخرية
" احررها كيف بالله عليك يا غسق وبعد ماذا ؟ اتعطي أحدهم
الماء على الظمأ وتحرمه منه من قبل أن يرتوي ؟ لا وتريد منه
أن يرميه بنفسه لأنه لم يعد يمكنه الشرب منه ؟ لعبة هي يا غسق
أتزوجها ثم أرميها "
قالت بإصرار
" لكنها تحبك يا رماح "
شد قبضته فوق ذراع كرسيه وقال بحزم
"وأنا أحبها لكن الذي يحب يضحي من أجل حبيبه إن كان
يحبه فعلا "
لوحت بيدها صارخة برفض
" أنت لا تضحي من أجلها أنت تضحي بها ، أنت تتركها تموت
بالبطيء ... لست أعلم شخصا يضحي بمن يحبه من أجله !
هذا لا يستوعبه عقل "
قال بجدية محدقا في عينيها
" إن كنت تحبين رجلا وعلمت بأن بقائه معك معناه أن يموت
وتفقديه للأبد أكنت تضحين به من أجله أم تخسريه وللأبد وليس
أنتي فقط بل وجميع من يحبونه ويحتاجون له "
قالت بضيق
" لا تخلط الأمور يا رماح فجهينة لن تموت وهي معك بل من دونك ،
لما تنظرون للأمور بطريقة غريبة أنتم الرجال ؟ لو كنت كما تقول
أحب رجلا وكان مثلك الآن سيتركني كي يحميني منه أو من نفسي
أو مستقبلي معه أو حتى الموت كنت سأرضى بالموت دفعة واحدة
على تركي أموت بالبطيء ودون رحمة "
تنهد بعمق وقال
" في هذا تناقضين نفسك يا غسق ! كنت لترضي أن تموتي ولا
أن يضحي الرجل الذي تحبين بك ولن ترضي بالتأكيد أن يموت
لأنه رفض تضحيتك ! "
كانت ستتحدث والضيق في ملامحها الجميلة يزداد حدة فسبقها
قائلا بأسى
" غسق يكفيك عتابا لي اقسم أنك تؤذينني بغضبك مني يا شقيقتي
ومعاملتك لي كنكرة "
قالت من فورها وبحزم
" بل ولن تراني أبدا إن بقيت على عنادك هذا "
قال بصدمة
" غسق أن...... "
قاطعته من فورها وبحزم
" اقسم بالله يا رماح أن أفعلها ولن يقابل وجهي وجهك حتى أموت "
صرخ مستنكرا
" غسق !!! "
فنظرت له بعناد وإصرار ولم تتحدث فقال بضيق
" تجبريني على ما لا أريد مثلا يا غسق ؟ أترضين بهذا لنفسك
أم ترضي بأن تفرضي على رجل بالإكراه "
قالت بضيق مماثل
" توقفوا عن التمثيل بي وعن محاصرتي بهذه الحجج الواهية
يا رماح "
تأفف وقال بحدة
" لن تلومي إلا نفسك إن لم تنجح حياتنا يا غسق بل وأنا أيضا
سألقي باللوم عليك فتذكري هذا جيدا "
قالت ببرود
" موافقة "
حرك رأسه بيأس منها فمدت يدها له بصمت ونظر لها هو باستغراب
فقالت بجمود
" أعطني هاتفك "
تمتم ببرود رافض
" وأين هاتفك أنتي ؟ "
قالت من فورها
" ليس معي ولن أترك هذا المكان حتى أتصل بها ونحدد معهم
موعدا فأنا لا أثق بك "
تنهد بضيق وأخرجه لها من جيب بنطلونه فأخذته منه فورا وكتبت
رقمها فيه وما أن اتصلت ظهر أنه مسجل لديه وباسم (حبيبتي دائما)
فنظرت له تزم شفتيها بحنق وأبعد هو نظره عنها بضيق فتجاهلته
ووضعت الهاتف على أذنها وقد أجابت من في الطرف الآخر
فورا قائلة بهمس ولهفة
" رماح !!! "
نظرت بضيق للذي كان ينظر لها وقالت
" بل أنا غسق يا جهينة وأردت أن تحددوا لنا موعدا لنزوركم "
لم تخفى عليها السعادة في صوتها وهي تهمس مجددا
" الأفضل أن تحدثي والدتي يا غسق فقد لا يعجبها أن يكون
ذلك من خلالي "
قالت من فورها
" أجل معك حق سأتحدث معها بهاتفي وسيتحدث رماح مع شقيقك
فيما بعد فعلينا أن نتم الأمر قبل انتقالنا من هنا "
وصلها ذاك الهمس المصدوم سريعا
" تنتقلون من هنا ؟ "
أبعدت نظرها عن الجالس أمامها وقالت
" أجل لحوران وفي أقرب وقت وسنتحدث أكثر فيما بعد فالأمر
يطول شرحه "
همست تلك بتردد
" وكيف هو رماح ؟ "
نظرت له مجددا وقالت
" تتصلي بي يوميا لتسأليني فقط هذا السؤال وفي كل مرة أقول
لك أنه بخير وها هو جالس أمامي بكامل قواه العقلية حتى الآن "
أشاح بوجهه عنها متنهدا بضيق على ذاك الصوت الهامس بحياء
" وداعا الآن إذا .... "
فقالت وهي تبعد الهاتف عن أذنها
" وداعا ... أراك قريبا "
مدته له بعدها فقال ببرود وهو يأخذه منها
" أنتي راضية الآن ؟ "
قالت مغادرة جهة الباب
" بالتأكيد وستشكرني يوما ما "
خرجت من عنده مغلقة الباب خلفها وعبرت الممر عائدة من
حيث جاءت حتى كانت في بهو المنزل ووقع نظرها فورا على
الجالس هناك وحيدا هذه المرة يتكئ بمرفقيه على ركبتيه وينظر
للأرض فقالت تنظر حولها
" أين هي آستريا ؟ "
قال ولايزال ينظر للأسفل
" أوصلتها الخادمة لغرفتي لتستحم "
قالت باستغراب
" غرفتك !! "
رفع نظره لها وقال
" أجل غرفتي "
قالت من فورها
" ولما غرفتك ؟ "
استوى في جلوسه وقال هو باستغراب هذه المرة
" أين إذا لغرفة رماح ! أم عمتي ؟ هي زوجتي يا غسق "
قالت بجدية
" أعلم أنها زوجتك لكن غرف المنزل كثيرة وما بينكما سنعده
عقد قران فقط ولن تتزوجا هكذا "
كان سيتحدث فسبقته قائلة بحزم
" هي تتزوج للمرة الأولى ومن حقها أن تحتفل وتحضى بزواج
كغيرها ، ثم أنت أول عربي يتزوج من ثنانية أتريد أن تتزوجها هكذا ؟
ولا تنسى مكانتك أيضا كعضو في البرلمان الحاكم للبلاد "
قال بجدية
" وبسبب الأشياء الذي ذكرتها جميعها علينا أن لا نحيط أنفسنا
بكل تلك الشوشرة خاصة بعدما علمته منها "
نظرت له باستغراب قبل أن تتذكر ما كانت تريد سؤاله عنه
أساسا فقالت
"ما هذاالذي بين جبران ومطروتحدث عنه ويبدوا بأنك تعرفه جيدا؟ "
نظر لها بصدمة تتنقل نظراته بين حدقتيها السوداء الواسعة قبل يقول
بصوت منخفض
" الحكاية قديمة يا غسق ولا جدوى من نبشها الآن "
نظرت له باستغراب لم تفق منه قبل وقت هامسة
" عن أي حكاية قديمة بينهما تتحدث !! "
تلكك بصدمة قبل ان يقول
" عما تتحدثين أنتي وما أخبرك ؟ "
قالت من فورها وبريبة
" عن اليرموك أتحدث فعما كنت تتحدث أنت ؟ "
قال بعد برهة تفكير للفكاك من ذاك المأزق
" عنها كنت أتحدث أيضا فقد طلبها شقيقك مقابلا لآستريا ، هكذا
قا..... "
قاطعته قائلة بحزم
" رعد حكاية اليرموك سيكون عمرها يومان فقط فعن أي حكاية
قديمة بينهما ما تتحدث "
أبعد نظره عنها وقال
" لا شيء "
قالت بضيق ودون أن تعطي عقلها أي مجال للتفكير في أمور
تكره مجرد الخوض فيها
" ر عد لا أعرفك تكذب أبدا فتفعلها الآن من أجل أي منهما ؟ "
نظر لها وقال ملوحا بيده بضيق
" يمكنك أن تسأليه واعفني من كل هذا يا غسق "
نظرت له بصدمة هامسة
" لم تنكر ذلك يا رعد !! "
أشاح بوجهه جانبا يقبض أصابعه بقوة وكأنه يكتم غضبا
مدفونا لم يشعرها سوى بالنيران المدفونة أيضا في جوفها
تستعر مجددا فتركته راكضة جهة السلالم وصعدت فورا ولم
تشعر بنفسها إلا وهي في غرفتها تتكئ بظهرها على الباب الذي
أغلقته للتو خلفها تنظر للفراغ بتشتت تتنفس بقوة وصعوبة
عيناها قد لمعتا بغضب مكتوم وضياع أوصل قلبها لأقسى درجات
العذاب وجفناها بدأ يشوبهما ذاك الاحمرار الخفيف من حبس كل
ذلك فيهما ووحش الماضي يهاجمها وبشراسة
) لمن هذا المنديل يا غسق تكلمي (
) " تريدين معرفة السبب يا غسق ؟ معرفة ما بي وما ذنبك أنتي ؟
تريدين فتح الجراح وكشف الحقيقة المرة ؟ "
رمى يده بعنف وصرخ أكثر لا يفصله عنها سوى جسد جوزاء
التي تمسك به بقوة ليبتعد
" ما رأيك برجل طعن في كبريائه وكرامته ؟ ماذا تتوقعين من
رجل انتظر امرأة لأعوام وعاش لها فقط لا ينظر ولا بطرف عينه
لامرأة أخرى ليأخذها منه غيره وليكتشف أنها فضلت غيره عليه ,
امرأة داس على كرامته من أجلها تنازل من أجلها ... عشقها
سمعتي عشقها هي وحدها ليكتشف أنها لغيره أنها باعته بأرخص
منه أنها تلاعبت به أنها تخطط للزواج من غيره وأنها لم تستحق
عمره الذي أضاعه ينتظرها )
أمسكت رأسها بقوة وذكرى صوت جبران تحديدا تهاجمها تباعا
( بل لي .. أنتي لي يا غسق ومرجعك عندي أنا , أنا وحدي من يحبك
وستري ذلك بأم عينك وسيتخلى عنك ذاك المغرور وبدون سبب لأنه لا
يفكر إلا في نفسه لا يحب إلا نفسه ولا يعطي شيئا ولا حتى مشاعره ,
هو كالموت يأخذ فقط )
(جبانة أنتي تخافين منه ... تحميني وتحمي والدي فقط أنا متأكد من
ذلك فلا تخشي شيئا وقولي فقط أنك تريدين ترك ذاك المكان وأنا
مستعد لإخراجك من هناك مهما كلفني الأمر وسندبر ذلك سويا ,
قوليها هيا ولا تخشي شيئا يا غسق)
( " أحبه يا جبران وإن قتلني لا يمكنني إلا أن أحبه يا شقيقي "
" كذب هي لم تقل ذلك وسيطلقها وسترجع لي , لي أنا وحدي
وإن قتلته أو أموت من أجل ذلك " )
توجهت للطاولة وضربت كل ما عليها صارخة برفض ولم يتوقف
الأمر عند ذلك فقط بل كل ما طالته يداها مثلما عادت تلك الذكرى
لتحطيمها من الداخل
( هو أوصاني بأن أقول ذلك ما أن أصل إليك وأمام الجميع ...
قال أمانتك وصلتك فاحفظ أمانتي حتى تصلني )
( لقد ساوم بك مقابل الفتاة الثنانية وحرب الثنانيين إن كان يعنيك
هذا ولن تفهمي قط معنى ما قام به )
( هي لم تخني يوما .... بل هي لا تعرف الخيانة ووحدي من
كنت أجرحها بذلك )
( ومطر شاهين يحبك .... يحبك يا ابنة دجى الحالك)
ضربت التحفة الخزفية في صورتها في مرآة الخزانة بقوة حولتها
لأشلاء صارخة بقوة ونزلت على الأرض تتكئ بظهرها على
خشب مقدمة سريرها وحضنت ركبتيها بقوة تدفن وجهها فيهما
حين وصلها صوت الذي كان يطرق الباب بقوة صارخا
" غسق توقفي عن إيذاء نفسك ولا تنسي حديث والدي الأخير ....
غسق لا تنسي الوعد الذي قطعته له "
فضمت ساقيها أكثر وأغمضت عيناها بقوة هامسة بصوت
مرتجف يائس
" أبي ... ليتك فقط أخذتني معك "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 84 others like this.
رد مع اقتباس
#6757
قديم 29-01-18, 09:11 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظر حوله ولحركة الضيوف الفوضوية وكلماتهم المتداخلة
والبعض يبدوا فكر جديا في مغادرة الحفل ، لم يكن يهتم بكل ذلك
ولا بأن يحاول تهدئة الوضع كما يفعل باقي أفراد عائلته بل كانت
نظراته تبحث عن التي كانت واقفة بجانبه واختفت فجأة دون أن
ينتبه لها في غمرة انشغاله بما كان يجري ، تحرك في المكان
بعشوائية هامسا
" زيزفون "
وكأن ندائه الهامس ذاك كان سيصلها أينما كانت وهو لا يراها
بين كل أولئك الحضور أينما تحرك ! نظر جهة التي يبدوا بأنها
وجدت فكرة ما للملمة تلك الفوضى حين صعدت على أحد الكراسي
ومنه للطاولة الملاصقة له وأخرجت من حقيبة فستانها مايكرفون
يدوي يعمل بالبطاريات على ما يبدوا وذهبي اللون وكأنه قطعة من
شعرها المجموع في لفافات جميلة وأنيقة حول وجهها الصغير وظهر
فستانها الانيق للعيان بوضوح حينها وكان من قماش الدانتيل
الأبيض مبطن بقماش أسود ويلتف حول خصرها حزام من القماش
الحريري الأسود أيضا لينزل بهيئة عقدة كبيرة خلف ظهرها وله
ياقة مربعة الشكل وأكمام من الدانتيل وصل طولها لمرفقيها وقد
زين عنقها عقد من الكريستال الأسود كما القرطين الطويلين في
أذنيها لتصبح كدمية عرض صغيرة وجميلة ، شغلته أولا بكبسة
زر صغيرة ليلفت صوت طنينه الموجودين جميعهم وقد قالت
مبتسمة ما أن قربته لشفتيها
" حسنا سيداتي سادتي لما تجعلون ما حدث يفسد حفلتنا ؟
كل ما في الأمر أنه شاب أخذ حبيبته من بين الرافضين لهما ...
أليس الأمر رائعا ؟ "
وقد نجحت فعلا في سرقة انتباه الجميع وهي تتابع ونظرها ينتقل
بينهم ببطء وبذات ابتسامتها المشاكسة الجميلة
" ثمة أخبار أخرى رائعة ومميزة فهل أنتم مستعدون لها ؟ "
حرك رأسه متنهدا بعجز من أفكار تلك المجنونة وها هي يبدوا
أنها ستكشف عن مفاجأة تخبأها لشخص ما هنا يعرفه جيدا وكما
توقع كل واحد منهما يدبر أمرا ما وهذا سبب وجود تلك الفتيات
حوله بالتأكيد ، في ظروف أخرى كان ليهتم بمعرفة ما يخبأه كل
واحد منهما للآخر لكن الآن عليه أن يجد ضالته أولا والتي ما
كان عليه أن يغفل عنها ويتركها تختفي هكذا فجأة ! تحرك من
مكانه مجتازا بعض الضيوف ليلفت انتباهه التي وقع نظره
عليها خارجة من جهة باب الشرفة ولم تكن سوى .... جيهان ،
فنظر حوله للمرة الأخيرة قبل أن يلحق بها مسرعا فها قد علم
إلى أين ستكون توجهت زيزفون .
*
*
*
بالكاد كانت تستطيع مجاراة خطواته وهو يخرج بها من تلك
الشرفة حتى أنها كادت تقع في عتباتها الجانبية المرتفعة ولم يهتم
ولا بالالتفات لخطواتها المتعثرة سائرا بها جهة الحديقة المحيطة
بذاك القصر حتى اختفت أبوابه ونوافذه خلفهما وأدارها حينها
موقفا لها على جذع الشجرة أمامه ونظر لعينيها تتلقف أنفاسها
بلهاث نظرها على عينيه الغاضبة وقد أسند يده على الجذع خلفها
وقال بحدة مشيرا بسبابة يده الأخرى لما تركاه خلفهما
" أيعجبك ما أوصلتنا له مارياا ؟ أهذا ما تريدينه لي ؟ "
" أ...... "
أغمضت عينيها مجفلة حين صرخ مقاطعا لها
" لماذا تغلقين هاتفك الأحمق ؟ لما لا تجيبين على اتصالاتي ؟
ما حركات الأطفال تلك مارياا ؟ "
صرخت فيه فورا وبالمثل
" لا تنفث غضبك منهم بي "
ضرب كفه على الجذع الخشن متجاهلا الألم الذي خلفه فيه صارخا
" وغاضب منك أكثر منهم "
نظرت له بصدمة وما أن حاولت التحدث صرخ مسكتا لها
" لا تدافعي عن أي منهم أمامي مجددا مارياا ، لا تعطيهم فرصة
استغلالك ضدي لأني سأنفيك من وجودي معهم حينها "
وتابع مشيرا بإصبعيه السبابة والوسطى أمام وجهها
" طريقان هما فقط ماريا .. أحدهما فيه أنا ولوحدي والآخر لهم
ولا نجتمع أبدا أتفهمين هذا ؟ "
همست بحزن ناظرة لعينيه الغاضبة
" وحين كنت أنا في أحد طريقين اخترت أنت الآخر "
حرك رأسه برفض قائلا بحدة
" لا تقارني مارياا "
قالت من فورها وبضيق
" بلى فأنت ترفضهم بينما تركتني عندهم وأقحمتني في عالمهم
ولم تمانع ! "
صرخ بحرقة
" هم لم يقتلوا والدتك ماريا "
صرخت بالمثل والدموع تملأ عينيها
" بل قتلوني أنا ... جميعكم قتلتموني وحتى أنت أيضا ... تركتموني
للأسوأ من المرض لأعوام طويلة ، ذبحتم روحي وماذا أيضا ؟
عليا أن أرضى وأتأقلم وأعيش كما تريد أنت وحيث تأمر .. حتى
أنك لا تجد لي مكانا في حياتك "
مرر أصابعه في شعره بقوة متأففا وقال بضيق ناظرا لحدقتيها
اللامعة بقوة
"سبق وتحدثنا عن هذا إن نسيت ماريا وأنتي وافقت على انتظاري "
همست بأسى محدقة في عينيه
" ذاك كان قبل أن اكتشف بأنه لك حبيبة "
رمى يده جانبا قائلا بحدة
" ليست حبيبتي ... توقفي عن التفوه بالحماقات ماريا "
صرخت من فورها والدموع المتحجرة في مقلتيها تزيد تلك
الأحداق الذهبية لمعانا
" وماذا تكون إذا التي تجيب على هاتفك منتصف الليل وأنا لم
أراه يوما ؟ من تكون التي تدخل منزلك وتراها كل ليلة بينما
ترمي بزوجتك في منزل من تكره حتى رؤيتهم ؟ من تكون يا تيم
التي تجد لها وقتا في ظروفك وحياتك وعملك بينما أنا لا .... من ؟ "
لوح بيده أمام وجهها قائلا بضيق
" سبق وشرحت مارياا فهل سأعيد وأكرر كالببغاء لأن سيادتك
ترفضين الفهم ؟ "
مسحت عينيها بقوة رافضة أن تنزل تلك الدموع وقالت بضيق مماثل
" لماذا أتيت إذا ؟ ألم تختار مهمتك المنافية للأخلاق وما ربتك
والدتك عليه وتركتني ؟ فما جاء بك هنا وتلقي باللوم علي ! "
تحول مزاجه للبرود فجأة وقال بابتسامة ساخرة
" جئت لأرى اختيارك الأقسى ماريا ... أعلمت لما أتيت ؟ "
قالت من فورها محتجة
" أنا لست في صفهم فتوقف عن اتهامي بهذا فأنا أكثر من
عايش معاناتكما ورفضت أن أساعد والدك حين طلب مني ذلك
وعمتك اليوم أيضا وقبلهما عم والدتي وسأرفض ذلك دائما "
وتابعت بأسى وقد عادت تلك الدموع للتمرد على مقلتيها مجددا
محدقة بعينيه السوداء الحادة
" لأني لن أنسى أبدا موت والدتك أمام عيناي تمسك بيدي تذكر
اسمك حتى لفظت أنفاسها الأخيرة توصي عليك طفلة أصغر وأقل
حيلة منك ، وما منعتك الآن عن قتل تلك المرأة إلا من أجلك ومن
أجل مستقبلك وآمال والدتك فيك ووصيتها لي قبل موتها "
زمت شفتيها تمنع شهقتها الباكية من الخروج تقاوم دموعها كي
لا تنزل وهي تراقب ملامحه التي أشاح بها عنها وهاهو يحاول مجددا
إخفاء ألمه ... إخفاء ما وحدها يمكنها رؤيته من خلف جمود ملامحه
وقسوتها .. من خلف قناع بروده الدائم ولامبالاته فخلف كل هذا
يوجد فتى عمره ثلاثة عشر عاما لازال ضائعا في شوارع قرية
حجور فارقته والدته وتخلى عنه الجميع واتهم في شرفه وأخلاقه
واضطر للاعتراف بذنب لم يكن يعرف ولا طرق اقترافه .. لازال لم
يجد وطنه ومأواه والدواء لجراحه المدفونة خلف الماضي يرفض
أن يكون من تخلو عنه هم السبيل لذلك وها قد أغلق الطريق
أمامها أيضا .
تابعت ببحة تنظر لملامحه التي يشيح بأغلبها عنها
" هذا لا يعني أني أقف في صفهم فأنت من فرض عليا هذا حين
اخترت لي عالمهم عنك "
" هشششش اسكتي ماريا "
نظر لها وقد أسكتها ممررا سبابته على شفتيها قبل أن ينزل بها
لذقنها وأدارها حوله ورفعه بإبهامه ليرتفع وجهها له ينظر لها
بعينان غزى جمودهما لمعانا غريبا بل كان مؤلما لها أكثر من
دفنه هو له فتصاعدت ضربات قلبها حد الصخب وحد أن فقدت
السيطرة على أنفاسها فها هو المشهد ذاته في غرفتها سابقا يتكرر
الآن وها هو يختارها مجددا للهرب من عواصف تلك الذكريات ومن
غضبه وألمه وجراح كبريائه العنيد ، أغمضت عينيها دون شعور
منها حين شعرت بملمس تلك الشفتين ... الشعور الذي أرجف
جسدها بقوة واندفع الهواء لصدرها في شهقة خفيفة أرجفت
شفتيها قبل أن تنقض عليها تلك الشفتين وقد اختفى أسلوب الرقة
من قبلاته هذه المرة وهو ينتقل بها من الخشونة للعنف وقد بدأت
تشعر بحواف خشب الجذع الضخم خلفها وكأنها تخترق لحم ظهرها
حين ألصق جسده بها فشدت أناملها لا شعوريا على كتف سترته
لا يمكنها مجاراة تلك القبلات ولا إن فكرت في فعلها بسبب تتاليها
وخشونتها يردد من بينها تلك الكلمات اليونانية ذاتها وبأحرف
متقطعة وبحة رجولية عميقة موصلا بهمساته الدافئة تلك
مشاعرها للجنون وإن لم تفهمها وكأنه يختبر قوة صمودها أمامه
حتى في أوج شغفه العنيف ودون رحمة .
وما أن ابتعدت شفتيه قليلا سامحا لأنفاسها بالتعاقب لرئتيها دون
أن يقطعها بقبلة مجنونة جديدة ككل مرة همست بصعوبة مغمضة
عينيها برفق وأصابعها تترك سترته ببطء وبشفاه مرتجفة ما أن
عاد لتحريك شفتيه عليها مداعبا برقة هذه المرة
" تيم أنت تؤلمني "
ارتخى جسدها المتصلب حين أبعد جسده عنها ببطء وفتحت عينيها
ونظرت له ما أن شعرت بملمس يديه وأصابعه على جانبي وجهها
وقد رفعه له أكثر مواجها له وأنفاسه تخرج متعاقبة قوية بالكاد
تستطيع أضلع صدره العريض احتوائها لتفلتها من جديد بزفير
قوي ، نزل بيديه لعنقها الناعم وكأنه لم يكتفي بعد من العبث
بمشاعرهما معا ومن هتك أسوارها الهشة أساسا وقرب وجهه
منها أكثر حتى تلامست شفتيهما مجددا وهمس بأنفاس متقطعة
" لنغادر من هنا ماريا "
أغمضت عينيها برفق تخفي الدموع فيهما تتنفس أنفاسه الدافئة
بنهم وكأنها تودعها للأبد وتخزنها في ذاكرتها وللأبد قبل أن يكشفا
جفناها الواسعان ببطء عن تلك الأحداق الذهبية الدامعة وقد غرست
أسنانها في طرف شفتها بقوة وقبلاته الصغيرة المتتالية تنتقل من
طرف شفتيها لذقنها الصغير فعنقها الناعم وهمست بخفوت وأحرف
بالكاد استطاعت اخراجها وأصابعها تلامس لا شعوريا فكه ونزولا لعنقه
" إلى أين يا تيم وحتى متى ؟ "
تكدست الدموع في مقلتيها أكثر حين توقف عما كان يفعل ورفع
نظره لها وحدقت فيها تلك الأحداق السوداء بصمت فهي تعلم بأنه
لن يجيب عن سؤالها ذاك ، وإن أجاب عن شطره الأول فلن يجيب
عن الآخر فكلاهما يعلم بأن الأمر لن يتعدى الساعات أو الليلة
ثم سيطردها من عالمه مجددا .
أغمضت عينيها بألم حين علا صوت رنين هاتفه في جيب سترته
وفتحتهما ما أن أدخل يده له وأسكت ذاك الرنين دون أن يخرجه
فرفعت نظراتها له وتلك الدمعة تتدلى من رموشها لوجنتها
المحتقنة بشدة وهمست بعبرة مكتومة محدقة بعينيه
" لما لا تجب على اتصالها ؟ أليست مجرد مهمة يفترض أن
نمزح ونضحك عليها ! "
رمى يده جانبا صارخا
" لا تتفوهي بالحماقات .... سحقا "
وتابع بحزم وقد أمسك وجهها بيديه ناظرا بقوة لعينيها الدامعة
" أنا من سيطلب منك الاختيار الآن ، إما أنا وظروفي أو لا شيء
ماريا .... لا شيء "
انسابت الدمعة الأخرى دون استئذان ولا أن تفكر في منعها ولازالت
محدقة بعينيه الغاضبة التي يفترض بأنها الملجأ لهمومها المتراكمة
عبر الأعوام .. من يفترض أن تفهمها دون أن تتحدث ومن سترفض
النظر لسواها وتحت أي ظرف أو سبب كان ... أن تنسى هموم
ماضيها بأكملها ما أن تنظر لها لا أن تكون عذابا جديدا لحاضرها
ومستقبلها ، همست بعبرة مكتومة لم تعد تستطيع ولا رؤية تلك
العينين من بين تلك الدموع وكأنها تقرر موتها
" بل .... أنا وحدي أو لا شيء "
تركت حينها يداه وجهها بحركة بطيئة وقال بتأن محدقا في عينيها
" تذكري إذا بأنك من قطع الجسر الوحيد بيننا ماريا "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر من هناك وسار جانبا بخطوات
واسعة غاضبة يسكت مجددا هاتفه الذي عاد للرنين تتبعه
نظراتها الباكية تتنفس بصعوبة وشعرت حينها فقط بمعنى
اللقاء الأخير والوداع الأخير والقبلة الأخيرة بل وبفقدان آخر
آمالها في الحياة وها هي تسلمه لإمرأة غيرها في وقت هو أحوج
فيه لوجود واحدة بقربه ... تقول له أجل ارحل وابتعد لا أريدك
بعدما انتظرتك كل تلك الأعوام ودون يئس ، بعد أن اختبرت قربك
وهمساتك وقبلاتك ودفء حضنك .
انطلقت خطواتها لا شعوريا حيث اختفى تمسح دموعها بقوة
وكأن السنن تبعده عنها مجددا لتتركها راكضة خلف أطيافه من
جديد والماضي يعيد نفسه لكن بطريقة أقسى وأكثر وجعا هذه المرة .
وصلت للمكان الذي يركنون فيه سياراتهم أمام الباب الداخلي للمنزل
ووقفت مكانها تتلقف أنفاسها حين وقع نظرها على الذي فتح باب
سيارته للتو وقد التفت لها ما أن شعر بوجودها رغم انها كانت تقف
على مبعدة منه وكأنه توقع ذلك أو انتظره منها ينظر بهدوء لعينيها
الباكية والنسائم تتلاعب بخصلات غرتها البنية الناعمة أمامها وذاك
القماش الحريري الأحمر المتدلي من كتفها للخلف حتى الأرض يتحرك
مع الهواء جانبا مع حركة خصلات شعرها حول كتفيها تنظر له تلك
العينان الباكية بأمل كسير وحلم ميت ... بغربة وضياع تبحث
عنده عن كل ما يبحث هو عنه لديها بل وأكثر من ذلك بكثير .
طال الصمت بينهما كما طالت تلك النظرات الصامتة وتلك الدموع
المتعاقبة حتى تحول الأمر لشهقات مكتومة متتالية تعبث بحركة
صدرها بعشوائية واضحة فرفع يده ومدها لها بطول ذراعه
( أن تعالي ... )
وكأنه يخبرها بأن ذاك الجسر لم ينقطع بالفعل ولم يختفي للأبد
وها هو نصفه موصول والآخر لديك يضع الاختيار مجددا في
يدها فكيف ستختار بين الموت والموت ! كيف تختار بين أن
تموت بعيدا عنه أو أن يقتلها باقترابه المزيف ؟ تراه مع امرأة
غيرها وفي وجودها ولا تطالب بحقها فيه ! كيف هذا وبأي حق ؟
إن كانت نظرة لغيرها لن تقبل بها فكيف بعلاقة كاملة معها وأمام
ناظريها ! نقلت نظراتها الباكية من يده الممدودة لها لعينيه
المحدقة بها وزمت شفتيها تمسك عبرتها التي لم يعد لها سلطة
عليها تنظر لشفتيه الهامسة بخفوت
" تعالي ماريا "
فحركت رأسها ببطء ورفض ترفع نظرها لعينيه ببطء هامسة
أيضا وبعبرة
" ليس هكذا "
فقبض أصابعه حينها قبل أن ينزل يده يشد قبضته بقوة وقد
تغيرت نظرته لغضب خالطه شيء لم تفهمه وكأنه خذلان
وخيبة أمل .. بل وكأنه يقول لها
( أنا لا أعطي فرصتين متتاليتن لأحد وقد فعلتها معك الآن لكنك
لم تستحقي ذلك )
وظهر ذلك واضحا حين ركب سيارته ضاربا بابها بقوة وأدار
المفتاح فيها وهاتفه الذي عاد للرنين مجددا قد وضعه على
أذنه وقال وهو يتراجع بها للخلف
" أجل يا لوسي أنا قادم .... أعطني ساعة واحدة فقط "
وغادر من هناك صرير عجلات سيارته يسحق الأرض تحتها
بقوة لم ينظر مطلقا ناحية التي تركها خلفه باكية وقد قادتها
خطواتها حيث كان واقفا قبل قليل تنظر لسيارته المغادرة
بسرعة جنونية وصرخت خلفه باكية تشد قبضتيها بقوة
" لن تفهم مطلقا معنى هذا الذي أشعر به أبدا أيه القاسي ، لن
تحبك مثلي أبدا لكنها ستعلقك بها ثم سترميك خلفها "
وتابعت صارخة من بين عبراتها ولم تعد ترى شيئا بسبب
كل تلك الدموع
" أنا فقط .... فقط من تحبك ..... تحبك يا أحمق "
واستندت بإحدى السيارات خلفها تنزل للأرض ببطء صوت
بكائها وعبراتها ملأ صمت المكان حولها حتى كانت جالسة
على الأرض تتكئ على إطارها خلف ظهرها وضمت ركبتيها
بقوة تدفن وجهها وعبراتها فيهما .
