تحميل رواية «جريمة إلى المجهول» PDF
بقلم زارا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ جريمة إلى المجهول بقلم زارا.
رواية جريمة إلى المجهول الفصل الأول 1 - بقلم زارا
أنا زهجت وصبري انتهى ، من البتعمل فيه دا يا عبدالرحمن! ، شوف نفسك بقيت عامل كيف؟ ، متين ح تخلي السكر دا و تبقى أب مسؤول؟ ، إنت ناسي إنو عندك أولاد ومستقبلهم بضيع قدام عينك؟!.
=ما تكرهيني يا سهى ما عندك شغلة بي ، قلت ليكِ مية مرة ما تتدخلي في حياتي و أمور شغلي ، احمدي ربك إنو في سقف لاميكِ إنتي و أولادك!…
كنت واقفة في نص العريشة ، متسمّرة زي التمثال بعاين ليهم ودموعي في طرف عيني ، مجبورة أتفرج على المسلسل الليلي ، البقى عادة يومية عندنا ، منظر أبوي وهو بترنح وريحة السَكر فايحة منه..
و أمي.. واقفة قدامه بتعاتب فيه على ضياعه وعدم مسؤوليته ، وهي عارفة إنو الكلام معاه ما بجيب فايدة ولا بصحي ليه ضمير.
في اللحظات دي كان بتجيني رغبة مجنونة إني أصرخ بأعلى صوت ، أصرخ لغاية ما السقف يقع فينا ، و أقول ليهم كفاااية!..
عقلي كان بقول لي أمشي.. أمشي بعيد ، أختفي من البيت من الوجع ده ، من الدنيا دي كلها.. و كوني أي حاجة تانية غير مريم البتقيف تتفرج على مشاكل أمها و أبوها..
في عز ما انا سرحاانة في حياتنا بضياع حقيقي .. فجأة حسيت بيد صغيرة بتجر في يدي ، عاينت لتحت لقيته ماهر أخوي الصغير ، عيونه مليانة خوف و دموع وهو بتفرج معاي في نقاش أمي وابوي ، همس لي بصوت واطي..
مريم! .. ليه ماما و بابا بتشاكلوا دايما؟ أنا خايف يا مريم.. أبوي ح يضرب امي تاني؟!.
قلبي وجعني وجع ما بتوصف ، طبطبت على كتفه وحضنته بقوة ، كأني بحاول أدسّه جوه ضلوعي من العالم ده كله ، قلت ليه…
ما تخاف يا حبيبي.. دي مجرد ونسة حارة شوية.. تعال ندخل غرفتنا نلعب مع بعض ، وأنا ح أحكي ليك قصة عن مكان بعيد ، ما فيه صراخ ولا بكاء..
دخلنا و قفلنا الباب ، بس صوت صراخهم كان شديد ، فتحت التلفزيون بصوت عالي ، عشان أغطي على صوت أبوي .. لحظات و صوتهم هدا.. كنت عارفة ديل منو الخلوهم يسكتوا..
كانوا خالتو سيدة و عم الحاج جيرانا ، الربنا سخرهم لينا ، و الوحيدين البدخلو وسط النار دي ، عشان يهدوا امي وابوي كل ليلة..
عم الحاج ، ساق ابوي من يدو طلعوا للحوش وهو بقول ليه..
تعال يا ابو مريم ، استهدى بالله يا أخوي ، الوليدات ناموا ، ما تخليهم يصحوا على أصواتكم دي.
من جهة تانية.. خالتو سيدة كانت ماسكة امي و بتحاول تطيب خاطرها وهي بتقول ليها…
طنشيه يا سهى ، ما تردي ليه ، أنتِ عارفة إنو هو ما واعي وما عارف نفسه بقول في شنو ، أمي ردت بصوت مخنوق بالوجع ، عبدالرحمن دا ما بتغير يا سيدة ، أنا صبرت عليه كتير، وصبري خلاص انتهى..
خالتو سيدة اتنهدت وقالت ليها… ربنا يهديه ، ادعي ليه كتير ، و عشان خاطر مريم وماهر ديل حاولي تتحملي ، العيال ما ليهم ذنب.
بعد محاولات.. الجو هدا شوية ، خالتو سيدة و زوجها رجعوا بيتهم..
دايماً في اللحظات دي، بلقى نفسي بهرب لعالمي الخاص.. بحلم إني واقفة في مطار كبير، شايلة شنطة واحدة بس ، و لابسة ملابس سمحة ، بقطع تذكرة لمكان بعيد.. مكان ما فيه عريشة ، بتهتز مع كل صرخة ، ولا فيه ريحة سَكر بتهد حيلنا.. بحلم بمكان فيه مريم وبس.
نحن أسرة مكونة من أربعة أفراد بجمعنا سقف واحد وبتفرقنا ألف آهة.. أنا “مريم” في تانية ثانوي ، اخوي الأصغر “ماهر” في سادس..
أمي “سُهى” و الغريب إنها رغم التبدل الحصل في شخصيتها ، هي خريجة جامعية ومن أسرة متعلمة وليها مقامها..
ابوي “عبدالرحمن”، ورغم إنه هو كمان من أسرة متعلمة وميسورة، بس هو الوحيد دون عن إخوانه ، ما كمل تعليمه واتجه لمهنة الأعمال الحرة..
أمي اتحدت الدنيا وأهلها كلهم عشانه.. كانت بتحكي لينا و عيونها بتلمع ، كيف إنها هي وأبوي زمان حبوا بعض حب الروايات.. و فجأة تقول بابتسامة باهتة..
أبوكم ده زمان كان بشيلني من الأرض شيل ، و بعمل أي حاجة عشان يرضيني ، و ما كان بشرب نهائي.
كنت كل ما أسمعها.. بتردد سؤال واحد في راسي.. يا ربي الحب ده مشى وين؟ وكيف الزول الاتحدت أهلها عشانه.. بقى هو مصدر وجعها وخلاها تبقى بالشر والحدة دي؟! ، وكيف انتهى بيه الحال في الشراب.
هل الحب دايماً نهايتو بتبقى كدا؟ وجع وكسرة؟!..
_______________
تاني يوم مشينا أنا و ماهر المدرسة ، و بعد خلصت دروسي ، مريت عليه في مدرسته و قبل ما نطلع ، قال لي.. الأستاذة قالت عايزة تتكلم معاك مشيت ليها..قالت لي …
يا مريم.. أخوك دا مستواه الدراسي اتدهور ، وبقى يسرح كتير في الحصة.. كلمي ولي أمره يجيني بكرة المدرسة ضروري ، هزيت ليها راسي وقلت ليها حاضر.
طول الطريق من المدرسة للبيت ، كنت ماسكة يده ، و بفكر في مستواه البقى كعب ، امشي أقول لمنو؟ لأمي الغرقانة في همها؟ ولا لأبوي الما عارفه في ياتو سنة؟!.
وصلنا باب البيت..مشيت ع العريشة البتقعد فيها امي لقيت الكراسي مقلوبة ، وفي بقع دم ناشفة في الأرض خلت قلبي يقيف ، بقيت أنادي يا أمي دا منو الاتجرح دا؟!.. جاني صوت عمتي ، و هي طالعة من غرفتنا معاها فتحي ولدها.. الكل ما عينه تقع في عيني قلبي بنقبض وبحس بضيق ما طبيعي..
قالت لينا.. أها جيتو يا أولاد سهى؟!.. سألتها بلهفة.. في شنو يا عمتي ؟ والدم ده دم منو؟
لوت خشمها و قالت لي.. دي السِت سُهى شالت الحديدة و ضربت ابوك فتحت ليه راسه.. قلت ليها.. شنو؟ وهسي أمي وين؟! .. ردت لي بضيق.. يعني بتسألي من امك ، وما هاميك أبوك الراقد في المستشفى؟!.
أمكم أول ما شافت ابوك واقع خلته وجرت مشت أهلها، وكتر خير الجيران ضربو لينا كلمونا..
حسيت الكلام وقف في حلقي ، سحبت ماهر من يدو مشينا غرفتنا.. أول ما فتحت الباب لقيت الغرفة جايطة شديد ، كأنهم كانوا بفتشوا في حاجة ، ماهر سألني وهو ببكي ، يا مريم.. يعني أمي تاني ما بتجينا؟ ، حاولت اثبت صوتي قلت ليه.. ما تبكي أمي بتجي ، هي بس مشت عشان تعبانة، بكرة بتجينا.. امشي غير ملابسك عشان ناكل..
بعد العصر أبوي جاء داخل و عمي سانده من يده ، راسه ملفوف بالشاش ، والدم كان لسه منقط في طرف الشاش
، عمتي جرت عليه وهي بتولول.. الله يا ذاك يا سهى عايرة تقتلي اخوي ، تعال يا عبدالرحمن ادخل ارتاح ، وانتي يا بت مريم.. امشي ختي ليهم الغدا.
دخلت المطبخ.. بديت ارص في الصينية ، فتحي جاء داخل و من غير مقدمات ، وقف لي في راسي ، زحيت منه قلت ليه عايز حاجة؟!..قرب مني و قال لي بصوت واطي ومقرف…
ما شاء الله يا مريم ، كبرتي وبقيتِ ست بيت ، والله السنين جرت بينا ، حسيت بضيق من كلامه و نظراته غطيت صدري ، قلت ليه… المطبخ ضيق وماف داعي لوقفتك دي هنا ، ممكن تطلع؟! ، ضحك ضحكة مستفزة ، قرب مني وهمس لي في اذني ، مالك خايفة كدة؟ أنا ود عمتك ، والبيت ده بقى بيتنا يعني ح نشوف بعض كتير ، نفضته من جمبي و قلت ليه.. اشوف الموت ولا اشوف وشك دا ، ولو سمحت شيل الصينية دي واطلع..
أول ما طلع ، سحبت نفس طويل و مسحت دمعتي من طرف عيني ، حاولت أهدي نفسي ، بس السمعته من العريشة ، خلى دموعي تنزل ذيادة.
جاني صوت أبوي و هو بتكلم ..
أنا خلاص.. سهى دي ما عندي ليها حاجة تاني غير الطلاق! ، المرة البترفع يدها على راجلها ، وتفتح راسه دي ما عندها مكان في بيتي.. أولادي بعرف أربيهم براي.
عمي كان ساكت م اتكلم نهائي ، بس عمتي طوالي ايدته ف كلامه..
عفيت منك يا أخوي ، دا الكلام الصاح! المرة القليلة أدب دي مكانها بيت أهلها ، ومريم زاتا كبرت ، وح تقدر تمسك مسؤولية البيت ، وانا ما بقصر منهم ، و فتحي ببقى ليهم راجل البيت في غيابك.
حسيت بضيق ف صدري وانا بسمع كلامها ، فتحي راجل البيت؟! ، طلعت من المطبخ بسرعة عشان ما انفجر، عيني وقعت عليه كان قاعد بكل برود ، وكأنه صاحب البيت فعلاً ، نظراته كانت بتقول لي.. سمعتي؟ أنا قاعد هنا.
جريت على غرفتنا ، لقيت ماهر لسه قاعد في الركن، وعيونه غرقانة دموع ، أول ما شافني ارتمى في حضني وقال لي..
يا مريم.. ناس عمتو ديل ح يقعدوا معانا لمتين ؟ أنا بخاف من فتحي يا مريم.. بخاف منه شديد!.
حضنته بقوة ، رغم إنو العبرة كانت خانقاني أكتر منه..
قلت ليه.. ما تبكي يا حبيبي ، أنا معاك والله ما بخلي زول يلمسك ولا يضايقك ، أمي اكيد ح تجي و م ح تخلينا.
لكن في جواي ، كنت بقول لنفسي بوجع ، كيف ح تجي يا ماهر؟ وأبوي قفل الأبواب كلها، والبيت بقى محتل من ناس لا برحموا ولا بخلوا رحمة ربنا تنزل؟!..
* * *
مرّ أسبوع وكأنه مية سنة .. أسبوع كان طعمه زي الحنضل و مليان خوف.
أمي ما جات.. ولا حتى ضربت لينا تلفون ، كنت كل ما الباب يدق ، قلبي يطير من مكانه وأقول دي هي! ، وتطلع واحدة من جيرانا ، جاية تسلم علينا..
من جهة عمتي بقت نفسها ملكة في بيتنا ، تأمر وتنهي وكأن أمي عمرها ما كانت قاعدة ، كانت مُسممة عيشتي..
يا مريم.. غسلي العدة دي سمح، ما تخليها وسخانة زي ما كانت أمك بتعمل! ، نضفي الحوش دا!.. اعملي الغداء! ، اعملي لفتحي قهوة ، أو تهمس لأبوي لما يجي..
شفت يا عبد الرحمن؟ ، البيت نضف ونور كيف؟ والله سهى دي.. ما مرا مع النسوان!..
أما فتحي.. فكان هو الوجع الأكبر ، بقى يتصرف بكل عشوائية ، يجي داخل غرفتنا وأنا قاعدة فيها ، يطلع وراي الحوش ، و يرااقب كل حركة بعملها ، مرات يضرب ماهر من غير سبب.. لدرجة بقى لا بياكل ولا بتكلم ، بس لاصق فيني ، وكل ما فتحي يقرب مننا ، يرجف من الخوف..
ناس خالتو سيدة و أريج بنتها ، كانوا بجونا طوالي.. يتونسوا معانا و يحاولوا يخففوا علي شوية ، وهم شايفين تعامل عمتي وجوطتها ، يقولو لي اصبري امك ح تجي ، و هم ما عارفين بطلاقها من ابوي.
عمتي فجأة لملمت حاجاتها من الصباح ، وقالت لأبوي..
يا عبد الرحمن ، أنا ماشة بيتي طولت منه ، خليت هيفاء مع اخوها براهم ، لكن ح أخلي ليك فتحي هنا يساعدك ، يقضي ليك طلبات البيت ، وياخد باله من العيال في غيبتك.
أول ما سمعت إنها ح تخلي فتحي ، قلبي انقبض من الخوف.. بس رد ابوي خلاني اكون فخورة منه لأول مرة..
أبوي عاين لفتحي الواقف بعيد وبوزع في نظراته بيني وبين المكان بكل جرأة.. و سكت مسافة كأنه براجع شريط الأسبوع القعدوه معانا..
رغم الضياع و الوجع الكان فيه اتنحنح ، وقال لعمتي بنبرة حازمة..
كتر خيرك يا أختي.. وقفتك ما بنساها ، لكن فتحي ده زول شاب ، وعنده حياته وأصحابه ، ما ينفع نحبسه هنا ، الحمد لله لسه فيني الحيل ، ومريم زاتا ما شاء الله بتسد الخانة.
عمتي لوت خشمها باستغراب..
بري يا عبد الرحمن! فتحي ده ولدك ، و زي أخوها..
أبوي هز راسه بابتسامة باهتة لكن عيونه كانت جادة و هو بعاين لفتحي مباشرة..
أنا عارف.. بس خلي الولد يمشي يشوف شغلته ، وأنا هنا مع أولادي بنعرف نتصرف ، التفت عليه وقال ليه.. فتحي يا ولدي.. كتر خيرك ما قصرت ، اتوكل مع أمك!.
وشه بقى زي الطماطم ، اتحسس شعره بضيق وهو بحاول يبتسم ببرود.. بس ملامحه كانت بتغلي. عمتي شالت أكياسها وهي بتتمتم بكلمات ما مفهومة، وفتحي طلع وراها.. و ضرب الباب بقوة من الغيظ.
أول ما قفلوا الباب ، حسيت إني اتنفست لأول مرة من أسبوع. عاينت لأبوي لقيته بعاين لي بنظرة طويلة، مليانة أسف ، كأنه بالرغم من كل الحاصل ليه ، لسه الأب البغير على عرضه و يحس بالخطر قبل ما يقع.
ناداني بصوت واطي ، يا مريم تعالي..
مشيت عليه بخطوات مترددة ، وقفت جنبه وأنا عيني في الأرض ، مدّ يده و مسح على راسي.. ودي حركة ما عملها من زمن ، حسيت بدموعي عايزة تنزل.
قال لي..
أنا عارف إني الفترة الفاتت كنت غايب عنكم، حتى وأنا قاعد معاكم ، لكن ده ما معناه إني بقيت ما بشوف.. أنا أبوكِ.. وعارف نظرة الغريب من القريب ، البيت ده طول ما أنا فيه ، ماف زول بضايقك، لا فتحي و لا غيره.
عاين لي وكأنه بفتش في وشي عن ملامح أمي.. و قال
لي بصوت مكسور..
أنا ح أطلق أمك ، و ده قرار ما منه رجعة ، لأننا وصلنا لطريق مسدود ، خلي بالك من نفسك واخوك..
و من
بكرة ان شاء الله ، أنا ح أرجع أشوف شغلي ، وح أوفر ليكم احتياجاتكم..
وفعلاً.. زي ما وعدنا ، الأيام الأولى كانت زي الحلم.
بقى يصحى الصباح بدري ، يعمل لينا الشاي ، يلبس ملابسه يمشي شغله ، ويرجع شايل معاه الخضار والفواكه وطلبات البيت ، حتى الصراخ و ريحة السكر اختفوا تماماً ، بقينا ناكل ونشرب ونحن بنسمع منه حكاوي وقصص عن حياته زمان.
كنت بقول لنفسي.. الحمد لله.. يا ربي تكون دي البداية الحقيقية.
ماهر رجع فرهد وبقت الضحكة ما بتفارق وشه ، أريج بقت تراجع ليه دروسه كل يوم ، مستواه في المدرسة بدأ يتحسن.
وانا بقوم بواجبات البيت الصغيرة ، خالتو سيدة ما كانت بتخليني اطبخ، رغم رفضي ليها اني بعرف!.
حياتنا بقت مرتبة لدرجة شبه اتعودنا ع غياب امي ، مع انه بنفقدها بس ما زي أول.
لغاية ما يوم جمعة بعد الصلاة ، الباب ضرب مشيت فتحته لقيتها امي معاها خالي ، سلمت عليها بلهفة ودموعي غلبتني ، بس الصدمة كانت في ماهر.. وقف بعيد ، ووشه اتغير تماماً ، لما مدت ليه يدها ، زحا منها لورا.. وقال ليها..
إنتي ليه مشيتي خليتينا يا ماما؟ ، أمي عيونها لمعت بالدموع ،حضنته وهي بتبكي ، قالت ليه.. انا ما خليتكم يا حبيبي غصب عني ، ولا اشتغل بيها فات خلاها..
خالي سألني ابوك وين؟! ، قلت ليه.. لسه ما جاء من صلاة الجمعة.
عملت ليهم القهوة شربوا ، و سألتني من الجيران ، بعدها دخلت الغرفة طوالي ، وبدت تلم في ملابسها و حاجاتها البتخصها ، قلت ليها.. يا أمي ابوي اتغير بكتير وبقى زول مسؤول زي ما كنتِ بتتمني زمان ، ارجعي من قرار الطلاق دا عشانا نحن ، وهو لسه ما قنع منك.
ردت لي بصوت جاف.. ابوكم اتغير بعد شنو؟ بعد ما الراس انفتح والكرامة اتهانت؟، التغيير ده خليه ليكم انتوا .. أنا خلاص بقيت ميته من ناحيته ، لمحت دموعها ف طرف عينها ، كنت عازفة كلامها ما من قلبها ، مسحت وشها وبقت توصي فيني على البيت وماهر ، وانا دموعي ما عايزة توقف.
خلصت من الستيف وطلعت الشنط كلهم برا ، كأنها بتقطع في آخر خيوط بتربطها بالبيت ، منظر البيت وهو بتفرغ من ريحتها وتفاصيلها كان بقطع في قلبي قطعة قطعة.
في اللحظة ديك ، أبوي جاء داخل البيت ، وقف في نص الحوش ، شايل مسبحته في يده ، شاف امي و هي طالعة شايلة آخر شنطة ليها.
سلم عليهم بلهفة ، و دخل مع خالي الديوان ، امي استئذنت و مشت تسلم لي جاراتها.