*
*
*
ابتسمت بمكر حين وقع نظرها على الواقف بعيدا مع فتياته
الشقراوات وقد رفع لها إبهامه مبتسما لها ابتسامة تشبه
ابتسامتها فزمت شفتيها بعناد ورفعت ذقنها فلن يتوقع أبدا
ما تفكر في فعله مستحيل ... لَما كان ليسمح لها به فها هي
ستحاربه بذات السلاح الذي استخدمه ضدها سابقا وليري
الآن الجميع صدق كلامه ذاك وكيف سيحرر نفسه من حياة
العبث السابقة أو كيف سيجد لنفسه مخرجا ، نقلت نظرها بين
الذين كانوا ينظرون لها بترقب والجميع بات يتوقع العجائب
في هذا الحفل ... من شاب يشهر سلاحه ويطلق النار لفتاة
تصعد فوق الطاولة بيمكرفون يدوي يبدوا بأنها تخبئ لهم
مفاجأة من نوع مماثل ، قالت بابتسامة لعوب تقرب الميكرفون
لشفتيها أكثر
" ثمة هدية مميزة لصاحب الحفل تضاهي نجاحه الأول والفريد
من نوعه بالفعل "
فعم الصمت التام المكان والتفتت الأنظار لها أكثر فقالت بصوت
مرتفع وابتسامة أوسع
" سبق وعرض عليا مدير شركة الأجواء للطيران الجديدة
الزواج ولم يسمع رأيي وأنا الآن ابلغه موافقتي وأمامكم جميعا "
علت الشهقات المستغربة وعبارات التساؤل والدهشة والأنظار
جميعها تبحث عن الطرف الآخر في ذاك الخبر لتستقر عنده
وأولها نظرات الواقفة فوق تلك الطاولة مبتسمة بانتصار على
نظراته المصدومة فليريها الآن كيف سيخلص نفسه من ذلك
أو ينكرما تفوه به سابقا ، ولم تكن تعلم بأن ذاك الانتصار لن
يدوم طويلا وتلك الابتسامة تختفي بالتدريج ما أن ابتسم وتحرك
من مكانه راكضا جهتها والأنظار تتبعه ونظراتها المصدومة أولها
حتى وصل للكرسي وقفز فوقه وبقفزة أخرى كان معها فوق تلك
الطاولة ودون أن يترك لها مجالا ولا لتقفز هاربة منه وإن تكسرت
عظامها جذبها لحضنه وطوقها بذراعيه فورا محاصرا لها بينهما
وأخذ منها الميكفرون وتحدث هو هذه المرة ولازال يمنعها من
الحركة بذراعه الأخرى رغم لكماتها لظهره وقال بضحكة متألمة
ناظرا لأحدهم تحديدا
" ما رأيك عمي موافق ؟ "
ابتسم له ذاك من فوره مومئا بالإيجاب فنقل نظره جهة واحد آخر
في طرف أبعد قائلا بصوت مرتفع
" أبي ما قولك أنت ؟ "
فرفع له إبهامه مبتسما فعلا التصفيق الحار حينها وأفلتها من
قبضته لكنه لم يترك يدها التي أمسكها بقوة واقتربت منهما والدته
بعد إشارة منه ومدت له صندوق مخملي صغير فأخذه منها فورا
وفتحه بيد واحدة كاشفا عن الخاتم الماسي المكون من قطعتين
داخله ولف ذراعه حول رسغها كي لا تفلت منه وتنزل وأخرج
الخاتم ودسه في إصبعها سريعا واختلطت الصرخات بالتصفيق
وعبارات التهنئة فسحبت يدها منه بعنف حتى كادت تقع فأمسكها
من خصرها مثبتا لها واختطف قبلة سريعة من خدها هامسا بابتسامة
" مبارك لنا حبيبتي "
فمسحت خدها بعنف هامسة باشمئزاز
" وقح ولن تحلم بأن يكون هذا حقيقيا "
ضحك وما أن حاول إمساكها مجددا نزلت قافزة للأرض فورا
وتحركت من هناك تبعد بعنف الخصلة المتموجة التي نزلت على
وجهها وغادرت ووجهتها الباب فورا تجتاز كل ذاك الحضور
متجاهلة جميع أنواع تلك النظرات.
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 86 others like this.
رد مع اقتباس
#6758
قديم 29-01-18, 09:14 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
شد أصابعه في قبضة واحدة على الباب الذي كان يطرقه من
وقت ودون فائدة ، لم يعد يسمع صوت تحطيمها للمكان ولا
صراخها الغاضب أي أنها هدئت على كل حال لكن هواجسه لن
تتركه أبدا حتى يتأكد من أنها بخير ، طرق الباب مجددا لكن برفق
هذه المرة وقال بصوت مرتفع لتسمعه
" غسق تحدثي على الأقل أريد أن أعلم فقط بأنك بخير "
وشد أصابعه يضغط أسنانه بقوة حين لم تجب وقال بحدة هذه المرة
" غسق قسما أتصل به الآن فهو لم يبتعد بعد وسيعرف كيف
يخرجك "
" أنا بخير اتركوني وحدي "
تنفس بقوة وضيق ناظرا للأعلى ما أن وصله صوتها الحانق
وغادر حينها فعلى الأقل هي بخير جسديا أما عقليا فبات يستبعد
ذلك وستفقد ذاك العقل قريبا دون شك ، نزل السلالم وهاتفه في
يده فسيخبره بما حدث في رسالة ولن يتحدث معه وهو لا يعلم
أين يكون الآن فقد يفقد ذاك الرجل صوابه ويبدأ في الصراخ
متجاهلا من حوله ، ثم هو ليس في مزاج لسماع توبيخه ويعلم
من أي نوع سيكون ذاك ، دس الهاتف في جيب بنطلونه وما أن
وصل للأسفل حتى علا صوت رنينه فتنهد متشهدا على نفسه
ودس يده في جيبه وتمتم ببرود وهو يخرجه
" جيد ... تعرف كيف تتصل فورا يا رئيس البلاد "
وما أن فتح الخط ووضع الهاتف على أذنه حتى سمع ما كان يتوقعه
" كيف علمت ؟ "
وكما توقع هو كان يتوقع ذلك خاصة بعد حديث جبران الذي نقلته
آستريا وفي وجوده تحديدا لكن ذلك لن يكون سببا كافيا وكلاهما
يعلم ، تنفس بعمق وقال
" لم أكن أعلم ما تحدثما عنه حين لحقت بك للخارج وما أن سألتني
ما الذي بينك وبين جبران أخبرتها فقط بأن الحكاية قديمة ولا جدوى
من فتح دفاترها الآن ولم أكن أعلم بأنها كانت تعني اليرموك ،
ورغم رفضي الإجابة عن أسئلتها فيما بعد إلا أنها فهمت الأمر
من نفسها وأنت تعرف عقلها جيدا لم يصعب عليها ربط الأمور
وفهم ماحدث "
وصله صوته الحانق فورا
" أخطأت يا رعد ، أماكنت تستطيع تمويه الأمر بأي طريقة كانت ؟
جراحها مني لم تشفى بعد ولازالت تتراكم ولا ينقص هذا أيضا بل
وأراه أسوء من كل شيء "
سند يده بسياج السلالم الذي يقف أسفله وتمتم ببرود
" لا أراه أسوأ من اعترافك بخيانتك لها مع غيرها وعلى الملأ "
صرخ فيه من فوره
" رعد لا ترمي بأخطائك على أفعالي "
لوح بيده قائلا بضيق
" أنا لم اخطئ يا مطر ولولا ما حدث قبلها ما كانت لتربط
الامور ببعضها مهما وصل مستوى ذكائها فجبران لعبها بطريقة
ناجحة وظهر غرضه الحقيقي وهو أن تعلم هي بما حدث في
الماضي دون أن يكون هو من أخبرها "
وصلته تلك النبرة الجادة فورا وأكثر ما يخشاه ويرهبه في ذاك
الصوت الجهوري المبحوح قائلا بحزم
" قسما يا رعد وها قد أقسمت ... شعرة منها فقط تلمسها أصابعه
أو غيره بسببه أن أنهيه من الوجود في لحظة فليس صعبا أبدا أن
أصل له وأقتله وهو في معقله هناك وجواسيسي وسط رجاله ،
وما تركتها عندكم هناك حتى الآن إلا لأن وجودها في منزلي فيه
خطر عليها حاليا لما تركتها بعيدة عن ناظري لحظة "
قال بضيق
" وما في يدنا ونتكاسل عن فعله يا مطر ؟ أنت تعلم بأن الاتصالات
بيننا مقطوعة وباختياره هو ، ولا تنسى بأنك سبق ووعدتني
بأن لا تقتله يا مطر ولا تنسى وعدك لوالدي أيضا فالجميع بات
ينسى ذلك كما أراكم أمامي "
قال بغضب محارب عنيد ممسكا سلاحه وواقفا في جبهة القتال
شعاره الانتصار أو الموت
" غسق خط أحمر يا رعد وشقيقك يعلم ذلك جيدا وإن فكر فقط
في استغلالها كما فعل مع آستريا وأخذها كرهينة ليساوم بها
قسما أن أقتله بيداي لا أن يفعلها أحدهم بأوامر مني "
نظر للهاتف بصدمة حين أغلق الخط في وجهه وشد أصابعه عليه
هامسا من بين أسنانه
" جبران يا كسرة أشقائك ويا حسرتنا حتى الموت "
ولم يستطع إخفاء تلك الحسرة في عينيه ولا المرارة في صوته
فهو شقيقهم رغم كل شيء بل وشقيقهم الأكبر ومن كان ذراع
والده اليمنى في صنوان قبل تلك الليلة التي دخلت فيها غسق
للحالك وأصبحوا يرون بعدها جبران آخر لم يعرفوه يوما حتى
أن والدهم طرده من منزله وتبرأ منه قبل موته وهو من لم يفعلها
سابقا وجميعهم كانوا يرون نظرة الحسرة والانكسار في عينيه
حين قال جبران عبارته الأخيرة تلك قبل أن يغادر بعدما طرده
( مثلما بعتني وأنا ابنك بمطر شاهين ستفعلها مدللتك بك أيضا
وتبيعك من أجله يوما ما لكني قاتله أو قاتلي قبل أن تفعلها حيا
كنت يا شراع صنوان أو ميتا )
فمن يمكنه لوم ابن شاهين فيما يقول ويهدد به وهو يحوم حول
زوجته وابنة عمه ويهدده علانية بل ويملك سر نسبها مثلهم
أيضا وإن فكر في إشهار تلك الورقة يوما ما سيضعف مطر
شاهين وبقوة وهذا ما يجهله جبران وهو أن قضية الثأر لم
تندثر بعد وأن مطر سيحميها منهم وإن دفع كل شيء ثمنا
لذلك وإن طلقها وسلمها له هو .
تحرك من هناك مستغفرا الله بهمس وضيق وتوجه لغرفته
فورا والتي ما أن فتح بابها انفتح باب الحمام فيها وخرجت
منه التي كانت تلف جسدها بروب الحمام الرمادي الغامق الخاص
به تمسك حزامه المشدود حول خصرها المستدير بيدها بقوة
وكأنها تخشى أن ينفك وهو محكم الربط حوله تنظر له مبتسمة
بحياء بينما كان ينظر لها هو مبتسما بحنان وشوق .. لوجهها
الذي تخلص من كل تلك الدماء الجافة عليه ولم تبقى سوى آثار
تلك الخدوش في بشرتها العاجية التي زادتها المياه الفاترة
بياضا ونقاء وشعرها المبلل والمتناثر حول كتفيها قد وصل
طوله لخصرها ينظر لكل ما عشقه فيها وعاش على ذكراه
لأعوام يصبر نفسه باللقاء البعيد مجهول المكان والزمان
وحتى المصير .
فتح ذراعيه واستقبلها فورا ما أن ركضت ناحيته وارتمت
في حضنه وأحاطها بذراعيه بقوة لازال لم يستوعب بعد بأنها
حقيقة يراها أمامه ويلمسها ، بأن تلك الفتاة التي تعلق قلبه بها
وفارقها على الوعد بينهما لأعوام وأعوام طويلة حتى يئس تماما
من أن تراها عينيه وإن من بعيد ها هي في حضنه الآن ..
زوجته وملكه لوحده لا أحد سيأخذها منه ولا قبائل ثنان بأكملها ،
شدها لحضنه أكثر يدفن وجهه في خصلات شعرها البني المبلل
ولو كان الأمر بيده لدفنها هناك وللأبد وخبأها عن الجميع حتى
عن نفسه كي لا يؤذيها يوما وإن بالخطأ ، همس عند أذنها بحزن
ما أن سمع صوت نشيجها الباكي
" يكفي بكاء آستريا توقفي عن تعذيبي معك "
همست بعبرة تدفن وجهها في أضلعه أكثر
" لا تعلم ما حدث معي يا رعد ... تعبت كثيرا وتعذبت كثيرا
وواجهت وحدي الكثير ... اشتقت لك واحتجتك أكثر من
أي شيء "
ضمها لحضنه أكثر واتكأ بدقنه على رأسها مغمضا عينيه بقوة
وترك لها حرية البكاء هناك يستمع لكل ما تحكية من بين عبراتها
وبكائها .. موت والديها ضغط أخوتها عليها لتتزوج .. أحاديث
الثنانيين عنها ثم كشف انجوانة لما كان بينهما وأمام الجميع
لتبدأ المرحلة الأقسى من عذابها والتي انتهت بمحاولة تزويجها
من غيره مرغمة ثم فرارها منهم للمجهول وهو هنا كالمغفل
الجبان لم يفكر ولا في تحريرها وبأي طريقة كانت وإن برمي
نفسه عند أسوار مدنهم فإما أن يقتلوه أو أن يدخلوه لها أو
يخرجوها له لكنها كانت أشجع منه وقد أثبتت ذلك له وللجميع
قبله وكانت ستضحي بنفسها فقط كي تصل له بينما هو
ما الذي فعله ؟
انتظرها ! عاش وفيا لها ! أيكفي كل هذا ؟ لا ليس يكفي قطعا
فما عانته هي لم يعرفه هو أبدا وكل ما عاناه هو الشوق والحنين
والفقد وهذا أبسط ما واجهها هي فليته سمع كلامها فقط حين
طلبت منه قبل أربعة عشر عاما أن يهربا معا وهو اعتبره
حينها خيارا طائشا وقد فكر في قبائلها وفي صنوان والنتيحة
كانت أن انتظرا كل هذه الأعوام وفي النهاية هي هربت بالفعل
ثم وجد ابن شاهين حلا لذلك ، كان تهور وفعلها وقتها وترك
له حلها بمعرفته وفر بها لخارج البلاد ولتحترق الأرض ومن
فيها فهي كانت محترقة من دون أسباب .. لكن القدر لا يغيره
أحد ولا يتحكم فيه أحد هو ملك لله وحده يتصرف فيه كيف يشاء .
أبعدها عنه وأمسك وجهها بيديه وقبل جبينها وعينيها ودموعها
ووجنتيها ووقف عند شفتيها وهمس مبتسما
" أخشى من هاتان فعلا وأن لا أسيطر بعدهما على نفسي وغسق
سبق وهددتني وقررت بأن نؤجل كل هذا "
أنزلت رأسها خجلا منه فضمها لحضنه مجددا وقال بأسى
" سامحيني آستي حبيبتي ... ليتني أنا من تعرضت لكل هذا ..
ليتني مت وما تضررت يوما "
ابتعدت عن حضنه ولامست شفتيه بأصابعها هامسة بحزن
" لا تذكر الموت رعد أرجوك "
وامتلات عيناها الواسعة بالدموع مجددا وهمست بعبرة
" أنت لن تتركني رعد أليس كذلك ؟ لن تفعلها بي مجددا فسأموت
هذه المرة لا محالة "
أمسك وجهها وضمها لحضنه وقال بحزن
" لن أفعلها آستريا قسما لن أفعلها ولن تعنيني بعد اليوم البلاد
بأكملها ومن فيها "
تمسكت بقميصه بقوة وقالت بضحكة مكتومة تغلبت على
حزنها وبكائها
" لا يسمعك مطر شاهين تقول هذا "
ضحك وضمها له بقوة قائلا
" بل لم تري مطر شاهين اليوم إنه أكثر تهورا مني "
ابتعدت عنه ونظرت له وحركت رأسها برفض قائلة
بابتسامة صغيرة
" لا أصدق ذلك .. قد يتغير الليل والنهار وهو لا يتغير إنه
يتنفس وطنه ويعيش له ومن أجله .. لست أتخيل إن فعلها
هو ما قد يصل له حالنا جميعا "
أمسك طرف وجهها بيده وقال مبتسما وممررا ابهامه برفق
على الخدش الواضح في وجنتها
" لو سمعت مكالمته لي قبل قليل لتغير كل حديثك هذا "
وتنفس بعمق متابعا بذات ابتسامته
" لما لا نترك الحديث عن مطر الآن قبل أن أتضايق من
هذا فعلا وليس أنا فقط بل وواحدة من ساكني هذا المنزل "
ضحكت بخفوت تسحب الهواء لصدرها بقوة وهمست تحرك رأسها
" يا إلهي لم أرى شخصان يلائمان بعضهما مثلهما ولم أنسى
أبدا يوم زفاف شقيقي اوسو وكيف ظهرت بفستان العروس
الثنانية وكيف كانت ردة فعله حين رآها به ... حتى السنين لم
تغيرهما أبدا "
قبل جبينها ونظر لعينيها وقال
" ألم نقل اتركينا من الجميع وأخبريني الآن ما سبب كل هذه
الخدوش والكدمات هل ثمة من تعرض لك آستريا ؟
هل تعرضت للضرب ؟ "
حركت رأسها بالنفي وقالت بحزن
" بل تدحرجت من فوق المنحدر بين أراضينا وصنوان "
ولم تستطع امساك ضحكتها ولا دموعها أيضا لا تعرف أتضحك
على الموقف أم تبكي فحضنها بقوة يقبل خصلات شعرها
ولم يتوقف عن الهمس بحزن
( ساحميني حبيبتي ... سامحيني )
حتى انفتح باب الغرفة فجأة ومن دون طرق ووقف أمامه
الذي قال متلعثما " أأ ... أنا .... آسف "
وتابع راكضا من هناك
" عمي رماح يريدك في أمر ضروري "
واختفى كما ظهر فجأة دون أن يترك لأي منهما المجال
لاجتياز صدمته ليتحرك مبتعدا عن الآخر إلا بعد مغادرته
فنظر رعد للباب بصدمة قبل أن ينظر للتي كانت تنظر للأرض
تمسك بحزام منشفة الحمام وقد همست بحياء
" أنا آسفة كان موقعي هنا خاطئا "
ابتسم وقال ممررا أصابع يده خلال خصلات شعرها المبلل
" بل كان خطئي فأنا من أرسلك لغرفتي "
وتابع بضحكة
" بل الخطأ على ذاك الفوضوي الذي لم يطرق باب الغرفة حتى
إن كنت فيها لوحدي فكيف بعد وجود زوجة لي هنا ؟ "
لم تعلق ولم ترفع رأسها له لازالت تلف الحزام حول أصابعها
بقوة فمد يده لهم ومرر أصابعه الطويلة عليها ببطء وأمسكها
بقوة قائلا بابتسامة
" الغرفة بجانب غرفتي مجهزة فيمكنك استخدامها حتى ننتقل
جميعا لمنزلي في حوران .... أقصد منزلنا "
رفعت حينها نظرها له وقالت باستغراب
" تنتقلون جميعا !! "
قال مبتسما وهو يمررا طرف سبابته على وجنتها برفق
" أجل وسنتحدث في وقت لاحق فثمة الكثير سأقوله لك
وسأسمعه منك "
وتابع بذات ابتسامته ونظره ينتقل من جسدها لوجهها
" وطبعا لأن السيدة غسق غاضبة حاليا ومعتصمة في غرفتها
حتى اشعار آخر فلن أستطيع جلب ملابس لك منها مؤقتا
لذلك سيكون عليك انتظاري حتى أخرج وأجلب لك ما تحتاجينه
بعد أن أرى ما يريد رماح ... اتفقنا ؟ "
أومأت له بحسنا مبتسمة فأمسك وجهها وقبل جبينها وهمس
ناظرا لعينيها
" أحبك "
وغادر فورا نظراتها المحبة الدامعة تتبعه حتى اختفى عنها
خلف الباب الذي أغلقة بعده فتنفست بقوة مغمضة عينيها
وهمست ودموعها تنساب من رموشها الكثيفة ببطء
" حمدا لك يا إلهي "
وحضنت نفسها بذراعيها بقوة تريد الشعور به أكثر حتى بمنشفته
الخاصة التي تحتضن جسدها لتستوعب وإن جزئا بسيطا مما
هي فيه وبأنها فعلا أصبحت معه .. زوجته ولا شيء أو أحد
سيفرقهما مجددا .
*
*
*
بكت لوقت طويل لم تعد تعي شيئا ولا تهتم بما يحدث حولها
ولا بالتي جلست بجانبها على الأرض ... التي خرجت من ذاك
الحفل خلفهما واجتازت الحديقة وسارت في ذات طريقهما
ولم تكن تتوقع أن يكونا هناك بل ظنت بأنهما غادرا فورا
حتى وجدت نفسها أمام ذاك المشهد والشاب الذي كان منذ
لحظات في الداخل يفجر غضبه بمسببه دون أن يكترث لأحد
أو شيء يتحول لعاشق يفرغ جل ما يكبته في تلك الحبيبة
وحتى غضبه واستيائه منها .. يقبلها بعنف وغضب واحتياج
كمن لم يعرف النساء من قبل ولن يعرفنه مجددا .
حسدته للحظات لأنه استطاع أن يعبر عن غضبه في مفتعله
وكان سيقتلها دون أن يهتم لأحد بينما تعجز هي عن فعل ذلك
دائما رغم أن ألم ماضيها فاق ما عاشه هو بكثير وقد خسرت
ما لم يخسره ، ورغم قوة شخصيته وصلابته الواضحة إلا
أنه كان أضعف من أن يسيطر على هذه الفتاة الرقيقة الهادئة
وهو يمر بأضعف حالاته أمامها حتى أنه كان يعاتبها ويقبلها
ذات الوقت ، ابتعدت عنهما تلك اللحظة حين أدركت بأنهما
هناك لكنها استطاعت سماع ما دار بينهما ولن تنكر بأن الفضول
كان ما دفعها لذلك فهي لم تنسى لقائها السابق بذاك الشاب
حين كانت شبه فاقدة للوعي لا تشعر سوى بآلام قاتلة في
جسدها بأكمله وقد استفاقت فجأة لم تنظر للمكان الجديد الذي
أصبحت فيه بل للواقف فوقها يمرر يده ببطء فوق رحمها
فأمسكت رسغ يده رغم قواها الخائرة حينها ونظرت له بصدمة
وذعر ولازالت تذكر جيدا ما قاله ذاك الوسيم حاد الملامح
ناظرا لعينيها
" لا تخافي فأنا طبيب يا زيزفون "
وحين لم يلاحظ أنها اقتنعت بما يقول تابع وبجدية
" كما أني متزوج وسبق وعاهدت نفسي أن لا أفعل ما تفكرين
فيه مع امرأة غيرها "
فارتخت أصابعها تدريجيا وقد تابع وبذات جديته
" أنا أحد رجال مطر شاهين يا زيزفون فلا تخافي مني "
حينها فقط تركت يده وقد سقطت يدها بجانب جسدها مع انسدال
جفنيها على تلك الأحداق الزرقاء مجددا وسرقها الظلام لعالمه
القاتم من جديد ، وها قد جمعتها الصدف ليس به فقط بل وبمن
سبق وذكرها أمامها .. من لو استطاعت أن تثق به ما كانت
لتتعقد أمورهما هكذا لكنها ليست تلومها أيضا فصحيح أنها
بقرارها هذا اختارت الألم لنفسها لكنها دفنته في داخله أيضا
قبل أن يغادر بينما إن غادرت معه كانت ستعيش الألم ذاته
مستقبلا بينما ستخلصه هو منه وفي كل مره كانت ستتألم
هي بينما سيتخلص هو من ألآمه .
نظرت ناحيتها حين قالت باكية ولازالت على وضعها السابق
وقد بدأت بضرب ركبتيها بيدها
" لمن يتركني في كل مرة ويغادر لمن ... ؟ ألا يدرك بأني
من دونه وحيدة وبأنهم تخلوا عني يوما مثله تماما وتركوني
لقسوة الحياة ؟ لماذا يختار قتلي بتلك الطريقة لما ! "
قبضت على أصابع يدها لا شعوريا ونظراتها الحزينة لم تفارقها
تشعر بمعنى كل ما تقوله وتتفهمه فما أقسى أن يتركك من يفترض
بأنهم عائلتك وبأنك جزء منهم لتواجه قدرك القاسي وحيدا في حين
أنهم يعيشون في رغد الحياة بل وتجد نفسك فيما بعد مجبرا على
العيش معهم وعلى تقبلهم كجزء من عالمك وستكون في نظرهم
مخطئا إن أنت رفضت ذلك أو عبرت عن رفضك له ، فهذه الفتاة
وذاك الشاب مرا بذات المعاناة ورغم ذلك يرفض كل واحد منهما
أن يمنح الآخر ما فقده وتراهما سيستمران في هذا ولوقت طويل
وكل واحد يرى أن الآخر من عليه أن يتنازل ولن يتوقفا عن
جرح الواحد منهما الآخر أبدا .
رفعت يدها ببطء في سابقة لم تعرفها هي عن نفسها أو تشعر
بالرغبة في فعلها يوما وليست تفهم لما حينها فعلت ذلك ويدها
تلامس برفق ذاك الشعر البني الحريري ماسحة عليه ببطء !
قد يكون لأنها ترى زيزفون الطفلة الوحيدة فيها وقسوة أقرب
المحيطين بها .. ترى تلاشيها مع حزنها أمرأة وضياعها بين
العدو والصديق فيهم فجرحها منهم واحد .
أبتعدت يدها عنها لا شعوريا حين ارتمت في حضنها باكية فنظرت
لها باستغراب ولازالت ترفع يدها بعيدا عنها وأول ما أخبرها به
عقلها بأنها ظنتها تلك المدعوة ساندرين حتى قالت باكية تتمسك
بحضنها بقوة
" لما لا يشعرون كما نشعر نحن يا زيزوفون ؟
لما لا يفهم بأني أحببته دائما ؟
لما لا يشعر بهذا ؟ "
قبضت على أصابعها وحررتها ببطء قبل أن تمسح على
شعرها مجددا وقالت بجمود تنظر للفراغ أمامها
" لأنه رجل يا ماريه والرجل لا يهب كل شيء ... هم يعولون
دائما على ذاك الجزء العاطفي الضعيف في المرأة "
وتابعت ولازالت تمسح بيدها على شعرها برفق
" وهذا ما فعله هو تحديدا حين وضع نفسه ضمن خيارين
أمامك وأنت كنت قوية وتصرفت بشجاعة حين رفضت
اختياره على كل شيء حتى ألآمك وإن رأى هو ذلك إهانة له
فأنت كسبت نفسك على الأقل وإن كان يحبك سيعذرك ويتفهمك
ويسامحك يوما ما ومهما كان بعيدا صدقيني فالمرأة إن بدأت
بالتنازلات ستخسر كل شيء وأولهم نفسها أما الرجل فالعكس
تماما كلما تنازل من أجل امرأة تحبه كان كاسبا "
لاحظت أن بكائها خف تدريجيا عما كان وكأن كلماتها تلك كانت
السبب والتي لا تعلم حتى كيف استرسلت فيها بذاك الشكل
وهي من لم تحبذ كثرة الحديث طوال حياتها ! ولن تستغرب
ذلك فهذه الفتاة تملك طاقة إيجابية عظيمة تبثها في من ينظر
لها تشعرك بجمال الحياة من نظرتها وابتسامتها الرقيقة الهادئة
وتجعلك تفتح قلبك لها دون شعور ولن تستغرب أبدا أن سيطرت
على غضب ذاك الشاب بل وجعلته بعدها يتحول وفي لحظات
من وضع الهجوم والاستياء منها للشغف المتطلب ...
لرجل يطلب حضنها واقترابها في أوج غضبه العميق منها .
أبعدتها عنها فبدأت بمسح دموعها ولازالت شهقاتها تخرج
متتالية بسبب كل ذاك البكاء فقالت بابتسامة مائلة ناظرة لعينيها
" ثم آثمة من توقع قلبها في حب رجل مثله ؟ أراه لا يعرف
ألوانا أخرى للأسود "
أبعدت نظرها عنها وضمت ركبتيها ونظرت للأسفل هامسة
بحزن ودموعها عادت لمعانقة رموشها
" لو أنك أحببت أحدهم يوما ما كان حديثك هكذا "
وتابعت بأسى وقد نظرت لها مجددا
" لابد وأنك لم تجربي الحب يوما لذلك لن تفهمي ما قد أقوله "
أسدلت جفنيها للأسفل وقالت بابتسامة ساخرة
" إن كانت نتائجه هكذا فلن أخوض المغامرة أبدا "
نظرت أمامها مجددا وقالت بحزن ومرارة
" الحب لا يسأل أبدا يا زيزفون وهذا أقسى ما فيه والمحظوظين
فقط من توقعهم قلوبهم على الأشخاص المناسبين ومن يبادلونهم
ذات المشاعر ، تيم علاقتي به ليست وليدة اليوم ولا الأمس بل
عشت أراه أمامي وكبرت بقربه وعلى يديه تقريبا ، كان هو
ووالدته الأشياء الوحيدة الجميلة في حياتي فاختفت والدته
فجأة وتبعها هو سريعا وتركاني وحيدة "
وتابعت ببحة وقد نظرت لها تلك الأحداق الذهبية الدامعة تنساب
قطراتها المالحة على وجنتيها
" تصوري أننا زوجين منذ كنت في الخامسة من عمري ولم
أراه من حينها حتى هذا العام وكان عليا أن أختار بين قربه
الموجع أو فراقه مجددا وللأبد ؟! "
نظرت لها بصمت قبل أن تتنهد قائلة
" لا يمكن لأحد الحكم على ما بينكما ويجهله ماريه لكني سبق
وأخبرتك أنتي من اختار رفض ما يريد فكوني على قرارك دائما
ولا تندمي عليه كي لا تخسري كل شيء وحتى احترامك لنفسك
ونظرتك لشخصيتك وليس هو فقط "
حركت رأسها برفض هامسة بعبرة
" لا يمكنني تحمل ذلك فكيف أوافق عليه ؟ كيف أرضى بأن
تشاركني أخرى فيه تأخذ كل حقوقي وأصمت ؟ أفضل الموت
وحيدة بعيدا عنه على رؤيتهما أمامي لأموت كل حين "
ظهرت ابتسامة مائلة على طرف شفتيها وقالت
" اذا ابقي على قرارك واتركيه هو من يقرر مكان وجودك في
حياته وسيغير كل هذا إن أراد ذلك وحين فقط يعلم بأن الحل ليس
في طاعتك له ورضوخك لشروطه ، كوني على موقفك ماريه
وإما أن تكسبيه أو أن تكسبي نفسك وكرامتك وهذا هو الأهم "
" بدلا من أن تقدمي نصائحك للفاشلات عاطفيا لما لا تبتعدي
عن حياة غيرك قبل أن تدمريها "
رفعت نظرها فورا للواقفة مقابلة لها والتى ظهرت من خلف
السيارة لحظتها وصاحبة تلك العبارة والأسلوب الفض فوقفت
فورا ونظرت لها نظرة تشبه نظرتها النارية تلك فهذه يبدوا
أنها لم تتعلم الدرس مما قاله لها زوج شقيقتها أو أنها
استهانت بها حين لم تعلق سابقا على ما قالت فهي سئمت
فعلا من كل هذا ....