كنت سامعه صوتهم ، ابوي كان بقول لخالي ، أنا اتغيرت ، و كيف أطلقها دي ام عيالي.
بس خالي قال ليه بصوت حاد.. نحن تعبنا من مشاكلك دي و اديناك فرص كتيرة يا عبدالرحمن ، و في كل مرة بتقول كلامك دا ، و ما شايفين ليك تغيير.
نحن ما عايزين معاك كلام ، غير قسيمتها تصلها في أسرع وقت.
بعد مسافة امي جات وعيونها محمرة ، خالي طلع و قال ليها.. يلا نمشي يا سُهى.
ودعتنا انا وماهر ، وهي بتقول سامحوني! يا أولادي!.
عاينت لي ابوي بنظرة أخيرة ، وقالت ليه في أمان الله يا عبد الرحمن ، ردّ ليها بصوت مخنوق.. الله يعدل طريقك.
أول ما قفلوا باب الشارع وراهم ، أبوي فضل واقف في مكانه مسافة ، وبعدين اتلفت علينا ، لأول مرة اشوف ملامحه بقت مكسورة وشايلة هم الدنيا.
دخل الديوان من غير ما ينطق بكلمة ، يومها ما طلع نهائي ، ولا حتى ولع اللمبة حقته..
ماهر سألني.. مريم، أبوي ماله ما طلع يتغدا معانا ؟ وأمي ليه شالت ملابسها كلها؟!.
ما عرفت أقول ليه شنو ، حضنته علي وسكتت ، كنت عارفة انه ابوي ياداب اتأثر ، بقرار انفصالهم ، وحسه بي انّه فقد امي خلاص.
بس ما كنت عارفة انه الكسرة الشفتها في عينه وهو بودعها دي ، ح تبقى البداية الحقيقية لضياعه من جديد..
_______________
في الأيام الأولى بعد ادي أمي قسيمتها ، أبوي حاول يكون طبيعي و يمارس حياته زي ما كان بعمل ، بس رغم محاولاته دي كان في حاجة في عيونه اتغيرت سكوت غريب!.
مرت الأيام بهدوء خادع… شوية شوية ، بدأ يتأخر ف الشغل ، الأكياس بدت تقل ، ومرات ينسى حاجات البيت ، لغاية ما في يوم اتأخر شديد ، فضلنا منتظرنه في العريشة ، الليل بقى تقيل علينا ، ماهر في الآخر نام.
فجأة سمعت صوت الباب فتح ، وفاحت معاه ريحة كنت مفتكراها اختفت ، دخل وهو بترنح ، عيونه محمرة ، رفع راسه عاين لي ومشى ع الديوان .
دموعي اتجمدت في عيني ، و انا شايفة رجع للشراب ، عاينت لماهر وهو نايم ، قلبي وجعني عليه ، حسيت بكُبر مفاجئ نزل ع اكتافي و بمسؤولية كبيرة تجاهه ، قلت ليه في نفسي..
أمنا مشت ، و ابونا رجع لحياته القديمة ، بس أنا ح أكون ليك الحُضن البديك الأمان ، و م ح اخلي الخوف يلمس قلبك طول ما فيني نَفَس.. وح أعوضك عن كل دمعة نزلت من عينك.
الصباح صحينا ما سمعت حركته ، مشيت ع المطبخ حتى الشاي الكان بعمله لينا ما عمله ، صحيت ، نضفت البيت وشربنا الشاي ، شلت من القروش الادتنا ليها امي
و طلعنا.
الشارع كان لسه في بدايات حركته ، وصلت ماهر ومشيت مدرستي ، بس عقلي ما كان في الحصص ولا في كلام الأستاذة ، كنت بفكر.. يا ربي أبوي مشى وين من الصباح؟ وهل ح يرجع بالليل وهو واعي ولا ح يكرر حركة أمبارح؟ والقروش الادتنا ليها أمي دي ح تكفينا لمتين؟!.
خلص اليوم الدراسي ورجعنا البيت ، انتظرناه لغاية ما جاء الليل ، فجأة، سمعت صوت رزعة في الباب ، قلبي نط من مكانه ، ابوي جاء داخل ، و المره دي ريحته أقوى ، وقف ف نص الحوش و كورك بصوت عالي…
مريم.. أمك وين؟! ، قلت ليه.. أمي مشت يا ابوي ، أنت نسيت؟.
سكت مسافة ، وبعدين صرخ فيني.. ما مشت! أنتوا الطردتوها! أنتوا السبب! ، أنا لسه بحبها بس خيلانك فرقونا ، مشى بخطوات مهزوزة دخل الديوان.
قضى الليل كله ينبز خيلاني ، و يلوم أمي انها خلتها ، وتاني يرجع يضحك بصوت عالي ، لما في الآخر نام.
___________________
مرت الأيام، وبقى حال أبوي اسوء ، السكر والجوطة والمشاكل بقت عادة ، يطلع الصباح من غير كلمة، ويرجع نص الليل وهو غايب عن الوعي ، ما كان بعرفنا
أكلنا ولا شربنا ، الا لما يكون واعي.
كان كل همي ماهر، بقيت أختلق ليه أعذار وقصص ، و أضحك في وشه وأنا من جوه ميتة ، عشان ما يحس بإن العالم انهار تماماً.
خالتو سيدة وعم الحاج ما قصروا معانا ابدا ، كانوا بحسوا بينا من غير ما نتكلم ، الاكل بجينا في أوقاته.
وقدر ما أرفض انه بندبر حالنا يزعلوا مني ، و انو لو بمرادهم نجي نقعد معاهم ، “أواب” ولدها الكبير ، كان بسوق ماهر معاه يفسحه و يشتري ليه ألعاب ، ومرات يشتري حاجات ويقول ليه.. أديها لمريم كنت بمثابة اخونا الكبير في تصرفاته و خوفه علينا.
أحياناً كنت بشيل تلفون أريج أتصل لأمي ، كانت بتسألني عن أبوي ، وكأنها لسه بتحن ليه ، ولما عرفت إنه رجع للشراب وبقى يصرف قروشه في القعدات ، بدت تحول لينا قروش عند أواب وبقينا نتصرف منها.
لغاية ما في يوم ابوي اتأخر شديد ، قلقت عليه فضلت امشي واجي في نص الحوش ، لغاية ما الساعة جات ١٢ و البيوت الحولنا كلها قفلت أبوابها.
فجأة سمعت صوت أواب ، بتكلم مع أصحابه ، وهم راجعين من الكورة ، طلعت بسرعة و ناديته..
جاني مخلوع.. مريم! ، الحاصل شنو؟ إنتو كويسين؟.
قلت ليه والدموع غلبتني ، أبوي اتأخر لغاية هسي ما جاء، أنا و ماهر برانا.
عاين لي بشفقة وقال لي.. من قبيل قاعدين براكم؟! ليه ما مشيتوا تقعدوا مع ناس أمي من بدري..
قلت ليه.. عليكم الله اتصل ليه.. شوفه ماله، أنا لازم أرجع هسي ماهر نايم.
رجعت جري ، و خوف الدنيا كله فيني ، مسافة وجاني صوت دقات خفيفة في الباب ، طلعت لقيت أواب ومعاه أريج، قال لي.. اتصلت ليه و تلفونه قافل.
أريج شاكلتني انو ما كلمانهم اننا براها ، واصرّت نمشي نبيت معاهم ، صحيت ماهر ، و قفلت الأبواب مشينا معاهم.
كنت بتخيل كل السيناريوهات الكعبة ، اتخيلته واقع في نص الشارع والناس بتتفرج عليه ، أو اتشال في كشّة من الشرطة ، أو اتشاكل مع السكارى وضربوه.
الواطة بدت تفتح، وأنا لسه بتململ في مكاني..
خالته سيدة جابت لينا الشاي و قالت لي.. عمك الحاج هسي ماشي يشوفه في ورشته ، الحاصل عليه شنو؟!.
ما كملنا كلامنا ، سمعنا صوت خبط في باب بيتنا.
جريت بسرعة فتحت الباب ، لقيته واقف بضرب ف الباب ، جريت عليه بلهفة وخوف قلت ليه…
كنت وين يا أبوي؟ ، وليه م اتصلت علينا؟ ، قلقنا عليك
قال لي ببرود… الزمن اتأخر ونمت في الورشة.
قلت ليه.. كان تتصل علينا تكلمنا ، خوفنا تكون حصلت ليك حاجة؟ ، عاين لي بنظرة باهته كأن الخوف العشته دا ما بعني ليه حاجة.
بس دي ما كانت المره الأخيرة ، آخر مرة عدّى يومين برا البيت ، في الآخر اتصلنا لي محمد عمي.
في أقل من ساعة جانا ، وشه محتقن من الغضب ، ما قعد
و طلع يفتشوا ، قعدنا ننتظر والوقت بمر علينا ، لغاية ما جوا داخلين الساعة ٩.
لما شفت أبوي ما قدرت أتكلم معاه ، ولا اقول ليه.. كنت وين؟! ، وقفت متسمرة في مكاني وأنا بعاين ليه بنظرة غريبة ، بين شفقة على حاله ، و كره ما طبيعي ، للوضع المعيشنا فيه دا.
عمي جاء قال لي.. بصوت حازم..
مريم.. لمي حاجاتكم أنتِ وأخوكِ كلها ، ما عايز حاجة تفضل هنا ، من الليلة ح تمشوا تقعدوا معاي ، لغاية ما أبوكم دا يصحى من القرف العايش فيه دا ، ويعرف يعني شنو مسؤولية ، بدل القعاد في بيوت الشراب و الفارغة.
ما عرفت النقاش الدار بينهم شنو قبل ما يجو ، بس أبوي ما حاول يتكلم أو يمنعه ، كان مدنقر راسه في الأرض وكأنه غريب.
لميت ملابسنا كلها ، والدموع متجمدة في عيني ، و في الليل داك ، طلعنا مع عمي ، وفي اللحظة الاتحركت فيها العربية ، حسيت بروحي بدت تطلع مني مع كل خطوة بتبعدنا عن بيتنا ، بكيت بصوت عالي و بحرقة.
عمي أول ما سمع صوتي ، وقف العربية على جنبة، والتفت علي، قال لي… مالك يا مريم ؟ ، إنتِ ماشة بيت عمك ، ما زول غريب .. بتبكي كدة ليه؟.
قلت ليه بصوت متقطع… نحن هسي فرقنا من الأيتام شنو يا عمي؟ أمي وأبوي لسه عايشين! و بقينا مشردين و طالعين من بيتنا في نص الليل.. ليه أبوي بعمل فينا كدة؟.
عمي رجع قعد جنبي ، مسح دموعي وقال لي.. اسمعيني كويس يا مريم.. من زمان ابوكم دا ما بخليني ادخل في حياتو لأي سبب ، حتى مشاكله مع أمك ، لغاية ما طلقها ، انا كنت بعيد منها ، بس كونه يتمادى ، يخليكم بالأيام و انتوا أطفال صغار، من غير أي احساس بالمسؤولية ، دا كلام أنا برضاه..
و لاقدر الله لو حصلت ليكم حاجة ؟! ، ابوكِ لازم يتأدب و يعرف قيمتكم ، عشان يخلي الطريق الماشي فيه دا.
عمك الحاج وراني كل الحاصل ، وأنا حلفت بالله ما أخليكم وراي ، ولا اخليكِ تشيلي مسؤولية أكبر من عمرك تاني.
سكت شوية وعاين لماهر و قال لينا..
من الليلة ، إنتِ و اخوك ح تبقوا زي أولادي ، لا ح تنقصكم لقمة ولا كلمة طيبة ، انتوا لسه صغار عيشوا طفولتكم ، و خلوا الهم دا علي أنا.
بعدها طبطب على كتفي ، وقال لي الكلمة البردت قلبي شوية..
ولو اشتقتِ لأمك وعايزة تمشي ليها ، في اي لحظة أنا بوديكم لغاية عندها..
كلامه خلاني أهدا شوية ، بس الغصة كانت لسه في حلقي ، قلت في سري.. يا رب.. يكون بيت عمي هو الأمان الضاع مننا.. ويا رب أبوي يرجع لينا أب حقيقي ومسؤول..
رواية جريمة إلى المجهول الفصل الثاني 2 - بقلم زارا
وصلنا بيت عمي ، استقبلتنا زوجته خالتو “آمنة” ، كانت طيبة شديد ، سلمت علينا هي وبناتها ، “عائشة” .. كانت في عمري ، أما “عُناب”.. كبيرة البيت بتقرا في الجامعة ، إخوانهم الأصغر “حسن وإبراهيم”.
في الأيام الأولى ، ماهر كان زي ضلّي ما بزح مني خطوة بس شوية شوية ، وبفضل حسن الكان في عمره ، و بطبعه شقي و بحب اللعب ، قدر يخليه يتعود عليه ، و بقوا ما بفترقوا من بعض.
عمي جاب لينا التحويلة حقتنا ، من مدرستنا القديمة وسجلنا مع أولاده ، مرت عمي كانت بتعمل لينا اي حاجة ، و بتراجع لي حسن وماهر دروسهم ، يوم ما فرقته من أولادها ، و لا صرت لينا وشها ، حياتنا معاهم خلتنا نرجع نتنفس من جديد.
رغم كل الأمان ده ، كنت دايما بسأل نفسي ، يا ربي.. أبوي هسي حاله كيف؟ ، خلا الشراب و لا لسه ضايع في دنيته؟!.
_________________
مرت الشهور…
و انتهت السنة الدراسية ، ماهر الكان طبيعي خايف ومهزوز ، فاجأنا كلنا وجاء الأول على فصله ، جانا جاري وهو شايل نتيجته و فرحان.
أما أنا و عائشة ، فالحمد لله انتهينا من تانية ثانوي بتقدير جيد جداً.
من جهة علاقتنا مع أمي.. خلال الشهور دي بقت أقوى ، كنا بنمشي ليها في الإجازات ، نقضي معاها أيام ترد الروح، وهي بقت تجينا بيت عمي بانتظام ، وكان دايما بقول ليها.. ديل أولادك يا أم مريم، و في اي وقت بابي مفتوح ليكِ.
بس الخبر الصدمنا وسط الاستقرار ده ، سمعنا انو ابوي ، وبعد ما البيت فضى ليه والوحشة أكلت قلبه ، اتزوج و جاب زوجته سكنها في بيتنا..
في يوم اتصل لعمي ، وطلب منه نجي نسلم و نتعرف على زوجته ، ما كنت عايزة امشي ، بس بعد إصرار من ناس عمي وافقت.
يوم الجمعة.. مشينا كلنا و أول ما وصلنا وخبطنا الباب أيوي جاء فتح لينا ، وقفت مذهولة وأنا بعاين ليه.. وشه كان منور و شكله أنضف وأهدأ بكتير من زمان، وكأنه صِغر سنين ، حتى ريحته كانت غير عن ريحة الشراب الكنت بشمها فيه.
سلم علينا بلهفة ، و فضلنا جوا البيت بقيت اعاين باستغراب، الكركبة الكانت مالية المكان اختفت كلها الأساس كله اتغير بقطع جديدة ، وحتى لون الحيط ، كأنه دخلنا بيت تاني.
قلت ف نفسي.. القروش دي كلها ابوي جابها من وين؟.
قعدنا في العريشة البقت عبارة عن صالون! ، بعد مسافة، طلعت لينا مرا ،كانت كبيرة في العمر و في كل زينتها وجيهتها ،سلمت علينا ببشاشة كأنها بتعرفنا.
عائشة مالت عليّ وهمست لي .. ماشاء الله شوفي أم العروس ، آخر جيهة!.
هزيت راسي وقلت ليها بصوت واطي.. ماشاء الله! ، إذا كان دي الأم العروس ح تكون كيف؟.
أبوي جاء قعد وهو بتحرك بخفة ونشاط ما شفته فيه من يوم طلاق أمي. بعد جابت لينا الموية والعصير، ابوي عاين للمرا الكبيرة دي بفخر..و قال لينا.. دي نجود زوجتي وبدأ يعرفنا عليها ، السكوت نزل علينا زي الصاعقة.
بقيت أعاين ليها بخلعة .. دي العروس؟ المرا القدامنا دي أكبر من امي بكتير ، بس ظاهر إنها مهتمة بنفسها شديد ، حسيت في نظرتها ذكاء وخبرة كبيرة ، خلتني أفهم إنو أبوي اختار شخصية قدرت تروضه وتغيره في شهور بسيطة، الحاجة الفشلت فيها أمي سنين.
قالت لينا.. بصوت هادي وراقي.. نورتونا ، عبد الرحمن دايما بحكي لي بيكم ، ما بطل كلام عنكم لحظة ..
عاينت لعمي الكان براقب الموقف بصمت ، شفت في عيونه نظرة ارتياح غريبة ، كأنه كان اطمئن إنو أبوي لقى المرا البتلمه ، بس أنا جواي كان في بركان مولع .. كيف قدر ينسى أمي بالسرعة دي؟ وكيف الأساس الغالي ده ظهر فجأة؟.
عمي وابوي مشوا الديوان ، وبدت تتونس مع زوجة عمي ، عن أهلها ونفسها ، وكيف اتعرفت على ابوي
كانت بتتكلم بأسلوب خلانا كلنا ننجذب ليها.
عرفنا إنها شغالة، أول ما قالت كدا.. اتاكدة أنها اساس التغير الحاصل دا ، بس كيف مرا بوضعها دا رضت تعرس ابوي؟! ، وهل عارفة انه بشرب ولا لأ؟!.
المساء مشينا انا و عائشة ، لناس خالتو سيدة، سلمت عليهم بلهفة وبكاء ، أريج علقت لي وهي بتضحك..
يا بت إنتِ الحصل ليك شنو في الخمسة شهور دي؟ النضارة والأناقة دي كلها .. والله بيت عمك ده غيرك ١٨٠ درجة! ، حكوا لي قدر شنو فقدونا ، و خالتو سيدة كل ما تتذكرنا تبكي ، قعدنا اتونسنا معاهم و استئذنا منهم ، أثناء ما طالعين جاء أواب داخل ، قال السلام عليكم ونزل راسه.. أريج قالت ليه.. شنو يا أواب ، ما عرفت مريم ولا شنو؟.
رفع راسه عاين لي مسافة ، كأنه بحاول يستوعب إن البنت الواقفة قدامه دي ، نفسها مريم البعرفها.
مدا لي يده ، و قال لي بلهفة ما قدر يدسها..مريومة! ما شاء الله.. شنو التغيير دا! ، تصدقي والله ما عرفتك! كيفك يا بت؟ وكيف ماهر؟ الحلة نورت والله.
ابتسمت بخجل ونزلت راسي ، حسيت بوشي سخن من نظراته.. الله يسلمك يا أواب.. بخير الحمد لله، إنت كيفك؟ و مع جري الجامعة؟.
قال لي.. الحمدلله خلاص قربنا ، مالكم ماشين طوالي كدا؟ ، قلت ليه.. جينا من ساعة، وعايزين نمر على باقي الجيران ، قبل ما نرجع.
أول ما ابتعدنا من بابهم ، عائشة ضربتني ف كتفي وهي بتضحك.. يا بت الولد ده ما فضل إلا ياكلك بعيونه دي! وريني أواب ده قصته شنو معاك؟ مبهور بيك للدرجة دي.
قلت ليها.. يا بت! ، ده زي أخوي الكبير، و طبيعي يفرح لما يشوفنا اتغيرنا وبقينا كويسين.
لوت خشمها بضحكة .. أخوك؟ يا حليلك يا مريم.. الأخو ما بعاين لأخته بالنظرة العميقة دي ، ولا بسلم عليها وهو حاسي إنه ماسك جمرة.
ما عرفت أقول ليها شنو ، سكتّ و أنا حاسه بقلبي برفرف في نفس الوقت.
مرينا على باقي الجيران بسرعة ، ورجعنا البيت ، قبل ما نطلع ، أبوي ناداني على جنبة وطلع لي قروش مداها لي بخجل.. هاكِ يا مريم.. اتصرفي بيها إنتِ وأخوك،
عاينت للقروش بقرف ، واتذكرت الأيام الكنا بنتمنى فيها التعريفة ، وهو بصرف قروشه في الشراب.
قلت ليه ببرود… شكراً يا أبوي، ما محتاجين ليها.. عمي ما مقصر مننا في حاجة.
ملامحه اتغيرت ، نزل راسه وقال لي.. أنا أبوكِ يا مريم.. بترفضي تشيلي مني؟ عارف إنو عمكم ما مقصر،
بس دي قروشي أنا من تعبي في الورشة ، شيليها عشان خاطري ، وعشان أحس إني بديت أكفر عن الفات ، أنا اتغيرت يا بتي ، وما بقيت الزول الطايش زمان.
كنت شايفة التغيير فيه ، بس م قدرت اصدقه ، وقفت مترددة ، في الآخر شلتها منه وأنا حاسة بقلبي بدأ يلين شوية من ناحيته، قلت ليه.. شكراً يا أبوي ، ربنا يزيدك من فضله ، شفت لمعة فرح حقيقية في عيونه ، و دعنا ورجعنا بيت عمي.
_________________
كنت اول أركز في تفاصيل حياتي و الاجازة ، لغاية ما في يوم ، بالليل تلفوني رنّ برقم غريب.. رديت.. ألو.. السلام عليكم!.. جاني صوت فيه بحة مألوفة بالنسبة لي.. رديت وعليكم السلام والرحمة.. مريم؟ .. ايوه مريم ، عفواً منو معاي؟!. معاكِ أواب.
قلبي دقة دقة قوية، حاولت أجمّع الكلام..
أواب! أهلاً بيك، الرقم ما مسجل عندي فما عرفتك.. كيفك وكيف حالكم؟.
بخير الحمد لله، معليش أنا شلت رقمك من أريج.. قلت ليه.. ولا يهمك
سكت شوية و قال لي.. بصراحة يا مريم.. اليوم داك لما شفتك ، فضلت مسافة بحاول أستوعب، حقيقي ما شاء الله عليكِ، التغيير والهدوء الفي ملامحك ، بالجد بشرني بالخير ، الواحد كان بفكر فيكم دايماً، والحمد لله إنك بقيتي بالصورة السمحة دي.. بجد نورتي عيونا.
رديت عليه بخجل..
تسلم يا أواب، ده من ذوقك! ، و الحمد لله إنو الأمور بدت تتصلح.
قال لي.. بتمنى إنك تفضلي دايماً قوية ومبسوطة.. ودايماً نسمع عنكم أخبار طيبة.. ولو احتجتي لأي حاجة أنا موجود.. اعتبريني أخوك، أو.. اعتبريني الإنتِ عايزاه.
شكرته على ذوقه و قفلت المكالمة ، بس فضلت سرحانة في جملته الأخيرة .. عائشة هزتني وهي بتضحك ، قال ليكِ شنو سرحتي كدا؟…
حكيت ليها بكلامه ، غمزت لي.. أها يا ست مريم.. لسه مصممة إنه أخوكِ؟ الأخو بقول اعتبريني الإنتِ عايزاه؟ ده شكله أخو من نوع خاص!.
قلت ليها.. ما تمشي بعيد بكون قصدو إنه ما ح يقصر معانا بحكم الجيرة القديمة.
عُناب ردت لي ، بحكم إنها فاهمة مقاصد الأولاد..
انتِ لسه صغيرة يا مريم ، ما عارفه إنّ الولد لما يختار كلماته بدقة كدة ، بكون عايز يجس نبضك.
اكيد مكالمته دي ما مجرد سلام بس ، و كلمته دي معناها إنه مستعد يكون أي حاجة إنتي بتتمنيها.. صديق، سند، أو حتى حبيب.
كلام عُناب خلاني أرتعش ، حسيت إني جاهلة فعلاً في الأمور دي ، عائشة ردت لي وهي بتضحك.. يلا وريني “الإنتِ عايزاه” ، ح يكون شنو؟ ، رميت المخدة في وشها ، وأنا بخفي خجلي، بس في سري كنت بقول.. يا ربي، هل أنا فعلاً جاهزة للإحساس ده؟ ولا نحن فهمنا غلط؟!.
_____________
مع الأيام.. أواب بقى حاضر في كل لحظة بقضيها ورا شاشة التلفون ، مجرد ما أرفع حالة أو أكتب منشور بلقاه اول زول التفاعل معاي.
في يوم كنت حاسة بضيق ، رفعت كلام عن الفقد والغربة وسط الأهل ، ما مرت دقايق ، وتلفوني رنّ باسمه..
سألني بصوت حنين.. مريم.. مالك؟ ، الكلام الكتبتيه دا ما بتشبه ضحكتك.
حاولت أكابر وأقول ليه إني كويسة ، بس فهمني من غير ما أتكلم ، بدأ يحكي لي عن مواقفه المضحكة في الجامعة ، و قصصه مع أصحابه ، لغاية ما لقيت نفسي من غير ما أشعر، بضحك معاه من قلبي والضيق الكان في صدري اتلاشى.
و حتى اكتشف شغفي بالقراءة ، فبقى يرشح لي روايات وكتب ، ويناقشني فيها بالساعات.. و يقول لي.. الرواية دي بطلتها بتشبهك في قوتها وهدوءها، اقريها وقولي لي رأيك.
لقيت نفسي بنجذب ليه أكتر وأكتر ،المكالمات الكانت مرة ف الأسبوع بقت يومية ، بقيت أنوم وأصحى على صوته ، وأي تفصيل صغير في يومي بلقى نفسي عايزة أحكيه ليه هو بس.
عائشة كانت بتقول لي.. يا مريم، خلاص وقعتي وما سمّيتي.. عيونك بقوا يلمعوا أول ما التلفون يرن..
كنت ببتسم وأنا بضم التلفون لصدري ، وبقول في سري.. يا ربي، هل ممكن الأيام الجاية تكون بجمال صوته ده؟ وهل أواب هو العوض الكنت بستناه؟.
بس فجأة ومن غير مقدمات، المكالمات انقطعت
قلت يمكن مضغوط مع الجامعة ، عدي تلاته ايام.. في
الآخر صبري كمل بقيت ألف في الغرفة زي المجنونة ، و اسأل من الممكن يكون حصل ليه..
عُناب ردت لي بكل ثقة وبرود.. يا هبلة ، الأولاد كلهم طينة واحدة.. بكون هسي قاعد الحبة ما عنده، بس عايز يشوفك جريتي وراه قدر شنو؟ ، وهل ح تفقدي صوته ولا لأ ، نصيحتي ليكِ، طنشي.. و لو رجع اتعاملي كأنك ما كنتِ جايبة خبر.
حسيت نفسي قدام زول عارف خبايا النفوس! ، رديت ليها باستغراب.. يعني يا عُناب، معقولة أواب يكون بلعب بأعصابي و قاصد يختفي؟..
ردت لي.. ايوا هم كدة لازم يثبتوا نفسهم بأي طريقة.
كنت في صراع رهيب ، بين اني اتصل ولأ؟ بس خوفي كان أكبر من كبريائي.
ف الآخر اتصلت لأريج..وبديت أجرجر معاها الونسة يمين وشمال، لغاية ما جابت لي سيرته.. سألتها منه ، قالت لي.. كويس ما عنده عوجة.
قفلت منها وأنا حاسة بنار مولعة في صدري ،يعني هو كويس ، وأنا ميته من القلق؟، معقولة هان عليه يخليني في الحِيرة دي؟
ف نفس اليوم اتصل علي ، و قال لي بلهفة..
أهلاً يا مريومتي.. كيفك؟ وكيف أحوالك؟.. رديت عليه بصوت جاف ، أنا مريم وبس!.
ضحك ضحكة خفيفة ومستفزة، و ردّ ببرود..
يا ساتر! مريم وبس؟ في شنو يابت ؟ الزعل دا كله؟!.
قلت ليه.. ما تضحك! أنا زعلانة منك شديد بالمناسبة.. قافل تلفونك ، و ليك أيام ما سألت مني ف شنو؟
والله يا مريم مشغول.. ضغط جامعة ، وعندنا مباراة بنتدرب ليها ، ما لقيت فرصة أصلاً.
قلت ليه بلوم.. مشغول؟ وما لقيت فرصة؟، يعني أنا كنت قلقانة عليك ليل ونهار، وأنت ولا هاميك؟ حرام عليك يا أواب!..
يا مريم والله ما قصدي ، ما خليته يتم كلامه ، قفلت الخط في وشه! ، و مسحت دموعي.
بدأ يضرب.. مرة، اتنين، تلاتة، وأنا قلبي بياكلني عايزة أرد ، بس نظرات عُناب كانت بتحذرني.
بعدها رسل لي رسالة طويلة ، خلت قلبي يضرب..
”مريومة.. والله ما هان علي تقفلي الخط وإنتِ زعلانة، أنا فعلا كنت مشغول لكن ما لدرجة إني أنساك .. بس غبت شوية ، عشان أعرف هل مكاني في قلبك لسه أخو كبير وبس؟، ولا في مساحة تانية أنا طمعان أسكن فيها؟”.
لكن زعلك ده وراني إنك بتفقدي صوتي، وإنك بتهتمي بوجودي زي ما أنا بفتقدك في كل ثانية..
سامحيني على الحركة دي، بس كان لازم أطمئن إننا ماشين
في نفس الطريق ، ردي عشان خاطري.
قريت الرسالة وحسيت بدموعي نزلت غصب عني،
التلفون رنّ في يدي.. للمرة الرابعة.. فتحت الخط بصوت هامس.. ألو..
من غير مقدمات، قال لي الكلمة الخلت الزمن يقيف.. ”مريم.. أنا بحبك!!!”.
حسيت بروحي طلعت مني ، و دقات قلبي زادت.. كمل كلامه وكأنه بحكي قصة قديمة..
يمكن الكلمة دي غريبة عليكِ ، بس صدقيني أنا صنت مشاعري دي لغاية ما بقيتي ناضجة كدة..
حبي ليكِ ما بدا بنظرة مراهقة ، من وإنتِ صغيرة وشايلة هموم البيت، كنت بعاين ليكِ بنظرة مختلفة كنتِ الطفلة الوحيدة الاتمنيت ابقي سندها ، واليوم داك لما شفتك في بيتنا عرفت إنو خلاص، مريم بقت أنثى كاملة وما بقدر أخليها لغيري.
في اللحظة ديك ، حسيت بعجز فظيع في الكلام، حسيت إنو كل الوجع الشفته ف حياتي ، كان تعويضه في نبرة صوت أواب دي!.
رديت ليه بخجل ودهشة..أواب.. أنا.. أنا ما عارفة أقول ليك شنو، والله الكلام ده كتير علي ، ما كنت متخيلة إنو مكانتي عندك بالعمق والصدق ده.
شكراً لأنك كنت شايف فيني حاجة سمحة في وقت كنت شايفة فيه نفسي مكسورة..
اتنهد وقال لي..
أنا ما عايز أشوش عليكِ ولا عايز منك رد هسي.. بس خليك عارفة ، إنو أواب الكان بسندك زمان، هو نفسه العايز يكمل معاكِ العمر كله.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إني بكتب تاريخ جديد لحياتي.
_____________
مرت الأيام.. و اهتمامي بنفسي بقى مختلف…
في يوم، عُناب كلمتنا انه عندهم حفلة في جامعتهم
و قررت تسوقنا معاها ،نغير جو ومنها نشوف حياة الجامعة.
ع طول فكرت في أواب ، و اتصلت عليه كلمته..
ردّ لي بحماس.. يا سلام! دي أحلى فرصة يا مريومة .. أخيراً ح اشوفك واقعد معاك ، اللقاء دا انا رتبت ليه في خيالي ألف مرة!.
قفلت منه وأنا قلبي بطرب من الفرح ، بدينا نجهز انا وعائشة بكل حماس.
جاء يوم الحفلة ، لبست فستان هادئ و حجبت طرحتي ، طوال الطريق كنت متلهفة، وكل ما التلفون يهتز برسالة منه ، بحس إنو ضربات قلبي بتزيد..
وصلنا بوابة الجامعة.. عيوني زاغت من كمية الناس والتفاصيل.
عائشة وقفت مسافة وهي مبهورة، وقالت لي بصوت واطي.. يا مريم، شوفي الناس دي! متين يجي اليوم الح ندخل فيه المجتمع ده؟، ونبقى بنات جامعيات بالجد؟.
ابتسمت ليها وأنا بفتش بعيوني في الوجوه.. قربنا شديد! ، بس ف نفس الوقت تحسي بالرهبة و الخوف ، كأنك ح تبقي مسؤولة من نفسك.
عُناب كانت ماشة قدامنا ببرستيج و رُقي ، التفتت علينا وهي بتضحك فينا..
انتوا لسه ما شفتوا حاجة! دي بس البداية. أرحكم، شلتي هناك مستنيانا، ما تعملوا لي فضايح وتقعدوا تعاينوا للناس كدة.
وصلنا نجيلة كبيرة، قاعدين فيها مجموعة شباب و بنات ، سلمنا عليهم وقعدنا.
شوية و أواب اتصل علي ، انه وصل البوابة و طلب اوصف ليه مكانا ، بس حسيت إنو لو دخل ، العيون كلها ح تكون عليه ، وأنا ما مستعدة للمواجهة دي قدام شلة عِناب ، قلت ليه بلهفة..
خليك مكانك.. أنا ح أطلع ليك ، كلمت عُناب توصلني لغاية البوابة.
أول ما قربنا من البوابة ، لمحته واقف قلت ليها.. داك هو يا عُناب.. ردت لي بإعجاب.. ما شاء الله ياختي.. نِعم الأواب ونِعم الاختيار لكن!.
وصلنا عنده، وأول ما عينه وقعت علي ، حسيت بكهرباء كأني أول مرة أشوفه، عرفتهم ع بعض بكلمات بسيطة وأنا منزلة راسي من الخجل ، بعدها مشت خلتنا واقفين في صمت.
مشينا مطعم قريب من الكلية قعدنا فيه.. و بدأ يحكي لي عن دراسته وكيف إنه شغال على نفسه عشان أول ما يتخرج يبدأ يأسس حياته ، قال لي بصوت مليان ثقة..
مريم.. أنا طموحي كبير، و عايز لما أجي أدق بابكم أكون راجل مالي مركزي وقادر أحميكِ وأسعدك..
بس عايزك في المقابل تركزي في تالته ثانوي لأنها البداية ، و انا ح اكون ليك دافع ، لغاية ما تنجحي و تحققي كل أحلامك.
حسيت في كلامه بمسؤولية خوفتني وبسطتني في نفس الوقت ، عرفت إنه هو ما بس ود الجيران البحبه هو راجل حقيقي ببني في مستقبل يجمعنا سوا.
الزمن سرقنا بصورة ما عادية، والونسة معاه خلتني أنسى الدنيا كلها.
انتبهت لكمية مكالمات من عائشة وعُناب ، شلت هم التأخير ، بس طمئني انه ح يوصلنا للبيت ، طلعنا ومشينا ليهم لغاية الكلية.
طول الطريق كان بسترق لي النظر في المراية ، وكل ما عيونا تتلاقى ، كان ببتسم ابتسامة هادية ، تحسسني اني لقيت السند أخيرا.
مجرد ما وصلنا جمب البيت ، وقبل ما ننزل همس لي بصوت دافي.. خلي بالك من نفسك ، ح اتصل عليكِ!.
دخلت البيت وأنا طايرة من الفرح ، وفعلاً ما مرت ساعة إلا وتلفوني نور باسمه ، وكأنو بأكد لي إنو معاي في كل لحظة.
____________
مرت الأيام..
و بدت حياتنا تأخد شكل جديد، الجدية بدت تظهر مع نزولنا الكورس الصيفي لتالتة ثانوي ، انشغلت شديد بالحصص و القراية ، بس أواب كان دايماً هو المُتنفس مكالمة منه بالليل كانت كفيلة تمسح تعب اليوم كله.
وفي نص الجوطة دي ، جاتنا عمتي وكلمتنا بعرس بنتها هيفاء.. هي أصلاً عاقدة من زمان، بس هسي حددوا ليها حفل الزفاف.
عمتي في الأساس زوجها متوفي و عندها تلاته اولاد .. فايز ولدها البكر بعده فتحي ، حتى هيفاء..
بنات أهلي بقوا يقوموا ويقعوا للتجهيزات ، وأنا كنت في عالم تاني ، لا العرس بهمني ولا تفاصيله ، كان في بفكرامشي اعمل الواجب بس وارجع. و الحاجة الفرحتني أكتر ، انه فتحي سافر و م ح يحضر العرس.
يوم الخميس ، مشوا ناس خالتو آمنة ، و انا وعُناب و ابراهيم ، مشينا يوم المناسبة.
كنت منتظرة زمن الحفلة يجي بفارغ الصبر ، لأني عزمت أواب و قال.. بجي زمن الحفلة عشاني.
وفعلاً.. جاء هو و صحبوا كانوا واقفين بعيد ، مجرد الحفلة هججت والناس انشغلت ، رسل لي.. اطلع ليه كنت خايفة بس شوقي ليه.. كان أقوى ، كلمت عائشة و طلعت.
قال لي.. الفرصة دي م بتجي دائما ، عشان كدا حبيت أنفرد بيك ، لأنه الزحمة دي بتسرقني منك! ، كنت مترددة بس ركبت معاه ، واتحركنا شوية لغاية ما بقينا في شارع هادئ ، و الظلام بقى ساتر ملامحنا.
قال لي.. ماشاء الله طالعة ملكة ، بس الخصل دي دخليها ما تطلع للناس .. أنا بغير عليك شديد.
نزلت راسي بخجل وصلحت طرحتي ، بعدها سكت مسافة وبقى يعاين لي بنظرة غريبة، ما قدرت أفسرها، قلت ليه.. ما تعاين لي كدة يا أواب؟ بتخجلني والله.. في شنو؟
فجأة ردّ عليّ رد قبض قلبي وخوفني..
عايز أشبع من شوفتك يا مريم ، م عارف ليه حاسي قلبي مقبوض ،كأني ما ح أشوفك تاني.
جفلت من الكلمة دي ، بس حاولت أضحك عشان أطمنه وأطمن نفسي.. بسم الله.. ده كلام شنو يا اواب؟ ليه بتقول كدة؟ استعيذ من الشيطان.. أكيد ح نشوف بعض كتير، لغاية ما تزهج مني ومن وشي ده ذاته.
عاين لي بنظرة طويلة و حزينة، وقال لي.. بصوت واطي كأنه بكلم نفسه… أزهج منك؟ أنا خايف الأيام هي التزهج من فرحتنا.. يا مريم، أنا روحي معلقة فيك، واللحظة دي حاسي إنها مسروقة مننا سرقة ، ما تطلبي مني أفسر حاجة ، بس خليكِ قريبة من قلبي ، وما تغيبي عن عيني أبداً.. لأنو غيبتك دي أنا ما بقدر عليها.
سكتّ ما عرفت اقول ليه شنو؟، اتحرك بالعربية..
بس انا دخلت في دوامة من التفكير، كلماته.. “كأني ما ح أشوفك تاني” ، خلتني اسأل نفسي بحِيرة.. ياربي أواب ده حاسي انه مُفارق؟ ولا حاسي بي أنا العايزة أموت؟.. فجأة.. حسيت بدموع دافية نزلت على خدي! سمعني بتنهد ، اتخلع ووقف العربية ، بقى يسألني بلهفة.. مريم! مالك بتبكي؟ في شنو؟.
من غير أي مقدمات ، ومن غير ما أفكر في عيب ، و بدافع الخوف السكن قلبي ، من إننا نفقد بعض.. رميت نفسي في حضنه و قلت ليه..
أواب.. “أنا بحبك!.. بحبك شديد!”.
طلعت مني مليانة خوف ، هو أتجمد في مكانه لثواني ، وكأنه ما مصدق إنو مريم الخجولة.. هي البادرت ، حسيت بنبض قلبه بقى يدق بسرعة، مدّ يده و احتواني كأنه بحاول يثبّت اللحظة دي للأبد…
همس لي.. و أنا بحبك اكتر!.. آسف لو عكرت عليكِ الجو بكلامي ، والله العظيم ما كان قصدي أخوفك ولا أنزل دموعك الغالية دي.. أنا بس.. بس قلبي اكلني عليكِ زيادة عن اللازوم.