تلك الانجليزية الحمقاء ثم نظرات ذاك العجوز وزوجة ابنه
المقززان والآن هذه الحشرة التافهة وكأنهم يرونها لقمة
سائغة كل من تعكر مزاجه من أحدهم بحث عنها ليفرغ
استيائه فيها !
لكنها تعرف جيدا كيف تجعل كل واحد يتعرض لها لا يكررها
مجددا .
تنقلت نظرات تلك على جسدها باشمئزاز وقالت
" لا يخبرك عقلك المريض بأن وقاص قد يترك زوجته من
أجلك فجده لن يسمح له بترك زوجته ولا هو سيرضى بأن
يغضب جده منه وبالتالي صديقه والذي يكون والدي "
ابتسمت بسخرية فورا متمتمة
" حقا !! أرى شقيقتك لا تعرف زوجها جيدا "
تلك الكلمات والثقة الواضحة أصابت الواقفة أمامها في مقتل
وهذا ما لاحظته تماما وما رفضت تلك اظهاره حين قالت بسخرية
" نزوة عابرة وسيتخلص منك سريعا كغيرك فلا تفرحي
بهذا كثيرا فالنساء بالنسبة للرجال ورق لعب "
نزلت بنظراتها الساخرة ليدها ولخاتم الزواج فيها قبل أن تعود
للنظر لعينيها قائلة
" إن كان زوجك هكذا فلا تسلي نفسك بهذه النظريات السخيفة "
نظرت لها بصدمة وغضب لكنها لم تترك لها المجال لتعلق
وقد تابعت بذات سخريتها
" كان يفترض بك أن تتبجحي بحبه لها أو احترامه لما
يربطهما لا بخوفه من جده ووالدك ، ثم كيف لعاقلة راشدة
أن تقول عن زوج شقيقتها بأنه يلهو مع النساء وهو أبعد ما
يكون عن ذلك أم أنكم تربيتم على هذا ؟ "
صرخت فيها بغضب من فورها
" ليس لمجنونة نزيلة المصحات النفسية والعقلية مثلك أن
تتحدث عن تربيتنا ، ووقاص لن ينظر لعليلة مثلك يا ابنت
اللقيطة و .... "
لم تتركها تنهي كلامها وهي تنقض على شعرها الأسود
الطويل وقد لفته حول يدها تشد على أسنانها بقوة تجرها منه
ناحية الأرض متجاهلة صراخها ومحاولات ضربها لها بيديها
وقد قالت من بين أسنانها
" والدتي أشرف من أمثالك يا حثالة "
ها قد أخرجت تيم الموجود داخلها أيضا فقد أخطأت حين ظنت
بأنها لا تستطيع القصاص لنفسها ممن يؤذونها وبيديها فعند
ماضيها هي أيضا يتوقف كل شيء وذاك ما حدث حين تحدثت
تلك المرأة عن جدتها سابقا ، كانت ستطرحها أرضا لشدها لها
ناحيتها بقوة لولا اليدان اللتان التفتا حول خصرها للذي وصل
ناحيتهما راكضا ومن ذات الجهة التي جاءت منها سابقته
والتي مثلها تماما بحث كثيرا ليصل لهذا المكان ويجدها ، أبعدها
عنها بالقوة صارخا
" زيزفون توقفي "
لكنها استمرت في حركتها العنيفة رغم تثبيته لها وذراعاه تلتفان
حول خصرها يشدها لجسده بقوة ويداها تحاولان الوصول للتي
كانت ترتب شعرها وكحل عينيها قد سال على وجنتيها صارخة
" اتركني اعلمها من تكون ابنة اللقيطة ...
أتركني وشأني يا وقاص "
لكنه لم يفعل ما طلبت بل قال للتي كانت تنظر لها بكره
لازالت تتفقد شعرها
" غادري من هنا يا جيهان "
فنظرت له فورا صارخة
" أنا من تغادر أم هذه المتوحشة يا وقاص ؟ ألازلت تراها الملاك
الرقيق الغير مؤذي وتنكر أنها مجنونة ؟ "
جاء الرد سريعا من التي صرخت ولازالت تحاول الفكاك من قبضتيه
" أجل مجنونة واذهبي وأخبري شقيقتك بأن زوجها والمجنونة
حبيبان وسيتزوجها عليها واحتفلا بذلك معا ولا تنسيا دعوة
جده ووالدك أيضا "
شد ذراعيه حولها أكثر حين كانت ستفلت منه وصرخ في
الواقفة هناك
" جيهان غادري الآن وفورا "
فنظرت له بغضب قبل أن تقول مغادرة
" لا تنكر لاحقا ما اعترفت به هذه المتوحشة ويبدوا أنه حقيقي "
وغادرت من هناك بخطوات غاضبة فتركها حينها محررا
خصرها من قبضة ذراعيه فابتعدت عنه بحركة عنيفة تحاول
جمع شعرها وقد قال بضيق
" لما هكذا يا زيزفون ؟ "
صرخت فيه فورا
" لأثبت لهم فشل نظريتك طبعا .. أليس هذا ما تود قوله ؟ "
صرخ فيها بالمثل
" لا تتهميني بأفكارك "
لوحت بيدها حولها قائلة بغضب
" هذه ليست أفكاري بل أفكاركم جميعا "
ونفضت يدها منه ما أن حاول إمساكها منها وقالت بحدة
" لن أعود لذاك الحفل ولا لذاك المكان مجددا فاتركني وشأني "
وتابعت ملوحة بيدها بغضب
" أهذا ما كنت تريده يا وقاص ؟
أن أواجه الوحوش المحيطين بك ؟ "
شدها من يدها دون أن يهتم لاعتراضها ومحاولة الفكاك منه
وسحبها جهة سيارته وفتح بابها وأجلسها فيها مرغمة وأغلق
الباب قبل أن يركبها أيضا ويغادر بها من هناك على النظرات
المستغربة للتي تركاها خلفهما والتي أجفلت مفزوعة ما أن
مر ذاك الجسد مسرعا بجانبها قبل أن تقابلها صاحبته قائلة بضيق
" أنتي هنا ؟ "
نظرت لها باستغراب وقالت
" ساندي ما بك ؟! "
قالت بذات ضيقها
" لا شيء ... أين ذهب ذاك الأحمق الآخر الذي خرج بك من هناك ؟ "
أبعدت نظرها عنها متمتمة ببرود
" غادر "
نظرت لها باستغراب وقالت
" لم يأخذك معه ! "
نظرت لها بعينان دامعة قبل أن تشيح بوجهها عنها هامسة ببحة
" أنا من رفض ذلك "
قالت بحدة
" أفضل شيء فعلته في حياتك فهؤلاء الرجال لا ...... "
وشهقت بصدمة وفرت راكضة من هناك ما أن وقع نظرها
على الذي خرج من باب المنزل وتوجه نحوهما فورا والذي
ركض لحظتها أيضا ولحق بها بسرعة وسهولة ورفعها عن
الأرض مطوقا خصرها النحيل بذراعيه وسار بها عائدا جهة
التي كانت تنظر لهما مصدومة وما أن وصل بها عندها أنزلها
للأرض ولازال يمسكها بإحدى ذراعيه وقد رفع بيده الأخرى
يدها لها يريها الخاتم فيها قائلا بابتسامة
" ألن تباركي لنا ماريه "
نقلت نظراتها المصدومة منه للتي كانت تحاول الفكاك منه
تشتمه بهمس من بين أسنانها وقالت مبتسمة بحزن ما أن
عادت بنظرها له
" مبارك لكما أنتما تناسبان بعضكما بالفعل "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت جهة سيارتها الذهبية المركونة
قربها وحيت كانت تقف سابقا تلك اللمبرغيني السوداء والتي
من بين ذاك المكان الواسع بأكمله اختار أن يوقفها قرب سيارتها
لتناقض أفعاله بعضها ككل مرة ، ركبتها وغادرت من هناك فلم
يعد يمكنها البقاء هناك أكثر من ذلك تاركة خلفها التي
كانت تناديها
" ماريه يا حمقاء انتظري ... خذيني معك "
وتلك اليد تسحبها نحو باب المنزل مجددا وقد قال صاحبها مبتسما
" لا تجعلي والدك يغضب منك حبيبتي وتخجليه أمام الجميع "
فلكمته في كتفه بقوة صارخة
" لا تقل حبيبتي مجددا "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 82 others like this.
رد مع اقتباس
#6759
قديم 29-01-18, 09:17 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
مسح على الجرح في فخذها برفق يشعر بأنينها المتألم يمزق
قلبه ولم يعد يمكنه التحكم في الدموع التي سالت على وجنتيه
تباعا تسقي شعر لحيته الخفيف جدا يعجز عن فعل أي شيء
من أجلها وكما كان دائما حتى كره ترديد ذات تلك العبارة وسماعها
من نفسه .... ( فاشل ) هذا ما يجب أن يطلق على نفسه فقط
وإلاكان أخرجها من هنا .. من كل هذا الظلم والجبروت وإن لآخر
الأرض ولن يجدها والده حينها لا بالقانون ولا بغيره لكنه عاش
يمني نفسه دائما بالغد الأفضل ثم علق آماله في صديق ليس
يعلم حتى كيف اختارها زوجة هكذا فجأة وهي في هذا السن
وهم في ذاك المستوى المادي وهو ابن عائلة شهرتها في البلاد
لا حصر لها واسم متاجر وأسواق وفنادق ومنتجعات الشعاب
يعرفها القاصي قبل الداني ولم يفكر حتى إن كان حقيقة ذاك
أم وهم وها هو يتحجج بوالدته طوال الوقت بل ولم يتحدث
عن الزواج أمامه يوما ولم يكن من ضمن خططه المستقبلية ! .
غطى فخذيها برفق فحتى هذا لا أحد غيره الرجل يفعله لها فلم
يسلم من جسدها شيء إلا وعلم عليه ذاك السوط بوحشية ،
ما كان عليه تركها هنا أبدا ولا أسباب تشفع له فإن تدمر
مستقبله المهني فقط فهي دمروها بالكامل فلم تحضى ولا
بالتعليم المتدني الذي حصل هو عليه وصنعا منها فتاة جاهلة
عديمة إرادة لا تستطيع دفع الأذى عن نفسها ولا بلسانها
وكلماتها وإن بقيت هنا أكثر فسيصنعون منها امرأة فاشلة
في كل شيء ذات شخصية مهزوزة منطوية وسيدمرونها
نهائيا وستفشل في حياتها حتى إن تزوجت يوما ما وخرجت
من هنا وأيا كان ذاك الزوج لذلك هو لن يسكت عن هذا أكثر
من ذلك ولن ينتظر أبان ولا غيره وسيأخذها معه للجنوب ولن
يجدهما والده وستدرس وتتعلم هناك وتكون أمام ناظريه لن
يؤذيها أحد ولن تحيا إلا الحياة الكريمة التي لطالما تمناها لها
ولن يتركها هنا ليوم آخر .
غطى جسدها باللحاف برفق وقبل جبينها وقال بحزن ماسحا
على شعرها
" تحملي حتى الليلة يا يمامة وسآخذك من هنا ونغادر نهائيا
ولن نرجع هنا مجددا "
أغمضت عينيها برفق ودمعتها تتدلى منهما ببطء وهمست
مبتسمة بصعوبة
" أجل نغادر يا يمان "
فقبل رأسها ودفن وجهه فيه يخفي دموعه المتقاطرة من عينيه
فهذه المرة الأولى التي توافقه فيها على ذلك رغم الذي رأته منهما
طوال حياتها فهي كانت تخاف عليه وليس على نفسها حال وجدهما
والدهما أما الآن فوجعها كان أقسى من أن يكون ثمة شيء آخر أعظم
منه فذاك القاسي المتجبر أفرغ غضبه من ضياع محصوله فيها ولم
يراعي لا صغر سنها ولا ضآلة حجمها ونحول جسدها ولا كونها
ابنته قطعة منه سيحاسب على ما يفعله بها أمام خالقه .
أطفأ نور الغرفة وخرج وأغلق الباب خلفه وغادر من هناك فعليه
أن يرتب كل شيء ليأخذها من هنا ليلا دون أن يشعر أحد وأول
ما سيفعله الآن هو العودة للجنوب مجددا فبالكاد سيصل هنا مقربة
الفجر وحينها لن يشعر بخروجهما أحد .
غادر وليس يعلم بأنه ترك خلفه أذنا كانت تسمع كل ما قال في
الداخل وخطط له والتي خرجت من مخبأها خلف جدار الغرفة
المجاورة وابتسمت بمكر متمتمة
" على جثماني تأخذها من هنا يا يمان وقل زبيدة قالت ذلك "
*
*
*
طرق باب الغرفة طرقتين متتاليتين ثم فتحه ودخل ووقع نظره
فورا على الجالس على كرسيه المتحرك مواجها للتلفاز المعلق
على جدار الغرفة يضغط أزرار جهاز التحكم بقوة مفرغا غضبه
فيه ومن ملامحه علم كيف يكون ذاك المزاج ولم يعد يستبعد
شيئا من ساكني هذا المنزل ! .
اقترب منه وجلس أمامه وقال ناظرا لملامحه المتجهمة
" رأيت غسق تخرج من ممر غرفتك قبل قليل ولا أستبعد أن
تكون سبب هذا المزاج المشتعل "
رمى جهاز التحكم من يده وقال بضيق
" لقد حددت موعدا مع عائلة جهينة لنزورهم الليلة ولم تهتم
ولا برفضي للأمر واحتالت علي بعاطفتي الأخوية نحوها كما
كانت تفعل منذ صغرها "
لم يستطع الجالس أمامه إمساك ابتسامته وقال
" وأنت لن تستطيع الخروج من ذاك المأزق طبعا وتخجلها
ونفسك قبلها أمامهم إن رفضت الذهاب ؟ "
نظر له وقال بضيق
" رعد لا تستفزني بابتسامتك هذه .. أنا لم أطلب رؤيتك لأرى
أسنانك أو لتسخر مني "
تنهد بعمق وقال
" وما الذي سأفعله إذا ! أعتذر أنا منهم أو أرفض ؟
لا تفكر في ذلك أبدا يا رماح ولن أتحمل مسئولية قراراتك "
قال بضيق
" ولما لا ترفض فأنت فقط من سيتقبلون الأمر منه "
عقد حاجبيه وقال بجدية
" رماح أنت تحب الفتاة أم تضحك على نفسك طيلة تلك الأعوام
ولم تكتشف ذلك إلا الآن ؟ "
قال بذات ضيقه
" بل أحبها .. هل المشاعر لعبة يا رعد تأخذها وترميها وقتما
تشاء وأنت من جربت ذلك مثلي ؟ "
قال بجدية مماثلة
" إذا ما المانع في أن تجتمع بمن تحب يا رماح ؟ هل ثمة من
يختار فراق حبيبته بنفسه ! "
أشاح بوجهه جانبا وهمس بمرارة
" لو كان وضعك مثلي ما قلت هذا "
أمسك ذقنه وأدار وجهه ناحيته وقال بجدية ناظرا لعينيه
" وإن كان أسوأ منك بل وإن فقدت ساقي وبترا بشكل نهائي
ما دفنت نفسي وأحلامي متحججا بعجزي ذاك ، أكنت لتتخلى
أنت عنها إن كانت هي في حالتك الآن ؟ "
قال من فوره
" لا قطعا لكنها لن ترضى بذلك لي أبدا وستفكر كما أفكر
أنا الآن ، ومهما عتبت عليها حينها سأدرك فيما بعد أنها
اختارت ما فيه مصلحتي "
حرك رعد رأسه برفض قائلا بحزم
" مخطئ يا رماح فأنت لن تعيش سعيدا مع أخرى سليمة إن
كنت تحبها فعلا وأنت تدرك ذلك جيدا لكنك تعاند وتكابر
وحجتك مصلحتها "
ضرب بقبضته على مسند الكرسي وقال بضيق
" لست أفهم ما الخطأ فيما افكر فيه !
لأني أحبها ولا أريد لها التعاسة معي أكون مذنبا في حقها ؟
على جهينة أن تدرك ذلك وتعلم بأن مستقبلها ليس معي وأن
لا تنساق خلف عاطفتها وترمي بنفسها للضياع "
وقف على طوله وقال
" جد لنفسك حلا إذا فأنا لن أفعل ذلك نيابة عنك وعليك تفهم
موقفي أيضا "
رفع نظره له ولوح بيده قائلا بضيق
" عليك اقناع شقيقتك العنيدة تلك إذا "
رفع يديه وحرك رأسه قائلا باستياء
" اقنعها بماذا وأنا عاجز حتى عن إقناعها بالخروج من غرفتها
التي تسجن نفسها فيها ؟ "
نظر له باستغراب وقال
" ولما تسجن نفسها ؟ هل تشاجرت معه مجددا ؟ "
أشاح بوجهه جانبا ومرر أصابعه في شعره متنهدا بضيق قبل أن
ينظر له مجددا وقال
" أمورهما تتعقد يا رماح وتصل لطرق مسدودة وإن لم يتصرف
ذاك الرجل سريعا فلن يخسرها وحده بل وجميعنا معه فلاحظ أنها
بعد موت والدي رحمه الله باتت أضعف ... هشة سهلة العطب
والكسر مهما ادعت القوة وكأنها فقدت مصدر قوتها الوحيد ،
حتى عودة ابنتها كان مصدر ضعف لا قوة لها .. إننا نخسرها
يا رماح وأنا أكثر من يستطيع رؤية ما يجلبه المستقبل لها إن
استمرت في تلقي الصدمات الموجعة دون أن تشعر من جديد
أنها ليست وحيدة وأنه ثمة من تستطيع أن تثق في حبه وحمايته
لها من كل شيء وحتى ابن شاهين نفسه وهذا ما كانت تراه
في والدي فقط ورغم عجزه عن فعل أي شيء لها بعد هجران
ذاك الرجل للبلاد آخذا ابنتها معه ولا بضرب شروطه التي
طوقها بها عرض الحائط ، فهي كانت تراه كما كانت طفلة
الجدار الحامي لها والذي لن تصدعه السنين أبدا وبفقدانها له
تحطمت من الداخل ولا أحد يعلم عنها يا رماح "
نظر له بصدمة وقال
" ما تقوله الآن خطير جدا يا رعد فأنت ترى أن غسق مجرد
امرأة ضعيفة تحتاج لحماية أحدهم دائما وهذا مناف للواقع "
حرك رأسه بالنفي وقال بجدية
" أنا لم أقل ما فهمته أنا عنيت أنها تحتاج لأن تشعر بالأمان
دائما فشخصية غسق بنتها محبتنا لها طفلة وتعلقها بنا
وخصوصا والدي وأنت تعلم جيدا كيف كان يعاملها .. قسما لم
أرى ولا امرأة في الوجود تعامل ابنتها مثلما كان يعاملها هو
وفقدانها للكاسر الذي أنا اجزم بأنها كانت تشعر بأنه أخذ مكاننا
جميعا لأنها أحبته اهتزت غسق من الداخل وفقدها لوالدي كان
الضربة الأقسى لها لأنها تبعت صدمتان قويتان لم تمحوهما
السنين من داخلها "
حرك رأسه بعجز عن فهم كل ذلك واستيعابه وتمتم ببرود
" لا حل إذا سوى أن نجعلها تقتل ابن شاهين وتتخلص حينها
من عقدها جميعها "
نظر له متمتما بضيق
" ما أسخفك يا رجل "
لوح بيده وقال
" أريد حلا لمشكلتي الآن ثم نجد لشقيقتك مئة حل فيما بعد "
قال الواقف أمامه وبجدية
" لا حل سوى أن تضع عقلك في رأسك وتتوقف عن إضاعة
العمر منكما أكثر مما ضاع ، أعطي الفرصة لكليكما يا رماح
ليثبت أحدكما للآخر صدق أفكاره فإما أن تعيشا معا وسعيدين
وإما أن تحررها منك حين تقتنع هي بأنك كنت على حق سابقا
ولا تترك أي شيء للتكهنات يا شقيقي "
رفع جهاز التحكم مجددا وبعنف متمتما
" كلامك ككلام شقيقتك تماما ... بائسان "
وتابع بضيق وقد عاد لتقليب المحطات " جهز نفسك للذهاب
وحدك معها إذا لأنكم لن تسحبوني في الكرسي إلى هناك لتقدموا
لهم نموذجا حيا عن زوج شقيقتهم المستقبلي "
تنهد بضيق وحرك رأسه بيأس منه وغادر من عنده بل ومن
المنزل بأكمله فعليه أن يجلب ثيابا لآستريا كما سيكون عليه
شراء ما سيأخذونه معهم الليلة رغم أنه يجهل تماما في هذه
الأمور ، لو كانت آستريا بكامل عافيتها لأخذها معه لتساعده في
ذلك بل وما كان ليرجع بها هنا قبل المساء بل ويشك أن يرجعا
الليلة ، ركب سيارته وغادر من هناك هامسا بابتسامة دافئة
" قسما أن آخذك لحيث تتمنين يا آستريا وأن أجلب لك كل ما
تشتهيه نفسك وأن لا تشعري معي بالتعاسة يوما "
*
*
*
دخلت المنزل مغلقة بابه خلفها بهدوء واغتصبت ابتسامة صغيرة
ما أن وقع نظرها على الخارج من جهة باب المطبخ يمسك في يده
كوب قهوة تخرج منه الأبخرة وقد قال مبتسما ما أن رآها
" عدت مبكرا يا كنانة ! هل كان الحفل مملا لهذه الدرجة
وساندرين فيه ؟ "
نظرت لحقيبتها في يديها وقالت
" بل كنت منشغلة على والدتي ولم أستطع البقاء أكثر "
وتابعت وقد رفعت نظرها له
" كيف أصبحت الآن ؟ "
أومأ برأسه قائلا
" أفضل بعض الشيء ونامت قبل قليل "
فتحركت من مكانها مجتازة له وما أن ابتعدت عنه قليلا أوقفها
صوته مناديا فوقفت مكانها وتنفست بعمق مغمضة عينيها فقد
تمنت حقا أن لا يسألها بل وأن لا تجد أحدا فتدخل غرفتها ولا
تخرج منها حتى الصباح لكن حظها التعيس يبدوا لن يفارقها
الليلة أبدا ، التفتت له وقالت
" أجل أبي "
اقترب منها حتى أصبح واقفا أمامها وقال مبتسما
" أعلم بأن الأمر مخجل لك لكني لن أستطيع الانتظار حتى
تشفى والدتك لتسألك "
نظرت للأسفل وابتسمت بحزن فليت ذاك الرجل يفهم أي موقف
هذا الذي وضعها فيه بل وأي آمال واهية تعلقها هذه العائلة
على ارتباطهما ، لكنها السبب الأساسي في كل هذا ... أكان عليها
أن تقبل بزواج تقليدي كهذا لم تعرف ولا رأي الطرف الآخر فيه ؟
لكنه لا يعرف من تكون وقد يكون سبب رفضه المجيء اعجابه بها ؟
ابتسمت بسخف على أفكارها تلك فهل سيعجب بها من لقاء واحد
بينهما وستبني أحلاما وهمية على شخص لم يستطع أن يكون لبقا
مع من هم أقل منه كما يراهم ليفكر في الاعتذار منهم على الأقل
قبل أن يفعل فعلته المخزية تلك .
" كنانة !! "
رفعت نظرها سريعا للذي قال مبتسما
" أتحتاج الإجابة كل هذا الوقت ؟ "
تنهدت بعمق قائلة
" لا يبدوا لي أن اللقاء كان موفقا "
شعرت بغضبها من ذاك الشاب يتعاظم أكثر وهي ترى خيبة الأمل
في وجه والدها الذي كان متحمسا للأمر أكثر من والدتها على
ما يبدوا فاغتصبت ابتسامة مازحة وقالت
" لم أكن أعلم بأنكم متضايقون من وجودي هكذا ؟ "
ابتسم على ما قالت وأمسك وجهها بيده قائلا بحنان أبوي
" كنانة كيف تقولين هذا ؟ أنا فقط أردت لك ما كنت تريدينه
أنتي لنفسك بنيتي ، ولست أفهم كيف لرجل بكامل قواه العقلية
أن لا يعجبه هذا الوجه ! "
أرخت جفنيها وقالت تنقذ باقي كرامتها المهدورة بسببه
" الأمر ليس كذلك أبي فأنا لا أعلم رأيه لكنه لم يرق لي "
وحاولت أن لا تكذب فتصرفه بالفعل أغنى عن أي عيوب أخرى به
ونسف مميزاته جميعها لكنها لن تستطيع قول الحقيقة كاملة أيضا .
" أتعني أنكما تحدثتما ولم يعجبك أم مظهره هو الذ.... "
رفعت نظرها له مجددا وقاطعته فورا
" أبي ما كنت لالتفت لشكله فالرجال لا يقاسون بجمالهم وهذا
ما علمته لي دائما لكننا لم نتوافق في أفكارنا ، ألست تتمنى لي
الأفضل ؟ وهذا ليس بالأفضل أبي "
مسح بكفه على شعرها وقال
" بلى بنيتي ولهذا أصررت على أن تذهبي وتلتقيه رغم رفضك
الذهاب وقبولك به كيفما كان فهل أتاك الصواب في كلامي الآن ؟ "
أرخت جفنيها بحزن وهمست بسخرية
" أجل أبي معك حق ما كان عليا أن أحكم على أحدهم من دون
أن أعرفه جيدا "
ثم غادرت جهة غرفتها وتركته خلفها ينظر لها باستغراب حتى
دخلت وأغلقت الباب خلفها واتكأت عليه بظهرها ترفع رأسها
للأعلى تسنده به أيضا وأغمضت عينيها التي إنسابت منها تلك
الدمعة اليتيمة الحارقة وقد ظهرت صورته أمام عينيها ببدلة
الطيران الزرقاء المميزة تلك وجاذبيته الفريدة من نوعها ونظرته
وابتسامته لها ... تشعر بالضياع من أفكارها لا تستطيع مسامحته
ولا نسيانه فإن كانت واحدة أخرى تلك التي كان سيذهب لمقابلتها
ويخططون لتزويجه بها أما كانت لتسعد إن رفض الذهاب !
لكن ما يدريها بأنه رفض الآن من أجلها ؟ حسنا لو اتبع أسلوبا
أقل تجريحا على الأقل ؟ كم حمدت الله أن والداها لم يحضرا الحفل
وأنها تلقت الصفعة الموجعة لوحدها هناك فيكفيها نظرة الشفقة
التي رأتها في عيني رواح وموقفها المخزي وهو يحاول الرفع
من معنوياتها بتذكيرها بأنه الخاسر لأنه لم يراها .
ابتعدت عن الباب تمسح عينيها بظهر كفها مستغفرة الله فقد يكون
في الأمر خيرا لها وقد يرفضها بعد قدومه للحفل ورؤيته لها
وهنا سيوجه لها الضربة الموجعة حقا فلتبقي له تلك الصورة
الجميلة في ذاكرتها لأول لقاء لهما وتكتفي بذلك فقط وتغلق
عليها صندوق أمانيها للأبد وتتوقف عن الأحلام المستحيلة ،
أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة التي أرسلتها له ونظرت لأحرفها ...
جل ما تخشاه أن تكون تسرعت وتندم على هذا فيما بعد ..
لكنها لحظتها تمنت أن تقول أكثر من هذا بل وأن تتصل به
وتسمعه ما لم يسمعه من أحدهم يوما وقد تركت نفسها لتهدأ
أولا ولو قليلا وأرسلتها له حين دخلت سيارة شقيقها شوارع
لندن أي بعد ساعة ونصف في الطريق ونصف ساعة تقريبا
انتظرته فيها عند البوابة الخارجة لمنزل عائلة عمتها ليأتي
بعد اتصالها به مما زاد اشتعالها وغضبها من ذاك المدعو غيهم ،
رمت الهاتف والحقيبة معه على السرير وتوجهت للخزانة أخرجت
بجامة النوم وتوجهت للحمام فعليها أن تستحم وتصلي العشاء
لتنام فهي لا تريد شيئا الآن سوى النوم والهرب من كل تلك
الأفكار البائسة .
*
*
*
اتكأ مستندا براحتي يديه للخلف جالسا على الصخرة المواجهة
لبحر خليج بيدفورد ... الامتداد الساحلي لقناة بريستول ونظره
على الجالسة أمامه على رمال الشاطئ في صمتها المعتاد تراقب
عرض البحر الذي لازال يحاول الظلام تغطية أغلبه متحديا القمر
المكتمل في السماء عدا أمواجه المترامية على رمال الشاطئ
والذي وزعت الإنارة القوية على امتداده وقد اختار هذا المكان
تحديدا ليجلبها له وليس يفهم ولا يعلم لما لكنه فقط أرادها أن
تكون في مكان يستطيع أن يمتص الغضب المدفون داخلها
والذي لم تنفس عنه بعد رغم كل ما قالت وفعلت وهذا ما تأكد
له بعد وصولهما هنا وجلوسها هناك وحيدة حتى أنها أمضت
وقتا طويلا ترمي الرمال المبللة في البحر بغضب تغرفها
بقبضتها بقوة وتارميها دون أن تهتم إن سقطت في الأمواج
أم في الرمال التي تركتها بعدها حتى تعبت على ما يبدوا
فضمت ركبتيها تحضن ساقيها بقوة ودفنت وجهها فيهما
لوقت طويل وكأنها تهرب من كل شيء سوى من صوت تلك
الأمواج الذي هو موقن من أنه له مفعول السحر في تهدئتها
وهذا ما يفعله ذاك الإعجاز الإلهي مع الجميع وما هو موقن
من أنه فعلها معها الآن أيضا قبل أن ترفع رأسها مجددا وتنظر
للمحيط وللبعيد بصمت وسكون وهذا حالها منذ وقت حتى أنه
لم يعد يهتم بما يجهله من أنواع أفكارها تلك بل بما يعلمه
منها وإن كانت تفكر فيها الآن أم لا ؟ لقد كان اليوم الخروج
الأول لها من غرفتها وعزلتها في ذاك المنزل هذا إن لم يكن
في حياتها بأكملها وكان أسوأ مما أراد وخطط له ورغم محاولاته
جميعها لجعل الأمور تسير بأفضل حال إلا أنه حدث العكس تماما
ابتداءا من معارضة جدهما ثم وجود إيلينا في ذاك المطعم
ووصولا لتعامل جيهان الوقح معها والنتيجة كانت غداء سيئا
وحفلا يشبهه تماما رغم كل ما حاول فعله وهو يحاول دمجها
مع البعض من ضيوفهم ، بل وحتى موقف تيم وما فعله يراه
أثر سلبا على نفسيتها لذلك خرجت من هناك فحتى إن كان
السلاح المستخدم في تلك الجريمة في طفولتها كان مختلفا
إلا أن المشهد كان عنيفا بالمثل بالتأكيد مهما اختلف ..
ثم طريقته في التعبير عن غضبه يجزم بأنها أكثر ما سيكون
أثر فيها فهي تشبهه نوعا ما تحمل غضبا عظيما في داخلها
موجها لجميع المرتبطين بماضيها من كان سببا فيما مرت به
أو لم يكن السبب ، رفع رأسه للسماء الصافية المليئة بالنجوم
وتنفس بعمق حامدا الله في سره أن ماريه كانت هناك وأنها
نجحت في السيطرة على غضب ذاك الكنعاني لكان جر نفسه
لقضية ما كان ليستطيع أن يخرجه منها ولا أكبر المحامين
فهو قتل متعمد وبشهادة العشرات وبدون دافع كما سيحكم
القانون الذي لا يعترف بجرائم دوافعها نفسية .