لما وعيت بنفسي بعدت منه بسرعة ، ردّ لي.. عشان يطمئني.. إن شاء الله ما يحصل إلا كل خير.
ما قدرت افتح خشمي لغاية ما وصلنا جمب البيت ودعته بسرعة و بخجل شديد ، نزلت وأنا حاسة بقلبي لسه جوه معاه.
اتسحبت براحة ودخلت الصيوان ، الفنان كان في آخر فاصل ، قعدت ف أقرب كرسي وأنا مُلخبطة وما فاهمة حاجة ، ملامح أواب وصوته و عيونه المليانة خوف كانت بتطاردني في كل مكان.
مجرد م العرسان اتجرتقوا ومشوا ، شفت أقرب سرير واتغطيت ،كنت خجلانة شديد من التصرف العملته.. و قلت ف سري.. أنا كيف عملت كدة؟ ، حسيت إني كنت مُندفعة شديد ، ومن كتر الخجل والخوف من مواجهة صوته ، قفلت تلفوني تماماً.
تاني يوم ، بدينا نلملم حاجاتنا، عشان نرجع البيت.. فجأة عمتي جات وهي بتعاين لينا أنا وعُناب باستنكار.. انتو الاتنين ماشين وين؟ جيتوا العرس زي الضيوف ، و عايزين ترجعوا طوالي؟ البيت المكركب ده البضايره منو؟.
حاولت أتحجج بالكورس ، بس هي كالعادة ما بتسمع إلا صوتا، وقبل ما أتم كلامي مشت لعمي كلمته ، عمي عارفها بتزعل أقل حاجة و بتعمل موضوع ، قال لينا.. خلاص اقعدوا معاها ، كم يوم وتعالوا راجعين..
قضينا معاهم يومين عبارة عن. غسيل عدة و ملابس ، و مضايرة للبيت ، الضيوف كلهم مشوا ، فضلنا نحنا بس ، تالت يوم من الصباح قلنا راجعين البيت ، فايز قال لينا.. انتظروني المساء ارجع من الشغل اوصلكم بإصرار عمتي اضطرينا قعدنا.
بعد العصر.. عمتي قالت عندها جمعية ماشة و ح تتأخر ، مجرد ما طلعت ، فتحت تلفوني الكنت قافلة و اتصلت لأواب بلهفة ، بس ردّ علي ببرود وكأنه بجازيني على غيابي.. أنا مشغول هسي يا مريم، برجع ليك بعدين ، حسيته زعلان مني ، لأني قفلت تلفوني ، بس الحقيقة إني كنت مكسوفة منه.
سمعت عُناب بتتكلم بتلفونها وبتقول.. طيب..طيب بحاول ، قفلت الخط والتفتت علي قالت لي.. مريم! عندي صاحبي ساكن قريب من هنا ، عايزة ألاقيه ساعة وما ح أتأخر ، قلت ليها.. عليك الله ما تخليني براي ، فايز هسي بجي عشان يوصلنا.
ردت لي.. وهي بتلبس طرحتها.. يا بت ماف حاجة بتخوف ، عمتي لو جات قبلي قولي ليها.. مشت الظلط تشتري حاجة ، وفايز لو جاء اضربي لي.
طلعت بسرعة ، و طلعت قعدت في الصالة مسكت تلفوني بتصفح من غير موضوع ، تاني حسيت بنعاس عايزة أنوم ، سمعت صوت زول بقول سلام عليكم!..
افتكرته فايز ، قمت صلحت قعدتي.. بس لقيته فتحي.. داخل وشايل شنطة سفر ، ما اتوقعته نهائي يجي في وقت زي دا ، و لا حتى عمتي قالت لينا انه جاي.
خت شنطته.. و سلم ببرود.. اهلا يا مريم.. وين أمي؟.
قلت ليه.. طلعت عندها جمعية.
دخلت غرفة هيفاء ، و اتصلت لعناب.. يا بت وين انتِ! فتحي جاء من السفر.. تعالي بسرعة ، ما عايزة أقعد معاه ثانية واحدة براي!.. قالت لي.. العارض ده وقته هسي؟ طيب مسافة السكة.
كنت متوترة ، وحاسه بضيق شديد ، قررت إني ما أطلع لغاية ما عُناب تجي ، بس فجأة سمعت دقات خفيفة على باب الغرفة ، و بعدها قال لي.. يا مريم.. لو ف أكل جاهز ختي لي.
ما كنت مطمئنة ليه ، بس شجعت نفسي وقلت في سري… فتحي شنو البخوفني كمان؟ ده زمان هسي انا كبرت ، و م ح يقدر يضايقني بكلمة.
لبست توبي ، و دخلت المطبخ، بديت أسخن في الأكل و طلعت السلطة عشان أقطعها.
جاء داخل فتح التلاجة وبقى يقلب فيها ، كأنه بفتش عن حاجة غير الأكل ، ما ركزت معاه كتير.
قال لي بصوت مستفز.. ما شاء الله.. يا مريم بيت عمك دا ، بقاك حلوة شديد معقولة السفر ده حرمني من الوش السمح دا؟!.
ما رديت عليه ، حاولت أقطع بسرعة ، بس هو ما سكت تاني قال لي.. مالك ساكتة؟ ولا لسه الخجل القديم داك مسيطر عليكِ؟،الدنيا اتغيرت.. وأنا كمان اتغيرت.
ولا قلت ليه.. بتقول في شنو انت؟.
اتضايق مني شديد ، فجأة و من غير اي مقدمات ، جاء مسكني من كتفي، قال لي.. شنو مطنشة بتكلم معاك انا؟ ، قلت لي بحدة.. أحترم نفسك يا فتحي ، أنت عايز أكل ولا عايز تقل أدبك؟ ، أبعد مني.. احسن ليك!.
بقى يضحك بشكل مستفز ، قال لي بكل استهتار.. بقيتي سخنة كدة مالك؟، من الآخر كدا أنا ما عايز أكل.. عايزك أنتِ وبس ، أنا سافرت وجهزت أموري عشانك إنتِ!.. و اتحرك بخطوات ناحيتي
رفعت السكينه في وشه.. وقلت ليه..
السما أقرب للأرض بتحلم أنت ولا شنو؟ ، قاطعني و
هو بضحك.. أنا ما جيتك عشان نلعب بالمطاوي.. و بعدين السكينة دي ما بتشبه الجمال ده.
قلت ليه.. أقسم بالله تقرب مني ، ما ح يحصل خير.
لما شافني ما بهظر ، رجع لورا بحذر و قال لي.. خلاص خليتك و ما عايز اكل زاتي.
مجرد ما بعد خطوة صغيرة ، جدعتها ف التربيزة بضيق و قمت بسرعة عشان امشي.
فجأة.. هجم علي زي الوحش ، مسك يدي بقوة ولوّاها ورا ضهري لدرجة حسيت بصوت طقّ!، ما لحقت اصرخ من الألم ، بسرعة قفل خشمي بيده التانية ، قرب وشّه وهمس لي بصوت مليان غِل.. عاملة فيها حقارة؟ ، يدك البتهددني بالسكين دي؟ بكسرها ليكِ..
كنت مخلوعة من تصرفه ما قادرة استوعب ، حاولت أتفك منه بيدي التانية، بس ما قدرت ، عضيته بقوة عشان اقدر اصرخ كأنه ما حاسي بوجع ،عيونه بدت تتحول لشيء ما مفهوم ، أنتِ بتتحديني؟، قالها و خبطني في التربيزة بقوة ، وبدأ يقرب مني أكتر ، دموعي بدت تنزل و جسمي كلها بقى يرجف من الرعب ، في اللحظة ديك اتمنيت أي زول يدخل.. عُناب، فايز، عمتي.. أي زول يخلصني منه.
فجأة.. فك يدي الكان لاويها ، حاولت أحركها وأقاومه، بس كانت تقيلة ومخدرة كأنها مشلولة.
قرب مني بقرف وأكتر من اللازم ، زحيت وشي منه وفجأة.. لمحت السكين في طرف التربيزة ، من غير ما أفكر ، مديت يدي الشمال شلتها غمضت عيوني بقوة ، دفعتها في اتجاهه بكل طاقتي، ما كنت شايفة أنا بضرب وين.. كنت بس عايزة أبعده مني، وعايزة القرف ده ينتهي..
ثانية واحدة.. انقطع فيها نفسه ، وبقى صوت شهيقه مكتوم ومخيف. فكّاني ورجع لورا بذهول ، رفع يده لرقبته بسرعة وهو بحاول يغطي الجرح ، بس الدم كان بنزل بكمية ، عيونه كانت مخلوعة و مرعبة ، بعاين لي كأنه ما مصدق ، حاول يتكلم حاول يصرخ ، بس صوته ما طلع.. رجع لورا بخطوات مهزوزة لغاية ما رجله اتعثرت، ووقع على الأرض بقوة.
السكينة وقعت مني ، ختيت يدي ف خشمي من الصدمة ، عيوني وسعت للآخر ، و انا بعاين ليه وهو بنزف ، ما كنت قادرة أستوعب إن الدم الفي الأرض دا دم بني آدم، انا طعنته!.
حركته بدت تتقل ، عيونه بدت تزوغ وتنطفي.. لغاية ما جسمه انتفض و بعدها سكت تماماً.
في اللحظة ديك ، انكسر الصمت ده بصوت عمتي من برا وهي بتنادي.. يا عُناب.. مريم.. وين إنتو؟.
حاولت أصرخ، أقول ليها ما تدخلي يا عمتي ، بس حبالي الصوتية كأنها انقطعت ، أول ما عينها وقعت على فتحي الغرقان في دمه، فكت صرخة عالية ، وقبل ما تصل ليه وقعت من طولها..
الدنيا وقفت تماماً ، من هول المنظر ، بقيت أعاين ليدي الملوثة، لفتحي، و لعمتي ، و صوت جواي بصرخ “انتِ عملتيها.. قتلتيه يا مريم!”.
طلعت من المطبخ للحوش وأنا برجع لورا بقع وبقوم ، وبجر توبي الكان لسه مربوط في نصي.
فجأة.. سمعت صوت الباب بفتح و ناس بتنادي .. يا ناس خالتو بدرية! الحاصل عليكم شنو؟ بتصرخوا كدة مالكم؟.
كانوا بنات الجيران ، أول ما عيونهم وقعت علي، وشهم اتغير من شكلي، سألوني بفضول وخوف مريم! في شنو؟ الحاصل شنو؟ ، ما قدرت أتكلم ، بس أشرت ليهم بيدي البترجف لجوا البيت ، وبمجرد ما دخلو.. الصوت الفي راسي رجع يصرخ.. “إنتِ مجرمة.. قاتلة.. ح تتمسكي اهربي! اهربي!..
من غير تفكير، ومن غير ما أشوف قدامي، فتحت باب الشارع ، و قبل ما أتجاوز العتبة ، سمعت صرخة هيستيريا طلعت من جوا.
جريت بكل طاقتي ، ما كنت عارفة أنا ماشة وين؟ ، ولا الشوارع دي ح توديني لوين؟ ، بس كنت عايزة ابعد من المكان دا…
رواية جريمة إلى المجهول الفصل الثالث 3 - بقلم زارا
عُناب…
لما مريم اتصلت لي ، كنت ياداب و صلت مكان القهوة وكان المفترض أرجع البيت بسرعة مجرد ما هي اتصلت علي ، لأني عارفاها بتخاف من فتحي وما بترتاح ليه ، بس قلت اقعد شوية عشان ما يتضايق مني.
قعدت مسافة و اتصلت عليها قلت اشوفها..
الجرس رنّ لغاية ما فصل ، رجعت اتصلت ليها تاني و تالت من غير رد.
قمت ع حيلي وقلت لي علي.. وصلني البيت بسرعة ، قلبي اكلني عليها ، بقيت أقول معقولة تكون نامت؟ ولا تلفونها صامت؟ ، القلق بدأ يتسرب جواي ، لدرجة بقيت أستعجله في الطريق بكل جوارحي.
أول ما العربية ما قربت بشارع بيتنا ، شفت الناس جارية في الشارع برعب حقيقي ، علي بقى يقول لي في شنو الناس دي جارية كدا مالا؟ ، قلت ليه ما عارفة و الله!.
الشارع الكان هادي قبل ساعات ، بقى مليان ناس ، فجأة جاتني أصوات صراخ عالية ، نزلت بسرعة لقيت مرا ف الشارع سألتها في شنو؟ ، ردت لي بسرعة وهي جارية.. فتحي ولد حاجة بدرية مات!.
مجرد ما قالت كدا بس فكيت صرخة عالية ، بقيت جارية و انا ما مستوعبة؟ ، و علي جااري وراي ما فاهم الحاصل.
مجرد ما وصلت لفت البيت ، دمي اتجمد في عروقي ، رجلي بقت ما شايلاني ، النسوان بصرخوا بصوت عالي والرجال بتشهدوا ، و مانعين الناس من الدخول ، بقيت أصرخ فيهم في شنو ؟ ، فتحي القتلو شنو؟.
ماف زول رد علي ، دفعتهم بيدي و دخلت جوا بخوف وقلب مقبوض.. أول ما وصلت باب المطبخ، شفت المنظر المستحيل انساه لغاية ما أموت..
فتحي.. ممدد في الأرض وسط بركة من الدم ، وعيونه شبه مفتوحة ، و عمتي واقعة جنبه شاحبة و ما بتتحرك صرخت صرخة هزت أركان البيت ، و الدنيا لفت بي ،
تاني ما وعيت بحاجة..
ما عارفة كم مرّ من الزمن ، صحيت ولقيت بنات جيرانا واقفين جمبي.. و شايفة رجلين لابسين أبيض داخلين بسرعة ، شايلين نقالة ، حاولت أرفع راسي بصعوبة ، الصورة رجعت لي المطبخ.. الدم.. فتحي.. عمتي..
قمت و أنا مترنحة ، لقيت فايز خاتي يدو في رأسه ودموعو بتنزل ، ما فاهم حاجة.
واحد منهم نزل جنب فتحي ، عاين ليه ثواني.. وبعدها الزول دا متوفي.
ما وقفوا كتير.. اتجهوا لعمتي مباشرة ، شالوها بسرعة وطلعوا بيها ، فايز جرى وراهم بدون ما يلتفت.
اتذكرت مريم!
بقيت أصرخ فيهم.. مرييييم! مريم وين ما شفتوها؟!
واحدة من بنات الجيران ردت لي وهي بتبكي .. نحن شفناها لما دخلنا ، وبعدها اختفت!.
قلت ليها.. اختفت كيف يعني؟! ، قالو لي.. والله تاني ما شفناها!.
جريت ناحية الغرف ، و رجعت المطبخ تاني ، هنا ياداب انتبهت لشكل المكان ، المطبخ كان جايط شديد ، السلطة مكشحة و التربيزة مزحزحة من مكانها ، و السكين واقع في الأرض ، المكان كان بحكي مصارعة حصلت ، رجعت لورا و أنا مصدومة ، و كمية من الأفكار بدت تضرب راسي..
ما مرت دقائق ، إلا و سمعت صوت الناس بتقول الشرطة جات..
دخلوا بسرعة.. بقوا يطلعوا الناس برا ، ف ثواني فضوا المكان.
الضابط دخل المطبخ بحذر ، و وقف يعاين للجثة و للفوضى الحاصلة.
بعدها طلع و سألنا.. منو أول زول دخل و اكتشف الحادثة دي ؟ ، بنات الجيران ردوا ليه بخوف..
نحن!.. نحن سمعنا الصراخ ، ولما دخلنا ، ما لقينا زول غير مريم.
قال ليهم.. وين مريم دي؟ ، قالو ليه اختفت..
سألهم بإستغراب.. كيف يعني اختفت؟.
قالوا… والله ما عارفين ، كانت مرعوبة و ملطخة بالدم بس أشرت لينا لجوا ، نحن ما ركزنا معاها من الخلعة ، وبعدها ما ظهرت تاني.
التفت علي و سألني.. إنتِ بتقربي ليهم شنو؟ ووين كنتي وقت الحادثة ؟.
قلت ليه و انا ببكي.. المتوفي دا ولد عمتي ، كنت برا البيت ، و لما جيت لقيت الناس متجمعة.
سجل كلامنا بسرعة ، و التفت لواحد من العساكر..
قال ليهم.. اقفلوا المكان كويس ، ومافي زول يدخل.
بعدها قال بحسم.. دي جريمة قتل! ، ومن شكل المكان واضح انه كان في عِراك هنا.
في نفس الوقت ، دخل واحد من العساكر ، وبقى يأشر على الحاجات القريبة.. في سكين هنا.. و تلفون.. وشبشب.. و فردة حلق.
الضابط قال ليه.. صورو كل حاجة ، وبعدها جهزوا الجثة للنقل.
في اللحظة دي دخل أبوي مخلوع ، و لسانه حاله بقول الحاصل شنو؟! ، مجرد ما شفته جريت عليه و أنا ببكي.. يا أبوي.. فتحي مات.. وعمتي وقعت.. ومريم اختفت!.
وقف مكانه مصدوم.. مريم اختفت؟!
الضابط قرب منه وقال ليه..
دي جريمة قتل ، و من أقوالهم ، مريم دي كانت آخر زول موجود هنا و حاليا مختفية.
سكت لحظة وقال.. لازم نلقاها.. فوراً!.
_____________
مريم…
ما كنت شايفة قدامي.. بس كنت بجري.
نَفسي متقطع ، دموعي نازلة بدون توقف ، و صدري واجعني كأنو في حاجة ضاغطة على ضلوعي ، كنت بحاول أمسح الدم من يدي بكل قوتي ، و كأني بقدر أمسح الحصل كله ، أو كأني بقدر أرجع الزمن لورا ثواني بس.. قبل ما السكين تنزل على رقبته.
دخلت شارع ، و بعده شارع تاني ، ما كنت عارفة أنا وين و لا كنت سامعة حاجة حولي ، غير صوت خطواتي.
فجأة البيوت بقت غريبة، والوجوه أغرب، وكأن المدينة كلها بقت تطاردني.
في ناس وقفوا يتفرجوا علي بذهول ، واحدة قالت لي بخوف.. بسم الله الساكيكِ منو يابت؟! . لكن ما رديت.. بس فضلت جارية..
واحد تاني حاول يقرب مني ويسألني.. مالك يا بت الناس؟! ، زحيت منه وكملت جري وكأنه ماك الموت عايز يقبض روحي.
كنت كل ما أبعد.. بحس كأني لسه في نفس المكان، لسه في المطبخ، لسه شايفة عيون فتحي وهي بتنطفي.
الضلام بدا يزيد اكتر وأكتر ، مرت ساعات وانا بجري لغاية ما لقيت نفسي بدخل في شوارع فاضية وزقاقات موحشة وكأنها ممرات تحت الأرض ، الحيط كانت بتضيق على ، الرعب سكن قلبي و انا شايفة خيالات و أشكال ما طبيعية.
في واحدة من الزقاقات الضيقة دي ، ظهر لي راجل فجأة من العدم وقف قدامي ملامحه ما كانت باينة بس عيونه كانت بتلمع بنفس نظرة فتحي و بنظرة مليانة خبث قال لي…
على وين يا عسل؟ اتفضلي.. البيت بيتك!.
من غير ما أشعر لقيت نفسي بصرخ و بدفعه بيدي
بكل قوتي ، بقيت اجري بهيستريا ، وانا بلهث و بتلفت وراي لغاية ما الزقاقات دي اختفت فجأة و لقيت نفسي في شارع رئيسي ، و قدامي ظلط كبير.
قطعت الظلط بمخاطرة كبيرة ، لدرجة العربات كانت بتضرب بوري في وشي ، ما وقفت جري لغاية ما دخلت في حي راقي.
كان عبارة عن شوارع واسعة، شجر عالي، وبيوت كبيرة وكأنها مهجورة.
هنا.. نفسي بدأ يبقى تقيل ، وكأن الهوا في المنطقة دي انعدم ، بقيت أجري بشكل بطيء.. لغاية ما بقيت أمشي وأنا مترنحة ، بحاول أثبت نفسي ، وأنا حاسة بدوار رهيب في راسي ، لقيت مصطبة قعدت فيها.
بس الصمت في الحي ده كان مرعب أكتر من صراخ الزقاقات الدخلت فيها ، صمت خلاني اسمع الصوت الكنت بهرب منه رجع يصرخ في راسي…
إنتِ عملتي شنو؟.. قتلتي يا مريم!.
رفعت يدي و بقيت أعاين ليها برعب حقيقي و كأني أول مرة أشوف يدي دي! ، همست لنفسي.. أنا قتلت! بس عمتي!.. لا مستحيل!..
مسكت راسي و بقيت أبكي بحرقة شديدة ، و بصراخ مكتوم ، فضلت منزلة راسي على ركبي لمسافة من الزمن ، قلبي بنزف بوجع ما ليه نهاية.. كنت وحيدة، ومجرمة، وضايعة في عالم ما بشبهني.
وسط ما كنت منزلة راسي وببكي ، فجأة… سمعت صوت عربية جاية ، ماكان عندي حيل اقوم أجرى..
و لا حاولت ارفع راسي ، بس حسيت بنور الكشافات بتكشف علي ، غمضت عيوني برعب.
العربية وقفت قصادي.. استسلمت ف مكاني و انا بقول في سري..
البوليس جا يمسكني ، بقيت أبكي و أتنهد.
ثوان والباب اتفتح واتقفل ، وخطوات كعب عالي بدت تقرب مني.. رفعت راسي وأنا بمسح دموعي بيدي.
جات وقفت قدامي بنت في أواخر العشرينات..
كانت جميلة ومتأنقة ، لابسة فستان ضيق على جسمها فاكة شعرها ، و ريحة عطرها كانت واضحة وقوية.
كنت بعاين ليه وأنا ساكته..
قالت لي بصوت ناعم…
— يا بت ، إنتِ كويسة؟.. ما قدرت أتكلم ، بس دموعي نزلت أكتر.
قعدت جنبي في المصطبة ، عاينت لشكلي المبهدل ، و لرجولي الحافية.
سألتني للمرة التانية..
— يا بت الناس ، مالك؟ الحاصل عليك شنو؟.
لساني كان مربوط ، والكلام ميت في حلقي..
قالت لي.. طيب
— أهلك وين؟ في زول عمل ليك حاجة؟ ردي علي يا بت..
كنت بس ببكي وبشهق ، ما قادرة أطلع حرف واحد.
فجأة.. الصمت دا اتكسر بصوت عربية بوكس جان مارة جمبنا وفيها شباب..
أول ما شافونا، خففوا السرعة ، وبقوا يعاينو لينا بشكل ما مريح..
واحد منهم قال بصوت عالي.. مالا دي؟
التاني ضحك وقال.. شكلها تعبانة ، ومنتهية.
رجع تاني قال.. تعالوا اركبوا نوصلكم!!.
جسمي كله اتجمد ، خوفت وبكيت أكتر ، بس البت عاينت ليهم بنظرة حادة لغاية ما مشوا..
وقفت على حيلها، وقالت لي بنبرة جادة..
— شايفة؟.. دي أول معاكسة ، والأشكال دي ما بترحم بت زيك.
سكتت لحظة.. وبعدين قالت لي..
— يا بت.. الدنيا ليل لو ما عندك مكان تمشيه ، تعالي معاي ، الشارع دا ما مكانك!.
قلبي كان بدق بسرعة وخوفي بقى أكبر ، عاينت ليها بتردد ، وقلت ف نفسي…
كيف ح أقضي الليل ف الشارع؟، وعيون الناس ما بترحم؟ ، ما قلت ليها حاجة، بس قمت و مشيت وراها.
من غير ما أعرف عنها أي حاجة ، بس كنت عايزة أهرب من الشارع ومن نفسي.
ساعة كاملة مرت ، ونحن ماشين ، والبيوت بتمر من حولنا زي الأشباح ، لغاية ما دخلنا حي هادي لدرجة تخوّف ، شوارعه واسعة ومُوحشة.
وقفت قدام بيت من طابقين ، نزلت وفتحت لي الباب.. كنت خايفة أنزل معاها ، بس ما بيدي حيلة ، كانت أرحم لي من الحقيقة الهربت منها
مشيت وراها وأنا بجر توبي ، وبتلفت وراي بخوف ،
أول ما ما دخلنا البيت ، لقيت مرا كبيرة ملامحها حادة زي السكين ، ومعاها بت تانية سمراء في العشرينات ، كانوا قاعدين في الحوش ، البت سلمت عليهم وانا فضلت واقفة.
ما سألوني مالك؟ بس فضلوا يعاينوا لي لفترة طويلة و بذهول ممزوج ببرود غريب ، عيونهم كانت بتمسح في شكلي وكأنهم بقروا قصة حياتي في ثانية.
حسيت بعدم ارتياح من عيونهم ، بس البت المعاي أشرت لي بيدها عشان أمشي وراها.
كان في سلم خارجي “حديدي” بودي للطابق الفوق..
طلعت وراها ، مجرد ما دخلنا الشقة لمحت بت تانية قاعدة في الكنبة ، بتتكلم في التلفون وبتضحك بصوت عالي.. حسيت ضحكتها جرحتني! ، كيف في زول بقدر يضحك والدنيا حوالي ماتت؟.
ما ركزت معاي كتير ، وأنا كمان ما كان فيني حيل أعاين لزول.
البت فتحت باب غرفة ع طرف ، ودخلتني.. الغرفة كانت مرتبة و فيها سريرين ، ألوانها صارخة وبتختلف تماماً عن بساطة بيتنا.
جابت لي شبشب ، و طلعت لي ملابس ، قالت لي..
دا الحمام ادخلي رتبي نفسك ، و طلعت قفلت الباب وراها.
فضلت واقفة مكاني.. ما قادرة أتحرك خطوة واحدة ناحية الحمام ، قعدت في طرف السرير، ونزلت راسي بين يديني.
سرحت هنااك.. في المطبخ، شايفة فتحي وعمتي واقعين ، تاني بقيت أبكي بحرقة.
بعد مسافة، الباب اتفتح ، دخلت ومعاها صينية أكل وكباية موية ، ختتهم في التربيزة ، و عاينت لي بإستغراب ، لأني لسه بمنظري داك ، بس ما اتكلمت خلتني وطلعت.
فضلت قاعدة مكاني ، الساعات بتمر وأنا ما حاسة بيها. بقيت أقول لنفسي بصمت..
و الله أنا ما كان قصدي اقتلو! ، بس عايزة يبعد مني!
عمتي!.. ياربي عمتي ماتت؟ ولا لسه حية؟.. يعني أنا بقيت مجرمة خلاص؟.
فضلت على الحالة دي لغاية ما الصباح جاء ، انتبهت على صوت الباب بفتح ، دخلت البت وهي مخلوعة، وقفت قدامي وهي بتعاين لي بصدمة..
سجمي! إنتِ من أمس قاعدة كدا؟ ، لا غيرتي.. لا أكلتي.. لا شربتي.. و لا حتى نمتي؟! إنتِ عايزة تموتي روحك ولا شنو؟!.
رفعت ليها راسي بصعوبة ، عاينت للصينية كانت زي ما هي.
مسكتني من يدي بقوة خلتني أقوم غصباً عني ، وجرتني ناحية الحمام وهي بتقول لي.. كفاية بكا عليك الله.
دخلتني وقفلت الباب وراي ، ما قدرت أوقف قدام المراية ، كنت خايفة من نفسي ، خايفة أشوف مريم القاتلة!.
فتحت فيني موية ، و بقيت اغسل نفسي بغِل ، بس كنت شامة ريحة الدم لسه بتطاردني ف خيالي.
طلعت بعد مسافة، لقيتها منتظراني وفي يدها كباية شاي، أشرت لي أقعد ، و بدت تتكلم معاي…
— أنا ما عارفة الحصل ليكِ شنو؟ ، ولا عايزة أضغط عليك.. بس البكا عمره ما حلّ مشكله.
احكي
لي!.. ممكن أقدر أساعدك ، وإنتِ هنا في أمان، ماف زول بعرفك ولا في زول ح يسألك.
الكلمة خنقتني.. أمان؟ كيف في أمان وأنا شلت روح بني آدم؟ أقول ليها شنو؟ أقول ليها أنا البنت الكانت بتخاف من ضلها ،و في الآخر القتلت ود عمتها و خلت أمه تقع من طولها وتهرب.
عاينت ليها، كنت عايزة أصرخ أقول ليها.. أنا قتلت! بس قبل ما أنطقها ، الصوت الفي راسي خلاني أسكت “لو عرفت إنك قاتلة، ح تجيب ليكِ البوليس فوراً”.
سكتت ودفنت راسي بين يديني ، والغموض بقى يلف الغرفة زي الضباب ، وأنا ما عارفة.. هل أنا في مخبأ؟ ولا في فخ جديد؟!.
_____________
أواب…..
كلمة “بحبك” الطلعت منها في العربية دي ،أجمل معزوفة سمعتها في حياتي ، في اللحظة ديك، لما رمت نفسها في حضني بعفوية و خوف غلب خجلها، حسيت إني امتلكت الدنيا وما فيها ، وأنه خلاص ماف شيء ناقصني تاني.
كنت حاسي بروح تانية ، روح خفيفة طايرة في السما، ولأول مرة في حياتي أحس إني عايز أعمل حاجة جادة، حاجة تربطني بمريم للأبد.
فضلت الليل كله وأنا سارح في خيالها، ببتسم زي المجنون وأنا بفتكر ملامحها وهي بتقول الكلمة ديك برجفة خلت قلبي يذوب.
تاني يوم.. وأنا بشرب في شاي الصباح مع أمي ، حسيت إن السر بقى أكبر من إني أخفيه ، عاينت ليها وقلت بدون مقدمات ، وبصوت مليان حزم..
— يا أمي.. أنا عايز أخطب مريم.
رفعت لي راسها بإستغراب ، وختت كباية الشاي وهي بتعاين لي بتفحص..
— جبت القرار المفاجئ ده من وين يا أواب؟.
رديت ليها وأنا بحاول أداري خجلي الفضحني ، بس عيوني كانت بتلمع بصدق.. أنا بحبها يا أمي.. وعايزها تكون معاي.
ابتسامة حنينة اترسمت على وش أمي ، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
قالت لي بصوت هادي..والله يا ولدي أنا من زمان اتمنيتها تكون من نصيبك ، وكنت عايزة أفتح ليك الموضوع ده بس قلت لغاية ما تتخرج.
في اللحظة ديك ، حسيت براحة غريبة، كأنو الموضوع انتهى قبل ما يبدأ، وكأنو الأبواب كلها اتفتحت لينا.
بس ما كنت عارف إن الأقدار داسه لينا ، فاجعة ح تدمر كل أحلامي البنيتها ، وإنو السعادة الكنت حاسي بيها دي ، هي آخر لحظات الأمان قبل ما نغرق في بحر من الدم والضياع.
حاولت أتصل ليها بالليل ، بس لقيت تلفونها قافل. ابتسمت و قلت في سرّي.. أكيد لسه خجلانة من الحضن الحضنتني ليه في العربية ، رسلت ليها كم رسالة حب ، و نمت بحلم بيوم خطوبتنا.
تاني يوم.. نفس الحال ، تلفونها قافل ، قلقت عليها شوية ، بس لما سألت عائشة طمنتني إنها كويسة ومع عُناب في بيت المناسبة.
ارتحت و ضحكت من قلبي على خجلها وبراءتها البتخليها تختفي بالأيام عشان “لحظة حب” صادقة.
في نفس اليوم ، أبو صاحبي اتوفى ، وانشغلت مع العزا والشباب والواجب ، في تالت يوم و أنا في قمة انشغالي مع ناس العزاء ، فجأة تلفوني رنّ.. كانت هي! مريم!..
قلبي دقّ، بس الجوطة الحولي كانت ما بتسمح لي.. رديت ليها بسرعة ، مريم أنا مشغول شديد برجع ليك بعدين ، قفلت الخط بسرعة. ما كنت عارف إني بقفل الخط في وش آخر مكالمة لينا.
لما فضيت قريب للمغرب ، رجعت اتصلت ليها.. ما ردت. كررت الاتصال مرة واتنين ، ونفس السكون المستفز. افتكرتها زعلت من قفلة الخط، رسلت ليها رسائل اعتذار كتيرة ، يا مريم والله كان غصباً عني.. معليش ردي علي كنت منتظر ردها بفارغ الصبر.
رجعت البيت بعد العشاء، أول ما فتحت الباب، لقيت أمي و أريج، قاعدين وشوشهم مخطوفة ، سألتهم..
— مالكم يا جماعة؟ في شنو؟.
أمي عاينت لي بصوت مكسور.. فتحي.. ولد أخت عبد الرحمن ، لقوه مقتول في البيت ، وأمه بدرية دخلت في غيبوبة شالوها بالإسعاف.
وقفت مكاني مشدوه.. فتحي؟ القتله منو؟ وبأي سبب؟!.
أول حاجة فكرت فيها هي مريم! ، مريم كانت معاهم ، ياربي هي كويسة؟ لازم أعرف منها الحاصل شنو؟. ضربت ليها.. ما ردت.
ضربت لعائشة.. ردت لي من أول رنة وهي بتبكي بصوت يقطع القلب ، سألتها بجنون..
عائشة! في شنو؟ مريم وين؟ ، قالت لي من وسط دموعها كلمة خلت الدنيا تضلم في عيوني لثواني..
مريم مفقودة يا أواب.. مريم ما لاقينها!.
الكلمة دي خلتني مشوش لثواني..
— مفقودة؟
عائشة كانت لسه بتبكي وتتكلم.. بس أنا.. ما كنت سامع.. غير كلمة مفقودة!.
قلبي بدا يدق بطريقة غريبة.. سريعة.. و موجعة..
عقلي حاول يشتغل ..
فتحي مات.. ومريم.. اختفت؟
كيف يعني؟!..
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أركّز مع عائشة ، لكن ما قدرت أفهم ولا كلمة زيادة ، وبعدها قفلت..
قعدت في مكاني كم ثانية، ساكت وتايه..
فجأة.. جاتني صورة في راسي.. فتحي نفسه!
اتذكرت كلامها ، ضيقها منو ، خوفها من نظراتو لما كان بجيهم للطريقة البتتغير بيها لما اسمو ينذكر.
قلبي قبض زيادة.
وقفت فجأة و قلت بصوت عالي.. لا مُستحيل.
طلعت من البيت شبه جاري ، و أنا بردد..
لازم أمشي.. لازم أعرف.
وصلت بيت عمتها ، لقيتو مليان ناس ، رجال و نسوان أصوات همس وبكاء مخلوطة ببعض ، نزلت من العربية وقلبي بدق بعنف.
قعدت جمب أقرب جماعة لاقتني عشان اعرف الحاصل
بدوا يتكلموا بهمس..
طيب هربت ليه؟.. بتكون هي القتلته!..
في حاجة غلط؟.. ما معقولة تختفي ساي!..
الكلام كان بقع في قلبي زي الرصاص.. من غير أحس قلت ليهم. مريم ما بتعمل كدا، اوعكم تتكلموا فيها!
قلتها وأنا ضاغط على أسناني ، الناس بدت تلتفت علي بإستغراب و دهشة، بس نظراتهم ما كلمت مصدقة.
في اللحظة ديك.. عرفت إني الوحيد البصدقها ، حتى لو الدنيا كلها قالت إنها مذنبة ، و الوحيد الممكن يلقاها.
طلعت بسرعة.. و انا بردد لازم القاكِ يا مريم ، لو ما لقيتك أنا بضيع وراكِ…
رواية جريمة إلى المجهول الفصل الرابع 4 - بقلم زارا
طلعت وأنا مشوش ما شايف قدامي ، بس عارف إني ما بقدر أقعد ، ركبت العربية بسرعة ، اتحركت بدون خطة معينة ، بديت افتش في الطرق الرئيسية و الأماكن القريبة من بيتهم و اسأل أي زول واقف.. يا جماعة شفتوا بت بالشكل دا؟ ، بس الليل كان صعب و الناس قليلة ، و الردود كلها كانت زي بعض..
لا والله
لا ما شفنا حاجة!.
كل مرة أرجع أركب العربية، أحس صدري ضاق زيادة.. و اصرخ.. يا مريم إنتِ وين؟!
الليل بدا يتقل، و السكون بقى مزعج أكتر من الزحمة.
وقفت في نص شارع فاضي..
طفيت العربية ، وسندت راسي في الدركسون..
فجأة.. الصورة جاتني في راسي ، مريم وهي خايفة..
صوتها وهي بتقول لي.. أنا ما برتاح ليه!.
فتحت عيوني بسرعة وقلت بصوت واطي..
لا.. لا.. مستحيل أسيبك كدا.
دورت العربية تاني ، وواصلت لف ، من شارع لشارع..
من حي لحي ، بدون اتجاه و وعي.
لغاية م السما بدت تفتح لونها شوية ، والأذان الأول أذن من بعيد، كنت مرهق شديد ، و عيوني محمرة ، بس ما كان في حاجة جواي مستعدة توقف.
رفعت راسي و بديت اعاين حولي ، الدنيا بدت تفتح ، و المحلات ، بقيت أشوف الناس طالعين بدري لاشغالهم. قلت.. يمكن شافوها.
مشيت ناحية كشك صغير فاتح في الظلط.. قربت منه و سألته بلهفة..
— يا عم ، بالله عليك ، شفت بت بالوصف دا؟.
الراجل عاين لي مسافة ، وبعدين ضيق عيونو كأنه بحاول يتذكر ، قال لي..
والله امس بالليل شفت بت باواصفك دي ، لكن ما متأكد..
قلبي دق بقوة ، قلت ليه شفتها وين يا عم وريني؟
في شارع بيتنا كنت جاي على المحل ، كانت جارية بسرعة شديدة ، حفيانة و شكلها ما طبيعي و بتتلفت وراها كأنه في زول ساكيها.
بلعت ريقي بصعوبة وقلت ليه.. أنت متأكد يا عم ؟ ومشت على وين؟.
هز راسو و قال..
والله ما قدرت ادقق فيها كتير مع الليل ، بس حاولت اناديها ما وقفت ، جرت تجاه الظلط ، حتى انتظرت مسافة لو في زول جاري وراها.
ما استنيت منه كلمة زيادة ، ركبت العربية و مشيت مسافة بالاتجاه الوصفه لي ، وقفت في الظلط ، لقيت ست شاي جمبها ناس فاتحين مغلق.
سألتهم باوصافها ، في ولد شااب قال لي..
والله في بت جات أمس جارية بسرعة ، حتى قطعت الظلط والعربات ماشه لدرجة كانو بضربوا ليها بوري.
كأنها ما واعية ، قلبي دقة بقوة و قلت ليه.. عليك الله وريني مشت في أي اتجاه؟.
أشار لي بيده..
دخلت من الشارع داك ، ناحية الأحياء الكبيرة دي.
حسيت إني بقرب منها اكتر ، جريت وانا بلهث..
وريني حصل ليك شنو إنتِ يا مريم؟.
دخلت الحي بهدوء غريب ، الشوارع كانت واسعة ونضيفة زيادة عن اللازم ، الأشجار واقفة في صفوف والبيوت كانت كبيرة و صامتة ، صمت يخوّف.
خففت السرعة و بقيت أسوق على مهل ، وانا بمسح في كل بيت و زاوية ، نزلت و بقيت ماشي على رجلي، و كأني حاسي إنها كانت هنا.. قريبة.
لقيت راجل كبير واقف قدام بيت ، ماسك خرطوش موية وبسقي الشجر ، قربت منه و سألته بلهفة..
يا عم.. ما شفت بت لابسة توب كانت جارية ، في المنطقة دي بالليل؟..