" وقاص "
أنزل رأسه سريعا ونظر لصاحبة ذاك الصوت الأجوف لازالت
على وضعها السابق تحضن ركبتيها تنظر لعرض البحر ونسائمه
القوية تتلاعب بخصلات شعرها الطويلة أو ما لم يسجن منه في
حضنها وقال بهدوء
" نعم يا زيزفون "
طال صمتها حتى ضن أنها لم تسمعه أو أنها تراجعت عما كانت
تريد قوله لكنها خانت توقعاته تلك حين قالت بعد قليل
" هل عشت مع والدتك ؟ "
لم يستطع إخفاء الدهشة في ملامحه ولا في نظرته لها وقال من
دون أن يقف مع نفسه أكثر ليفكر في تلك المعجزة التي لا سابقة لها
" لا هي توفيت وأنا في الثالثة من عمري فأنا لا أذكرها أبدا "
ساد الصمت من طرفها لبرهة قبل أن تقول بذات تلك النبرة
الجوفاء وكأنها تخرج من عمق تمثال طيني أجوف
" أتعلم بأني رأيت والدتي تحترق أمامي ؟ "
أغمض عينيه بقوة ومرارة يشعر بقلبه تحول لكتلة من الألم
زاده متابعتها قائلة بصوت غلفه الأسى هذه المرة
" حتى أني لم أستطع الوصول لها لأموت معها ، ذاك ما أراده
لي أن تحترق أمام عيناي وحسب ... أن تدفن تلك الصورة في
مخيلتي وللأبد "
فتح عينيه المليئة بالضياع والحزن ونظر لها متمنيا فقط أن
تصمت .. أن تعود لسكوتها الدائم ، ولأول مرة يتمنى ذلك
بالفعل لكنها لم ترحمه أبدا وكأنها وجدت الطريقة المناسبة
لتعذيبه وبدأت بتطبيقها عليه وهي تتابع بحزن لم يعرفه في
صوتها إلا مرة واحدة حين تحدثت عن ذاك الأرنب
" جدتي ماتت أمام نظري يا وقاص ، قتلوها بدم بارد ..
ماتت بعدما أنقذتني من الموت ... ليتها فقط تركتهم
يقتلوني معها "
وارتجف صوتها بوضوح وقد تابعت تقتله ودون رحمة
" حتى عمي عكرمة مات أمامي ... أخذه المرض ولم يرحم
دموعي ودموع زوجته ونحن نحضنه باكيتان ولا بأن يأخذنا معه ،
لما رفض جميع من خسرتهم أن يأخذوني معهم ؟ لما كان علي
أنا أن أعيش لأرى جميع من تخلوا عنهم وعني يعيشون دون
اهتمام لما حدث معي ومعهم .... ؟ لماذا لست أفهم ؟ "
وقف حينها واقترب منها تسحبه قدماه نحوها دون حتى أن
تسأله وجلس أمامها على ركبتيه على الرمال وأمسك يدها
وضمها بين كفيه الدافئان بقوة فكانت باردة كالجليد وكم تمنى
حينها أن ضمها لحضنه وأدفأها بل أن سحبها هي لحضنه
ودفنها في صدره وللأبد لكن ذلك أبعد من أن يستطيع فعله
ولا تحت مسمى قرابة الدم بينهما وكره نفسه حينها أضعاف
ما كان ليس بسبب تخليهم عنها وتركها تواجه كل ذلك وحدها
ولا بسبب تخاذله وغبائه ليترك شقيقه يفكر في الزواج منها قبله
بل لاكتشافه المضني والممرض والكارثي وقتها بل ومنذ جلوسه
على تلك الصخرة يراقبها بصمت حين اكتشف بأن ما تعنيه له أكبر
من أن يكون كونها ابنة عمه ولا حالة انسانية حركت حميته كرجل
قبل ان يكون محامٍ بل هي تعني له أكثر من ذلك بكثير ...
إنها مصيبة وفاجعة ما توقع أن يوقعه قلبه فيها يوما وجل ما
حاول فعله طوال جلوسه هناك هو تكذيب تلك الأفكار التي تيقن
الآن من أنها واقع ... واقع عليه أن يتوقف وأن لا يتمادى فيه أكثر
فهذه الفتاة متزوجة .... ومن شقيقه !!
نظر للرمال بينهما في الأسفل وأغمض عينيه بقوة لازال يمسك
يدها ولسان حاله يقول
( موتك أرحم لك مما تشعر به وتفكر فيه يا وقاص )
لكنها تحتاجه الآن تحديدا والآن فقط ، رفع رأسه ونظر لعينيها
المحدقة في الفراغ وقال بجدية
" زيزفون أخبريني أمرا واحدا أفعله لمساعدتك ، اطلبي أي شيء
يا زيزفون وإن كان سنينا من عمري فنحن لن نستطيع توفية
ديوننا ناحيتك مهما فعلنا "
رفعت نظرها لعينيه ببطء حتى تلاقت نظراتهما وهمست بخفوت
" أي شيء يا وقاص ؟ "
أومأ إيجابا على الفور ودون تراجع ولا تردد أو تفكير فليس
ثمة أمر أهم من عمر الانسان يقدمه لك وهي لن تطلب اثمن
من ذلك بالتأكيد ومهما كان حتى إن طلبت أن يطلقها من نجيب
ليكون الثمن أن تبقى جمانة زوجته للأبد ووحدها سيفعلها بل
وحتى أن ينكر عائلته واسمه المرتبط بهم فذاك لن يساوي شيئا
مما خسرته .. وهذا ما علمه فقط ولازال ما يخفيه ماضيها ولا
يعلمه حتى الآن .
نظر لعينيها بتصميم وكأنه يخبرها بأنه على استعداد لفعل أي
شيء ومهما كان .. ليطول الصمت بينهما ونظراتهما وحدها
تحكي عما في داخل كل واحد منهما وإن جهله الآخر خصلات
شعرها الطويلة المتطايرة مع نسائم البحر تلامس وجهه وكتفه
يتمنى فقط أن يصل لعقلها الباطن عبر تلك الأحداق الزرقاء
الواسعة وأن تثق به ولو لمرة واحدة ، أن لا تنظر له كفرد
من عائلة ضرار السلطان وإن لهذه المرة فقط .
همست بخفوت
" حتى إن طلبت أن تخرجني من منزل جدك ؟ "
نظر لها بصدمة فلم يتوقع أن يكون هذا طلبها ! وقال من فوره
" أجل "
همست فورا
" وليس لمنزل تلك الإنجليزية الريفي ؟ "
أومأ برأسه إيجابا وقال
" أشتري لك منزلا وحيث تريدين يا زيزفون "
قالت محدقة في عينيه
" ولن تتركني وحدي فيه ؟ "
هنا كان الاختبار الأقسى له وللقوة الحقيقية لسيطرته على
مشاعره ولصدق عهده لها ... لكنه عاهد نفسه قبلها وسيفعل
كل ما ستطلبه ثم سيجد حلا لكل المشاكل الأخرى وإن وأد
مشاعره تلك وللأبد ، قال بجدية
" ولن أتركك وحدك زيزفون أقسم لك "
قالت مباشرة
" ولا إن غضب والدك و... جدك ؟ "
أبعد خصلة من شعرها عن وجهها ببطء وقال يدسها بين الخصلات
خلف أذنها
" ولا إن نبذني الجميع "
وقفت حينها وترك هو يدها ببطء ووقف لوقوفها ما أن قالت ناظرة للفراغ
" لنعد للمنزل إذا "
فنظر لها بصدمة حمد الله أنها لم تراها في ملامحه فلما أخذت
منه كل تلك العهود الغريبة إن كانت ستطلب منه أن يعيدها للمنزل
مجددا ! أكانت تختبره فقط ؟ لا مستحيل لكانت اختارت أمرا أكثر
تعجيزا من ذلك ! هل غرضها منه المستقبل ؟ هل أرادت أن
تحتفض بذلك العهد حتى وقت تحتاج لتطالبه به ؟
تبعتها نظراته وهي تغادر من هناك جهة سيارته المتوقفة عند
الرصيف فتنفس بعمق وبطء مغمضا عينيه قبل أن يفتحهما وينظر
لها مجددا تسير فوق الرمال تمسك حذائها في يدها وقد تركت
شعرها جميعه للريح هذه المرة تتلاعب بخصلاته كيف تشاء
فهمس بحزن وقد رفع نظره للسماء
" يا رب أخجل أن أقول لك انصرني على قلبي لكنك وحدك من
تستطيع فعل ذلك "
*
*
*
لامارا, بسابيس, عراقيــه and 80 others like this.
رد مع اقتباس
#6760
قديم 29-01-18, 09:19 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
فتحت باب المنزل ودخلت منه قائلة بضيق
" أبي أنت تر.... "
قاطعها الذي دخل خلفها قائلا بحدة
" ساندرين لن نكرر ما كنا نقوله طوال الطريق وأعتقد بأنك
فعلت ما فعلته وقلت ما قلته وأنتي بكامل وعيك وقواك العقلية "
وتابع بذات حدته وقد وقف أمامها ورفع أصبعه
" ولا تنسي بأنك لم ترجعي ولا لوالدك وتأخذي رأيه يا سندرين
بل تصرفت كفتيات الشوارع ومن لا عائلة لها "
نظرت له بصدمة بينما أغلقت التي دخلت بعدهما فمها بيدها
مصدومة مما قال وهمست الواقفة أمامه
" لماذا وافقت إذا أبي ! "
لوح بيده جانبا قائلا بضيق
" وما كنت تتوقعين مني فعله وأنتي تضعينني أمام الأمر
الواقع وأمام الجميع وكأنني أحد الغرباء عنك في ذاك الحفل "
قالت محتجة
" كانت لعبة فقط وما ظننته سيوافق ، كنت أريد أن ألقنه درسا
لكي يتوقف عن استفزازي ولم أتخيل أن الأمر سيصل لأن يلبسني
خاتم الخطوبة وأمام الجميع وكأنه داخل رأسي ويعلم ما كنت
أفكر فيه ! "
اجتازها وقال ببرود مغادرا
" تحملي نتائج ما فعلته وقررته لوحدك ساندي "
فضربت الأرض بحذائها قائلة بضيق ونظرها يتبعه مغادرا
" أنت تقول هذا فقط لأنك لا تمانع ما حدث ، أنت تقف في صفه
دائما وكنت ولازلت تفضله على ابنتك ومهما فعل "
وقف مكانه والتفت لها وقال بضيق
" توقفي عن القاء اللوم على الأخرين ساندرين ، ألست عاقلة
وواعية تعرفين ما تريدينه كما تقولين دائما ؟ اصمتي إذا ولن
أسمع كلمة من هذا مجددا ولن ينهي تلك الخطوبة ( الحقيقية )
طبعا غير رواح سلطان ضرار السلطان أتفهمين هذا ؟ "
وغادر من فوره متجاهلا نظراتها الحانقة فالتفتت للتي لازالت
واقفة خلفها وقالت بضيق
" لما تتمسكين بالصمت أمي ؟ قولي شيئا "
تنهدت تلك بضيق وقالت ببرود مجتازة لها
" لم تتركي لنا ما نقوله كما قال والدك قبل قليل "
وغادرت حيث غادر زوجها نظراتها العابسة تتبعهما تكاد تبكي
من غيظها فلم تتوقع أن تصل الأمور لما وصلت له الآن وأنه
سيرحب بالفكرة ! لا وقد جهز خاتم الخطوبة سلفا ! لولا أنها لم
تخبر أحدا بما كانت تخطط له لظنت أنه ثمة من وشى بها !
لكن لا أحد يعلم ... لا أحد أبدا ! وهذا ما يكاد يوصل عقلها للجنون
فلم تكن تتخيل ولا في أحلامها أنه قد يتنازل عن عزوبيته والحرية
واللهو والشقراوات ويقيد نفسه بكل حبور هكذا ! لقد أوقعت نفسها
في مأزق ووالدها لن يقف في صفها ولن يمانع أبدا تعرفه جيدا
وليس لأنها من قال وفعل واختار كما يقول بل لأنه يتنفس عشقا
لتلك العائلة وذاك الدبور زير النساء تحديدا فهو يحبه منذ كان
طفلا ولا تفهم لما ! بلى هي تعلم بسبب حظها التعيس الذي كبر
معها طبعا ، لن تصدق أبدا أن يوافق على الزواج منها مؤكد
يفعل ذلك ليغيظها فقط ولن يتحول الأمر لزواج فعلي أبدا لذلك
عليها أن لا تخاف من الفكرة لأنها لن تحدث .
توجهت لغرفتها أيضا ودخلتها ضاربة الباب خلفها بقوة ورمت
الحقيبة على السرير ثم نزعت ذاك الخاتم الماسي من أصبعها
ورمته في درج طاولة السرير وأغلقته بقوة وتوجهت للخزانة
أخرجت قميصا قطنيا قصيرا ودخلت الحمام واستحمت تفرغ
كل ذاك الغضب والشحنات السلبية بالمياة الباردة وخرجت من
الحمام بعدها وجففت شعرها جيدا تنظر لنفسها في المرآة
تغني أغنيتها الفرنسية المفضلة مغمضة عينيها ومبتسمة
وكأنها ليست تلك الغاضبة من ساعات
" داكوه غ إيل إيجزيس تيه دوه تغ فاسوه دو سو كي تيه ..... "
وكالعادة تنسى بذلك كل ما يتعسها .. حمام منعش وأغنية جميلة
ثم نوم مريح واتركي الغد للغد ساندي .
أوقفت مجفف الشعر ورمت المشط من يدها ووقفت ما أن سمعت
صوت رنين رسالة وصلت لهاتفها فقفزت جالسة على السرير
ورفعته فلابد وأنها كنانة فهي لم تجب على اتصالاتها ولم تراها
في الحفل رغم أنه قيل بأنها أتت قليلا وغادرت ولم ترى ولا
عريسها المجهول المعلوم ذاك وكانت متشوقة لرؤيته ولاستفزازها
قليلا لكن حظها أنقذها منها فكل ما قيل أنهما وصلا للحفل ولم ترى
أيا منهما ، فتحت الرسالة ولم تنتبه بأن الوقت كان متأخرا وقد لا
تكون منها حتى عبست ملامحها باشمئزاز ما أن قرأت تلك الأحرف
( لم أستطع النوم الليلة بسببك متحولتي )
شدت أسنانها بقوة وغضب ولم تستطع منع أصابعها من أن تتحرك
على الأحرف وأرسلت له
( بل بسبب التفكير في شقراواتك يا زير النساء )
أتاها رده سريعا وكأنه كتبه قبل أن ترسل
( تغارين يا شقراء ...؟ )
كادت تضرب الهاتف على الجدار غضبا لكنها فضلت أن ترسل له أولا
( خسئت أغار على أمثالك)
شعرت بنشوة الانتصار حين لم يصلها أي رد منه وظنت بأنها
أخرسته وانتصرت عليه لكن سعادتها تلك لم تدم طويلا حين رن
هاتفها معلنا وصول رسالة جديدة ومختلفة هذه المرة
( موعدنا ثوب الزفاف يا شقرائي الكاذبة )
فشعرت بالأبخرة تتصاعد من رأسها فها هو يكرر جمله السخيفة
تلك مجددا ، أرسلت له فورا
( إلا إن كان كفنك )
وأغلقت بعدها هاتفها نهائيا ورمته على السرير وغادرت الغرفة
بأكملها فها قد عكر لها مزاجها مجددا ذاك الدبور وضاع مفعول
الاستحمام واغنيتها المفضلة ، عبرت بهو المنزل متوجهة رأسا
جهة ممر غرفة ماريه ، الوقت متأخر الآن فقد تجاوزت الساعة
منتصف الليل لكنها لن تكون نائمة بالتأكيد .. تعرفها جيدا لن
يغمض لها جفن بعد ما حدث مساءً ولازالت تجهل أغلبه .
ما أن وصلت نهاية بهو المنزل أوقفها صوت والدتها الخارجة
من المطبخ تحمل قارورة ماء في يدها
" ساندي "
فوقفت مكانها وما أن التفتت لها قالت تلك
" طرقت باب غرفتها بعد وصولنا بقليل ولم تجب لابد وأنها نائمة
فلا تزعجيها "
لوحت لها بكفها وتابعت طريقها قائلة
" سأتأكد أولا وإن كانت نائمة لن أزعجها أمي "
وابتعدت على صوت التي سارت في اتجاه آخر قائلة بضيق
" ما أعندك من فتاة "
فابتسمت وتابعت سيرها حتى كانت أمام باب غرفتها وفتحته ببطء
دون أن تطرقه ومدت رأسها منه وكما توقعت وقع نظرها فورا
على الجالسة على سريرها تحضن ساقيها المغطاة بلحاف السرير
تنظر للفراغ بشرود ووجوم حزين ترتدي بجامة قطنية زهرية
اللون كخداها المتوردان بشدة لا تعلم من الحزن أم القهر أو من
حبس الدموع لأنها وكالعادة تجتاز مرحلة البكاء بسهولة لتتقوقع
في حزنها وحيدة وبعيدة عن الجميع ، دخلت بهدوء واقتربت منها
وجلست أمامها على السرير ناظرة لعينيها وجفنيها المسدلان للأسفل
رموشها الطويلة مبللة بالدموع وجفناها السفليان محمران بشدة كما
أنفها الأبيض الصغير ، تنهدت بحزن وقالت بهدوء
" ماريه أتودين التحدث وإفراغ ما في قلبك ؟ أنا أكاد أنفجر
غيظا وأحتاج لذلك ... بل ولأن أقتل أحدهم لأرتاح "
وحين لم يبدر منها أي رد فعل ولا حتى برفع نظرها لها قالت بأسى "
ماريه اعتقدت بأنك اعتدت على الطعنات والخذلان من ذاك الكنعاني !
لا تسمحي لحبه أن ينهيك صديقتي "
وتنهدت بعجز حين لم يتغير حالها عما كان وكأنها في عالم لا
أحد فيه سواها هي وحزنها وذكرياتها فوقفت ومسحت بيدها
على غرتها البنية الحريرية للأعلى لتنساب تباعا كريش النعام
وقبلت جبينها هامسة
" كوني كما أعرفك سابقا ماريه أقوى منه "
وغادرت مغلقة الباب خلفها لتنساب تلك الدمعة الحارة من
الرموش التي انطبقت على بعضها وانزلقت على وجنتها ببطء ...
هي تريد أمرا واحدا فقط وتتمناه أن يموت قلبها ويتوقف
عقلها عن التفكير في أنه مع تلك المرأة الآن بينما هي المذنبة
في ذلك .. هي من اختارت وهي من عليها تحمل نتائج اختيارها ذاك .
وليست تعلم بأن قلبها المحترق عليه وبسببه أخبرها الحقيقة فعلا
وبأبسط طرقها وأيسرها على ذاك القلب العاشق كي لا يفقد حياته
وللأبد فعلى بعد أميال قليلة فقط من هناك كان الواقع يروي القصة
بأبشع طرقها وذات ذاك الجمال الانجليزي المميز والفستان الليلكي
اللون الطويل تأخذ بالفعل مكانها .. حاضرها .. مستقبلها .. وحبيبها ،
حيث يجتمع كبار رجال الدولة وحيث العظماء فقط في تلك البلاد
يُسرق حلمها الوحيد ويُنسف أملها الأخير في الحياة والقطعة من
قلبها يمارس هناك الدور الذي اختير له واتهمت هي باختياره ..
حيث ترقص أحلامها رقصة اليوم الأخير والموت الأبدي وذاك
الطبق المصنوع من الفضة والوسادة المخملية الأنيقة تنام فوقه
بنعومة يتوسطها خاتما زواج يشيعان كجثمان يقدم أمام المذبح
كقربان وليس ذاك سوى مشاعرها اليتيمة وأمانيها الصغيرة
التي تراكضت أشرطتها الذهبية معها عبر الزمن لتوأد هناك
حيث الرجل الذي أقسمت دون أن تهتم يوما إن علم أم لم يعلم
بأنها لن تحب غيره ولن تكون لسواه يقف أمام ذاك الخاتم
قانعا بما بات عليه وما لا مفر له منه تحضن احداهن خصره
بقوة ليست هي وليسا ذراعاها اللتان تطوقانه وعليه فقط أن
يفعل ما أراد الجميع عداها هي .. أن يضحي بكل شيء من
أجل الملايين من شعب بلاده وإن كان لا يعرفهم والمقابل هي ...
هي فقط ... والتي لم يبقى منها سوى كلماتها الغاضبة
المعاتبة الباكية ذات الوقت تلاحقه حتى ذاك المكان .
( جميعكم قتلتموني وحتى أنت أيضا ... تركتموني للأسوأ من
المرض لأعوام طويلة ، ذبحتم روحي وماذا أيضا ؟ عليا أن
أرضى وأتأقلم وأعيش كما تريد أنت وحيث تأمر ..
حتى أنك لا تجد لي مكانا في حياتك )
انسدلت تلك الأجفان على حدقتاه السوداء الحادة متنهدا بعمق
وذاك الصوت الجهوري ببحته المميزة يتردد في رأسه وبقوة
( تيم اليرموك أول الضحايا اليوم وسيستخدمونها كغطاء لإدخال
السلاح للبلاد والحجة أنها أسلحة مخازن اليرموك وصلت للمدنيين ...
نحن نفقد الوطن يا تيم فعلينا أن نتحرك سريعا )
لينتصر العقل في النهاية ككل مرة وككل قصة مشابهة وحكاية
قاسية مماثلة وتلك اليد ذات الأصابع الطويلة القوية تمتد ببطء
لذاك الخاتم المرصع بالزمرد والألماس وقد ارتفعت له تلك
الأصابع شديدة البياض والرقة والاهتمام فورا ومرره ببطء
في خنصرها حتى استقر في نهايته بنعومة وقد سارعت تلك
اليدين الأنثوية لرفع الخاتم الآخر فورا ليضع هو حينها خاتما لم
تعرفه أصابعه سابقا يسلبان حقا آخر من حقوق التي تدفن وجهها
في ركبتيها هناك تبكي الصمت بصمت والموت بوجع تودع
حلمها الأخير وتلك الشفاه الكرزية المغرية تسرق آخر ممتلكاتها
وصاحبتها ترفع جسدها النحيل على رؤوس أصابعها تفرض
اقترابها ممن حاصره كل شيء وحتى الموجودين حوله وتلك
الشفاه تقترب من شفتيه ببطء وإن لم يشاركها الأمر إلا أنها
كانت قبلة رغم قصرها سرقت نظرات الجميع وعلت لها
التأوهات والتهاني والتصفيق وذاك الجسد الأنثوي الرشيق يستمر
في اكتساح حصون غيره وتدمير مملكته الوحيدة وهي تلتصق بذاك
الجسد الصلب القوي الممتلئ رجولة ذراعاها النحيلتان تلتفان حوله
بتملك بينما ذاك الجسد المنكمش على نفسه هناك لم تعد صاحبته تملك
أي سلطة على العبرات التي بدأت بدفنها في أغطية سريرها تبكي ما
تجهله رغم أن قلبها كان يخبرها به ... بأن ما يموت هنا بين شهقاتك
الموجعة يولد هناك عند امرأة أخرى وإن اختلفت المسميات فالنتيجة
واحدة ... الموت موت والفقد فقد والشعار واحد ....
( نموت فداء لك يا وطن ) .
*
*
*
تأففت بحنق منها فقد سئمت من انتظارها لتجتاز نوبة بكاء حاد
جديدة في كل وقت والآخر مقاطعة حديثها وتعلم بأن شقيقتها تلك
لن تتخلص من ضعفها طالما هي كثيرة بكاء ونحيب هكذا لا تفعل
شيئا غيره بل ولا تملك سوى تلك المياه المالحة الزائدة حلا
لمشاكلها ، مدت لها كومة مناديل جديدة فأخذتها منها فورا
وقالت هي بضيق
" جمانة أنا لم أحكي لك كل ذلك لأرى شلالات دموعك "
ضربت بقبضتها على فخذها والمناديل المبللة بالدموع ما تزال
فيها وقالت ببكاء
" اتركيني افرغ ما في داخلي ولا شيء أملكه غيره بعدما
سرقت مني تلك كل شيء "
أمسكت الجالسة أمامها بكتفها وقالت بجدية
" لم تسرق كل شيء وأنتي بنفسك تعرفين وقاص جيدا وبأنه رجل
لا يعرف العبث أبدا ولن يلتفت لامرأة وأنتي ما تزالين زوجته ومهما
كان ما يوجد في داخله ... وقاص ليس من ذاك النوع يا جمانة فهو
رجل تحكمه مبادئه "
غطت فمها وأنفها بالمناديل في يدها قائلة بذات بكائها
" لكنه لا يريدني وسيطلقني ولست أعلم لما لم يفعلها حتى الآن ؟ "
أبعدت الجالسة أمامها يديها عنها وقالت بجدية
" ليس علينا البحث عن سبب ذلك الآن يا جمانة بل النظر له كورقة
رابحة في أيدينا ولن تكسب تلك المرأة شيئا طالما هو زوجك وهي
متزوجة وسيرفضها حتى إن عرضت هي نفسها عليه "
نظرت لها بيأس متمتمة
" وماذا إن طلقها شقيقه ؟ "
قالت تلك من فورها وبذات جديتها
" تبقين أنتي مفتاح ضمير المحامي لديه يا غبية وستكونين الكاسبة
نهاية الأمر فلا جده ولا والدي سيسمحون بأن يطلقك ولا أن
يتزوجها عليك ولا أخلاقه هو ستسمح له بأن يقيم معها علاقة
أساسها ليس شرعيا مهما كانت حدودها "
قالت ناظرة لها بانكسار
" تعتقدين هذا ؟ "
قالت ناظرة لعينيها
" بل أنتي من كان عليها أن تؤكده وأنتي من عاش معه وعرفه
لثلاثة أعوام يا جمانة ، هل رأيته يوما التفت لأي من تلك النساء
المحيطات به في كل مكان ؟ "
حركت رأسها بالنفي وقالت بحزن
" لا لكن هذه مختلفة يا جيهان وأنتي رأيت الأمر بأم عينك
وهذا ما رأيته أنا سابقا حين دخل بها المنزل يحملها بين
ذراعيه متشبثة بعنقه بقوة ، كنت أعلم أن الأمر لن يقتصر على
مشاعر انسانية تربطه بابنة عمه المظلومة كما يرى ، إنه يهتم
حتى بطعامها مصرا على أن تشارك الجميع فيه ، وهذا ما شهدته
وما أجهله سيكون أكبر بالتأكيد "
قالت الجالسة أمامها من بين أسنانها
" وجده كان موقفه سلبيا ولم أتوقعه وهو يبرر لوالدي المتضايق
مما يجري وأراه بات في صف حفيدته تدريجيا "
انسابت دمعة جديدة على ذاك الخد الممتلئ وقالت بعبرة
" بالطبع سيكون كذلك فهي حفيدته نهاية الأمر "
وقفت جيهان وتوجهت للنافذة ووقفت أمامها وقالت تنظر للخارج "
متى تقررت عمليتك التجميلية ؟ "
قالت تلك من خلفها باستغراب تمسح دموعها
" في الغد لكني خائفة من ردة فعل والدي وأخشى أن أغير رأيي
في الأمر "
قالت من فورها
" بل عليك إجرائها واتركي لي مهمة اقناعه بتقبل الأمر "
قالت مندهشة
" حقا يا جيهان ؟ "
التفتت لها وقالت
" بل والكثير علينا فعله وعليك تعلمه قبل أن تعودي هناك
وعلينا أن لا نتأخر أيضا ونضيع مزيدا من الوقت لنعطي الفرصة
لتلك المجنونة أو غيرها ولن تناله وإن بحثت عن واحدة
تسرقه منها "
نظرت لها الجالسة هناك بصدمة صارخة
" واحدة أخرى ! "
تصاعد الحقد والغضب الأسود في عيناها الجميلتان وقالت بتصميم
" بلى إن لم تحكمي أنت عقلك المغفل فلن تحضى به تلك المتوحشة
أبدا وإن جعلته يخوض غمار المحرمات مكرها وقولي جيهان
قالت ذلك فإما أنت أو لن يكون لأي امرأة ... بل سيكون
لكل النساء إلا تلك "
*
*
*
خرجت من الحمام والمنشفة ملتفة حول جسدها تحضن نفسها
بقوة جسدها يرتجف بأكمله وكأنها مصابة بالحمى ولا أعراض
لها فلم تكن تتوقع أن تصل الأمور لما وصلت له وأن كل ما سيحدث
أن تشعل نارا صامتة بينهما وانتهى الأمر وليس أن تتحول هي
لضحية وبذاك الشكل البشع ، وقفت أمام المرآة ونظرت لنفسها
بذعر ولوجهها الشاحب وكأنها شبح ميت !! لا بل هي ميتة الآن
بالفعل وما هذه سوى بقايا لتلك المرأة .. شفتاها جافتان مزرقتان
ومرتجفتان وجفناها حفهما سواد لم تعرفه من قبل وليست تفهم
كيف ظهر هكذا فجأة ! عيناها حمراوتان شاخصتان وكأنهما لازالتا
تعيشان ذاك الموقف والشعور حتى الآن ، مررت أصابعها المرتجفة
على عنقها ببطء وعلى ذاك الأثر اللذي لازال واضحا وتلك الأصابع
التي تركت علامتها على بشرتها البيضاء ... لم تتخيل يوما أن تعيش
ذاك الشعور ( الموت ) ظنت أنه يحدث للشخص مرة واحدة ويأتي
في لحظة واحدة ولم تكن تتخيل أنه يمكنها عيشه ثم العودة للحياة
مجددا لتعيش ذكرى ذاك الشعور مرارا وتكرارا !
أليس الموت في معتقداتهم مرحلة الزهو والراحة من العذاب الدنيوي
والانتقال تدريجيا للفردوس ؟ لكن ما عشته لم يشبه ذلك أبدا ...
هذا ولم تمت بالفعل !!
ضغطت على عنقها ببطء وتألمت ملامحها فورا بسبب الألم الذي
لازال ينبض فيه بقوة كلما لمسه أي شيء ، كان يفترض بذاك
الرجل المدعو شاهر أن يعيش هذا لا هي ؟ كيف انقلب مخططها
عليها هكذا ؟ ذاك وحش وليس ابن ! هي لم تتخيل للحظة بأن ذكرى
والدته المتوفاة مقدسة في قلبه درجة أن يقتل من أجلها !
أغمصت عينيها برفق ومر أمامها فورا حديث تلك المرأة التي
وجدتها فوقها ما أن استفاقت من ذاك السواد جسدها ينتفض
كالطير المذبوح ونظرت لها تلك السيدة نظرة عتاب وبدلا من أن
تقدم لها جرعة ماء أو تحاول سؤالها إن كانت بخير أو تحتاج
لطبيب قالت بلوم
" كنت متشوقة لرؤيتك ومعرفة المرأة الوحيدة التي جعلت شقيقي
يخرج من سجنه لنفسه في ماضيه لكني ندمت على تلك المشاعر
حقا وتمنيت أني لم أراك حياتي "
وتابعت وهي تقف غير مكترثة بتلك النظرات المصدومة
" إن كان غرضك قتل شقيقي شاهر وحرمانه من ابنه متحسرا عليه
ما عاش فقد فعلتها وبجدارة وعليك أن تهنئي نفسك بهذا ، وإن كانت
مجرد غيرة من امرأة ميتة فها أنا اخبرك الآن بأنك لن تأخذي مكانها
في قلب شقيقي مهما كان ما يحمله من مشاعر ناحيتك فهي بقعة النور
الوحيدة في ماضيه الأسود ولن تفعلي من أجله ما فعلته هي مهما
طال بك العمر "
وخرجت بعدها وتركتها آمرة الخادمة عند الباب أن تهتم هي بها .
رمت علب كريمات الترطيب من فوق الطاولة أمامها وانهارت جالسة
على الكرسي تضع يدها على صدرها وأنفاسها تخرج بصعوبة
ونظراتها شاخصة في الفراغ تتذكر مواجهتها الغير متوقعة بعدها
مع الرجل الذي ظهرت هناك لتنتقم منه تحديدا وظنت بأنه قاتلها
لا محالة بعدما حدث وصدمها بأن كل ما فعله أن نظر لها بصمت
قبل أن يدير لها ظهره وقال بجمود متوجها جهة باب تلك الغرفة
" قفي لنغادر "
فوقفت بساقين مرتجفتان وتبعته عبر أروقة ذاك القصر الفخم الذي
لو تركت فيه لوحدها لضاعت ، ظنت أن عقابها مؤجل فقط وأن
بدايته ستكون بأن يجردها من كل شيء وحتى كرامتها بلسانه
السليط ذاك وهما يغادران من هناك لكن رحلتهما تلك كان الصمت
المميت سيدها ورغم تجهم ملامحه وصلابتها وقسوة خطوط
وجهه إلا أنه لم ينطق بأي كلمة حتى وصلا ودخل شقته مغلقا
بابها خلفه بقوة ... لم يخنقها كإبنه ! لم يصرخ بها مزمجرا
بغضب كالعادة ! بل ولم يضرب رأسها بالجدار كما فعل سابقا
بأسنانها حين تحدثت عن تلك المرأة !! ولن تستبعد عقابا من نوع
آخر يخبئه لها خلف صمته ذاك وستكون تستحقه بالتأكيد فرغبتها
بالانتقام أعمتها تماما عن التفكير في النتائج وغيسي المراهقة
المتمردة التي لازالت تعيش كوحش داخلها بسبب كبت الماضي
نالت منها اليوم وبجدارة .
وقفت وتحركت من هناك بخطوات متعثرة وارتمت على ذاك السرير
الضيق تلف جسدها باللحاف الناعم منكمشة على نفسها ترتجف
تحته وشعرها المبلل أغرق الوسادة تحت رأسها بالمياه .
*
*
*
*
*
*
تبعته حتى الباب وأمسكت بكم قميصه وأدارته ناحيتها وقالت بحدة
" أبان أنا لم أنهي كلامي بعد .. متى ستتعلم أن تحترمني ؟ "
التفت لها وقال بضيق
" أمي ما الذي قلته أو فعلته قللت به من احترامك ؟ أخبرتك
بأنه يترك هاتفه في المنزل وأمامك اتصلت به ولم يجب ،
ولن نزورهم من دون موعد مسبق ذلك لا يجوز أمي ولم تربينا
عليه أبدا "
قالت من فورها
" اذهب لمنزلهم إذا وتأكد من أنهم ليسوا هناك فعلا فهو منزل
صديقك وكنت تزوره سابقا لا جديد في الأمر "
تنفس بعمق محاولا تهدئة نفسه كي لا يغضبها منه فإن كانت
في حالات هدوئها لا يستطيع مجاراتها في العناد والحدة فكيف
وهي غاضبة هكذا ؟ مرر أصابعه في شعره الفاحم وقال بصبر
" أمي قلت لك ما أن يرجع يمان للمنزل ويجيب على هاتفه
سأتأكد منه بنفسي أقسم لك "
قالت مباشرة
" ومتى سيرجع مثلا ؟ "
قال بنفاذ صبر
" يفترض اليوم أمي فارحميني أرجوك "
قالت من فورها وبضيق
" ها أنت قلتها بنفسك يفترض بأنه في منزلهم اليوم فلما لا يجيب ؟ "
همس من بين أسنانه
" يا صبر أيوب الشعاب عليها زرني ولو لمرة واحدة "
قالت بضيق
" ماذا تقول فلست أسمعك ؟ "
قال بضيق مماثل
" قلت ارحميني يا أمي فلن أفعلها وأذهب هكذا دون علمهم كاللصوص "
قالت بحدة وعناد
" بل ستفعلها يا أبان أو قسما أركب سيارة أجرى وأذهب لها بنفسي "
نظر لها بصدمة وقال
" أمي تركبين سيارة أجرى من الحميراء لغرير ! ألا تعلمي بأنها
ساعة كاملة تلك التي تفصلنا عن هناك ! "
قالت من فورها
" أعلم لكنكم لم تتركوا لي خيارا غيره ولن أتوانى عن تنفيذه
فلا والدك يريد أخذي هناك ولا أنت وافقت ولا على الذهاب لهم
وحدك وغيهم ليس هنا لما كان ردني خائبة أبدا "
رفع حاجبه وقال ببرود
" إن كان غرضك من هذا الإنتقام مني فمخططك فاشل فأنا أحب
شقيقي ولن أتحسس منه أبدا "
صرخت فيه بحدة
" أبناااان "
نفض يديه قائلا بضيق
" أمي بالله عليك ارحميني بأي عبارات أشرحها لك ؟
سأتحدث معه ما أن يرجع من الجنوب ألا تستطيعين
الإنتظار قليلا ؟ "
قالت من فورها
" لا فلست مطمئنة عليها بسبب تهربهم الواضح منا وقلبي يقول
لي أن مكروها حدث لها "
تأفف وقال
" أمي هي بخير وتحدثت معها بالأمس وسمعت صوتها بأذني ..
يكفيك هذا ؟ "
شهقت بصدمة وقالت" تحدثت معهااا !! "
قال من فوره وبضيق
" بل أجابت هي على هاتف شقيقها فلا يتوقف قلبك أمي فأبان
المتوحش لم يقترب من طفلتك الجديدة "
قالت متاجهلة ما قال
" لما لم تجب هذه المرة إذا ؟ أرأيت أني على حق ؟ "
تأفف مجددا ممررا أصابعه في شعره وقال بنفاذ صبر
" أمي اخرجي من رأسي رحم الله والديك ووالداي واتركيني
أذهب في حال سبيلي فلن أرجع من بينبان إلا منتصف الليل
على هذا الحال وأبي سيغضب إن أنا تأخرت على ذاك الرجل "
قالت مباشرة
" تذهب لهم إذا فغرير في طريقك "
تنهد باستسلام من عنادها الذي كان يعرفه مسبقا ويتعب نفسه
ليس إلا وقال
" حاضر أمي ... أوامرك مولاتي فهل يمكنني الذهاب الآن ؟ "
قالت بجدية
" عدني أولا "
أمسك رأسها وقبله وقال
" أعدك أمي قسما سأمر بمنزلهم في طريق عودتي فقط حرريني
لألحق موعدي مع ذاك الرجل "
تنهدت بضيق قائلة
" ليحفضك الله بني ورافقتك السلامة "
فخرج من فوره مغلقا الباب خلفه وضمت هي يديها عند صدرها
متمتمة
" في رعاية الله بني وليحفظك الله ويطمئنني عليها "
*
*
*
بعد مسافة قصيرة من انطلاق السيارة بهما تبتلع ذاك الطريق
الساحلي بنهم اختارت الجالسة بجانبه أن تكسر صمت رحلتهما
هذه المرة قائلة ونظرها على يديها في حجرها
" أنت لست غاضب بسبب ما قلته أمام شقيقة زوجتك ؟ "
سرق نظره ناحيتها قبل أن يعود به للطريق مجددا وقال باختصار
" لا "
نظرت له هذه المرة وقالت بجمود
" لكني أخبرتها أمورا ليست حقيقية ستوصلها لها بالتأكيد "
قال ببرد ونظره لم يبعده عن الطريق أمامه
" لا شيء بيني وبين جمانة تدمريه يا زيزفون "
نظرت له بصمت لوقت قبل أن تنظر جهة نافذتها متمتمة
" كنت أود الاعتذار منك لكنك أفقدت نفسك شرف ذلك "
فارتسمت ابتسامة على شفتيه وأغمض عينيه لبرهة متنهدا
بعمق قلبه يردد دون توقف
( سحقا ... سحقا ... سحقا لوقاص الغبي )
وجل ما كان يحاول مقاومته حينها هو النظر ناحيتها كي
لا يقول لسانه ما يرفضه عقله فما أقسى أن تكون مجبرا على
بناء حاجر مرتفع متين بينك وبين شخص أنت أحوج له منه لك .
وعلى ذاك الصمت استمرت طريقهما حتى توقفت تلك البنتلي
السوداء اللامعة بالقرب من الباب الداخلي للمنزل ونزل منها
الذي ارتفعت نظراته فورا للواقفة في الجانب الآخر حيث
بابها المفتوح حين قالت
" أريد البقاء في الحديقة قليلا "
وتابعت تنظر ليدها اللتي أغلقت بها باب السيارة متجاهلة
نظرته المصدومة لها
" ووحدي "
فنظر للساعة في معصمه ما أن اجتاز صدمته مما قالت
ثم لها وقال باستغراب
" في هذا الوقت يا زيزفون !! "
نظرت جانبا حيث الحديقة المضاءة في كل زاوية فيها وقالت
" أجل ولن أبتعد "
نقل نظره منها للمكان حوله ولم يعرف ما يقوله تحديدا !
لا يمكنه منعها من ذلك فهي رغبتها لكن .... نظر لها وقال بجدية
" وستكونين بخير يا زيزفون ؟ "
نظرت له من فورها وقالت بضيق
" لا تقلق فلن أؤذي أحدا ولن أقتل نفسي "
ضرب بابه مغلقا إياه وقال بضيق أكبر
" زيزفون لما لا تتوقفي عن اتهامي بأفكارك ؟ "
أبعدت نظرها ووجهها عنه مجددا وقالت ببرود
" مؤكد منزل عائلة ضرار السلطان محاط بحراسة مكثفة
وأنا أريد أن أكون خارجه وحدي لبعض الوقت ...
اتركوني أمارس حقوقي فيه ولو لمرة واحدة "
رمته بسيل عباراتها تلك قبل أن تبتعد عنه مغادرة حيث أرادت
فرفع نظره للسماء وتنفس بعمق ، كان يعلم بأنها على حق
وبأنه لا يحق له التدخل فيما تريد وهو حق لها هناك مثلهم
تماما وعليه تركها والابتعاد لكن قلبه ما كان ليطاوعه لفعلها
فمثلما قضت هي باقي ليلتها تلك تجلس وحيدة على حافة
النافورة الحجرية تسافر مع أفكارها وصمتها للبعيد قضى
هو ليلته تلك أيضا في شرفة جناحه المظلمة يراقبها بصمت
يرفض تركها هناك وحدها ولا لثانية واحدة يخشى عليها
حتى من نفسها ... من حرسهم .. من نجيب ..
من زوجة والده .. من جده ... وحتى من نفسه .
ورافق القمر ليلتهما تلك عينان بزرقة السماء التي غابت مع الشمس
من ساعات انسدلت فوقها تلك الأجفان الواسعة تراقب بحزن أناملها
البيضاء التي كانت تحرك بها المياه النقية تحتها تعبث بصورة ذاك
القمر فيها وكأنها تخبر الموجود هناك في الأعلى بأنه لا قمران في
ليلة واحدة ولا في مكان واحد وأن تلك الأحداق السوداء هناك لا
يمكنها جمعهما في صورة واحدة وعالم واحد ...
المرأة الرقيقة كنسائم ذاك الليل رغم سواد ماضيها وكآبة داواخلها
لازال ذاك الفستان الربيعي والتحفة الفنية الفريدة من نوعها يحتضن
ذاك الجسد النحيل المتناسق وذاك الشعر اللامع بشقرة خفيفة تحت
تلك الأضواء يتحرك حول كتفيها برفق بسبب ثقله وكثافته كستائر
ثقيلة تلتف حول نفسها فوق نافذة مفتوحة ، لوحة متكاملة وكأنها
وجدت هناك لتدمر ما تبقى من تلك المشاعر المسجونة خلف أسلاك
شائكة وقطبان حديدية وأسوار عالية واقف هناك يبنيها حول
قلبه من بين عذابه وضياعه بينها وبين نفسه لا يملك خيارا
غير ذلك فشقيقة القمر تلك هي الفاكهة المحرمة في عالمه ....
محرمة وقد يكون .... للأبد .... للأبد يا وقاص لا تنسى ذلك .
مرر أصابعه في شعره وأغمض عينيه يتنفس بعمق وكأنه يحاول
إخراج حتى الأنفاس العالقة في صدره تحمل عطرها تحتفض به هناك
في خلاياه ... يزفر ... ويزفر ... ويزفر .. وكأنه قرر إخراج روحه
مع كل شيء ليحرر نفسه من الحياة بأكملها فلا طريقة أمامه غيرها .
تراجع للوراء ببطء وجلس على أرض الشرفة مستندا بظهره على
جدار غرفته ناصبا إحدى ركبتيه وقد أراح ساعده عليها تراقب
نظراته ذات ذاك المشهد من بين أعمدة الشرفة الحجرية لتنحصر
الصورة أمامه في الجالسة هناك ومياه النافورة المتوقفة والقمر
المنعكس فيها وقد توقفت يدها عن محاربة صورته ورفعت قدميها
أيضا لحافة النافورة حيث تجلس نظرها على يديها في حجرها تحضن
كف إحداهما بالأخرى وشيء ما لامع في ذاك الكف تنظر له لا يعرف
ما يكون سوى بأنه من النقاء بحيث انعكست الأضواء عليه وقد
حدقت فيه لوقت طويل وكأنها تحفظ تفاصيله .. تتحدث معه ..
يسمعها وتفهمه .. بل وتثق به أكثر من البشر حولها .
نظرت له لوقت قبل تقبض أصابعها عليه ببطء وتباعا وقبل
أن ترفع يدها وترميه في مياه تلك النافورة الضخمة لحظة ارتفاع
صوت الأذان في صمت ذاك الليل ... فكرته التي اقترحها من أعوام
ووافقه جده عليها فورا وهي عبارة عن مايكرفونات متبثة حول
جدران قصرهم ذاك ليعلوا صوت الأذان حوله وداخله في كل
وقت صلاة .
ومع ختم ذاك الصوت الجهوري المرتفع الأذان بلا إله إلا الله
وقفت الجالسة هناك وغادرت .. نظرها على خطواتها البطيئة تلك
وكأنها قررت أخيرا أن ترحم غيرها قبل نفسها من العذاب المغلف
بالصامت المميت ودخلت لم يبقى من ليلتهما تلك سوى ذاك قمر
يغني مبتسما بحزن ( وداعا يا أميرتي الجميلة ) وظلام بدأ
بمغادرة ذاك الأفق بطيئا حاملا جميع تلك الأسرار معه .
دخلت غرفتها وكانت في استقبالها التي هرعت نحوها فورا
وأمسكت بيدها قائلة بقلق
" زيزفون أين كنت بنيتي لقد أقلقتني عليك ولم أجد ولا السيد
وقاص لأسأله أو ليبحث عنك ؟ "
انسحبت من أمامها مجتازة لها وتلك تترك يدها ببطء تراقبها
نظراتها الحزينة المحبة وهي تتوجه لسريرها الواسع وقد تكورت
نائمة فوقه وبالعرض وبفستانها فتوجهت نحوها ومسحت على
شعرها قائلة
" زيزفون هل ستنامي بفستانك هكذا ومن دون أدويتك ؟ "
خرج لها صوت همسها الضعيف من تحت ذاك الشعر الطويل
الذي غطى ملامحها
" سأنام قليلا فقط خالتي ، لا أريد تلك الادوية .. لا أريد ذاك
الظلام الذي ترميني فيه وكل تلك الألآم التي تسببها "
شهقت الوقفة فوقها بصمت وصدمة من طلبها الغريب ذاك وقالت
" لكنك تحتاجينه لتنامي من دون كوابيس وكي لا تأتيك تلك
الحالة مجددا فتلك وصايا الطبيب يا زيزفون ! "
وحين لم تسمع منها أي جواب أو تعليق مسحت على شعرها
مجددا تحاول ابعاده عن ملامحها قائلة
" زيزفون لم يبقى على وقت الصلاة سوى أقل من ساعة وعليك
تناول الدواء فأنتي لم تاخذيه بالأمس ولا البارحة ... زيزفون
لا تنامي بنيتي أرجوك "
وما أن تمكنت من إبعاد ذاك الشلال البني الفاتح عن ملامحها
وظهر لها ذاك الوجه الجميل والوجنتان المتوردتان بشدة والشفتان
الزهريتان المنفرجتان قليلا ليعبر منهما وحدهما الهواء لذاك الصدر
الذي كان يتحرك مع انفاسها بانتظام أدركت بأنها سافرت لعالم
النوم الذي طلبته فقبلت جبينها بحنان وجلست بقربها فلا يمكنها
تركها ولا للحظة واحدة حتى تستفيق .
*
*
*
دخل من باب المنزل مغلقا له بهدوء خلفه وما أن سار وسط
بهوه الواسع ناحية ممر غرفته وقف وقد شدته تلك الأصوات ناحية
المطبخ وميز ذاك الصوت سريعا بل وشده كالمغناطيس ليغير مسار
خطواته طوعا ، وما أن اقترب من ذاك المكان أكثر أصبح ذاك
الصوت الأنثوي الرقيق يصله بوضوح أكبر قائلة صاحبته بانجليزية
طلقة وصوت مبتسم
" the birds will leave the place before the evening"
ثم صوت خاله صقر قائلا بضحكة
" لا أنت تغلبت على والدك وجدك ... أنت متأكدة من أنك تحفظين
المصحف كاملا ! "
قالت مبتسمة تقطع اللحم برفق ونظرها على ما تفعل
" اختبرني بآية أو سورة لتتأكد "
دفع الخيار الذي قام بتقطيعه بواسطة السكين جانبا وقال مبتسما
" الأمر لا يحتاج لاختبار فوالدك يحفظه منذ كان فتيا ومؤكد لن
يفوته غرس هذا في أبنائه ، ورغم ذلك انجليزيتك متقنة بشكل فاق
معلميك رغم سنوات حياتهما هناك حتى أن والدك حين يتحدث أمامي
بالانجليزية مع أحدهم في الهاتف لا أستطيع فهم نصف ما يقوله
بسبب سرعته لكن اتقانك لمخارج الأحرف والاصوات فاقهما
وبوضوح "
قالت وهي ترتب قطع اللحم في الصينية الزجاجية
" هذا لأني عشت هناك منذ مولدي ومربيتي كانت انجليزية واحتكاكي
بها كان كبيرا رغم أن والدي حرص كثيرا على تعليمي العربية
ولهجة بلادي تحديدا لكن وقت وجودي معها كان أكبر "
وتابعت بحزن تضع قطع البطاطا حولها
" وبعد وفاتها أصبح جدي دجى هو من يهتم بتعليمي الكلمات التي
كنت أنطقها بطريقة خاطئة رغم قلة زياراته لي فقد تحول عالمي
للوحدة التامة بعد موتها فهي من كانت تسليني وإن لم تكن فردا
من عائلتي ، وضننت أن كل ذلك سيتغير حين نصبح هنا لكن .... "
وغاصت كلماتها في حلقها فقال الذي رفع نظره لها وبابتسامة جانبية
" في وجهي تقولينها يا ابنة مطر ! "
نظرت له بصدمة وما أن كانت ستتحدث موضحة له ضاعت
الأحرف منها وهي تنظر للواقف عند باب المطبخ ينظر لها
تحديدا يتكئ بكتفه على إطاره ويدس يديه في جيبي بنطلونه
فأسدلت جفناها الواسعان تنظر للصينية أمامها مجددا وقالت
" بل وجدت الكثير هنا عمي ... الفرح كما الحزن والسعادة كما
الجراح "
وتابعت بابتسامة ساخرة تزين ما فعلته سابقا بحبات الطماطم
الصغيرة كما تغرس الأشواك ببطء في جوف أحدهم
" قال لي خالي رعد مرة أن الرجال يعبرون عن مشاعرهم بطرق
غريبة ... وقاسية ، مشاعرهم جميعها و ..... حتى الكره "
ساد صمت مميت بعدها المكان لم يكسره سوى صوت السكين
الذي وضعه الواقف قربها والذي ما أن كان سيتحدث لفت
انتباهه الذي استقام في وقوفه هناك ولم ينتبه لوجوده سابقا
لانشغاله فقال مبتسما
" آها قاسم هذا أنت هنا ! مؤكد لم تتناول عشائك بعد "
وتابع ينظر بطرف عينيه للتي كانت تشغل نفسها بلف ورق القصدير
فوق الصينية
" ابنة مطر شاهين قررت اليوم أن تطهو هي الطعام بما أنه
لا خادمات هنا حتى الغد "
وتابع أيضا حين لم يعلق أي منهما ونظره هذه المرة على الخضار
التي بدأ بجمعها في طبق مسطح قائلا بابتسامة
" تيما أتعلمي أن ابن عمة والديك هذا عدو لطعام المطاعم
والخادمات وهو يعيش في لندن ومن دون زوجة ولا شقيقة ؟
لست أعلم حقا كيف ستجد له جوزاء زوجة يتأقلم معها بطباعه
الغريبة هذه حتى أنه فوضوي ويحب كل شيء مرتبا ! "
اشتدت أصابعها على القصدير حتى كادت تمزقه تحتها ويتلف
نهائيا ورفعت نظرها ببطء جهة الباب ووقع فورا على عينيه
المحدقة فيها بصمت قد وترها حتى في هدوئهما الغريب هذا !
عادت بنظرها للأسفل واستمرت في اتباع نصائح معلمها الواقف
خلف الصورة والمدعو رعد طبعا قائلة بلامبالاة وإن كان قلبها
يحترق ألما
" مؤكد ستجد له واحدة مناسبة كما فعلت مع ابنيها "
وسحبت نفسا عميقا قبل أن تحرره ببطء ما أن سمعت خطواته
مغادرا والغريب أنه لم يتحدث ولم يعلق ولم يستغل الفرص لجرحها
كما فعل سابقا ، إن كان غضبه واستيائه لا تفهمهما ولا يمكنها
احتوائهما فكيف بهدوئه المريب هكذا ! هي حقا رمت نفسها
للهلاك بيديها .
وضعت الصينية في الفرن وجلست أمامه تنظر للفراغ بشرود
حزين ، إن كان هذا هو الحب فقد أوقعت نفسها في حفرة عميقة
سوداء مظلمة ومخيفة ... ألم تجد رجلا غيره في الوجود !
لما كان اختيارا قاسيا وقرارا مجحفا هكذا ؟
" هيييه تيما !! "
أجفلت فجأة ورفعت نظرها للذي قال مشيرا بيده لأعلى الفرن
" ستحترق شرائح اللحم في الأعلى فأنتي لم تقلبيها مطلقا "
قفزت حينها واقفة وقلبتهم بيدها مسرعة متجاهلة ألمها وكادت
تحرقهم فعلا بغبائها فهي انشغلت مع صينية لحم الدجاج مطمئنة
بأن النار كانت منخفضة تحتهم حتى نسيتهم تماما والسبب
ذاك الزائر الغريب طبعا ... لا بل غبائها هي وقلبها الأحمق .
قبضت أصابعها بقوة ودست يدها في خصرها بملامح متألمة
فهي لم تشعر بالألم فيهم هكذا إلا الآن ، توجه صقر نحوها قائلا
" ما بها يدك أرني إياها "
قالت متوجهة جهة البراد
" لا شيء عمي مجرد لسعة خفيفة وستذهب بالثلج "
وفتحت أحد بابيها ورفعت جسدها على رؤوس أصابعها وأنزلت
الآنية الزجاجية المليئة بالثلج ووضعت أطراف أصابعها فيه
تغمض عينيها بقوة وتنفست بارتياح ما أن شعرت بالألم قد زال
تماما وكررت ذلك عدة مرات تدخلهم وتخرجهم حتى شعرت
بها ستتجمد تراقب مبتسمة الذي بدأ بتوزيع السلطة في الصحن
وأخرج صحنا واسعا للأرز فأعادت الإناء مكانه وأغلقت باب
الثلاجة وتوجهت ناحية الفرن وتفقدت صينية الدجاج الزجاجية
من الخارج ثم أغلقته مجددا ووقفت على طولها وبدأت بوضع
شرائح اللحم الناضجة من المقلاة في طبق آخر وزينت حوافه
بشرائح الطماطم تستمع مبتسمة لحديث معاونها المسلي والذي
لم تحتج إلا أن تشاركه بالقليل من الكلمات حتى انتهيا تماما من
اعداد الأطباق وأخرجت صينية لحم الدجاج وتركتها له ليسكبه
في طبقه الخاص وخرجت متوجهة لغرفة الطعام وبدأت بترتيب
الأطباق على الطاولة فيها حسب عددهم ووزعت الملاعق والشوك
وكوؤس العصير فسمعت حركة ما خلفها قبل أن يمر جدها بقربها
وسحب كرسيا وجلس عليه قائلا
" ماذا أعددتما لنا ؟ أشك أننا سننام جياعا الليلة "
نظرت له مبتسمة بحنان فهو رغم تجهمه والضيق الذي لازال
واضحا على ملامحه لم يفقد روحه المرحة وتشتاق فعلا لجدها
الذي عرفته كل حياتها ولا يشبه هذا بتاتا بل نسخة عن الذي تركته
خلفها في المطبخ ، قالت مبتسمة وهي تضع له منديلا وكأسا أمامه
" أعددنا سلطة الأفوكادو وقطع السمك كاجون المقلي من أجلك
لأنك تحبها وشرائح اللحم الضأن المشوية من أجل والدي
وصينية الدجاج في الفرن وهو طبق عمي صقر المفضل
والارز بالبازلاء وكبد الدجاج من أجلي .. وبذلك نرضي
جميع الأذواق "
قال بابتسامة مائلة ينظر خلفها
" إذا لا شيء من أجل قاسم ...؟ أغاضبة منه أم ماذا ! "
تصلب جسدها تماما وقد شعرت حينها بحركة من كان يقف خلفها
ولم تشعر به ويبدوا بأنه دخل خلف جدها ولكنه فضل الوقوف
بعيدا ، ضمت يديها وقالت بصوت منخفض تنظر للأسفل
" لم أكن أعلم ما طبقه المفضل وهو لم يكن موجودا هنا "
وأغمضت عينيها متنهدة بقوة ما أن شعرت به يسحب الكرسي
قربها وجلس دون أن يقول شيئا ولا أن يعلق فغادرت من هناك
فورا قبل أن تحاصرها رائحته أكثر فهي باتت تخشى صمته
الغامض ذاك أكثر من كلماته الجارحة ، دخلت المطبخ وساعدت
صقر في أخذ أطباق الطعام وقد رفع هو صينية الدجاج بيد والأرز
بالإخرى لأنهما الأكبر والأثقل بينما حملت هي صينية السلطة
فهي خفيفة مهما كان حجمها وصينية شرائح اللحم في اليد الآخرى
وخرجا متوجهان هناك والتحقا بالبقية ، وضع صقر طبق لحم
الدجاج جهة كرسيه وجلس قائلا بابتسامة " طبعا كل واحد يأكل
من طبقه "
شخر دجى بسخرية بينما جاء التعليق من الذي خرج عن صمته
ولأول مرة قائلا ببرود
" وقل قاسم ينام من دون عشاء .. لما تتعب نفسك بكل ذلك ؟ "
فضحك من فوره قائلا
" ها هو خالك بجانبك كل السلطة معه "
قالت التي وضعت صينية الأرز وسط الطاولة
" الأرز للجميع إذا "
لحظة دخول الذي ألقى السلام هامسا بجمود فنظرت له مبتسمة
بحزن قبل أن تتوجه نحوه وقبلت كتفه قائلة
" مرحبا أبي "
فهي لم تراه اليوم لأنها غادرت لغرفتها وقت دخوله صباحا
ثم خرج ولم يرجع إلا الآن وها هو يبدوا مستاءً وأكثر من
جدها أيضا ، مسحت يده على رأسها وقال بشبه ابتسامة صغيرة
ناظرا لعينيها
" كيف أنتي يا تيما ؟ "
قالت مبتسمة بحنان
" بخير مادمت أنت بخير "
قبل جبينها وسار بها ذراعه على كتفيها حتى جلس وجلست
بقربه ونظرت فورا للذي ازدادت ملامحه عبوسا وتجهما وتنهدت
بأسى قبل أن تقول له مبتسمة
" جدي هل أسكب لك من الأرز ؟ "
رفع نظره لها قبل أن يرمق بطرف عينيه الجالس على يمينه
قائلا ببرود " ولحم الدجاج أيضا "
خرجت منها ضحكة صغيرة ووقفت ودارت ناحيته ورفعت طبقه
وغرفت له من الأرز ووضعته فيه وأضافت له قطعة لحم دجاج
كبيرة متجاهلة نظرات صقر التهديدية تمسك ضحكتها وقد وضعت
له الطبق أمامه فقال صقر متنهدا بضيق
" من أين لي بحفيدة تدللني "
فضحكت من فورها وتوجهت نحوه وحضنته من ظهره قائلة بابتسامة
" وأين ذهبت تيما ؟ "
قال ضاحكا يبعدها عنه
" أجل احتالي علي بألاعيبكن أنتن النساء "
قالت مبتسمة
" الحق علي "
ومدت يدها بعد تردد لطبق الجالس بجانبه لازال فارغا ورفعته
دون أن تسأله كي لا يرفض ويخجلها وسكبت له من الأرز أيضا
وقالت تشغل نفسها عن النظر له بما تفعل وهي تسأله
" أي أنواع اللحم تريد ؟ "
وبالكاد وصلها همسه حين قال
" بل وحده "
وضعت له طبقه أمامه وابتعدت فورا حامدة الله أن انتهت مهمتها
أخيرا ولم يبقى سوى والدها الذي قال قبل أن تسأله
" سأكتفي باللحم شكرا لك يا تيما "
فجلست مكانها على صوت صقر قائلا بابتسامة
" بعد عشاء الليلة إما أن يستغنوا عن الخادمات نهائيا يا تيما
وستكونين أوقعت نفسك في مشكلة حينها أو لن يسمح لك أحد
بدخول المطبخ مجددا "
ضحكت وقالت ترفع الملعقة لفمها
" من يسمعك يظن بأنني طهوت كل شيء وليس الارز فقط تقريبا "
ضحك وقال
" كنت أود اظهارك سيدة منزل ممتازة لكنك لا تستحقين "
وتابع ناظرا لها بمكر بينما وجه حديثه للجالس عند رأس الطاولة
" مطر بالله عليك زوجها لرجل لا يعترف بوجود الخادمات ليؤدبها "
نظرت له بصدمة وانطلقت ضحكته هو مرتفعة بينما كان التعليق
من دجى الذي قال ببرود
" أمامها من العمر الكثير لتتعلم قبل أن يزوجها "
فعم الصمت المكان فورا يعلم كل واحد منهم لما قال ذلك ومن المعني
بكلامه والذي لم يتأخر تعليقه أكثر من ذلك أيضا حين قال بجمود
ونظره على طبقه
" عليه أن يرضى بها كيفما هي وفي أي سن كانت "
لتصفع كلماته الجميع وأولهم التي وقع نظرها على جدها
والذي نظر لها فورا وبضيق فهمست له بشفتيها فقط وبرجاء حزين
" جدي أرجوك "
فتأفف وعاد لطعامه ولم يعلق ونظرت هي أيضا لطبقها بحزن وتجنبت
النظر ناحية الذي تعلم جيدا كيف قد يستغل الموقف ويذكرها مجددا
بأنها سبب شجارهما وكل هذا الجو المشحون ، قال صقر مبتسما
ومحاولا التغيير من ذاك الجو المضطرب ونظره على طبق الجالس
على يمينه
" قاسم ما علمته عنك سابقا أنك لا تفضل الأرز وأراك تجتهد في
تغيير عاداتك الآن ! "
فرفعت الجالسة أمامهم نظرها له فورا وغرست أسنانها في طرف
شفتها لا شعوريا تراقبه ونظره على طبقه والملعقة فيه وقد
تمتم ببرود
" قررت تغيير نمط حياتي ... أثمة مانع لديك ؟ "
ضحك صقر وقال
" لا بالطبع أنا فقط ظننتك تجنبت احراجها حين سكبته لك ،
الله أكبر عائلة لا يستطيع أحد قول شيء لأحدكم ... حمدا لله
أنه ثمة فتاة رقيقة جميلة ضمن أفرادها "
أنزلت نظرها حينها لطبقها وضربات قلبها ترتفع بشكل مخيف حتى
شعرت بأنهم يسمعونها جميعهم فها هو وللمرة الثانية يأكل شيئا
لا يحبه من أجلها ! لو أنها تفهم هذا الشاب وكيف يفكر ولو لمرة
واحدة ؟!