قال لي.. لا والله يا ولدي! ، ما شفتها.
شكرته و بقيت ماشي ، صادفت راجل تاني و تالت ، ومرا طالعة من بيتها ، و ولد شاب ، كلهم ردهم كان واحد.. “لا، ما شفنا”. حسيت بخيبة امل كبيرة ، و كأن الأرض انشقت وبلعتها قبلي ما ألقاها.
في اللحظة الفقدت فيها الأمل وبديت أيأس، لمحت راجل كبير في السن، باين عليه حارس مبنى جديد.
كان قاعد في كرسي وبراقب الماشي والجاي.
مشيت ليه بلهفة و بديت اوصف فيها.
سكت مسافة، وبقى يعاين لي بتدقيق ، و قال لي.. شفت بت زيها ، جات بي هنا بالليل، كانت ماشة وبتترنح زي الزول التعبان.
قلت ليه.. انت متأكد ياحاج؟ متأكد إنها هي؟.
والله يا ولدي متأكد ، حتى قلت يمكن مريضة ولا في زول عمل ليها حاجة..
حسيت دموعي بدت ترقرق من القهر ، قلت ليه..
طيب ما حاولت تتكلم معاها؟ ما وقفتها و سألتها؟ .
ردّ لي ببرود.. أنا زول مسكين وما بدخل نفسي في مشاكل ، الشارع ده بشوف فيه الهاربة والضايعة ، و البايعة نفسها؟ ح أوقف منو ولا منو؟.
أول ما قال كدا دموعي نزلت تماماً ، رديت ليه بحزن.. مريم يا حاج ما بتشبه زول! مريم أطهر من إنك تشبهها بالبتشوفهم!.
الوجع خنق صوتي ، مشيت منه وانا بعاين لكل زاوية ، أمكن تكون قعدت فيها ، أو أي مصطبة ، بس الهدوء تاني رجع لفّ الحي.
وقفت ف نص الشارع ، التفتت حوالي وانا بقول مريم!
مافي رد غير الصمت ، مرّت لحظات طويلة خانقة..
قلت بصوت مكسور..
كنتِ قريبة شديد ، بس م ح تختفي مني يا مريم ، ح القاكِ.
____________
عُناب…
تاني يوم البيت ما كان زي امس.. الزحمة خفّت ، لكن الوجع لسه مالي المكان ، و الصمت تقيل مليان توتر.
ناس طلعت من الصباح بدري تفتش على مريم! ، عم عبدالرحمن من عرف بته مفقودة ، طلع بالليل يفتشها وتاني ما رجع.
من جهة تانية عمتي كانت بين الحياة والموت ، جاتها جلطة بسبب ارتفاع صغطها من الصدمة ، كانوا معاها فايز و عمي حسن ، و هيفاء بتها الما لحقت تتهني بفرحتها ، جات و قلبها مقطوع منتظرين منها، أي خبر أي حركة بسيطة..
نحن كنا قاعدين في البيت ، لا قادرين نعمل حاجة ، ولا في زول فينا قادر يفتح موضوع ، ولا حتى يسأل.
كل حاجة حصلت بسرعة ، أكبر من إننا نستوعبها.
كل شوية عيني تمشي ناحية باب المطبخ ، و هو مقفول بشريط الشرطة ، المكان البقينا خايفين حتى نقرب عليه.
أبوي كان قاعد في الركن ، و عيونو بتلف في المكان كأنو بفتش على إجابة ما موجودة.
كنت حاسة إنو البيت كلو واقف على سؤال واحد..
مريم وين؟.. و كيف دا حصل؟!
الشرطة جات للمرة التانية ، و المرة دي دخلوا بهدوء مختلف من أمس.
الضابط دخل ومعاه العساكر ، و قال بنبرة جادة..
نحن جينا نكمل التحقيق ، ونعرف الحصل بالضبط.
حاليا الجثة اتنقلت امبارح للمشرحة ، وح ننتظر تقرير الطبيب عشان
نحدد السبب الدقيق للوفاة.
لكن في حاجة أهم هسي… مريم.
حسب الأقوال ، كانت آخر زول موجود في البيت وقت الحادثة ، وبعدها اختفت.
سكت لحظة ، وبعدها قال .. عممنا اسمها وأوصافها على باقي الأقسام ، وأي معلومة عنها مهمة.
الكلمة دي خلت صدري يضيق أكتر.
الضابط جاء سألني.. انتِ عُناب صاح؟
قلت ليه ااي.. بدا يسألني بس المرة دي ، الأسئلة كانت أدق.
احكي لي يوم الحادثة من الصباح؟ لغاية وقت حدوثها مريم كانت طبيعية ولا غريبة؟ ، المرحوم كان موجود؟ ، وعمتك كانت وين؟، وانتي طلعتي وين بالضبط؟،و هل كانت في مشاكل بينها و بين المرحوم؟.
سكتّ لحظة..
الكلام وقف في حلقي ،الضابط ركّز عيونو علي
حكيت ليه كل حاجة وأنه فتحي كان مسافر ، بس كذبت عليه اني مشيت الظلط ، و ما جبت سيرة اني طلعت اقابل.
سألني اتواصلتِ معاها بعد ما طلعتي؟، اتذكرت صوتها وهي خايفة بتقول لي تعالي يا عُناب..
قلبي دق بسرعة ، خوفت يرمو اللوم علي، قلت ليه لأ.
سكت لحظة و عيونو ما فارقني ، متأكدة؟
بلعت ريقي بصعوبة ، و قلت ايوة.
ردّ بدون ما يبعد عيونو مني.. ح نراجع تلفونها ونعرف آخر مكالمات ليها..
حسيت الأرض بتلف بي ، كأنو عارفني بكذب ، لكن حاولت أثبت ، ما اتكلمت.
الضابط سكت شوية ، و قال لي…
طيب!، لو اتذكرت أي تفصيلة، حتى لو صغيرة بلّغينا كلمته دي حسيتها كأنها تحذير.
بعدها استجوب باقي الناس ، و طلعوا خلو وراهم صمت أتقل من الأول.
__________________
مريم…
البت قعدت قدامي ، تعاين لي بهدوء غريب ، كأنها مستنية كلمة تطلع مني.
بس كنت ساكتة ، و ما قادرة أثبت عيني في وشها.
لما شافتني م عايزة اتكلم ، قالت لي بصوت أخف..
إنتِ ما مضطرة تحكي ، بس السكوت دا ح يكسرك.
الكلام لمس حاجة جواي ، لكن خوفي كان أكبر ، لو اتكلمت ، كل حاجة ح تنهار.
قلت ليها بصوت واطي يكاد يكون مسموع…
أنا كويسة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة ، ما فيها اقتناع ، بس الكلمة دي ما شبه حالك.
سكتت لحظة ، و بعدها قامت وقفت.. قالت لي.. طيب وقت ما حبيتي تحكي ، انا موجودة!.
ما كان عندي كلام ، و لا حتى قدرة أفكر.
وقفت عند الباب ، و قالت لي.. أنا اسمي رنا! ، وأنتِ اسمك منو؟ ، بلعت ريقي وقلت ليها بصوت واطي اسمي مروة! ، عاينت لي مسافة وقالت لي تمام يا مروة! طلعت وقفلت الباب بهدوء.
ما كنت حابة اقول اسمي الحقيقي لأني لسه ما حاسه بأمان ، فضلت قاعدة مكاني ، و.من غير ما أشعر شهقت بصوت عالي و قلت..
و الله ما كان قصدي اضربه..
بس فجأة حسيت كأنه في حركة برا ، خطوات خفيفة وقفت عند الباب.
قلبي دق ، رفعت عيوني ، وفضلت أركز.
ثواني مرت قلت يمكن بتخيل ، نزلت راسي تاني ، لكن بعدها مباشرة ، مقبض الباب اتحرك ببطىء ،اتجمدت مكاني.
تاني المقبض وقف ، بعدها سمعت ، صت صوت الخطوات بتبعد ، رجعت أتنفس تاني ، بس في إحساس غريب فضل معاي.
كأنو في زول كان واقف.. سامعني.
ضمّيت نفسي في السرير، وسحبت الملاية فوقي.
أول مرة أحس إنو السكوت دا ما بس خوف ، في حاجة تانية بتراقبني.
حاولت اغمض عيني ، لكن النوم ماجاني ، بقيت اعاين للسقف وافكر..
هسي الناس عرفت؟ ، ياربي الشرطة بتفتشني؟
أواب! حسّ بي شنو لما عرف؟ ، افتكرني هربت؟ولا صدق إني ، ما قدرت اكمل كلمة مجرمة!..
الوقت مرّ.. بطيء و تقيل ، لغاية ما الضوء برة الشباك اتغير ، والغرفة بقت مضلمة.
رقدت في السرير ، وشديت علي الملاية ، وكل شوية نفس السؤال يرجع لي..
بعدها الباب اتفتح بهدوء ، عرفتها من العطر وَ صوت الخطوات إنها رنا.
دخلت من غير ما تتكلم ، مشت مباشرة للحمام.
و طلعت ، وقفت لحظة حسّيت بيها بتعاين لي.
و بعدها مشت سريرها.
لحظات والباب بقى يضرب بصوت خفيف ، رنا قامت بسرعة و فتحت.
دخلت واحدة من البنات ما شفتها كويس ، قالت ليها البت دي نايمة؟، رنا ردت بهدوء.. ايوة ، قالت ليها.. عرفتي قصتها شنو؟
ردت ليها.. لا لسه ما عرفت م حكت لي.
قالت ليها.. ما يكون وراها مصيبة كمان؟ ، المهم أمجد منتظرك من قبيل.
رنا ردت بضيق ، جاء عايز شنو كمان؟
ح يكون عايز شنو مثلا؟، شكلت زعلان وسأل منك كتير
في اللحظة دي حسّيت الجو اتغير ، من اسم أمجد
حتى وأنا ما بعرفو ، حسّيت فيه حاجة غلط.
رنا قالت ببرود.. طيب نازلة..
طلعوا الاتنين و قفلو الباب.
فتحت عيوني ، وبقيت أعاين للسقف ، و اسأل نفسي أنا وين؟ ، و البنات ديل منو؟ ، وأمجد دا حكايته شنو؟..
_______________
أواب….
أثناء ما أنا بلف بالعربية في شارع جانبي ، لمحت زول ماشي ، بخطوات تقيلة وراسه بدور حول المكان ، قلبي وجعني لما عرفته.. عم عبد الرحمن.
وقفت العربية وجريت عليه..
يا عم عبد الرحمن! ، عاين لي كأنه ما عرفني في الأول.
بعدها قال لي بلهفة.. لقيتها يا أواب؟ ، شفتها ياولدي؟
خجلت أقول ليه إني ضيعت أثرها هنا ، و إنها كانت بالليل ف المنطقة دي.
قلت ليه.. لسه يا عمي ، بس والله ما بخليها.. أركب معاي أرتاح شوية.
رفض بشدة، حلف إنه ما برتاح إلا مريم ترجع للبيت. فارقته وأنا حاسي إني عاجز ، و اليأس بدا يتسرب لي مع غياب الشمس.
رجعت البيت وأنا جسم بلا روح ، أول ما دخلت ، أمي جات جارية علي بتبكي ، لقيتها يا أواب؟
هزيت ليها راسي ، و دخلت رميت نفسي في أقرب كنبة غمضت عيني وصورتها ما فارقت خيالي.
من جهة تلفوني ما سكت من الاتصالات، بس ما كان عندي طاقة أرد على زول.. لغاية ما نمت مكاني من كتر الإرهاق.
تاني يوم الصباح..
صحيت على صوت التلفون، كان رقم غريب.. رديت بصوت مبحوح.. عليكم السلام.. منو؟
معاك الملازم أول من قسم… الأخ أواب؟
قلبي انتفض و وقفت ع حيلي بسرعة ، رديت ايوة.. اتفضل!.
مطلوب حضورك للقسم ، للتحري في قضية اختفاء مريم ، ومقتل المرحوم فتحي.
قلت ليه بصدمة.. أنا!.. ليه؟
سجلات التلفون وضحت اتصالات كتيرة بينك وبين المفقودة يوم الحادثة وقبلها.. محتاجين نعرف علاقتك بيها شنو بالضبط؟ ، قفل الخط، وخلى الدنيا تدور بي.
وصلت القسم و أنا بحاول أجمع شتات نفسي ، مشيت ناحية مكتب التحري.
الضابط كان بعاين لي بتفحص ، وكأنه بحاول يلقى فيني ثغرة خت الورق قدامه
وقال لي ..
أقعد يا أواب.. علاقتك بالمفقودة شنو؟
بلعت ريقي وحاولت أكون طبيعي… ود جيرانهم يا سعادتك..
الضابط ابتسم ابتسامة باهتة ، و قال..
ود جيرانهم؟ بس المكالمات البينكم دي بتقول أكتر من كدة بكتير.. مكالمات يومية ، وفي أوقات متأخرة. الكلام ده معناه في علاقة تانية، صح؟
سكتّ مسافة ، و جمعت صوتي..
أيوة.. كنت ناوي أخطبها، وفي ارتباط بينا.
الضابط هز راسه وكأنه لقى الخيط البفتش عليه..
طيب.. يوم الحادثة، مريم اتصلت عليك الساعة ٤ تقريبا وتاني أنت رجعت اتصلت ليها قبل المغرب.. الوقت ده هو نفس الوقت التقريبي لوفاة المرحوم فتحي ، كنت عايز منها شنو داك؟ وهل ردت عليك؟
حسيت ببرودة في أطرافي ، اتذكرت صوت الجرس الطويل..قلت ليه.. ما ردت يا سعادتك ، اتصلت ليها لاني كنت مشغول و قلت ح أرجع ليها لما افضي ، بس الجرس كان بفصل من غير رد.
قال لي طيب كيف كانت علاقتها بالمرحوم؟، و هل كان في مشاكل بينهم؟
من غير ما افكر ، قلت ليه.. مريم كانت بتشتكي من مضايقات فتحي ليها.
الضابط أول ما سمع كلمة مضايقات ، ملامحه اتغيرت ضيق عيونه و قال يعني كان في عداوة بين مريم والمرحوم؟
حسيت ببرودة في جسمي ، وعرفت إني خربت الدنيا.
حاولت ألطف الجو بسرعة..
لا لا يا سعادتك، ما تقصد عداوة بالمعنى داك.. أنا قصدي إنه فتحي الله يرحمه كان تقيل شوية، ومريم حساسة زيادة عن اللازم ، بس مستحيل الحكاية توصل لدرجة إنها تفكر تأذيه، ناهيك عن إنها تقتله! مريم بتخاف من منظر الدم، كيف تقتل زول؟!.
الضابط ما ابتسم ولا اتفاعل معاي بالعكس ، بقى يعاين لي ببرود شديد..
تخاف من الدم؟ طيب الهروب دا بنسميه شنو؟ الزول البريء بمشي يبلغ ، ما بختفي ويخلي الناس تفتش عليه في الشوارع.
وبعدين يا أواب، كلامك عن المضايقات ده بخلينا نفتح ملف جديد.. هل فتحي حاول يعتدي عليها؟ هل كان في تهديد مباشر؟.
قلت ليه.. و الله يا سعادتك ما عارف مريم ما حكت لي تفاصيل.
سكت مسافة ، و مشى ناحية الشباك بعدها قال لي بصوت هادي ومرعب ..
طيب يا أواب.. قلت إنك كنت عايز تخطبها، يعني المفروض تكون أنت اكتر زول هي بتثق فيه ، لو مريم اتصلت بيك أو حاولت توصل ليك، وما بلغتني في وقتها.. حتعتبر شريك في التستر على متهمة، والكلام ده فيه سجن، فاهم؟
هزيت راسي وأنا حاسي بضيق في صدري. الضابط أشر للعسكري وقال ليه..
نادوا لي عُناب..
طلعت وأنا حاسي إني كنت في غرفة إعدام ما غرفة تحقيق ، من جهة ضميري بدأ يألمني اني غطست حجر مريم بدل ما أنقذها.
________________
عُناب…
من بعد ما الشرطة طلعت، أبوي ما اتحرك من مكانه.
كان قاعد ساكت… لكن عيونو علي أنا تحديداً، كأنو عارف في حاجة أنا مخبياها ، حاولت أتجنب نظراتو، لكن ما قدرت.
فجأة قال لي.. عُناب.. مريم كلمتك قبل الحصل؟
قلبي دق بقوة ، و لساني بقى تقيل.. قلت ليه بتردد.. أيوه اتصلت.
اتعدل في قعدتو و سألني قالت ليك شنو؟
اتذكرت المكالمة .. صوتها وهي مرعوبة.. تعالي بسرعة ، فتحي جا وأنا ما عايزة أقعد معاه براي.
لكن خوفي منعني اتكلم..
قلت ليه بسرعة.. بس قالت تعالي ، وما فهمت منها حاجة.
عيونو ضاقت.. ما فهمتي؟ ولا ما دايرة تقولي؟
دموعي نزلت.. والله يا أبوي كنت ح أرجع ، بس اتأخرت
صرح فيني بعصبية..التأخير دا ممكن يكون ضيّع كل حاجة!.
قلبي وجعني ،حسيت إني أنا السبب في الحصل.
بعدها تلفون أبوي رنّ.
ردّ و قال.. طيب ، نحن جايين.
قفل ، وعاين لي.. الشرطة دايرينك في القسم, عشان اقوالك.
ركبنا العربية أنا وأبوي كأننا غرباء ، تاني ما سألني، وأنا بقيت افكر أكيد الضابط عرف حاجة عني ، بس أقول الحقيقة؟.. ولا أسكت؟ ، خوفي كان أقوى.. لو قلت الحقيقة، ممكن يربطوا كل شيء بمريم.
مجرد ما دخلنا القسم ، شفت أواب جااي ، وشه شاحب وعيونو حمراء و شايل هم الدنيا ف رأسه.
كان عايز يتكلم معاي بس العسكري منعوا وامروا يطلع.
دخلت جوا لمكتب الضابط ملامحه اتغيرت تماماً اول ما شافني ، سحب كرسي وقعد قدامي مباشرة ، ربع يدينه ومال بضهره لورا ، فضل يعاين لي
مسافة وبعدها قال…
أواب قال إنو مريم كانت بتشتكي من المرحوم فتحي و في مضايقات بينهم.
رفع حاجبو و قال.. بس المضايقات دي عندنا في القانون ممكن تتحول لدافع.
حسيت بسرعة في ضربات قلبي.
قرب الكرسي شوية وقال.. يعني ببساطة في احتمال تكون في عداوة بينهم.
هزيت راسي بسرعة.. لا يا سعادتك ، ما عداوة بس هي كانت بتخاف منو شوية.
قاطعني بسرعة.. بتخاف منو؟ ليه؟
لساني اتربط ، قال لي.. خوف عادي؟ ولا في سبب يخليها تتوتر لما يكون موجود؟.
قلت ليه.. عشان بضايقها، بس ما في حاجة كبيرة.
سكت لحظة و قلب الصفحة قال لي.. خلينا نرجع ليكِ انتِ ، رفع عيونو فجأة علي ..
مريم اتصلت عليك قبل الحادثة ، قال ليكِ شنو؟
قالت لي تعالي بسرعة
قال لي.. دقيقة كاملة بتقول ليك تعالي بسرعة.. صح؟
ما رديت عليه ، قال لي ..طيب ليه كذبتِ وقلتي ما كان في اتصال بينكم؟
دموعي بدت تنزل ، قال لي بحدة.. خفتي لأنك عارفة إنو المكالمة دي مهمة ، وممكن تغيّر مسار القضية.
سكت لحظة وبعدها ضرب الطاولة و قال لي ما تبكي جوابي لي..
قلت ليه.. أنا ما عارفة كل دا حصل فجأة.
كلام أواب عن المضايقات ، و اتصالها ليكِ قبل الحادثة دا كلو برسم صورة واحدة ، انه حصلت مواجهة بينهم و اتطورت لحاجة أكبر.. بس إنتِ كان ممكن تمنعي كل دا.