رفعت نظرها بالذي وقف مجيبا على هاتفه ومغادرا من هناك قائلا
" أجل يا رعد ماذا حدث معك ؟ "
وتبعته نظراتها المتوجسة وهو يبتعد قائلا بضيق
" ألمهم أنها فتحت الباب وخرحت إن كان السبب موعد رماح أم غيره
ولا تتركوها تسجن نفسها مجددا ، حذرتك سابقا من أن ..... "
واختفت كلماته مع اختفائه خلف الباب الذي أغلقه ورائه فنقلت
حينها نظراتها المتوجسة للذي وقف ورمى ملعقته بقوة وغادر
أيضا مستغفرا الله بصوت مسموع غاضب ولم يكن سوى جدها
وقد غادر ضاربا الباب وهو يفتحه وتركه بعده مفتوحا وما أن
همت بالوقوف خلفهما أوقفها صوت صقر الذي قال وهو يرفع
قطعة فخذ دجاج أخرى
" اجلسي وأنهي طعامك يا تيما فلن ينفعك أيا منهما حين ستنامين
جائعة ، ولا تقحمي نفسك في مشاكل ستجعلي من نفسك الطرف
الخاسر فيها لأن حلها ليس لديك "
نظرت له بعبوس هامسة
" كنت أود الاطمئنان إن كانت والدتي بخير فقط "
نظر لها من فوره وقال
" والنتيجة يا تيما ؟ عليك أن تتعلمي أن لا تتحدثي معها حين تكون
غاضبة من والدك ، اتركي مشاكلهما لهما ولا تقفي في صف أحدهما
ضد الآخر ولا بين جدك ووالدك حتى إن كان الموضوع يخصك "
نظرت لطبقها بحزن ولم تعلق فهي تراه على حق لأنها تصبح دائما
الطرف الثالث والمتضرر في أي مشكلة تحاول وإن إبداء الرأي فيها
ولم تقم يوما بحل إحداها أو المساعدة فيه ، حركت الملعقة في طبقها
ببطء وقد فقدت الشهية في أكل أي ملعقة أخرى منه رغم حبها الشديد
لهذا الطبق والوحيد الذي تتقنه تقريبا وهي لم تأكله منذ عودتهم هنا
وكانت تتوقع أن تأكل كل ذاك الطبق الكبير الممتلئ ، تود بالفعل أن
تذهب لجدها وتخفف قليلا من ضيقه لكنها تعلم جيدا بأن الأمر لن ينجح
وسيلقي باللوم عليها فيما يخص زواجها الذي كرهته من قبل أن يحدث
بسبب رفض الجميع له وتحميلها مسؤلية الصمت عن قراره نيابة عنها
، وتود أن تتصل بوالدتها لتطمئن إن كانت بخير وتخشى بل وتعلم بأن
النتيجة ستكون كسابقاتها ، كما أنها إن فكرت في الذهاب لوالدها وفهم
ما يجري منه فلن تخرج بشيء سوى عبارته الدائمة تلك
( لا تقحمي نفسك في مشاكلنا يا تيما )
والنتيجة سيتهمها الطرف الأخير في الحكاية بأنها شخصية
مهزوزة وأنها سبب مشاكل جميع المحيطين بها .
وضع صقر العظم من يده وقال رافعا يديه
" كنت أود أن نجد من نرمي عليه مهمة تنظيف المطبخ "
وتابع يرمق الجالس بجانبه بطرف عينه
" لكن يبدوا لي أن الأغلبية فروا من هنا أم أن كل واحد يغسل
أطباقه بنفسه يا ترى ؟ "
قال الذي وضع ملعقته في طبقه
" سأقوم أنا بذلك شرط أن تبتعد بإزعاجاتك عني "
وقف صقر من فوره قائلا بابتسامة
" وأنا موافق "
ونظر للتي كانت تنقل نظرها بينهما بصدمة ثم غمز لها وقال
" أخبرتك أن شجرة الزيتون يمكن الاعتماد عليها فهيا غادري قبل
أن يغير رأيه "
وغادر من هناك من فوره ونقلت هي نظراتها منه للذي وقف وقد بدأ
بجمع الاطباق قربه فوقفت أيضا وما أن رفعت طبقها قال وهو يغادر
بما جمعه منهم
" يمكنني القيام بذلك وحدي شكرا لك "
فنظرت له بعبوس حتى خرج ، الحق عليها كانت تريد مساعدته لكنه
ناكر للجميل ، ورغم أنه قال ذلك بنبرة عادية ليست تلك النبرة الباردة
ولا القاسية المعتادة منه إلا أنها شعرت بكلماته جرحتها فهو بشكل أو
بآخر رفض أن يكونا معا ، وما ستتوقع منه مثلا وهي من أعلنت
الحرب عليه اليوم مرارا .
حركت كتفيها بلامبالاة وغادرت من هناك وتوجهت لغرفتها فعليها
أن تستحم وتصلي العشاء .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 67 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 29-01-18 الساعة 10:51 PM
رد مع اقتباس
#6762
قديم 29-01-18, 09:24 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفع نظره أعلى السلالم وللتي نزلت منه ترتدي فستان أسود طويل من
قماش الكريب الياباني بحزام كريستالي ملتف حول خصرها النحيل ...
كان مميزا وأنيقا كباقي ملابسها فهي تعلم جيدا ماذا تنتقي وتختار ،
وقد لفت على شعرها حجاب حريري أسود ملفوف بأناقة وعناية
كعادتها كلما خرجت وكأنها تعطي لذاك اللون معنا جديدا ومختلفا
تماما . وقفت أمامه في الأسفل ونظرت جهة الممر الغربي وكتفت
ذراعيها لصدرها قائلة بضيق
" ألن يغير شقيقك رأيه ؟ "
نظر لوجهها وملامحها المتعبة الشاحبة وإن لم يكن فيها أثر
للبكاء وقال
" يبدوا علينا جميعا أن نغير رأينا "
نظرت له باستهجان فقال " غسق تبدين لي متعبة فلنعتذر منهم
ونؤجلها للغد "
قالت من فورها
" أنا بخير ولن نؤجل الأمر ولا لساعة أخرى فيجد شقيقك لنفسه
مخرجا جديدا "
قال بجدية
" غسق انظري لوجهك في المرآة ، أنتي ..... "
قاطعته بضيق
" رعد قلت أني بخير وأنا أدرى البشر بنفسي "
نظر لها بصمت ولم يعلق ففركت جبينها بأصابعها تنظر للأرض قبل أن
تنظر ليديها وتنهدت بعمق قائلة
" آسفة يا رعد لم أقصد أن أكون فضة معك هكذا فلا تخض معي في
الحديث عن ذلك أكثر أرجوك "
تنهد بضيق وقال مبتعدا عن الموضوع كما طلبت
" لا جدوى من المحاولة معه مجددا يا غسق لذلك علينا أن
نغادر الآن "
رفعت نظرها له وقالت بضيق
" وما حجتنا أمامهم يا رعد ؟ أيتعمد إحراجنا أم ماذا ؟ "
حرك كتفيه وقال
" سيقدرون وضعه بالتأكيد وسنخبرهم بوصايا الطبيب عن العناية
بصحته هذه الفترة تحديدا ، ثم ما تريدينه سيحدث فلما تهتمي بوجوده
من عدمه "
أبعدت نظرها عنه وقالت بجمود
" ليس ذاك ما أريده أنا يا رعد بل ما يريده شقيقك ويكابر وفيه
مصلحته قبل الجميع "
قال مدققا النظر على ملامحها
" أخشى أن نندم على هذا يوما يا غسق "
نقلت نظرها له مجددا وقالت بتصميم
" لن يحدث ذلك فجهينة تحبه وهو كذلك والجراح سيداويها القرب
يا رعد "
قال بجدية ناظرا لعينيها السوداء الواسعة
" أترضين أنتي أن نجبرك على العودة لزوجك لأنكما تحبان
بعضكما ولأن القرب سيداوي الجراح يا غسق ؟ "
نظرت له باستهجان قبل أن تلوح بيدها قائلة بضيق
" كم مرة سأقول توقفوا عن التمثيل بي فوضعي لا يشبه أيا منكم ،
ثم جهينة تسعى فعلا ليكونا معا وهي على استعداد لفعل أي شيء
من أجل أن يجتمعا مجددا "
تركها حتى أنهت كلامها وقال بهدوء
" ومطر شاهين أيضا على استعدا...... "
" رعععععد "
قاطعته بضيق فتأفف وقال
" حسنا وعمتي ألن تذهب معنا أيضا ؟ "
حركت رأسها بالنفي وقالت والضيق لم يغادر ملامحها بعد
" قالت بأنها متعبة قليلا ولست مطمئنة أبدا على صحتها فألم رأسها
بات ملازما لها تقريبا وأصبحت نائمة أغلب الوقت "
أوما موافقا وقال
" ظننت ارتفاع ضغط الدم والأدوية السبب لكن يبدوا معك حق
فما أن ننتقل لحوران سأعرضها على أخصائيين هناك لنطمئن
عليها "
أومأت بحسنا متنهدة بعمق وقالت
" لنغادر إذا فقد تأخرنا بما يكفي "
نظر لساعته ثم لها وقال
" ظننت أنه ثمة شخص آخر علينا أخذ رأيه إن أراد مرافقتنا
يا غسق ؟ "
نظرت له باستغراب وقالت
" شخص آخر ! "
قال من فوره
" أجل وعن آستريا أتحدث فهي فرد من عائلتنا الآن "
قالت باستغراب
" وهي بوضعها هذا يا رعد ! لن ترضى بالتأكيد "
دس يده في جيب بنطلون بذلته وقال
" أنا لم أقل تذهب معنا بل قلت نأخذ رأيها وثمة فرق كبير بينهما ،
وأرى أن يكون ذلك منك وليس مني "
نظرت له بصدمة لبرهة قبل أن تخرج منها ضحكة صغيرة تبعتها
أخرى وأخرى وقد امتزجت بسعال خفيف جعله يبتسم بداية الأمر
لرؤيته ضحكتها في هذا اليوم تحديدا قبل أن يمسك خصره بيديه
قائلا بضيق
" وما قلت يضحك سيدة غسق ؟ "
قالت مبتسمة ما أن هدأت نوبة سعالها تلك
" أخشى فقط أن نصبح جميعنا نعمل على راحة ثنانيتك تلك
عما قريب "
قال ببرود
" لا أستبعد ذلك أبدا "
لامست يدها ذراعه مبتسمة بسعادة من بين حزنها وتجهم ملامحها
على سعادته التي وجدها أخيرا وقالت
" معك حق وسأذهب لها فورا "
ثم غادرت من عنده وقد تبعها صوته قائلا
" غسق هي في الغرفة المجاورة لغرفتي "
فأومأت له بحسنا متابعة سيرها حتى وصلت باب الغرفة وطرقته
وسمعت فورا ذاك الصوت الأنثوي سامحا لها بالدخول ففتحت الباب
برفق ودخلت وقابلتها صاحبة تلك الابتسامة الجميلة التي استقبلتها بها
ورغم كل تلك الخدوش والكدمات في ذاك الوجه الدائري الممتلئ بشكل
أنثوي جميل ومميز وقد زادته تلك النقرة في ذقنها روعة فلم يؤثر
ذلك في جمالها الثناني المميز عن قبائل العرب بتاتا بل وتراها أجمل
مما تذكرها في الماضي فقد كانت وقتها أنحف وجسدها أقل إمتلاءا
من الآن وبهذا الشكل المتناسق المميز ، وحتى ملامحها تغيرت
بشكل جذري رغم أنها كانت تتمتع بجمال الثنانيات الرائع وقتها إلا
أنها الآن تبدوا مختلفة بشكل ملفت للنظر ! فصدقا هذا ما يقال عنه
تغيرات ما بعد سن المراهقة ، فإن كانت تلك المدعوة أنجوانة لازالت
كما تذكرها أجمل نساء ثنان فهذه قد أصبحت في المرتبة الثانية
بعدها بكل تأكيد .
نظرت للبجامة قرمزية اللون التي كانت ترتديها وقالت مبتسمة
" آستريا ما هذه ...؟ إنها واسعة عليك كثيرا ! "
نظرت تلك لنفسها ثم لها وقالت بعبوس
" رعد جلب لي اثنتان واحدة لم تغلق أزرارها على جسدي
وهذه كما تريها الآن ويبدوا أنه أراد أن يجلب الخياران المتوقعان
فأضاع مقاسي تماما ، فقط الملابس الداخلية أصاب فيها وكم حمدت
الله أنه أرسلهم مع الخادمة "
لم تستطع الواقفة أمامها امساك الضحكة الخفيفة التي تغلبت على
تجهم ملامحها المسيطر عليها من ساعات وقالت
" سأعطيك من ثيابي فيبدوا لي لا نختلف في الوزن كثيرا "
لوحت بيدها قائلة بابتسامة
" لا بالله عليك أريد المتسعة على جسدك قدر الامكان "
ابتسمت وقالت
" ملابسي جميعها تحت أمرك آستريا وثمة متاجر كثيرة هنا
في العمران يمكننا زيارتها قبل أن ننتقل للعاصمة وتشتري
ما تريدين "
أومأت لها مبتسمة وتابعت هي من فورها
" سنزور الليلة منزل عائلة شاكر عمران لخطبة ابنتهم لرماح
وجئت أسألك إن كنت تودين الذهاب معنا فأنت فرد من عائلتنا
الآن آستي "
نظرت لها بصدمة قائلة
" رماح شراع سيتزوج !! "
أومأت لها بنعم مبتسمة فقالت بلمحة حزن
" لا تصلنا جميع تفاصيل ما يحدث هناك في قرى ثنان لكن الجميع
يعلم ما حدث معه وحالته التي أصبح عليها وسعيدة حقا بأنه سيتزوج
ويجتاز عقبة كبيرة تدمر حياة الكثيرين في مثل حالته "
تنهدت الواقفة أمامها بأسى متمتمة
" أتمنى بالفعل أن يجتاز تلك العقبة وأن لا يدفن نفسه حيا بسببها "
نظرت لها باستغراب وقالت بحيرة
" لا أفهمك يا غسق ! هل الأمور تسير على ما يرام بالفعل ؟ "
تنهدت بعمق وقالت
" ما يطمئنني آستي أنه يحبها ومن أعوام طويلة وهي مثله وأكثر
منه وأتمنى أن يسعدا معا بالفعل "
ابتسمت وقالت
" إذا ثمة قصة حب قديمة بينهما ؟ "
ابتسمت أيضا قائلة
" أجل وأكثر تعقيدا وإثارة من قصتكما وسأحكيها لك في وقت لاحق ،
هذا إن لم يسبقني رعد بسردها لك طبعا "
نظرت للأسفل مبتسمة بحياء فقالت المقابلة لها
" ألن ترافقينا آستريا ؟ "
نظرت لها وقالت
" معذرة منك غسق ... اقدر فعلا هذه المكانة التي وضعتني فيها
سريعا هكذا وأتمنى بالفعل أن أكون معكم لكن مع حالتي هذه لا
أستطيع فما سيفكرون فيه ويقولونه عني وعنكم ؟ "
قالت من فورها
" هم أناس طيبون آستي ومتواضعون جدا ولن يحدث ما تفكرين
فيه أبدا وسأكون سعيدة إن لم أكن هناك وحدي "
ابتسمت لها وقالت
" أتمنى ذاك بالفعل يا غسق لكني لا أستطيع حقا بمظهري
المشوه هذا فأقل ما سيفكرون فيه أن شقيقك ضربني "
وتابعت بضحكة خفيفة
" وضاعت سمعة رعد شراع العطرة حينها "
لم تستطع امساك ضحكتها الخفيفة أيضا وقالت مغادرة
" إذا ليلة سعيدة آستي نامي باكرا فجسدك بحاجة للراحة ولفترة
طويلة وسأخبر الخادمة تحلب لك من ملابسي "
" غسق "
وصلها صوت ندائها باسمها قبل أن تخرج فوقفت والتفتت لها
تاركة مقبض الباب الذي كانت تمسكه لتغلق الباب خلفها وقالت
التي حدقت في عينيها السوداء الجميلة وبتوجس
" آخر ما توقعته أن أجدك هنا ... ظننت أنك في منزل الزعيم
ابن شاهين ؟ "
نظرت لها باستغراب فتابعت من فورها مبررة
" لا تعتبريه تطفلا مني يا غسق أو وقاحة فأنا منذ التقيتك في الماضي
وعرفت بعدها شقيقك رعد تعلقت بكم جميعكم وإن كنت لا أعرفكم
جيدا ، ومعرفتي وحبي العظيم لمطر شاهين ما جعلني أقول ما قلت
وسأقول "
ثم رطبت شفتيها بلسانها وتابعت تنظر لصاحبة تلك الملامح الفاتنة
والحسن العربي المتكامل والذي لم يشوهه ذاك الحزن العميق
" حين كنا في طريقنا إلى هنا هو لم يسألني بالفعل عما حدث معي
منذ وقعت رهينة في أيدي المتمردين وكانت عبارة واحدة تلك التي
قالها لي
( من يحب بالفعل يا آستريا عليه تقبل حبيبه كيفما كان وتفهم
أسبابه وإن لم يفصح عنها لأنه يثق به لهذا لن أسلمك لرعد
شراع إلا إن كان كذلك ولن آخذ رأيك في هذا )
وأنا اقتنعت فعلا بما قال وقتها ووافقته فيه وإن كان على حساب
مشاعري ، لست أعلم ما بينكما مفصلا ويحول بين رجوعكما كما
كنتما في السابق لكني موقنة تماما من أنه لن يقول لي كلاما لا يطبقه
على نفسه وأتمنى أن تكوني مثله يا غسق لأنه يستحق ، هو رجل
تفخر أي أنثى بأن.... "
" أنتي لا تعلمي عن الحقائق كاملة آستريا فلا يحق لك إذا الوقوف
في صفه ضدي فهو لم يطبق شعاراته أبدا "
ألجمتها عبارتها تلك وملامحها المشدودة بضيق وإن لم يظهر في
صوتها ويبدوا احتراما لها فقط فقالت مبررة من جديد
" أنا لم أقصد ذلك لكني فعلا أر..... "
فقاطعتها مجددا وبأدب كالمرة السابقة
" شكرا لك آستريا أنا أفهم ما تريدين قوله وإيصاله لي لكن الحقائق
القاسية لا يفهمها سوى من قاساها .. ومن يده في النار ليس كمن
يتألم معه فقط لأنه يراه يحترق ، ولمطر الرجل العظيم في أعين الجميع
هفوات وأخطاء أيضا قد لا يغفرها له أي شيء عندي "
وما أن أنهت عبارتها تلك خرجت مغلقة الباب خلفها ووقفت خارجه
وتنفست بعمق مغمضة عينيها قبل أن تتحرك من هناك متمتمة بضيق
" أقتلك يا غسق إن استسلمت لتلك الأفكار مجددا "
*
*
*
خرج من الحمام يجفف شعره بالمنشفة قبل أن يرميها على الكرسي
وجلس على حافة السرير ممررا أصابعه في شعره الرطب فلازال
يشعر بالإعياء في جسده بأكمله وتعبه البارحة لازال يؤثر عليه ومن
حسن حظه أنه ضغط زر قسم الاستقبال في هاتف الفندق وبذلك حين
لم يجب عليهم أرسلوا من صعد له فورا وفتحوا الباب ودخلوا له
وقاموا بالاجراءات اللازمة سريعا وتم جلب طبيب له في أسرع
وقت ممكن ففي مثل هذه الفنادق يتعاقدون مع أطباء خاصين
ومعروفين كما أنه وفي مثل وضعه وما حدث البارحة كان عليهم
التصرف سريعا من أجل أنفسهم قبله خاصة وأن ما أصابه كان سببه
حالة تسمم بسبب طعام معد بالكحول وخطأ في رقم الغرفة التي تم
إيصاله لها بل واستخدام كميات فوق المصرح بها صحيا لديهم
وتجاوز للقوانين نزولا عند رغبة نزيل تلك الغرفة طبعا لأنه ممن لا
يرد طلباتهم كي لا يخسروه كزبون دائم ومهم والنتيجة كانت أن دفع
هو ثمن تلك الخروقات والتدليل المفرط لبعض نزلائهم ، ولأن جسده
غير معتاد على تلك المشروبات الكحولية فكيف بتلك الكمية التي كادت
أن تفقده حياته إن زادت بنسبة قليلة في دمه وزاد عليها أنه تناول قبل
أن ينام نوعا من المضادات الحيوية له تفاعل عكسي معه مما زاد من
وضعه سوءا فيما بعد وها هو لازال يعاني تبعات أعراض ذاك السم ولم
يتخلص من الدوار والغثيان جيدا بعد ، وعليه طبعا أن يتكتم عن الأمر
لأن هذا الفندق من ضمن الفنادق المهمة والفاخرة التي تتعاقد معها
بلاده ولأن لهم سمعة يرفضون تشويهها أو سيحاربوه بكل تأكيد .
مسح وجهه بكفيه مستغفرا الله ونظر جانبا ورفع هاتفه وفتش فيه ...
مكالمتان من أبان وواحدة من والدته وأربع مكالمات من ابن عائلة
ضرار سلطان الذي اتصل به وقت وصوله صباح أمس و ..... غضن
جبينه ينظر باستغراب للرسالة التي وصلته البارحة أيضا ومن رقم لا
يعرفه وليس خارجيا بل من هذه البلاد ، فتح تلك الرسالة وقرأ أسطرها
باستغراب
( يقول أحد الحكماء : إن لم يكن بإمكانك أن تكون مهذبا مع الآخرين
فكن لبقا مع نفسك على الأقل . فافعل ذلك مع نفسك رجاءً وقل بأنك
ذهبت للحفل وأننا لم نتفق واحفظ كرامتي وعائلتي كما عائلتك
كنانة ) ........
نظر للإسم لوقت عاقدا حاجبيه قبل أن يعود لكلمات الرسالة ويقرأها
مجددا حين علم هوية مرسلها وتأفف نفسا طويلا ... ما هذه الوقحة
بحق الله ! كان يعلم بأنه وضع نفسه وغيره في موقف سيء لكن الأمر
كان خارجا عن ارادته وكان قد قرر فعلا اصلاح ذلك بل وزيارة منزل
تلك العائلة والاعتذار منهم لكن بعد رسالة ابنتهم هذه فلا يبدوا بأنه
سيبرر لأحد بل ها قد أعطتها له على طبق من فضة فهو بعد صباح
أمس بات مترددا بالفعل بخصوص زواجه من مجهولة الهوية تلك ولم
يكن أمامه من مناص أمامهم وأمام والدته والآن ها قد أعطته تلك
الوقحة مراده ، بل وقد فعل أكثر من ذلك وهو يرد عليها بمثيلتها
( أجل فأنت أعطيتني تبريرا جيدا لأقول بأني أرفض الزواج
من طويلة لسان .... ثم أنا أريد الارتباط بفتاة أخرى )
وأرسلها دون تردد أو تفكير ثم وقف ولبس قميصه بحركة عنيفة
غاضبة وسحب سترته وغادر الغرفة بل والفندق بأكمله ليتنفس
هواء منعشا مع هذا الصباح الباكر لعله يتخلص من هذا الشعور
الكريه بالغثيان .
*
*
*
فتحفت باب المنزل الخلفي وخرجت منه وسارت بخطوات بطيئة
جهة المقعد الحجري الطويل وجلست فوقه ورفعت قدميها أيضا
تنظر لهاتفها في حجرها وجربت الاتصال برعد مجددا وأجاب هذه
المرة برسالة وكان فيها فقط
( لست في المنزل يا تيما وسنتحدث فيما بعد .... إن اعتذر فلا
تقبلي اعتذاره اتفقنا ؟ )
عبست ملامحها الجميلة ووضعت الهاتف جانبا ونظرت جهة
أشجار الحديقة العالية وأوراقها المتراقصة بتناغم بطيء تحت
ضوء القمر وتنهدت بعمق فليس هذا ما تريد التحدث معه فيه بل
سؤاله عن والدتها فالكاسر لم يكن يعلم شيئا ولم يرى سوى ما
يريد هو أن يراه ، وكل ما علمته عنها منه أنها لحقت بوالدها
وتحدثا وقت ذهابه لهم ثم لا يعرف شيئا سوى أنها لم تخرج من
غرفتها إلا من وقت قريب وغادرت المنزل هي ورعد وليس يعلم
أين أيضا لأنه كان مختبئا عنها في غرفته ، ولم تستطع التحدث
معها حتى الآن تمنع نفسها بالقوة عن فعلها حتى الصباح على
الأقل ، حتى جدها وجدت غرفته مظلمة ويبدوا أنه نام منذ وقت
وحين مرت بقرب مكتب والدها كان يتحدث في الهاتف فهو منذ
غادر غرفة الطعام توجه هناك ولم يخرج حتى الآن وحين أخذت
له كوب الشاي كان على حالته تلك هاتفه على أذنه وحاسوبه
مفتوح أمامه والطاولة تحته مليئة بالأوراق وليست تعلم متى
سترحمه مسؤلياته تلك ليمارس حياته كأي رجل آخر ولا ينام
ويستيقظ همه وشغله الشاغل هو البلاد وما حدث وسيحدث
فيها !
ضمت ركبتيها وأرخت ذقنها عليهما وهامت بنظرها للفراغ ...
ليتها فقط تتوقف عن الحلم بعائلة مجتمعة كاملة وسعيدة
( والداها .. جدها .. عمها صقر ) جميعهم معا لا أحد منهم
غاضب من الآخر ولا مقاطعا له ففوق شبه انفصال والديها
وغضب والدتها من عمها صقر وعمتها جوزاء ها هما جدها
ووالدها علاقتهما تمر بمنحدر خطر جدا وإن استمر على ذاك
الحال والوضع ستنهار علاقتهما القديمة القوية بكل تأكيد ويخرج
جدها من هنا ويطالبها ووالدتها بالاختيار بينه وبين ابن شقيقه
وتعلم حينها ما سيكون اختيار والدتها ولن يكون جدها عاملا
مساعدا لجمعهما مجددا كما كانت تأمل بل ستتسع حينها تلك
الفجوة بينهما وللأبد وسيناصرها عليه ، هي لا تريد لوالدها
أن يبقى وحيدا وهذا ما ترى الجميع يسعى إليه وحتى هو نفسه
خصوصا حين سيقرر ابعادها عن هنا بتزويجها وسيبقى لوحده
في هذا المنزل الواسع لا رفيق له سوى الجدران الباردة والصمت
المميت وأصوات ذكرى من كانوا هنا ورحلوا عنه من دون
عودة .
مسحت بسرعة الدمعة التي عانقت رموشها وتصلب جسدها
تستمع للخطوات التي كانت تقترب من مكانها ببطء وتعالت
أنفاسها مع ضربات قلبها ولم تستطع ولا الإلتفات لتعلم من
يكون هذا الذي يعلم بأنها هنا ولم يخرج من باب المنزل
الخلفي الذي خرجت منه !
" لما تجلسين هنا وحدك يا تيما ؟ "
رفعت نظرها لصاحب ذاك الصوت الرجولي الوجس وتنفست
بارتياح وإن لم تظهره بشكل واضح أمام الواقف قربها يديه في
جيب بنطلونه الرياضي قبل أن تنزل به لهاتفها ورفعته ولوحت
به جهته فوق كتفها دون أن تنظر له متمتمة ببرود
" لما لا تلبسني تهمة جديدة ومختلفة هذه المرة ؟ "
وحين لم يصلها أي تعليق منه دست هاتفها في حجرها وضمت
ركبتيها مجددا ونظرت جانبا ولاذت بالصمت أيضا لعله يفهم بأن
وجوده هنا غير مرحب به ، أغمضت عينيها برفق حين وصلها
ذاك الصوت الرجولي المتزن
" أنا لم أتهمك بما تظنين يا تيما بل خشيت عليك من العمال
وحتى الحرس وأنتي هنا وفي هذا الوقت لوحدك ، والدك لديه
أعداء كما مناصرين يا ابنة مطر وقد يكونوا حولك ولا تعلمين "
نظرت لركبتيها وقالت بصوت منخفض
" أخبرني عمي صقر سابقا بأن والدتي كانت تحب الجلوس
هنا ليلا وأردت فقط أن أكون فيه لأني مشتاقة لها وقلقة بشأنها
ولا أستطيع الإطمئنان عليها ولا سماع صوتها "
لاذ بالصمت لوقت حتى ظنت بأنه لن يتحدث أبدا وسيكون ذلك
أفضل لكليهما فيبدوا أنهما لا يفلحان سوى في تجريح الواحد
منهما الآخر وسينتهي الأمر بشجار سخيف ككل مرة .
ارتجف جسدها لا إراديا حين شعرت بملمس أصابعه على
أصابعها وقد انحنى جهتها قليلا وامتدت يده ليدها وتحركت تلك
الأصابع الرجولية الطويلة فوق أصابعها قبل أن يمسكها مبعدا
لها عن ركبتيها ونظرها قد علق في وجهه بل على عينيه التي
كانت تحدق بعينيها قبل أن ينزل بنظره ليدها التي رفعها جهته
وقال ينظر لأصابعها الرقيقة في كفه
" أحرقت أصابعك ؟ "
فنظرت لها حينها وللّون الأحمر الواضح الذي كان يغطي
أطرافها البيضاء ولن يكون انتبه له الآن بالتأكيد ، مستحيل ...!!
سحبتها من يده في حركة سريعة وقبضت تلك الأنامل وخبأتها
في حضنها ونظرت للأسفل هامسة
" كان حرقا بسيطا ولم يعد يؤلمني "
وانكمشت على نفسها حين تحرك من مكانه خطوتين وجلس
على حافة الكرسي أمامها واتكأ بمرفقيه على ركبتيه ناظرا
للأرض فشعرت بضربات قلبها ترتفع بشكل جنوني وهي تنظر
لنصف وجهه المقابل لها .. لأنفه المستقيم ولحيته الخفيفة ..
لعينه ورموشه السوداء الكثيفة بلون حاجباه المستقيمان وشعره
الأسود الناعم وكان يلبس قميصا قطنيا بالكاد تغطي أكمامه
القصيرة نصف عضلات ذراعيه القوية ، أبعدت نظرها عنه
للأسفل تشتم نفسها فماذا إن كان منتبها لنظراتها المتفحصة له ؟ .
" أكان الأمر يستحق فعلا أن تحرقي يديك من أجله ؟
كان بإمكانكم طلب الطعام جاهزا "
رفعت نظرها له مجددا حين وصلتها تلك الكلمات وقالت بعبوس
" بلى يستحق حين يكون من أجل من أحب "
نظر لها هذه المرة ولازال على وضع جلوسه السابق وقال بضيق
محدقا في عينيها
" وأنتي دائما هكذا تؤذين نفسك من أجل الآخرين ولا مشكلة
لديك ؟ بل ومقتنعة تماما بما تفعلين ؟ "
لم تستطع التحكم في الدموع التي ملأت حدقتيها ولا الغصة التي
كانت ستفتت أضلعها لكتمها لها وتحركت لتغادر من هناك لولا يده
التي منعتها وقد وقف لوقوفها فورا وقال ناظرا لنصف وجهها
الذي تشيحه عنه
" متى ستتوقفين عن المغادرة غاضبة قبل أن ننهي حديثنا ككل
مرة ؟ "
سحبت يدها منه ونظرت له قائلة بضيق
" ولما سأبقى ؟ لأسمع سيلا آخر من عباراتك الموبخة لي ومن
أرائك السلبية في شخصيتي "
نظر لعينيها بصمت وتركيز قبل أن يتنفس بعمق مغمضا
عينيه لبرهة ثم قال بهدوء ناظرا لحدقتيها الزرقاء الواسعة
" أنا لم أقصد ما تظنينه بي يا تيما ولست هنا لأوبخك أو اعطي
أراءا في شخصيتك كما تعتقدين "
وتابع وقد أبعد نظره عنها للأرض
" أنا جئت لأعتذر عما قلت لا أن تكثر خلافاتنا أكثر "
زمت شفتيها تمسك ضحكتها وحمدت الله أنه لا ينظر لها وبأنه
أجبن من أن يواجهها وهو يقول ذلك بل ولم يكلف نفسه الاعتذار
بطريقة واضحة ومباشرة هذا المتلاعب ، وها قد حدث ما توقعه
رعد تماما لذلك سيكون عليها اتباع مخططه للنهاية ، حررت
شفتيها وقالت بجمود
" تعتذر عن ماذا مثلا فلم أفهم ؟ "
رفع نظره لها مجددا وتابعت هي دون أن تترك له مجالا ليعلق
أو يجيب
" تعتذر عما قلت في العمران أم صباحا وقت لقائي بجدي أم في
غرفته بعدها أم ما قلت الآن ؟ هل أنت حقا ستستطيع إلزام نفسك
بشروط الاعتذار التي من أهمها أن لا يتكرر ما حدث ؟
لا بالطبع لأن نظرتك لي لن تتغير ورأيك بي سيبقى سيئا دائما
وستخرق بنفسك الهدنة التي تقترحها في كل مرة لأنك لا تستطيع
نسيان ما حدث ولا أن تثق بصدق يميني وأنا أكرر في كل مرة
بأني كنت مجبرة وأنها كانت المرة الأولى وستكون الأخيرة لذلك
لن يجدي اعتذارك في شيء وسيكون أفضل لكلينا أن لا نتحدث
عنه مجددا أيضا وسنكتفي بأن نكون عدوين فقط "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت من هناك بخطوات سريعة
ودخلت مغلقة الباب خلفها بقوة وركضت حينها مسرعة ولم
تتوقف إلا وهي في غرفتها تقف على بابها ويدها على قلبها
الذي كان ينبض بجنون وجل ما تخشاه أن توقع نفسها في
مشكلة جديدة وأكبر من سابقاتها وهي ترفض اعتذاره هكذا .