فجأة انهرت وبقيت ابكي بشدة ، و احلف ليه إني ما كنت عارفة..
قاطعني بسرعة.. لا.. إنتِ كنتي عارفة إنها محتاجة ليك.
و حسب البيانات انتِ ما كنتِ في الظلط ، أنتِ كنتِ في مكان تاني ومع زول تاني ، زول مهم لدرجة تخلي اختك تضيع؟.
سكتت و ما قدرت أتكلم.
رفع عيونه وقال لي بوضوح.. شايفة يا عُناب ، إنتِ ما بس شاهدة ، إنتِ جزء من الصورة.
طلعت من المكتب ، وأنا حاسة الأرض ما شايلاني ، كلام الضابط خلاني احس اني السبب في موت فتحي ، مش مريم ، قلبي وجعني من احساس الذنب ، أتمنى بس لو الزمن يرجع ، و أصلح الغلط العملته.
لقيت ابوي بتكلم بالتلفون ، و هو بقول متين؟، طيب انا قريب جاي عليكم ، قفل الخط سكت لحظة والتفت علي قال لي عمتك صحت…
لقراءة الرواية كاملة اضغط على
:
(
رواية جريمة إلى المجهول الفصل الخامس 5 - بقلم زارا
طلعنا من القسم بسرعة ، الطريق كان طويل زيادة عن اللازم ، أو يمكن إحساسي هو الكان تقيل ، عقلي كان بفكر في كلام الضابط ، في إحساس الذنب الماعايز يسيبني.
وصلنا المستشفى ، نزلنا بسرعة ، قلبي كان بدق بطريقة مزعجة ، لمحتهم من بعيد ، فايز واقف ، ماشي جاي..
عمي حسن قاعد على الكرسي ، راسو بين يديه..
و هيفاء.. كانت واقفة ، أول ما شافتنا جرت علينا..
مسكتني بقوة ، ومن غير مقدمات ، انفجرت في البكاء.
عُناب…!
ضميتها علي بس جسمي كان متخشب ، ما عارفة اواسيها و لا اواسي نفسي .
قالت بصوت مكسور.. أمي! .. فتحت عيونها.
أبوي سأل بقلق.. حالتها كيف هسي ؟
فايز قال ليه.. فتحت عيونها، بس مرهقة ، الدكتور قال ما مفروض نضغط عليها أو تتكلم كتير.
الممرضة جات وسمحت لينا ندخل ليها ، مجرد ما دخلنا لقيناها راقدة فاتحة عيونها ، بس نظرتها ضايعة و ظاهر عليها التعب.
هيفاء جرت ناحيتها… أمي.. أمي!.
عاينت ليها ببطء ، واضح إنها عارفة الناس ، لكن تركيزها ضعيف.
أبوي قرب وقال ليها.. بدرية سامعانا ، حركت رأسها بحركة خفيفة ، و بقت تعاين لينا واحد واحد…
واضح إنها بتتعرف علينا، لكن بتعب.
مرت لحظات صامتة..
وفجأة.. ،بدت تتحرك وصوتها طلع واطي ، ومكسر..
قالت فتحي وين؟…
كلنا سكتنا ، حسن عمي عاين لأبوي ، فايز نزل راسه في الأرض ، و هيفاء شهقت بصوت واطي ، ماف زول كان عنده الشجاعة يقول ليها فتحي اتوفى.
أبوي قرب منها ، مسك يدها وبقى يمسح عليها بحنية
ارتاحي يا بدرية.. فتحي كويس ، الدكتور قال ما تتعبي نفسك بالكلام.
عمتي ما اقتنعت ، قالت ليه.. طيب مالو ما جاء؟
فايز اتدخل بسرعة حاول يهديها.. يا أمي والله كلنا كويسين، ارتاحي بس.
عمتي بدت تفتح وتغمض في عيونها بسرعة، وكأنها بتحاول تطرد صورة ثابتة في ذاكرتها. صوتها طلع مخنوق وهي بتعاين في الفراغ…
فتحي كان واقع.. والدم.. الدم مالي المكان.
سكتت لحظة وبقت تتنفس بصعوبة، وهيفاء بتبكي وتضغط على يدها. عمتي واصلت وهي بتهز في راسها بإنكار..
و مريم.. الاسم طلع تقيل ، كانت واقفة انا شفتها ، بس..
عمتي حاولت تتكلم بس صوتها اختفى ، و الجهاز بدا يصفر الممرضة دخلت بسرعة قالت ليها.. خلاص كفاية ما تتكلمي..
فجأة غمضت عيونها، و يدها ارتخت.
هيفاء قالت بخوف.. أميي!..
الممرضة طمنتنا.. إنها بس مرهقة ، ولازم ترتاح..
طلعنا برا و ماف زول فينا فتح الموضوع ، أو اتناقش..
أبوي قال لينا.. ماف زول يتكلم قدام بدرية، أو يحاول يسألها ، لغاية ما تتحسن.
قعدنا في الكراسي برا ونحن منتظرين، مرة ممرضة تدخل ، ومرة دكتور يمر ،وكل دقيقة بتعدي كأنها ساعة.
فجأة.. فايز قال بصوت واطي ، يعني أمي شافت مريم كانت معاه في نفس اللحظة؟.
أبوي رد ليه بسرعة.. ما تستعجل يا فايز لسه ما معروف الحصل شنو؟ ، فايز هزّ راسه ، بس صوته ما كان واثق.
بعدها طلعوا لصلاة العصر ، وأنا طلعت تلفوني لقيت
مكالمات من أواب ، رجعت ليه ، قال لي.. عُناب إنتِ وين؟ ، فتشت عليك في القسم ما لقيتك؟ ، قلت ليه.. أنا في المستشفى..
عمتي فاقت ، سكت لحظة وسألني..
قالت شنو؟ ، بلعت ريقي و قلت ليه.. قالت إنها شافت
مريم.
سألني بلهفة شافتها كيف؟
قلت ليه..كانت واقفة ، والدم في المكان..
سكت مسافة، كأنه بحاول يفهم ، أو رافض يصدق..
عُناب.. أنا ما مصدق إنو مريم ممكن تعمل كدا.
في حلقة مفقودة، في حاجة حصلت في المطبخ داك إحنا ما عارفينها.. و عمتك قالت.. شافتها وهي بتضرب؟
ما قالت و ما سالناها كتير لأنها تعبت شوية..
قال لي بتردد اسمعيني يا عناب.. الشرطة عرفت بعلاقتنا وبدت تشك اني أمكن اكون متواصل معاها أو هي كلمتني.
بلعت ريقي وقلت ليه.. ما شاكين فيك براك ، انا كمان شاكين فيني.
سألني بإستغراب.. كيف يعني؟.
قلت ليه بصراحة يا أواب .. أنا كذبت عليه.
كذبتي في شنو يا عُناب؟
دموعي نزلت قلت ليه في الحقيقة .. مريم اتصلت علي قبل الحاصل ، و هي متوترة طلبت مني اجي بسرعة ، لأنها خايفة تقعد مع فتحي.
كملت وأنا ببكي..وأنا ما مشيت اتأخرت.. كنت..
ما قدرت أكمل.
كنتِ وين يا عُناب ؟ ، قلت ليه..طلعت مع صاحبي .
سكت مسافة و قال لي بلوم.. يعني هي كانت بتستنجد بيكِ، وإنتِ ما مشيتي؟.
قلت ليه.. عليك الله يا أواب ما تقول كدا، كفاية كلام الضابط ، انا ما كنت عارفة الحكاية ح توصل لكدا!.
اسمعي… الحصل حصل… ما بنقدر نرجعو.
بس يا عُناب.. عليك الله قولي لي الحقيقة ، أنتِ ما عارفاها مشت وين؟، أو حاولت تاصل بيكِ؟.
حلفت ليه بالله ، اني ما عارفة حاجة عنها ، سكت للحظات و قال لي.. بس هي طلعت من البيت بدون تلفونها صاح ؟ ، قلت ليه ااي..
طيب دا معناه انها ما كانت ناوية تهرب..
الزول البخطط للهروب بشيل تلفونو ، قروش ، اي حاجة تساعدو.
قلت ليه.. بس مريم طلعت مفزوعة و خايفة.
ردّ لي بسرعة.. بالضبط كدا هي كانت عايزة تبعد من المكان بس ، مش تختفي؟.
وده معناه إنها ممكن تكون في أي لحظة قريبة مننا ، أو بعيدة لدرجة ما نتخيلها ، و نحن لازم تلقاها.
قبل ما ارد عليه.. لمحت ناس ابوي جااي علينا ، قفلت الخط من أواب بسرعة ، و مشيت قعدت مع هيفاء.
_________________
مريم…
ما كنت قادرة أفكر بوضوح ، ولا حتى أرتب أفكاري بس حاسة بإحساس قابض ومزعج…
“أنا وين؟”
غمضت عيوني تاني ، لكن بدل ما ارتاح ، رجعت لي الصورة تاني.. البيت! ، المطبخ!..
شهقت بصوت خفيف ، قلبي بقى يدق بشكل أسرع ، فجأة حسيت بحاجة جواي بتنادي.
قمت براحة كأني شايلة جبل فوق كتافي ، مشيت الحمام بخطوات مهزوزة ، لمحت طرف صورتي في المراية.. غطيت وشي بيدي و زحيت ، ما كنت عايزه اشوف وشي.
بديت أتوضأ ، غسلت يديني مرة واتنين وتلاتة ، كأني قادرة امسح منها ذكرى ما عايزة تروح.
وقفت في نص الغرفة ، لمحت سجادة صلاة فرشتها و وقفت تجاه القبلة ، كانت دي أول مرة من وقت الحادثة أقيف فيها قدام ربنا.. اللحظة الما بتقدر تكذب فيها على نفسك.
رفعت يديني عشان أكبر.. الله أكـ…
حسيت بغصة ف صوتي ، بقلة حيلتي، و بإن الدنيا كلها بقت ضدي.
ركبي انهارت قبل ما أركع ،
وبديت أبكي بحرقة..
يا رب… أنا ما كنت عايزة كدا… والله ما كان قصدي..
أنا ما عارفة حصل كيف؟ ، وليه أنا هنا؟ يا رب أنا مالي ذنب.. هو الـ.. هو الـ جاني..
سجدت لفترة طويل.. فجأة جاتني صورة فتحي وهو واقع ، دموعي بللت السجادة…
وبديت اردد.. يا رب استرني.. يا رب أنا مالي غيرك.
ما عارفة صليت كيف ، بس سلمت وقمت بصعوبة رجعت السرير ، و أنا بستغفر في سري..
بعد مسافة طويلة ، الباب اتفتح ، رنا جات داخلة ، بس المرة دي خطواتها كانت تقيلة شوية ، مشت سريرها بدون ما تعاين كويس ، كنت بعاين ليها بصمت.
من غير ما ترفع راسها سألتني.. ما نمتي؟.
صوتي طلع مخنوف من أثر البكا ، “ما قادرة أنوم”
حسيت بجزء من الوعي بدا يرجع لي..و جاني سؤال.. انا جيت هنا كيف؟
سألت رنا بصوت مسموع.. أنا وين؟
ردت لي بعد مسافة ، كأنها ما اتوقعت سؤالي يطلع بكل الهدوء دا ..
“مكان آمن.. لغاية ما ترتاحي وتستردي عافيتك”.
“آمن” حسيت بغموض غريب من الكلمة دي ، الأمان بالنسبة لي كان حضن أمي ، صوت عمي وهو بنادي على ، نظرة أواب البتطمئني..لكن هنا.. كل حاجة كانت غريبة علي.
قلت ليها بصوت مكسور.. عايزة أمشي ، عايزة أرجع بيتنا!.وبديت ابكي بصوت عالي..
جات علي بلهفة حضنتني بدون كلام ، ما سألتني ، ولا قاطعتني ، لغاية ما صوتي بدأ يهدا شوية..
بعدها زحت مني ، و قالت لي.. زي ما قلت ليكِ ما ح أضغط عليكِ..بس إنتِ ما حكيتي لي الحصل ليك شنو ولا وريتني بأهلك؟.
سكتت ما عرفت اقول ليها شنو؟
لما شافت سكوتي ، نظرتها اتغيرت ما كان فيها قسوة، بس فيها “واقع” بخوف.
قالت لي بهدوء.. إذاً ما ح تقدري ترجعي ليهم ، الشارع برّه ما برحم ، وإنتِ حالتك دي ما بتخليكي تمشي خطوتين.
ما كان عندي طاقة حتى أسأل “ليه؟”.
لأني فعلا م قادرة ارجع ليهم ، ولا عندي مكان تاني امشيه ، سحبت الملاية بسرعة وغطيت وشي ، كنت بهرب من نظرتها، ومن نفسي قبل أي حاجة.
للحظات حسيت كل حاجة بقت لي أصعب ، ريحة المكان غريبة! ، الصمت غريب! ، وحتى أنا..
بقيت غريبة على نفسي.
غمضت عيوني بقوة، لكن الصور ما كانت بترحمني
وش “فتحي”… وهو مخلوع.
إيدي… وهي بترجف.
وصوت جواي بكبر ببطء.. أنا ضعت…
ضعت لدرجة إني بقيت “مروة”… في بيت ناس ما بعرفهم.
بستنى الأمان من زولة غريبة…
ووجعي بياكل فيني دقيقة ورا دقيقة ، بدون ما يخف.
_______________
عُناب….
تاني يوم الضهر فايز اتصل لي ابوي انو الإجراءات انتهت، ولازم يجوا عشان يستلمو الجثمان من المشرحة.
أبوي قام من غير كلام ، بس ملامحه ما كان فيها غير الحزن ، كلم عم عبدالرحمن و طلعوا من البيت بخطوات تقيلة.
الجيران بدوا يجوا واحد ورا التاني ، و الجو اتبدل بقى مشحون بحزن ما بتوصف.
كنت واقفة في نص الحوش، عيوني بين الباب والناس ما قادرة أستوعب ، و في سري سؤال واحد..
مريم هسي وين؟، الجنازة ح تندفن خلاص وهي ما عارفة؟
فجأة.. جات عربية وقفت قدام الباب ، لحظات وانفجر كل شيء ، الصراخ و النحيب بدوا أول ما نزلوا بالجثمان.
دخلوا بيه جوة البيت عشان يجهزوا لمثواه الأخير
هيفاء كانت منهارة تماماً ، ماسكة في توب عمتي بتصرخ بصوت مكسور…
يا أمي فتحي مشى ، فتحي خلاص سابنا!.
قلبي وجعني عليها ما كنت عارفه ابكي لي منو؟! ، بس سارحة في الفراغ و دمعتي واقفة في عيني.
بعد وقت قصير ، طلعوا بيه مُكفن بالبياض ، فايز شايله من قدام ، عيونه في الأرض ، والدموع بتنزل منه بصمت على قميصه.
وراه عمي حسن ، ماشي بخطوات مكسورة كأن ضهره اتكسر معاه.
في اللحظة ديك حسيت بتفاهة الدنيا ، و بالفقد الحقيقي ، دموعي بدت تنزل وبقيت اتنهد بصوت عالي. الناس بتدت تكبر و توحد الله.
هيفاء ما استحملتأول ما شافت العنقريب طالع ، جرت عليه وهي بتصرخ..
يا فتحي! يا أخوي! ما تمشي تخلينا! ، يا فتحي تعال! ،
الناس مسكوها حاولو يصبروها ، وهي بتنهار في الأرض ، وصوتها كان بهز الحي كله.
بدت تقول..ليه يا مريم؟! ، لييه قتلتيه؟!
فجأة العيون كلها بقت تتحرك علينا نحن.. نظرات الجيران كانت مليانة أسئلة و شك ، ما كنت قادرة أدافع عن مريم، ولا قادرة ألوم هيفاء المنهارة على أخوها.
بعد ما اتحركوا بالجثمان ، النسوان بدوا يتهامسوا. الهمس كان واصلني أكتر من الصراخ.
قعدت في طرف الكرسي وأنا حاسة ببرودة في جسمي كله رغم السخانة.
هيفاء كانت راقدة في السرير و هي مغمى عليها ، ومن جهة عمتي في المستشفى ما عارفة إنو ولدها اندفن.
كنت بتذكر مريم الرقيقة ، الكانت بتخاف من صوت الرعد ،كيف هسي اسمها بقى مرتبط بالقتل في لسان أقرب الناس ليها؟
فجأة.. لمحت واحدة من الجيران بتقرب مني ، و بصوت واطي سألتني..
يا عُناب.. مريم لسه ما ظهرت؟ والشرطة قالوا شنو؟
رديت من غير ما أعاين ليها.. ما عارفة يا خالة.. ادعي ليها بس.
قمت من مكاني ، ما قادرة أتحمل القعدة والأسئلة. مشيت ناحية المطبخ ، المكان البدت فيه القصة دي كلها ، م استحملت رجعت دخلت الغرفة ، لقيت عائشة بتبكي وهي بتقول..
يا مريم.. إنتِ وين هسي؟ فتحي اتدفن تحت التراب.. وإنتِ مدفونة في الخوف.
مسكتها وبكيت معاها ، عائشة كانت أكتر واحدة ملازمة مريم ، وأكتر واحدة متأثرة وما قادرة تصدق ولا تستوعب.
قبل المغرب الرجال رجعوا من المقابر ، زول قادر يواسي التاني ماف.
فايز مجرد ما شافني ، عاين لي بنظرات كانت مليانة عتاب ، كأنو بقول لي.. أختك عملت فينا كدا ليه؟.
بس انا زاتي ما كنت فاهمة حاجة.
مرّت أيام العزاء بسرعة غريبة..
كأنها كانت بتهرب مننا، البيت كان بفتح من الصباح لغاية الليل ، ناس داخلة وناس طالعة ، وكلهم شايلين نفس نظرة الحزن والفضول ، كلمات و أسئلة متكررة..
ربنا يصبركم..
حصل شنو بالضبط؟..
وما كان في زول عنده إجابة تسكتهم..
لكن الهمس ما وقف نهائي ، خصوصاً في قعدات الحريم..
“البِت دي اكيد ما طبيعية ، في واحدة بتهرب بالليل وتخلي وراها جثة” .
“أكيد في سر كبير داساه.. ما ممكن تضربه وتختفي إلا لو كانت خايفة من فضيحة!”.
قلبي كان بوجعني على الإشاعات الطلعت في مريم ، ولا كنت عارفة اسكت منو ولا منو؟.
من جهة هيفاء كانت قاعدة وسط البنات ، ساكتة.
وأي زول يجيب سيرة مريم ، وشها يتغير.
و تقول.. مريم دي لو ظهرت…
أنا بقتلها بيدي دي!..
قلبي انقبض من الخوف ، سألت نفسي يارب مريم دي لو قاعدة كان استحملت كل الكلام دا فيها ؟ ، ولا هي قررت تهرب عشان اللحظات دي؟!.
بس الحاجة الخلتني اغير نظرتي فعلا ، اني كنت راقدة في الصالون متغطية بالتوب ، وفي نسوان كبار قاعدين يشربوا في القهوة .
تاني بدوا يتكلموا في هيفاء ، رخيت سمعي وبقيت مركزة في كلامهم…
واحدة فيهم قالت.. هسي هيفاء دي.. دا كلام تقولو؟ ، وكأنه اخوها كان ملاك .. والله أنا الوحيدة حاسه بالبيت دي بريئة ، لأنه المرحوم زاته ما كان قاعد سااي ، ولا كان كويس زي ما أهله بقولوا.
اتجمدت مكاني للحظات ،كيف يعني ما كان قاعد ساي؟ فتحي البنعرفه مستحيل ، تاني رجعت قلت بس المستحيل شنو؟..
ردت التانية.. ربنا يرحمه ، بس هسي بكون اعتدى عليها وهي ضربته ، ياهو طبعه والدروب الما كويسة دي حقته!.