انتفض جسدها قافزة بعيدا عن الباب ما أن طرقه أحدهم من
الخارج فابتعدت عنه متراجعة للخلف تنظر له بتوجس ولم تجب
تدعوا في سرها بأن يكون والدها أو عمها صقر أو حتى جدها ولا
يكون ذاك الذي تركته خلفها بعدما أعلنتها حربا صريحة معه ،
تكرر الطرق مجددا فرفعت يدها لشفتيها وقضمت أظافرها بتوتر
وقلبها تشعر به سيخرج من مكانه فهذا هو بكل تأكيد لحق بها
وها قد حانت نهايتك المحتمة يا تيما ... فكرت حتى في أن تدخل
الحمام وتغلقه على نفسها إلى أن يغادر أو أن تتجاهله فهو لن
يستطيع الدخول دون إذنها في جميع الأحوال لكنها بذلك ستظهر
بمظهر الجبانة والمنافي تماما للدور الذي تقمصته منذ قليل
وهو يعلم جيدا بأنها تسمع طرق الباب وتعلم بأنه هو .
شدت أكمام بيجامتها الطويلة بتوتر واقتربت من الباب ببطء
متمتمة بعبوس
" كله بسببك يا رعد ... لو ترتكتني قبلت اعتذاره لكان
أفضل لكلينا ؟ "
مدت أصابعها لمقبضه بتردد حتى أمسكته وأدارته بحركه بطيئة
وما أن فتحت الباب قليلا شهقت بصدمة لاندفاعه ناحيتها وتلك
اليد التي امتدت ليدها وقد سحبها منها للخارج الذي همس من
بين أسنانه
" كم مرة قلت لا تهربي قبل أن ينتهي حديثنا "
ووجدت نفسها خلال جزء من الثانية ملتصقة بجدار الغرفة
بجانب الباب وذاك الوجه أمامها مباشرة فهمست تنظر لعينيه
الغاضبتان بتوجس
" لا حديث بيننا فاتركني وشأني وابتعد قبل أن يرانا والدي "
سند يده بجانب رأسها على الجدار والأخرى لازال يمسك بها
رسغها وقال بقسوة محدقا في عينيها
" أريد أن أفهم من منا المخطئ الآن يا ابنة مطر ومن عليه
الاعتذار ؟ "
تنفست بعمق مغمضة عينيها تردد في داخلها دون توقف
( ساعدني يا رعد .. ساعدني يا رعد ... لا .. لا .. ساعدني يا
رب .. ساعدني أرجوك )
فعليها أن تواصل الدور دون تراجع فهي تريد رؤية النتائج
التي تحدث عنها رعد ولا يمكنها العودة لنقطة البداية الآن ،
فتحت عينيها ونظرت لعينيه وقالت متشهدة على نفسها
" لا أحد منا يلزمه الاعتذار من الآخر ولا الغضب أيضا فأنت
ستتزوج ممن تليق بك وبدون ماض متسخ طبعا وأنا ممن
لا يعلم عن ماضيا السيء ذاك شيئا ولا يحق لأحد... "
قاطعها نافضا رأسه بحدة
" توقفي عن ذكر ذاك البائس أمامي "
نظرت له بصدمة اجتازتها سريعا وبأعجوبة وقالت بضيق
متجاهلة ضربات قلبها الصاخبة
" لا تقل عنه بائس فهو سيصبح زو.... "
" تيماااااا "
صرخته الغاضبة الآمرة تلك أخرستها تماما تنظر له بخوف
فتأفف وأنزل رأسه للأسفل ممررا أصابعه في شعره ونظر لها
وقال وأنفاسة القوية تخرج بالتعاقب
" هل تحدث معك والدك عنه ؟ هل قال اسما معينا ؟ "
قالت من فورها
" ولما تريد معر.... "
قاطعها بحدة وأمر مجددا
" تيما أجيبي "
زمت شفتيها بحنق قبل أن تقول بضيق
" لا .. لكنه سيفعل بالتأكيد "
أبعد حينها يده وابتعد عنها وغادر من هناك بخطوات واسعة
غاضبة ولم يزد على ما قال حرفا آخر فدخلت غرفتها وأغلقت
الباب خلفها تهف بيدها على وجهها وتنفخ الهواء من بين
شفتيها فقد شعرت بمساماته تحترق جميعها ، توجهت ناحية
سريرها ورفعت هاتفها فعليها الاتصال بمخططها الحربي مجددا
فعليه أن يخبرها ما ستكون الخطوة القادمة قبل أن تلتقيه مجددا
وتنهار جميع مخططاته هذه المرة لأنها لن تصمد طويلا على
هذا الحال .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 73 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 29-01-18 الساعة 10:46 PM
رد مع اقتباس
#6763
قديم 29-01-18, 09:26 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقفت ملتصقة بباب المنزل الخلفي تراقب حدقتاها الخضراء
الدامعة الذي كان يربط الحبال حول الأغراض المكومة في
الشاحنة المرتفعة بعدما أصبح المنزل خاليا تماما من كل ما فيه
ليغادروه خلسة وفي الليل كما اللصوص بل وكمن يريد ارتكاب
جريمة لا يشهد عليها أحد رغم أن ضوء النهار سيعري ما فعل
وبالدليل القاطع ، لكن من سيهتم في الغد ؟ لا أحد طبعا وذاك ما
يعلماه جيدا وموقنان منه .
انسابت تلك الدموع الحارة على وجنتيها الواحدة تتبعها الأخرى
وهي تراه يضع ابنيه في الشاحنة أيضا ثم ساعد زوجته لتركبها
وبعدها التفت ناحيتها ونظر لها بملامح جامدة كالصخر قبل أن
يسير باتجاهها وأمسك برسغ يدها وسحبها منه فابتسمت من بين
دموعها ضنا منها أنه أشفق على حالها أخيرا وسيأخذها معهم
وإن بوضعها فوق أغراضهم المكومة في الخلف لكنه أدارها بقوة
لتصبح مقابلة له ودفع جسدها بقوة أكبر حتى أصبح حديد تلك
الشاحنة منغرسا في ظهرها وقال من بين أسنانه متجاهلا
ملامحها المتألمة
" أمامك خيارين فقط تختارين واحد منهما ... إما أن نخرج بك
معنا من هنا وتنتهي رحلتك عند طرق حفار وتنزلي هناك ..
تأكلك السباع تأكلك الوحوش تموتي جوعا وعطشا يجدك أحدهم
ويفعل بك ما يشاء وإن قتلك لا يهم عندي ، أو أن تبقي هنا في
هذه المدينة لكن خارح هذا المنزل طبعا فمالكه الجديد سيكون
هنا صباحا .... اختاري هيا ؟ "
فتحت عيناها المغرورقة بالدموع ونظرت له برجاء قائلة بعبرة
" أنت تتركني للشارع وللوحوش في كلا الحالتي يا جسار ،
لا تفعل هذا بي يا شقيقي أرجوك "
دفعها على ذاك الحديد القاسي المؤلم مجددا وقال بغضب
" لست شقيقك ولا تقولي هذه الكلمة مجددا ، أنتي لست شقيقتي
بل ابنة الإرلندية وذاك الخائن ... أنتي ابنة زنا لا أتشرف بأن
تنسب لي "
قالت بذات بكائها
" لكن والدتي أرضعتك وأنا .... "
صرخ رافعا يده أمام وجهها يهددها بضربها
" أصمتي ... قلت بأنك لست شقيقتي وذاك الحليب لا أعترف به
أتفهمين هذا ؟ واختاري الآن أي المصيرين تريدين بسرعة "
قالت بصوت مرتجف باكي
" لكنك قلت ثلاث أشهر وهي لم تنقضي بعد ... أمهلني حتى
أبحث عن شقيقي هازار وأجده أو يرجع مجددا أرجوك ...
أرجوك يا جسار لا تتركني لظلم البشر فلا أحد سيرحمني "
أبعدها عن الشاحنة ودفعها على الأرض بقوة صارخا
" وما سبب ما نحن فيه سوى شقيقك هازار ذاك ؟
هو سبب نبذ عائلتنا وقبيلتنا والجميع لنا ، ثم والدتك وما فعلته
مع زوج عمتي وابن عم والدي ليتركاك وصمة عار ملتصقة بي
وحدي عليا تحمل رؤيتها كل يوم ولعنتها لآخر العمر ، أريد أن
أهرب من التصاق سمعتك بي فكيف آخذك معي حيث سأكون ؟
أنت وشقيقك سبب تركنا لهذا المكان فتحملي لوحدك نتائج
ما فعلاه والدتك وشقيقك يكفيني كل هذا "
وتوجه نحو الشاحنة بعدها وركبها مغلقا الباب خلفه وخرج
بها من المنزل متجاهلا التي تسقي تراب الأرض بدموعها
وبكائها ، ولم تنتهي مهمته هناك فقد عاد نحوها مجددا
وأمسكها من ثيابها يجرها على الأرض باكية حتى أخرجها
خارج سور المنزل أيضا ورماها خارجه فهرعت زاحفة نحوه
وتمسكت بساقيه قائلة بنحيب
" لا تتركني للشارع يا جسار أرجوك لا تتركني لعائلة غيلوان
وحيدة فهم لن يرحموني ولن يتركوا أحدا يرحمني ، سأعيش
خادمة لكم ما حييت فقط لا تتركوني هنا أرجوك "
نفضها مبعدا لها يرفسها بقدمه بقسوة وتوجه نحو باب المنزل
الكبير وأغلقه وصعد تلك الشاحنة مجددا وغادروا من هناك
متجاهلين التي كانت تتبع شاحنتهم تضرب بقبضتها على بابها
تترجاهم باكية أن لا يتركوها حيث تعلم كيف سيكون مصيرها فلا
عائلة غيلوان سيقبلوا بها وينتشلوها من الشارع ولا أحد غيرهم
في تلك القرى سيفعلها فالجميع يخشاهم ويعلمون أي انتقام ينتظر
من يخالف أوامرهم أو يتحداهم .
ولأنهم خرجوا من الباب الذي كان يتوسط سور المنزل الخلفي
حيث الأراضي الزراعية الممتدة بطول النظر لم يشعر أحد
بجرمهم ذاك ولم يصل صوت بكائها ونحيبها وندائها الكسير
لأحد .. وحتى إن حدث ذلك فما من مجيب لها وهي لعنة عائلة
غيلوان كما يسميها الجميع هناك .. ومن هذا الذي يقترب من
لعنة ما ؟ خاصة إن كان حارسها الشر المدفون في قلوب
الغيلوان وللأبد .
*
*
*
نصب ركبته وأراح ساعده عليها ضاحكا يجلس فوق سريره
وقال وهاتفه على أذنه
" قولي قسما حدث ذلك ؟ "
وصله ذاك الصوت الرقيق الحانق فورا
" قسما حدث وقسما أني أوديت بنفسي للهلاك بسبك هذه
المرة يا رعد "
ضحك مجددا ونظره على باب غرفته الذي فتح ببطء وللتي
وقفت أمامه تنظر له بابتسامة سرعان ما ماتت وتحولت
نظرتها للاستغراب ما أن قال
" لا تكوني جبانة هكذا يا جميلة فمن يحب عليه أن يغامر
دائما "
وابتسم يمسك ضحكته بأسنانه ونظره على ذاك الجسد الملتف
في بيجامة حريرية سوداء يستمع لمن في الطرف الآخر والتي
قالت بضيق
" توقف عن قول هذه الكلمة وجد لي حلا الآن كما عقدتها "
فضحك هذه المرة وليس على ما قالت بل على ملامح الواقفة
هناك تنظر له بخيبة أمل وحزن وقال لمن في الطرف الآخر
متعمدا
" لما تنكرين بأنك واقعة في حبي حتى أذنيك ؟ "
وقفز من السرير مبتسما ليلحق التي كانت ستركض مغادرة على
ذاك الصوت الأنثوي الرقيق الحانق عند أذنه
" رعد هذا ليس وقت مزاحك السخيف "
أمسك برسغ التي أدركها على الوقت تماما وقد سحبها لداخل
الغرفة مرغمة قائلا
" ما رأيك في التحدث مع آستريا الآن يا دمية آل الشاهين
الجميلة "
وصله صوتها المتحمس فورا
" حقا أتحدث معها !! "
قال مبتسما ونظره على التي اختلطت نظراتها الحانقة بالاستغراب
" أجل فها هي بقربي الآن وسأضع الهاتف على أذنها "
وفعل ذلك فورا وأدخله من تحت شعرها البني الكثيف المموج
ليضعه على أذنها وقد أدار يده الأخرى حول خصرها لافا ذراعه
حوله متجاهلا نظراتها الحانقة وقد وصلها ذاك الصوت الأنثوي
بالغ الرقة سريعا
" مرحبا آستريا أنا سعيدة حقا بالتحدث إليك ومتشوقة جدا
لرؤيتك "
نظرت حدقتاها العسليتان للواقف قربها باستغراب ودفعت وجهه
بيدها ما أن حاول تقبيل خدها ضاحكا وقالت
" من أنتي ؟ "
فوصلها ذات ذاك الصوت ومستغربا هذه المرة
" ألم يخبرك ذاك الأحمق ؟ أنا تيما ابنة شقيقته غسق "
ارتفع حاجباها المحددان بإتقان وقالت بدهشة
" أنتي ابنة مطر شاهين !! "
ونقلت نظراتها الحانقة المتوعدة بالذي كان يضحك بصمت على
ذاك الصوت الأنثوي الباسم قائلا
" أجل أنا هي ابنة مطر وغسق "
فغرست أسنانها في شفتها تحول منع شهقتها من الخروج بسبب
الذي لف ذراعيه حولها وانهالت قبلاته المتتالية على شعرها
وعنقها وخدها وحاولت دفعه عنها هامسة بصعوبة تمسك
ضحكتها
" رعد ابتعد .... ابتعد قلت لك "
ليصلها ذاك الصوت الباسم فورا
" آمممم نتحدث غدا آستريا وداعا الآن "
وانقطع الاتصال معها فأبعدت الهاتف عن أذنها محاولة الفكاك
من الذي أدارها جهته لكنها خلصت نفسها منه بسهولة وتراجعت
جهة الباب قائلة بضيق
" لا تقترب مني لأني غاضبة منك "
اقترب منها فتراجعت للخلف أكثر فقال مبتسما
" ولما أتيت إذا لغرفتي في هذا الوقت يا غاضبة مني ؟ "
أدارت حدقتيها في المكان وقالت بعد تفكير
" جئت أريد سؤالك عن أمر ما "
اقترب منها بخطوة واسعة مادا يده ليمسكها قائلا بابتسامة
" تعالي لأجيبك عنه إذا "
ففرت هاربة منه ضاحكة ودخلت الغرفة المجاورة لغرفته مجددا
وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح ووقفت عليه واتكأت عليه برأسها
للأعلى تمسك ضحكتها بأسنانها ما أن طرق الباب ووصلها صوته
" آستريا افتحي الباب "
قالت من فورها
" لن أفتحه وأنا مع الاتفاق بينك وبين شقيقتك "
وصلها صوته الباسم
" افتحي الباب هيا ولنرى إن كنت على الاتفاق أم لا "
قالت ضاحكة
" لاااااا "
وأغمضت عينيها مبتسمة ما أن شعرت بذاك الشيء الصلب الذي
يتحرك على الباب خلف ظهرها ويبدوا مفتاحا أو قطعة نقدية يخط
بها عليه من الخارج وفهمت ذاك الرسم فورا والذي كان لقلب
يخط تفاصيله ببطء قائلا بصوت منخفض
" أحبك آستريا ... وانتظرتك أربعة عشر عاما بأيامها ولياليها
ولن يضرني القليل بعد "
وما أن سمعت خطواته مغادرا فتحت الباب ببطء وخرجت من
الغرفة ونظرت لباب غرفته المفتوح مبتسمة تغرس أسنانها في
طرف شفتها واقتربت منه بخطوات بطيئة ووقفت أمامه تنظر
للذي عاد للجلوس فوق السرير ويبدوا بأنه ينتظرها ويعلم بأنها
ستفعلها وتأتي فابتسم فورا ومد يده لها هامسا
" تعالي يا ثنانية رعد "
فركضت نحوه فورا وارتمت في حضنه واستقبلها هو قائلا
بضحكة
" لا تقفزي عليا هكذا مجددا فوزنك لم يعد كالماضي إن لم
تلاحضي "
ضحكت وحضنته بقوة قائلة
" كاذب فهو لم يزد عن السابق بالقدر الذي تصوره "
قلبها لتصبح تحته وقال مبتسما وناظرا لعينيها
" تغيرت كثيرا آستي عن الصورة التي احتفظت بها لك
في قلبي "
مررت أصابعها خلال شعره وقالت مبتسمة تنظر لعينيه
" إنها أربعة عشر عاما يا رعد إن كنت لا تعلم "
وتابعت متمتمة بعبوس
" وأنت السبب طبعا انتظرتك حتى أصبحت عجوزا "
ضحك ودفن وجهه في عنقها وقبله هامسا
" عجوز !! كل هذه عجوز ! أقسم أنك أجمل من السابق بكثير
ولست أتصور كيف ستكونين حين تختفي كل هذه الخدوش "
وابتعد عنها ونظر لعينيها مجددا قائلا بابتسامة
" أنا من انتظرك حتى شاب شعر رأسه وستناديه بالعجوز
قريبا "
ابتسمت ومررت أصابعها خلال شعر صدغه الذي تخللته شعرات
بيضاء خفيفة متفرقة وتحركت أصابعها وصولا لقفى عنقه وشدته
ناحيتها وقبلت مكان تلك الشعرات البيضاء وحضنته هامسة
بحزن
" كنت ستكون في نظري رعد الذي عرفته سابقا وإن كان لون
هذا الشعر أبيضا بأكمله "
قبل خصلات شعرها وخدها هامسا بحنان
" اشتقت لك آستريا ولم يدمرني شيء كاشتياقي لك "
تمسكت به بقوة هامسة بعينان دامعة تنظر لسقف الغرق
المزخرف
" لن يفرقنا شيء يا رعد .. لن أبتعد عنك مجددا ولا وعود
بالانتظار ولا ليوم واحد "
ابتعد عنها ونظر لعينيها قائلا بابتسامة مشاكسة
" وهل أنتي على استعداد لمواجهة غضب غسق منا صباحا ؟ "
ابتسمت بحياء قائلة
" أغلق باب الغرفة أولا كي لا ترانا من الآن "
ضحك وقال
" ولن تهربي مني وستستمرين شجاعة هكذا ؟ "
عضت طرف شفتها وتعلقت بعنقه مجددا ودفنت وجهها
فيه هامسة
" مما سأخاف مثلا فأنا لم أفقد ذاكرتي بعد "
ضحك ودفن وجهه في شعرها هامسا
" أجل كيف نسيت بأنه كان على زوجتي أن تستاء لأنها ليست
أول امرأة تراني عاريا "
*
*
*
تسلل من خلف جدار غرفته للأرض الفسيحة أمامه ضربات
قلبه تتعالى مع صوت الأغصان المتكسرة تحت حذائه الجلدي
يشعر بأن الجميع يسمعونها وفي كل مكان .. لا يعلم بسبب
وضوح صوتها في سكون الليل أم أن حاسة السمع لديه فاقت
حدود المعقول أو أن خوفه السبب ! وكيف لا يخاف وهو وسط
سادة عائلة وقبيلة غيلوان من لا يأمن حتى للجدران في غرفهم ؟
بل وحتى سكون الليل يشعر بأنه أحد معاونيهم فهو منذ عرف
هذه العائلة عرف العجب العجاب مما سمع ورأى ، هذا كله ولم
يكتشف بعد أسرارهم المدفونة التي لا يتحدثون عنها ولا أمامه
ولا أمام أنفسهم حتى ، يراها في أعينهم فقط لا يستأمنون أحدا
عليها ... أي أحد ، فقط أسماء أماكن مبهمة ورموز يفهمونها
وحدهم يتبادلونها بينهم ثم يخرجون تباعا ويختفون ثم ماذا ...؟
لا يعلم ولم يفهم يوما ولم يستطع المجازفة أبدا خوفا على حياته
وهذا ما هو مأمور به ( سلامتك أولا وقبل كل شيء يا إسحاق )
لكن الأمر طال .. طال كثيرا وطال فوق احتماله فقد تعب ... تعب
ومن أمر واحد فقط وهو فراق شقيقته فقد اعتاد كل شيء في
حاضره إلا عدم وجودها فيه ، اعتاد العيش هنا خادما لهؤلاء
الناس الذين عرفهم منذ ولد .. اعتاد أن يسمع ولا يتحدث قبل
حتى أن يفقد صوته .. اعتاد أن يتأقلم مع ذكريات ماضيه التى
تستنزف منه كل شيء .. اعتاد أن ينام ليلا ويحلم بكل تلك
الكوابيس حتى باتت جزءا منه وباتت صورة ذاك الرجل وجها
آخر من وجوهه وهو يراه كل ليلة يتهاوى أمامه وحربة الصيد
منغرسة في صدره جهة قلبه يمد يده لوجهه المذعور قبل أن
يسقط أمامه جثة هامدة .. كل ذاك الجبروت والقسوة والقوة
يتهاوى أمام فتى في العاشرة فقط من عمره لم يعرفه سوى
من أقل من عامين .
أغمض عينيه بقوة وتقاطرت دموعه منها دون شعور يتذكر
تلك القطعة من قلبه مرمية في زاوية الغرفة لا حول لها ولا قوة
بسببه ... بسبب ذاك الرجل وبعد ليلة قاسية شاهدا فيها حتى
والدتهما تحترق أمامهما ومنعها بالقوة عن الذهاب لها والاحتراق
معها لأن الأوان قد فات .. فات على كل شيء .. حتى على أن
ينقذهما كليهما ، لم يندم يوما على قتله لذاك الرجل وإن عاد به
الزمن للوراء لفعلها مجددا بل وبطريقة أبشع هذه المرة لعله
ينسى كل ما حدث ورأته عيناه .. بل لعله ينسي شقيقته ما يجزم
بأنه ليس لأي شخص في الوجود أن ينسيها إياه .. ولا أيا كان .
شد قبضتيه بقوة وعزمه على ما يريد فعله يزداد فبما أن شعيب
ونوح تبادلا بعضا من تلك الرموز المبهمة اليوم فثمة ما سيحدث
هنا الليلة وهذا ما هو موقن منه وعليه معرفته ، عليه فك لغز
من ألغازهم تلك فحتى متى سيصبر وينتظر ويكون حذرا ؟ حتى
ينتهي عمره وتنتهي شقيقته حية ؟
تسلل ببطء من بين الأشجار حيث أضواء السيارات الذي زاد
من شكوكه فهو سمع هذا الصوت سابقا .. ليس كثيرا وليس
دائما لكنه استفاق من نومه عليه سابقا ولكن خوفه منعه من أن
يخرج ويرى ما يحدث ، اقترب حتى بات يرى السيارتان بوضوح
لكن من الثلاثة الواقفين بينهما ؟ شعيب ...! ذاك هو بالتأكيد
شعره يتحرك مع الريح متأكد منه وجسد الآخر وكأنه نوح حتى
المعطف الربيعي الخفيف يشبه معطفه وإن لم يتأكد منه ... أما
الثالث !! فهذا هو ما عليه معرفته ومن هذا الذي يزورهم
ليلا ويرمزون له بدون اسم وما الأمكنة التي يربطونها به ؟
نظر عاليا للقمر المكتمل بأسى فلم يتمنى اختفائه كما الليلة
لأنه لن يكون ساترا له أبدا ، أغمض عينيه برفق وهمس في
قلبه برجاء حزين ( يا رب ساعدني ... يا رب حررني من
سواد الماضي ليتوقف عن قتلي )
أنزل رأسه ومسح عيناه بقوة وتحرك نحوهم ببطء وعزيمة
فإما أن يقتلهم بكشفه لهم وإما أن يقتلوه ويلحقوه بضحاياهم
ويرتاح ، وصل لأقرب شجرة لهم وأختبأ خلفها موليا ظهره لهم
يتلقف أنفاسه ليس بسبب شيء سوى الخوف المتفجر في قلبه
فأن يتجرأ على فعلها ليس بالأمر الهين وأن يمسكوا به معناه
الموت ولا شيء غير الموت ولايعلم عنه أحد ولا دليل خلفهم
ككل مرة بالطبع .
أدار وجهه فقط وببطء ليرى الشخص المقابل له فقط ولا يروه
ثلاثتهم لأن شعيب ونوح كانا يوليان ظهورهم له أما .....
غضن جبينه ينظر باستغراب للواقف مقابلا لهما لأنه كان متلثما
بعمامة سوداء لايظهر منها شيء سوى عيناه ! ركز النظر
عليه فيجب أن لا يضيع الفرصة ، شتم حضه والواقفين هناك
وكل شيء حوله لأنه لم يستفد شيئا فذاك الملثم لا يظهر منه
شيء فحتى عيناه ضللت عليهما العمامة وأصواتهم لا يمكنه
سماعها مع أصوات هدير السيارات ، ورغم ذلك لم يغادر
وبقي واقفا مكانه يسرق النظر لهم كل حين حتى حدث ما كان
يأمله ويراه حلما بعيد المنال وأصواتهم ترتفع ويبدوا أن الحلفاء
تشاجروا فاستدار من شدة حماسه حين أمسكت يد شعيب بياقة
ذاك الملثم وبدأ نوح في محولة فكه منه وتعالى الصراخ
الرجولي الغاضب وتداخل ولم يفهم سوى عبارة واحدة جعلته
يتجمد مكانه ( توقف يا شعيب هل ستفعل ما لم يفعله دجى
الحالك في الماضي ؟ )
التصق بجذع الشجرة بجانب كتفه ونظره لازال هناك وأنفاسه
تسابق ضربات قلبه المندفعه بجنون ينتظر تلك اللحظة ...
اللحظة التي يكشف فيها ذاك الملثم عن وجهه فإن لم يفعلها
الآن فلن يفعلها أبدا بعد كل هذا الشجار .. وليعرف ما صلته
بدجى الحالك ولما ذكروه هو تحديدا ، انفتحت عيناه على اتساعها
وتوقف قلبه عن العمل تماما وهو ينظر للذي رفع يده أخيرا لتلك
العمامة وأنزلها عن فمه وذقنه بحركة عنيفة كاشفا وجهه وهو
يصرخ بالواقف أمامه مشيرا له بسبابته بصوت ارتفع فوق
صوت سيارتيهما " أنت يا شعيب من يفعل ذلك في كل مرة
وعليا تحمل النتائج لأني الشخص ال..... "
توقفت كلماته كما تيبس أصبعه مكانه وهو ينظر عاقدا
حاجبيه جهة الذي كان يقف خلف ذاك الجذع ينتفض جزعا
يهمس بعينان شاخصتان ذعرا
" أأأ ...... أأنت مممم.... "
قبل أن يطلق ساقيه للريح ما أن قفز ذاك ناحيته صارخا
" الجاسووووس "
ليدرك الذي هرب من هناك راكضا وقد علم أنها نهايته وأن
ركضه ذاك لن ينتهي به سوى بالدوران كالنمر المسجون وسط
أملاك غيلوان وكأنه يركض في دائرة مغلقة لا مخرج منها
ليهرب من المجهول للمجهول ومن الموت للموت ودموعه تنزل
من عينيه دون توقف وهو يعلم جيدا بأنه لا مفر له منهم مهما
ابتعد فاختار طريقا منحرفا وتوجه للمكان الوحيد الذي أمل أن
يحتمي فيه وإن بأمل كسير ميت وهي أرض ( أويس جليل
غيلوان ) المشتركة مع أراضيهم رغم أنها لن تحميه منهم لكن
غريزته أخذته هناك ودون تفكير وهو يجتاز الأشجار المتفرقة
راكضا بينها كالريح فخوفه كان كفيلا بجعله يطير للسماء وليس
يركض فقط .. وصورة واحدة قد ظهرت أمام عينيه الباكية وهي
... شقيقته ... من لو خسر حياته الآن فلن يراها مجددا .. لن
يراها وللأبد فما سيقول لوالدتهما حينها .. لوالدهما ولجدتهما
... ماذا سيقول لهم إن سألوه عنها ؟ دار حول صهريج المياه
ملتفتا خلفه ولم يشعر بنفسه إلا وقد اصطدم بشيء حديدي بقوة
قبل أن يسقط جالسا على الأرض يشعر بنصفه السفلي بأكمله
تخدر من الألم ونظر بذعر للواقف فوقه حيث السيارة المتوقفة
هناك والتي اصطدم بها وللشخص الواقف فوقه والذي انحنى
نحوه ومد يده لكتفه قائلا
" هل أنت ... "
فدفع يده عنه وتراجع زاحفا للخلف ينظر له بخوف وذعر كفيلان
بقتل أعتى الرجال ، وما أن اقترب منه ذاك الخيال ونظر لعينيه
وللونهما الذي لمع في ضوء المكان المكشوف كالفضة علم بأنه
ليس أحد مطارديه بل وليس من الجنوب بأكمله فتلعق بيده فجأة
وذاك ينظر له باستغراب وهو يشد يده ويحاول إفهامه أمرا لم
يستطع فهمه فنزل أمامه ناظرا لحدقتيه الزرقاء باستغراب لأنه
يشبهه طفرة في ذاك المكان الموحش وقال بهدوء
" من أنت يا هذا وما بك تركض هكذا ؟ ولما لا تتحدث ؟ "
تمسك بكم قميصه ونظر للخلف بذعر حين اقترب صوت هدير
سياراتهم فلابد وأنهم يبحثون عنه بطريقة أيسر ليجدوه ، نظر
للجالس أمامه وبدأ بهزه من قميص بقوة تخرج من حنجرته
أصوات من دون حديث فنظر حوله للمكان يسمع أصوات تلك
السيارات ثم وقف موقفا له معه وقال باستعجال
" بسرعة لنغادر من هنا فيبدوا بأنك مطارد "
وككل مرة دفعته حميته لمساعدة من ليس يعلم حتى ما قصته
وأين قد توصله تلك الحمية وغريزة مساعدة من يحتاجه خاصة
إن كانت أقداره قد حملته ليعيش وسط أراضي الغيلوان تحديدا
ومن دون علمهم ، وها هو يعلن العصيان عليهم من جديد
ووسط أراضيهم وعلى مقربة من قبضتهم .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 73 others like this.
رد مع اقتباس
#6764
قديم 29-01-18, 09:32 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقف أمام باب المكتب ورفع قبضته وشدها أمامه جامدة
مكانها وتنفس بعمق مغمضا عينيه ثم طرقه دون تراجع
هذه المرة ولا تردد فالموجود خلف هذا الباب وحده من
سيملك الأجوبة بل وبيده زمام الأمور جميعها ليريحه
فتلك الدمية العنيدة كما يسميها جدها ستوصله للجنون
إن استمرت في اللعب بأعصابه هكذا .
فتح الباب ودخل ما أن أذن له الموجود في الداخل ووقع
نظره عليه فورا يضم قبضتيه مسندا مرفقيه بالطاولة
ويتكئ بجبينه عليهما ليس يعلم أينظر للأوراق على
الطاولة تحته أم أنه شارد في مكان بعيد عن كل شيء
حوله ويبدوا أن همومه قد فاقت كل شيء ولن يستغرب
ذلك فهو يحمل مسؤلية بلاد بأكملها على عاتقه وليس
اليوم ولا الأمس بل من أكثر من عشرين عام يسرق كل
فرد في هذه البلاد من صحته ووقته وعمره وحياته ، يراه
أكثر رجل في الوجود يحتاج لوجود امرأة قربه وليس أي
امرأة بل أنثى تناسبه في كل شيء .. امرأة يبث لها هو
همومه وليس تبحث هي عن طريقة لتخرجها منه لأنها
لن تنجح في ذلك أبدا .
" إن لم تدخل تيما بعد أخبرها بأن تفعل ذلك أولا ثم عد
هنا يا قاسم "
ابتسم وأغلق الباب خلفه ودخل فمن قال أن هذا الرجل غافل
عن ابنته وعن سلامتها ؟ وليس يعلم كيف غابت عن عينه
التي لا تغفل تلك الليلة في لندن ! هل مهمتهم والانشغال بها
ذاك الوقت السبب ؟ يستبعد مطلقا أن يكون كان يعلم لما كانت
ردة فعله لامبالية هكذا وليس يتخيل كيف سيكون عقابه لها
حينها ؟ ولا يستبعد أن لا يخاطب لسانه لسانها لعام كامل إلا
إن كان حبه لها فوق كل ذلك أو لا يصدق أن تكون فعلت
ذلك من دون سبب وهذا ما هو واثق منه أيضا لكنها كوالديها
أعند من الصخر .. وقد يقر الصخر بأسراره وهي لا بل وجعلته
يرى نفسه هو المذنب في حقها بسبب أفعالها التي فاقت سنها
بكثير .
اقترب منه وجلس على الكرسي أمام طاولة مكتبه وقال بهدوء
" لما لا تأخذ قسطا من النوم والراحة حتى وقت الفجر ؟
العمر ينتهي وهموم البلاد لا تنتهي يا مطر "
رفع رأسه وقال يدفع الأوراق تحته جانبا من دون حتى أن
يرتبها
" سأغادر قبل الفجر جهة تيمور لألحق باجتماع الوزراء
هناك ولا وقت لدي للنوم فأخبرني ما هذا الذي جئت من أجله
في هذا الوقت ؟ "
اتكأ بمرفقيه على ركبتيه مشبكا أصابعه وقال ونظره عليهم
" لا يعجبني الفتور الحالي في علاقتك بخالي دجى يا مطر
وأخشى أن يتحول الأمر لقطيعة بينكما والسبب أراه تافها جدا "
قال الذي نظر له عاقدا حاجبيه
" تافها جدا رأي من منا يا قاسم تعني ؟ "
نظر له ولازال على حاله السابق وقال فورا
" أنا لم أعني رأيكما في الأمر بل عنيت الأمر ذاته "
قال مباشرة ناظرا لعينيه
" وأنت معه في أن زواج تيما في هذا السن أمر خاطئ ؟ "
اشتدت أصابعه على بعضها لا إراديا وقال
" تلك وجهات نظر يا مطر وهو له وجهة نظره المقتنع بها "
قال بذات جديته متجاهلا ما قال
" أنا أسألك عن وجهة نظرك أنت بما أنك من فتح الموضوع
وأردت أن تكون حكما فيه "
استقام في جلسته وقال ناظرا له
" مطر لا تفهمني كما تخبرك أفكارك فأنا لم أقصد التدخل
ولنغلق الموضوع إذا وننساه تماما "
قال مباشرة
" ما رأيك أنت يا قاسم ؟ "
أبعد نظره عنه وتنفس بعمق قبل أن يقول ولازال يتجنب
النظر له
" هي ابنتك يا مطر لا أحد له كلمة عليها فوق كلمتك ، ورأيي
أنه لا بأس إن كانت هي موافقة وراضية عن اختيارك أيضا "
قال بابتسامة جانبية
" الخلاف بيني وبين جدها ليست هي السبب الوحيد فيه
ولا تقلق فذالك لن يدوم وأنا لست طفلا لأجعل من أمور هامشية
سببا للفرقة بيننا وسيغير رأيه هذا حين سيصبح الموضوع
جديا "
نظر له ولم يعلق بادئ الأمر محدقا بعينيه قبل أن يبعد نظره
عنه وقال بعد تردد لحظة
" وهل أصبح ثمة شخص معين أم ليس بعد ؟ "
ابتسم الذي لم تفارقه نظراته وقال
" ليس بعد "
فوقف حينها واستدار مغادرا لكنه وقف بعد خطوتين وشد
قبضتيه بجانب جسده قبل أن يرخيهما واستدار ونظر له
مجددا وقال محدقا بعينيه
" هل تزوجني إياها يا مطر ؟ "
*
*
*
مسحت بكفها على طرف ذاك الوجه المتعرق الذي كان يتحرك
ببطء وعشوائية وعيناها لا تزالان مغمضتان قبل أن تبدأ
شفتاها بالارتجاف والهذيان دون توقف فضربت خدها قائلة
بقلق
" زيزفون .... زيزفون استفيقي ... زيزفون اسمعيني أرجوك "
وما أن خرجت منها تلك الصرخة الجزعة المرتفعه أجلستها
ممسكة بذراعيها وبدأت بهزها بقوة تنادي باسمها وعيناها لا
تتوقف عن ذرف الدموع خوفا عليها من أن تدخل لتلك الحالة
مجددا وتخشى أن لا يخرجها منها شيء هذه المرة ، ابتسمت
من بين تلك الدموع والحزن حين انفرجت تلك الأجفان الواسعة
ببطء كاشفة عن تلك الأحداق الزرقاء شيئا فشيئا وتسربت
الدمعة اليتيمة منهما حين همست تلك الشفاه المرتجفة
" اسسسحا.... "
قبل أن تقفز واقفة وغادرت السرير والغرفة راكضة متجاهلة
التي كانت تناديها قلقة وصعدت السلالم بخطوات راكضة حتى
كانت أمام باب ميعن وطرقته دون انتظار ولا تردد تضربه براحة
يدها بقوة ولم تتوقف عن الطرق حتى انفتح الباب على اتساعه
أمامها ونظر لها الواقف أمامه باستغراب .. من لم ينم ولم يغمض
له جفن حتى الآن عكسها تماما وقد تنقلت نظراته المستغربة بين
عيناها الدامعة في مشهد لم يراه سابقا لشفتاها المنفرجة
وأنفاسها التي كانت تخرج منها بقوة تباعا وكأنها تحتضر ،
عاد بنظراته لعينيها وقال باسغراب
" زيزفون !! "
قبل أن ينظر خلفه ثم حوله كالتائه وقال
" ادخلي هيا "
لتطير الوعود والضمانات التي سهر يقيد نفسه بها أدراج
الرياح أمام منظرها ذاك ولجوئها إليه ولأول مرة ، لكنها لم
تتحرك من مكانها ولم تبعد نظرها عنه فنظر لعينيها مجددا
وقلقه يزداد بشكل مخيف وقد همست بصعوبة من بين أنفاسها
القوية المتعاقبة
" وقاص هل تعطيني هاتفك قليلا ؟ "
نظر لها بصدمة لم تدم طويلا وهو يستدير بسرعة واختفى
في الداخل قبل أن يعود مجددا وهاتفه في يده ومده لها فورا
فرفعت أصابعها المرتجفة وأخذته منه ناظرة لعينيه وهمست
بخفوت
" شكرا "
وتحركت من هناك فخرج لخارج الغرفة نظراته تتبعها
وهي تعبر الرواق راكضة يدها تمسح عيناها حتى اختفت
عنه آخذة كل شيء فيه معها إلا جسده رغم أن قلبه لم
يطاوعه على فعلها لكن عليه أن لا يتدخل وليترك كل شيء
لوقته بل وليبتعد عنها قدر الامكان من أجل نفسه قبلها .
بينما نزلت تلك القدمان الحافية عتبات السلالم مسرعة
حتى كانت في غرفتها مجددا بل ودخلت الحمام من فورها
مغلقة بابه خلفها على النظرات المصدومة للواقفة هناك
مكانها السابق فعليها أن تكون وحدها ولن ترسل لذاك
الشخص الموجود هنا وحلقة الوصل بينهما ككل مرة بل
عليها محادثتهم مباشرة والآن فورا فالأمر لا يحتمل مراسلات
ورسائل تحملها مربيتها .
كتبت الرقم الذي تحفضه عن ظهر قلب بأصابع مرتجفة ووضعت
الهاتف على أذنها وانقطع الاتصال دون أن يجب فكررت الاتصال
مجددا فالوقت هناك ليلا الآن وسيكون نائما بالتأكيد لذلك عليها
أن تحاول دون يئس وعليه أن يجيب ، انسابت دمعة جديدة من
عينها ما أن وصلها الصوت الرجولي المرتخي بسبب النوم
" نعم ... من أ.. "
فقاطعته بصوت مرتجف هامس
" خالي دجى هذه أنا زيزفون ... أريد التحدث مع مطر
الآن أرجوك "
*
*
*
وضعت كوب القهوة من يدها على الطاولة تنظر لآخر بهو
المنزل مستغربة وتوجهت فورا نحو الذي كان يحرك جريدة
في يده قائلا للواقفة أمامه بضيق
" مصيبة وتحتاج لحل ، لا بل لشيء مشابه لها لكن ليس
في الصحف بل المحاكم "
قالت الواقفة أمامه بتوجس وقد لامست أصابعها ذراعه
" اهدأ يا حارثة سيرتفع السكر لديك هكذا "
رمى الجريدة من يده صارخا
" ليرتفع لعلي أموت وأرتاح "
وصلت ساندرين عندهما ورفعت الجريدة الملقاة أرضا قائلة
" ما بكما ما يوجد في هذ.... "
وقطعت كلماتها شهقتها المصدومة ممسكة فمها بيدها ما أن
وقع نظرها على تلك الصورة وذاك المشهد والخبر فوقها
وارتجفت يدها تنظر لوالدها بعينان دامعة وهمست بصوت
مرتجف
" ستموت ماريه إن رأت هذا أبي ... اقسم أن تموت "
ونفضتها في يدها متابعة بغضب باكي فلم تستطع التحكم
في دموعها التي نزلت تباعا
" ما الذي يريد فعله بها تحديدا أبي ؟ ما الذي يريد أن
يوصلها له بكل هذا ؟ "
أشاح بوجهه المسود من الغضب وارتفاع السكر لديه دون
مزاح هذه المرة ولم يتحدث فنفضتها مجددا بقوة صارخة
" هي تحبه أبي لما لا يشعر بها أحد ؟ سنفقدها تدريجيا إن
رأت هذا وما سيحدث تباعا له .. تحدث أبي قل شيئا ..
افعل أي شيء "
لكن حاله لم يتغير ولم يتحدث لحظة أن علا الطرق المتتابع
على باب المنزل وتوجهت إيميليا نحوه فورا وفتحته فدخل
منه الذي نظر لهم بضياع يسحب أنفاسه المتلاحقة ليستطيع
التحدث قبل أن يقول بقلق وتوجس
" ماذا يجري ؟ "
وتابع وقد نظر للواقف هناك تحديدا
" لما طلبت أن أكون هنا الآن وسريعا وفي هذا الوقت
المبكر يا حارثة ... !! ما بكم تكلم ؟ "
أشار للجريدة في يد ابنته محركا اصبعه نحوه وهمس بنبرة
جوفاء " أعطها له ليرى ابنه وأفعاله الجديدة "
نقلت نظراتها الباكية بينهما ولم تستطع ولا التحرك من
مكانها فتوجه ذاك نحوها دون أن ينتظرها أكثر من ذلك
وأخذ الجريدة من يدها ونظر لها لتتجمد حدقتاه وملامحه
وأطرافه جميعها وهو ينظر لصور المقال بالتتابع وكأنها
تمر أمامه بالعرض البطيء ، مرر أصابع يده الحرة في شعره
ولازالت نظراته المصدومة تتنقل بين أعلى الصفحة التي احتلها
الخبر بأكملها لأسفلها وهمس بصعوبة
" ليفهمني أحدكم ما هذا بحق الله ! "
ولم تتح الفرصة لأي منهم ليجيب أو ليعلق بأي شيء والأنظار
جميعها تنتقل جهة التي وقفت عند بداية الممر تحمل كتبها
ومذكراتها في يديها وكما هو حالها المعتاد تستفيق صباحا
تعاند كل ما عانته طوال ليلتها القاسية تلك لتقف على قدميها
مجددا ولترجع ماريه الأمس رغم التعب في ملامحها الجميلة
الهادئة ... رغم آثار السهر والبكاء في تلك العينان والأحداق
الذهبية الواسعة منبع الرقة والحنان .
نقلت نظراتها المتوجسة بين من تمنى كل واحد منهم
أن اختفى من الوجود قبل أن يراها في ذاك المكان
والوقت تحديدا ونظراتها المتوجسة تنتقل من عيني ساندرين
الباكية لوجه والدها الذي لا يمكن وصفه بأي شيء لزوجته
التي لم تجف الدموع من رموشها بعد وقد عادت للتسرب من
عينيها مجددا حينها وصولا للذي ما كانت لتتوقع رؤيته هنا
مجددا فكيف في هذا الوقت ومع تلك الملامح التي لا تشبه
سوى الموت .. ! علا صدرها وهبط بقوة وتسارع بسبب
أنفاسها المتعاقبة وامتلأت حدقتاها الواسعة بالدموع وهي تنتقل
بينهم تباعا وهمست تلك الشفاه مرتجفة
" ما به تيم ؟ ماذا حدث له ؟ "
*
*
*
فتحت النافذة ووقفت تنظر للبعيد حيث تلك الأبنية البيضاء
المرتفعة والمضاءة تعكس بريقها تلك الأحداق السوداء الواسعة
بما يشبه حزنها وضياعها .. يشبه جراحها العميقة وألمها الدفين
فأن تفارق هذا المكان معناه أن تفارق روحها من جديد ومرارا
وتكرارا .. تخسر وتخسر وتدفع ثمن جرائم لم تعرف يوما ما
تكون فلو يخبرها أحدهم لعلها ترتاح ! فقط ما يهون الأمر عليها
أنهم سيخرجون من هنا ورعد وآستريا معا ورماح مرتبط
بجهينة وإن كان رافضا للفكرة بل وترى رد فعل والدتها
مشابها له تماما ولم تبدوا لها مقتنعة لكن ما يشجعها كانت
السعادة في عيني ابنتها كما أن رعد قال بأن شقيقها كان
مرحبا بالأمر خاصة أن رماح كان صديقا قديما له وليس أي
صديق .
أسدلت جفناها الواسعان على تلك المساحة السوداء العميقة
من الحزن والألم لينحسر انتباهها مع الصوت في التلفاز خلفها
ومذيعة أخبار الثانية ليلا تسترجع اتصالهم السابق برئيس
المخابرات والحدث الذي فجر الأخبار اليوم .. اليرموك
بمعسكراتها ومخازن السلاح والمطار العسكري وتسليم ابن
شاهين لها طوعا لمتمردي مدن صنوان دون حتى أن يقدم أو
يشرح أي أسباب والداخل يغلي كما الخارج والانتقادات توجه
له من كل جانب حتى من رؤساء وقادة جيش البلاد رغم أنه
لا أحد يستطيع مناقشته فيما يقرر ويفعل ورجاله ملتفون حوله
ينفذون ما يقرر وإن كان إحراق البلاد والخروج منها .
علا ذاك الصوت الرجولي الجهوري الحازم الواثق والمشابه
لقائده وكأنهم جميعهم نسخا عنه ( على الجميع أن يثق في مطر
شاهين كما وثقوا فيه قبل أربعة عشر عاما وكما وثقوا فيه بعد
عودته فهو لم يفعل يوما أمرا إلا لصالح البلاد ولصالح شعبه
صرح بأسبابه وأوضحها أم لا ، وإن ظن المتخاذلون بأنه بهذا
سلمهم عنقه فهم مخطئون كل الخطأ وإن ذهبت بالمتمردين
عقولهم لكسر ابن شاهين فقد سخرت منهم أفكارهم الساذجة تلك
فبأمر واحد .. واحد فقط منه ستُنسف اليرومك وما فيها نسفا )
أغمضت عينيها بقوة تقاوم الدمعة التي تغلبت على تلك الأحداق
فالأجفان فالرموش السوداء الكثيفة لتنحدر متدحرجة على ذاك
الخد الثلجي ببطء وأصوات الماضي البعيد .. البعيد جدا تعود
( أحترم قرارك يا غسق فقط عديني أن هذا قد يتغير يوما وأن
ثمة فرصة أخرى لي , عديني وأعيدي حب الحياة لي يا غسق )
(كلمة واحدة منك تفصلني عن منزل والدي يا غسق وسأصبر
لآخر العمر مادمتِ وافقتِ أخيرا .... أحبك)
) لست مقتنعا يا قلب جبران لكن لا يمكنني رفض رغباتك
ورؤية الحزن في عينيك الجميلتين وأنا أعيدك معي للمنزل
لما نمتِ الليلة إلا في سريرك هناك )
) ما أن نرجع للمنزل سنتزوج في الأسبوع الذي يليه (
) ليته يوجد حل لكل هذا يا كاسر وليته بيدي لفعلت أي شيء
وما تركته يقتلكم يوما وتموتون أمام ناظري بسببه لأنه لا
يوجد أي دعاء سيبرد نار قلبي حينها ويشفي غليلي منه )
فتحت عيناها ونظرت عاليا للسماء وللقمر المكتمل فيها
ليعكس نوره هو هذه المرة في تلك الأحداق السابحة في
الدموع وتزاحمت ذكريات الطفولة تريد لها أيضا مكانا
في روحها الممزقة
( " انظري لذاك الذي في السماء يا غسق أتعلمي ما يكون ؟ "
رفعت عيناها السوداء وقالت بعفوية طفلة
" الكاسر "
ضحك وقال
" ومن قال هذا ؟ "
" هو قال لي "
رفع رأسه عاليا له وهمس مبتسما بألم
" بل أنتي يا غسق وفي كل شيء حتى في أملي العقيم
بالوصول إليك "
ثم أمسك كفها الصغير ناظرا لعينيها الجميلتان وقال مبتسما
بحسرة
" أثمة أمل بأن ينزل القمر للأرض ويصبح بين يداي يوما ؟ "
نظرت له تلك العينان بعدم فهم فقبل باطن ذاك الكف الصغير
الناعم وقال ممررا طرف سبابته فيه ونظره على تلك العينين
النجلاوتين في ذاك الوجه الدائري الصغير
" هيا قوةلي معي .... غسق)
قالت مبتسمة " غسق "
قال بابتسامة أوسع
" لي ... "
" لي "
ضم شفتيه بسعادة متابعا
" جبرا... "
" مطر "
نظر لها بصدمة وهي تقفز من أمامه مختارة له وراكضة لشيء
ما خلفه فالتفت مع اتجاه ركضها ووقع نظره على مرشة المياه
الفاسدة التي فتحت من تلقاء نفسها مجددا وتناثر منها رداد المياه
في كل مكان وأصبحت في لمح البصر تلك الطفلة تقفز تحته صارخة
بسعاة
" مطر ... مطر .... غسق لمطر " (
أنزلت رأسها وغطت عيناها بكف يدها أنفاسها تتقطع في صدرها
ووحش ذات ذاك الماضي البعيد يهاجمها مجدد
( " جبران أتعصي والدتك من أجل تلك الفتاة مجهولة النسب ؟
أتكون سببا في طلاقي من والدك من أجلها ؟ "
" إن لم تتوقفي عن أذيتها يا أمي فبلى سأخبره وكانت النتائج
ما ستكون " )
مسحت عيناها بظهر كفها بقوة وتوجهت لهاتفها فورا ورفعته
وجلست على الأريكة وبدأت بالاتصال برقمه تكرر وتعيد دون
يأس فهو لم يغيره ولم يغلقه وإن كان لا يجيب أي أنه لم يقطع
الطريق بينهم بشكل نهائي وإن كان رفض الرد على رعد الذي
حاول مرارا وتكرارا اليوم وأرسل له الكثير من الرسائل إلا أنه
لم يجب ، وأمامها في السيارة وهما ذاهبان لمنزل جهينة كان
يحاول التحدث مع أشخاص هناك حوله كان يعرفهم على أمل أن
يصل له من خلالهم لكن جبران الذي يعرفونه يبدوا أنه مات ...
مات من أعوام طويلة حين قتلته هي وقتلت حلمه معه لأنها
وبكل بساطة كانت السبب فهي من وعدته وخذلته نهاية
الأمر وها هو سيفقد حياته بسببها .
كررت الاتصال وحاولت وحاولت حتى تعبت أصابعها فأرسلت له
هذه المرة رسالة كتبت فيها ( جبران هذه أنا غسق أجب علي
أرجوك ... جبران حلفتك بالله أن تجيب على اتصالي وإن
لمرة واحدة )
ودهشت حين رن هاتفها معلنا وصول رسالة ففتحتها سريعا
وبلهفة فكان فيها ( قابليني عند حدود اليرموك الآن وسيحدث
كل ما تريدين ... قسما )
نظرت لأحرف الرسالة ضربات قلبها تتصاعد مع أنفاسها
المضطربة وأغمضت عينيها تسحب أنفاسها بقوة الواحد بعد
الآخر تتذكر ذاك الصوت الجهوري المبحوح الحازم
( قسما إن فعلها وخرجت قطعة سلاح واحدة من اليرموك لأيدي
المدنيين هناك لن يمسكني عنه سوى أن يكون أجله لم يحن بعد )
( سأكون معك ومع ابنتك أكثر عدلا منه ولن يمسكني عنه
شيء إن فعل ما أتوقعه يا غسق ... لا شيء إلا موتي )
( بأمر واحد .. واحد فقط منه ستُنسف اليرموك وما فيها نسفا )
رمت الهاتف من يدها ووقفت وتوجهت للخزانة فورا ..
فتحتها على اتساعها وأخرجت على عجل بنطلونا وقميص
سترتة طويلة .
*
*
*
فتحت عيناها بإرهاق وكانت تسمع الحركة الغريبة في المنزل
لكنها أضعف من أن تقف لترى ما يجري هناك فنظرت لباب
الغرفة متأملة أن يكون يمان قد عاد لأخذها من هنا وللأبد كما
وعدها فهي فوق تعبها وهوان جسدها قد أغلقت عليها تلك
المرأة باب الغرفة من الخارج مانعة حتى الخادمة من الدخول
لها وحرمتها من الطعام والشراب لباقي اليوم ويبدوا أن يمان
لن يعود فها قد تناصف الليل منذ وقت ولم يأتي ، أغمضت
عيناها ببطء وانسابت منهما الدمعة التي انزلقت ببطء تسقي
الوسادة البالية تحت رأسها لا تتخيل أن يتخلى عنها يمان
أيضا فمن لها هنا بعده ؟
استغفرت الله بشفاه مرتجفة هامسة وفتحت عينيها ببطء
لتتسعا بذعر حين رأت ذاك الدخان الذي بدأ بالتسرب من تحت الباب
ووصلت لأنفها رائحته الخانقة سريعا فحاولت الجلوس بصعوبة ولم
تستطع سوى الانحناء على الأرض وبدأت بالسعال مختنقة وارتجف
جسدها لصوت الضرب على النافذة المؤمنة بالحديد فوقها وصوت
الخادمة صارخة
" يمامة النار تشتعل في المنزل ، لقد أشعلتها زوجة والدك هناك
وخرجت ... بسرعة أخرجي يمامة أرجوك "
*
*
*
لم ينتهي ليلها الطويل كما لم ينتهي بكائها ونحيبها ولا نداءاتها
للبعيد وللفراغ جالسة على التراب بركبتيها تنادي باكية وصارخة
دون توقف " هازااااااار ... هازااااااار تعالى لشقيقتك أخي أرجوك
فلن تجدها بعد الليلة كما تركتها ... لن تجدها أبدا يا شقيقي ....
هازاااار تعالى أرجوك "
فلا الليل رحم بكائها ولا البعيد سمع ندائها مهما تعالى ذاك النداء
فإن قست قلوب المقربين لك من سيرحمك غيرهم ؟ من وأنت مهدد
بتلك اللعنة التي لا يقترب منها أحد ... ! فقط شخص واحد كان ينام
الليل قلبه معها وكان ليسمعها دون أن يصله صوتها ويصله
ندائها دون الجميع ينتظر ويتوقع في كل ليلة أن تصل لما هي
فيه الآن ولم تكن سوى التي خرجت من بين منزليهما راكضة
حتى جثت على ركبتيها أمامها وضمتها لحضنها تبكي معها وإن
لم تكن تعلم ما حدث إلا أنها توقعته .. وتوقعته من وقت وتعلم
بأنه سيحدث ، ضمتها لحضنها بقوة وتلك تصرخ باكية
" تركوني يا فجر .. رماني شقيقي لظلم البشر وغادر .. من لي
هنا وفي أي مكان يا فجر ؟ ليته قتلني قبلها .. ليته دفنني هنا
حية قبل أن يغادر بهم ويتركني "
أبعدتها عن حضنها وأمسكت وجهها وقالت ببكاء فاق بكائها
" الله لا ينساك يا مايرين لا ينساك "
وعادت لاحتضانها مجددا تبكي معها الآه بآه والعبرة بعبرة ..
تبكي عجزها قبل كل شيء عن فعل أي شيء قد يساعدها ..
عاجزة حتى عن رفع الأذى عنها مستقبلا وكلاهما تعلم ذلك كما
تعلمان أن ليلة أخرى لها في الشارع ستتحول بعدها لملهى للرجال ..
للقمة سهلة لكل من رغبت نفسه من الجنوب كان أو من خارجه
وحتى العمال المتوافدون من دول الحدود خاصة وأن تلك
النظرات كانت تلحقها دائما والجميع ينتظر هذا من وقت كنسور
تحوم حول فريستها تنتظر موتها .
حلقت بنظراتها الدامعة في السماء رافعة رأسها للأعلى ترهف
سمعها لما حولها بل وللبعيد وهمست لها بأمر
" هششششش اسكتي يا مايرين قليلا أرجوك "
لكن تلك لم تستطع سوى أن تمسك فمها فعبراتها خرجت عن
سيطرتها تماما ، وقفت فجر وأوقفتها معها قائلة ببحة
" قفي يا مايرين صوت سيارة مسرعة متوجة هنا ومخططي
سأنفذه الآن وكان من يكون ذاك فهو أرحم لك مما سيحدث
لك لاحقا "
وقفت معها تسحبها راكضة بها جهة سور منزلهم من الطرف
الآخر فكان من سيكون هذا سيكون طوق نجاتها ومهما حدث
لها معه فستكون لرجل واحد على الأقل وتعرف شعيب غيلوان
وأشقائه جيدا هوايتهم رمي أحمالهم على غيرهم وهذا
ما سيحدث هذه المرة .
وقفتا خلف سور المنزل ترفض الاجابة عن جميع تلك الأسئلة
التي كانت توجهها لها الواقفة بحانبها باكية وما أن اقترب ذاك
الصوت الذي بات يعلوا شيئا فشيئا منبئا باقتراب تلك السيارة
المسرعة حتى أصبحت أنوارها ممتدة أمامهما أمسكت بيدها
ودفعتها بكل قوتها خارج جدار السور أمام تلك السيارة هامسة
ببكاء
" سامحيني يا مايرين فحتى إن كانت النتيجة موتك سيكون
أرحم لك مما ستريه "
وراقبت باكية ذاك الجسد الذي ارتفع عاليا مع علو صرخة صاحبته
قبل أن يهبط على الأرض الترابية اللينة والسيارة التي توقفت
بقوة وقد ارتفع الغبار حولها في سحابة كثيفة ثم صوت بابها
يفتح فركضت مبتعدة عن هناك بما أن من صدمها لم يهرب
فعليها الاسراع لتكون في مستشفى القرية وتتابع باقي
مخططها .
المخرج~~
بقلم / ذات خمسة عشر
رعد وأستريا
إليـكِ
يا ذاتَ العنق الطويـل
يا صاحبة الضحكةِ الخلّابة
يا من ظفرتْ بعد جهدٍ جهيد
فأخرجت من ثغري إبتسامة
إليكِ
يا لذةً أغرقتني في السعادة
يا نورًا أضاء قلبـي باستماتة
يا حبًّا كان عنوانًا لروحي
كأسًا سقـى لُبي حد الثمالة
إليكِ
أنا أتوجع كل لحظةٍ اشتياقًا
أهيم ساهيًا في لحظةِ الفراق
تلك التي آلمتني و أبعدتني
أواه ، متى يُكتب لنا اللقاء ؟
إليكِ
يا فتاةً من سكرٍ عيناها
يا روحًا من الزهرِ شفتاها
يا قلبًا كان البستان في يديها
أمازال الوعد في قلبِ حبيبتي
أم الوقت و الدهر قد غيراها ؟
إليكِ
يا نسماتٍ تعبثُ بذاكرتي
تجيء و تذهب بمرآها في مخيلتي
قد أرهقني البعد و كفاني شوقي
متى أظفر بها يا بشر خليلتي ؟
إليكِ
أعُطِّر الهواء بلفظِ اسمك
أُضحك الفراشات حين أبوح بحبكِ
أنتظر و أعتصم بوعدي فأصبر
و لأجلكِ أحارب و سأكسب
إليكِ
يا قمر ليلي حين أسهر في سهاد
يا نور عيني حين تحلُّ الظلمات
يا حبًّا لا نهاية لَهُ و لا تُفنيه الأيام
قد سقانـي البعد عَذَابًا
فهلَّا جئت لتداوي لوعةَ الغياب ؟
إليكِ
يا أسطرًا تحكـي عن قلبِ رعد
عن معنى الوفاء .. عن معنى الوعد
و عن المستحيل الذي لم يزل بعد
ممكنًا مادام عزمي لم يستسلم قط
إليكِ
يا طفلةً اشتهتها أحضاني
تناديها جوارحي بشوقٍ أناني
يطالب المجئ الفوري لحبيبتي
كي أعلمها معنى الانتظار
معنى حبٍ لا يُنقصه بعد الديار
-
إلى حبيبتي الفاتنة آستريا ، إليك من مُحبِّك رعد ، سلامًا عَلَيْكِ و طبتِ حلوةً كما عهدتك ، كيف حالك ؟ أم كيف حال قلبي ؟ هما سيان يا حبيبتي
إني أشتاق إليكِ في كل جزء من اللحظة و ليس في اللحظة و حسب ، لكن الصبر كان من شأنهِ أن يُهدئ لوعةَ شوقـي و ناره المستعرة ، و لولاه لكنتُ طِرت إليكِ مهما كلفني ذلك !
عاهدتكِ يومًا على أن أظل لكِ لأكون نصيفكِ ، و قد اكتشتفت أن ذلك لم يحتج منـي وعدًا أصلا .. و لكن بأيِ حال ، بخصوص هذه القضية أُبشّركِ بأنكِ ستكونين لي قريبًا فمطر شاهين عاهدني على ذلك ، و اسم هذا الرجـل يكفي ، و لن أتوغل في التفاصيل المهم أن تثقي بي ، و أتمنى من فيكِ الجميل أن يستقبل تلك الابتسامة البريئة التي عهدتها فيك منذ عرفتك إثر هذا الخبر ، كما أعدكِ بلقاءٍ قريب فأبشري
..
كامـل حبي و وفائي / رعد شراع
-
ألا يا حمامًا كان واصلًا بين قلبين
أوصل الرسالة و حقق الأمنية
فقد تعاهد بوفاءٍ هذين الإثنين
و تَبَقى وفاؤك لتُرسم النهاية
*******
نهاية الفصل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!