مجرد ما قالت كدا، شهقت بصوت خفيف وقفلت يدي بخشمي ، دي الحاجة الكنت بتجنب افكر فيها ، مستحيل مريم ما قالت لي.. بس فجأة بديت اتذكر مواقف كنت بمررها بحسن نية ، نظراته الكانت بتطول في مريم، كلامه الفيه تلميح ما مريح ، طريقة سيطرته عليها..كنت بقول لنفسي عادي ده ود عمتها زي اخوها يمكن فاهمة غلط ، بس هسي؟ كل حاجة بدت ترتبط ببعض.
اتذكرت مكالمتها ، و كأنها حست ب شر فتحي في عيونه ، وحاولت تلمح لي وانا المافهمتها.. قلت ف نفسي بندم حقيقي.. اريت لو كان مشيت ليك طوالي يا مريم!.
يمكن فتحي دا ما كان ضحية زي ما كل الناس بتقول ، ويمكن انتِ ما كنت مذنبة زي ما كل الناس بتفكر.
بس الفكرة دي كانت تقيلة ، تقيلة لدرجة إني ما قادرة أصدقها ولا أرفضها.
فضلت قاعدة مكاني ، لغاية م النسوان قاموا فاتوا ، رفعت راسي ببطء، ولسه الكلام بلف في راسي..
فجأة الباب اتفتح..أمي دخلت ، و ملامحها ما مبشرة ، كالعادة.. قالت لي بصوت واطي..
أبوك بقول ليكِ اتجهزي ، عايزنك في القسم..
قمت بسرعة جهزت نفسي وطلعت.
اتحركنا على القسم للمرة التانية ، وأنا قلبي بدق بطريقة ما طبيعية.
أبوي كان ساكت ، لكن ملامحه كانت بتقول أكتر من الكلام، كل دقيقة بكون عايز يقول كلمة تاني يرجع يسكت.
لما وصلنا القسم وقبل ما ننزل ، قال لي.. عناب قبل ما تنزلي لازم تعرفي حاجة.
الشرطة قالت سبب الوفاة طعنة في العنق.
ما اتفاجئت لأني كنت عارفة الحاجة دي ، اتنهد اكتر.. و قال.. ظهرت آثار مقاومة في الجثة ، شكلها ما كانت طعنة بس ، كان في عراك حصل بينهم.
سكت لحظة ، وبعدها قال لي بحدة…
يا عُناب الشرطة ما بتنادي الزول ساي ، إلا لو كانوا شاكين في حاجة فعلاً ، ضيق عيونه عليه مباشرة و قال…
خليكِ صادقة ، قولي كل البتعرفيه ، حتى لو في أي حاجة مخبياها، دا وقتها ، و ما في داعي لأي كذب تاني هم بعد داك بشوفوا شغلهم.
هزيت راسي وأنا حاسه بانقابض ف صدري.
دخلت المكتب بخطوات بطيئة ، الضابط كان قاعد وعينه علي من اول لحظة قعدت قدامو.
فتح الملف وقال لي بصورة مباشرة.. عُناب.. عايزين نعيد التحقيق من البداية، لكن المرة دي بدقة..
عايزك توريني من وقت طلعتي لغاية زمن المكالمة بالضبط؟..
بلعت ريقي.. و بديت احكي ليه الحصل ، من وقت ما طلعت.. قال لي.. طيب وريني الزول الكنتِ معاه دا منو ومشيتِ وين؟.
في الأول اترددت بعدها قلت ليه.. كان صحبي و طلعنا مكان قهوة.
عاين لي مسافة بعدها قال لي.. في المكالمة مريم قالت ليك تعالى بسرعة بس؟ ، قلت ليه.. اي
طيب رديتي ليها انك جاية.. و ما اتحركتِ عليها طوالي.
قلت ليه.. ايوا ما اتحركت.
سكت لحظة، وبعدين قفل الملف بهدوء.
طيب… الزول الكنتِ معاه دا اسمه منو؟، اترددت اقول اسمه علي، خوفت ادخله معاي في مشكلة..
ردّ لي بهدوء.. ما مشكله عرفناه.
اتجمدت في مكاني ، فجأة بقى ينادي بصوت عالي.. يا عسكري دخله.
في اللحظة دي جاء داخل علي ، نطتت عيوني بخوف ، ملامحه كانت متوترة ، لكن حاول يثبت نفسه ، عيونا اتلاقت لثواني ، كانت كافية تكشف اي حاجة.
الضابط راقبنا بدون ما يتكلم ، وبعدها قال بهدوء. عايز اسمع منك يا علي..
قلبي بدأ يدق بسرعة ، علي بدأ يحكي ليه ، من وقت ما اتصل علي وطلب يقابلني ، لغاية ما اتلاقينا مشينا قعدنا عند ست شاي.
قال لعلي… المسافة كانت كم من بيت ناس عُناب للقهوة؟.
ردّ ليه.. ١٥ دقيقة ، ردّ ليه طيب واصل..
بعدها بدقائق ، مريم اتصلت ليها، و كان ظاهر عليها الخوف قالت لعِناب ، وين انتِ فتحي جاء من السفر تعالي بسرعة ما عايزة أقعد معاه ثانية واحدة براي.
الضابط وقفه بسرعة.. قالت ليها ما عايزة تقعد ثانية واحدة برااها؟ ردّ ليه.. أي قالت.
التفت علي.. وقال ليه.. طيب عُناب ردت ليها بشنو؟ .
قالت ليها الجابه شنو طيب مسافة السكة.
الضابط.. وبعدها مشت ولا قعدت؟
ما مشت.. قالت لي.. خلينا نقعد شوية ، وتاني الزمن سرقنا وبعدها عناب اتصلت ليها بنصف ساعة أو اكتر بدقائق ، بس ما ردت ، قلقنا عليها و اتحركنا، بس لما وصلنا، لقينا الحادثة حصلت والناس بتجري.
الضابط سجل في الدفتر والتفت علي مسافة ، وسألني بحدة ليييه؟ ليه ما ذكرتِ لي النقاط دي يا عُناب؟
فضلت ساكته ما اتكلمت..
الضابط وطى صوته وقال لي بهدوء..
قولي الحقيقة . لييه دسيتي التفاصيل دي؟ حسّيت كل حاجة جواي اتكسرت فجأة ، دموعي نزلت بدون ما أقدر أوقفها.
قلت ليه.. أنا.. أنا كنت خايفة ، و الله العظيم كنت خايفة ، يرمو علي التهمة إني السبب.
“بصراحة انا كنت عارفة مريم بتخاف من فتحي وبترتعب منه ، لأنه كان بحب يسيطر عليها ، بس كنت بقول ودعمها وزي اخوها” .
غطيت وشي وبكيت ، قلت بصوت مكسور..
هي ما كانت عايزة تقعد معاه براها.. وأنا سيبتها.. دا كلو عشان اقعد مع علي ، اتاخرت عليها ، بس والله ما لي ذنب ولا كنت عارفة ح يحصل كدا.
الضابط ما قاطعني ولا رفع صوته.
بس كان مركز معاي ف كل كلمة قلتها ، مرر القلم بين أصابعه، وبعدين قال بهدوء.. أخيراً بدينا نسمع كلام واضح.
بعدها قال لي.. إنتِ ما متهمة ، لكن إنتِ كنتِ آخر زول اتكلم مع مريم قبل الحصل.
واصل بدون ما يديني فرصة استوعب.. وده بخليك شاهدة أساسية، ما بس طرف في الموضوع.
سحب ملف قدامو، ، و قال لي..و الحاجة البتدعم كلامك..
إنو كان في آثار مقاومة في الجثة ، رفعت راسي وانا بمسح دموعي..
كان في كدمات و خدوش في الوش والصدر ، و آثار عض قي اليد ، شهقت بدون ما أقصد.
الضابط قال.. احتمال كبير جداً ، إنو الحصل كان دفاع عن النفس.
حسيت بالزمن اتوقف ، كلام النسوان ، مكالمة مريم ، وكل الشكوك ، فجأة بقت أقرب للحقيقة من أي وقت فات.
فجأة قال.. بس المشكلة ، انه مريم هربت!، والهروب.. في القانون ما بساعدها، بالعكس بدخلها في دائرة اتهام أكبر.
إحنا محتاجين نلقاها.. قبل ما القصة تتفهم غلط.
عاين لي مسافة وقال.. و إنتِ.. ح تساعدينا في ده.
ما كنت عارفة ح أساعده كيف بس هزيت راسي بنعم.
قفل الملف بهدوء، وبعدين قال.. تمام.. كدا الصورة بدت توضح.
بس قبل أي حاجة.. إحنا محتاجين نرجع لعمّتك.
لأنها كانت أقرب زول في مكان الحادث.
تاني يوم في المستشفى الجو كان أهدأ من الايام الفاتت ، عمتي كانت راقدة في السرير عيونها مفتوحة بس لسه أثر التعب واضح فيها.
الممرضة قالت للضابط بصوت منخفض.. ما نطول عليها لسه تعبانة.
دخل بهدوء ، وقعد قريب منها شوية.
قال ليها بنبرة هادية بدرية ، أنا عايزك تتذكري معاي بهدوء.
آخر حاجة شفتيها قبل ما تغمضي عيونك شنو بالضبط؟
عمتي أخذت نفس تقيل ، حاولت تركّز..
قالت بصوت مكسور.. شفت فتحي كان واقع والدم…
سكتت.. الضابط ما قاطعها.
كملت وهي بتتعب في الكلام.. الدم كان بنزل من رقبته، و مريم كانت واقفة.. قال ليها و هو مُركز… واقفة كيف؟..
ردت بصوت واطي.. كانت واقفة مخلوعة ، وكأنها غايبة عن الوعي.
قال ليها… إنتِ شفتيها وهي بتضربه؟..
قالت ليه..لا ما شفتها بتضربه ، بس كانت واقفة مصدومة ، بعدها الدنيا ضلمت في وشي ، وما عارفة الحصل شنو تاني.
عمتي سكتت ودموعها بدت تنزل.
الضابط وقف وقال ليها..ارتاحي يا بدرية ، ما ح نضغط عليكِ تاني.
طلع وقال لينا.. بشهادة بدرية اتأكد لينا انه ماف زول شاف لحظة الطعنة نفسها.
وجه كلامه للعساكر.. كدا الصورة اكتملت في الاتجاه العام.
تاني ماف استجوابات زيادة لعناب حالياً.. هي شاهدة، ما متهمة ، القضية ح تتحول من تحقيق.. لبحث عن شخص مفقود”مريم”.
________________
أواب….
الشارع كان فاضي بشكل غريب، والدنيا صانة كأنو الزمن اتوقف ،كنت ماشي بخطوات سريعة ، و في إحساس جواي بقول لي.. إنت قريب.
قلبي كان بدق ، بدون سبب واضح ، أو يمكن في سبب
بس أنا ما عايز أفهمه.
فجأة.. لقيتها قدامي.. كانت قاعدة في مصطبة ، منزلة
رأسها ، وضامة يدينها على نفسها ، بنفس اللبس..
مريم؟!..
وقفت مكاني ، ما قادر أتحرك ، ولا حتى أصدق.
صوتي طلع مخنوق.. مريم!..
أول ما سمعتني.. رفعت رأسها علي ، وشها كان شاحب
وعيونها تايهة ، مليانة خوف وتعب.
في لحظة..قامت و جرت علي.. قالت لي بصوت مبحوح.. أواب!
ارتمت فيني وهي بتبكي ، ضميتها بقوة، كأنو لو فلتها تاني ح تختفي مني.. بقيت أقول ليها بلهفة..
كنتِ وين يا مريم؟!
كانت بترتعش و تتنهد، صوتها طلع مخنوق..
ما قصدي.. والله ما قصدي.. ما كنت عايزة أقتلو..
كلامها صدمني و خلى دقات قلبي تذيد ، بس ما سألتها.. مسكت يدها بسرعة، وقلت ليها…
انا عارفك يا مريم ومصدقك.. المهم إني لقيتك! .. تعالي معاي ماف زول ح يأذيك..
في اللحظة دي.. وشها اتغير ، نظرتها اتبدلت فجأة
كأنها شايفة زول تاني.. ما أنا.
رجعت خطوة لورا ، وعيونها اتملت رعب.
قلت ليها.. مريم؟ ما تخافي ، أنا أواب!
بس هزت رأسها ببطء، كأنها ما مصدقاني ، وبسرعة
فكت يدها مني وجرت.
بقيت اناديها.. مريم! استني! ، جاري وراها بكل قوتي ، و قلبي بدق بجنون.. تعالي! ما تخليني!.
كانت بتبعد مني ، وكل ما أقرب تبعد أكتر.
لغاية ما قربت منها أخيراً ، مديت يدي عشان امسكها.. و في ثانية اختفت!! ،كأنها ما كانت موجودة.
وقفت مكاني مصدوم ، و قبل ما افهم حاجة..
فجأة..
فتحت عيوني بخلعة ، نفسي متقطع ، ووشي غرقان عرق.. قعدت في نص السرير بسرعة ،بعاين حولي.. الغرفة.. الهدوء.. بحاول استوعب انه حلم..
بس الإحساس كان لسه واقف في صدري كأنه حقيقة.
مسحت يدي على وشي ، و بلعت ريقي بصعوبة.
إنتِ وين يا مريم؟!
قلت الجملة دي لنفسي أكتر من مرة ، كأني بحاول ألقى إجابة منها ، لكن ما في أي حاجة.
فعلا مرت أيام ، وما في أي جديد ، لا اتصال ، لا رسالة ، لا أثر ، ولا حاجة بتقول إنها كانت هنا من الأساس.
قمت من مكاني ، و ما قدرت أرجع أتمدد تاني ، شلت مفتاح العربية ، و طلعت ما كنت عارف أنا ماشي وين؟
بس عارف إن القعدة دي ما ح تغير حاجة.
__________
مريم…
ما كنت عارفة لي كم ليلة في الغرفة دي؟! ، الساعات كانت بتمر علي طويلة ومملة ، “الصمت” كان هو الحقيقة الوحيدة الممكن المسها ، ما كان في حاجة جديدة ، كل يوم شبه البعده ، نفس الوجع! ، نفس الفراغ! ، نفس السؤال.. أنا وين؟.
الحاجة الوحيدة البقت تمسكني من الانهيار هي “الصلاة” ، كنت كل ما صور المطبخ ، و وش فتحي وصراخ عمتي يهاجموا راسي ، بقوم بسرعة أفرش سجادة الصلاة وأهرب لربنا ،كنت بفرغ كل وجعي المكتوم.. و بفضل استغفر لدرجة إني بنسى نفسي ، بعدها بحس بهدوء غريب بسري في جسمي..
بس أول ما أرفع السجادة ، برجع أنتكس تاني ، و الأسئلة بترجع تنهش فيني.. أنا عملت شنو؟ أهلي حالهم كيف؟ وماهر اخوي قاعد كيف؟ وهل أواب لسه بفكر فيني؟ ولا اعتبرني مجرمة هاربة؟.
من جهة.. رنا كانت بتدخل الغرفة وتطلع في لمح البصر ، ملامحها ما كانت بتديني أي إشارة.. لا هي متعاطفة معاي ، ولا هي كارهاني.
كلماتنا كانت مختصرة ، كأنها بتخاف لو اتكلمت زيادة تفتح أبواب ما بتقدر تقفلها.
إنتِ كويسة؟
نمتي؟
ما أكلتي؟ .. كدة حتموتي.
كانت بتقضي أغلب وقتها بره الغرفة ، أحياناً كنت بسمع صوت حركة خفيفة في الصالة، وأحياناً همس ما مفهوم ، دايما كانت بتحسسني إني “أمانة” تقيلة عليها ، بس ما حصل ضايقتني بالأسئلة.
بعد ما خلصت من الصلاة ، فضلت قاعدة في مكاني شوية ، عشان استغفر ، للحظات عيني جات في اتجاه الشباك.
و لأول مرة من ليلة الحادث ، حسيت بفضول غريب، و رغبة إني أشوف العالم الهربت منه، هل لسه بلف؟ ولا وقف معاي في الغرفة دي؟.
مشيت ببطء ، وقفت قدام الشباك ، زحيت طرف الستارة ، و بقيت أعاين للشارع كان بمارس حياته العادية
ببرود.. ناس مارين، وأصوات عربات بعيدة.
وفجأة.. انتبهت لعربية مركونة في طرف الشارع.
قدامها كان في زول واقف.
دقنه كثيفة ، ملامحه كانت مغبشة وما واضحة.. ما بعمل اي حاجة بس واقف.
حسيت بنغزة في قلبي ، لقيت نفسي بضيق فتحة الستارة ، وقبل ما أعرف أنا خايفة من شنو؟ ، رفع رأسه تجاه الشباك.
رجعت خطوة لورا بسرعة البرق ، صدرِي بقى يطلع وينزل بسرعة جنونية ، الأسئلة هجمت علي دفعة واحدة ، ياربِ شافني؟، يارب دا زول ساي؟ ولا جاء يفتشني من طرف ناس عمي؟.
في اللحظة ديك، سمعت صوت مقبض الباب بتحرك قبل ما ارجع مكاني ، رنا فتحت الباب ، عينها وقعت علي وانا لسه مرعوبة..
قالت لي بصوت واطي..إنتِ فتحتي الشباك؟ ، هزيت راسي بنعم.
مشت عليه قفلته ، و بدون ما ترفع صوتها، قالت لي بصوت محذر.. ما تقربي عليه تاني.
سكتت لحظة و قالت لي.. “في ناس .. ما مفروض يشوفوك ، الناس هنا.. ما كلهم بمرّوا ساي”.
قلبي رجع يدق بنفس الجنون ، رنا ما زادت ولا كلمة ، طلعت برا الغرفة ، وقفلت الباب وراها بهدوء.
الصمت بقى أتقل من الأول، بقيت افكر في كلامها كيف يعني ما مفترض يشوفوني؟ ولا بمروا ساي ؟. ديل منو اصلا؟.
مشيت علي سريري بس قلبي كان لسه مضطرب ، من كلامها الغامض و المحذر.
ما عارفة مرت كم ساعة؟ ، بس الواطة بدت تضلم.
و فجأة سمعت صوت خطوات مختلفة..تقيلة و بطيئة وقفت قدام الباب ، لحظات ومقبض الباب اتحرك جات داخلة المرا الكبيرة!..
الكان لقيتها اول يوم جيت فيه مع رنا ، ما كلفت نفسها حتى تقول سلام ، بس وقفت في نص الغرفة، وعيونها علي مباشرة ، عاينت لي بنظرة طويلة ، ثابتة ، كأنها بتقيسني.
اتجمدت في مكاني ، قربت مني خطوة واحدة بس
وبصوت واطي قالت لي..
إنتِ ما نايمة ليه لحدي هسي؟ ، ما رديت ليها..
سكتت شوية ، وبعدها عيونها نزلت على يدي ، على وشي ، على جسمي كله ، نظرة كانت باردة ، ما مريحة أبداً.
من دون مقدمات سألتني.. إنتِ قصتك شنو يابت؟…
و مخبية شنو؟.
بلعت ريقي بصعوبة ، حسيت إن الغرفة بدت تضيق عليّ زيادة ، هل هي عرفت الحقيقة؟و شافت صورتي في الأخبار؟ ولا هي شاكة في حاجة تانية ؟
قلت ليها بصوت واطي.. أنا.. أنا ماعندي قصة..
ضحكت ضحكة خفيفة ، ما وصلت لعيونها، مالت علي برأسها وقالت..
الخوف الفي عيونك ده ، خوف زول عامل عملة كبيرة.
رنا يمكن تكون مصدقاكِ.. بس أنا، أنا بعرف أقرأ الوشوش كويس يا.. مروة صاح ؟…
رواية جريمة إلى المجهول الفصل السادس 6 - بقلم زارا
مالت علي برأسها وقالت..
الخوف الفي عيونك ده ، خوف زول عامل عملة كبيرة.
رنا يمكن تكون مصدقاكِ.. بس أنا بعرف أقرا الوشوش كويس يا.. مروة صاح ؟..
لكن الغريبة لما ينادوكِ بالاسم ده ، عيونك بتزوغ، وكأنك بتسمعيه لأول مرة.
متأكدة الاسم ده بنادوك بيه في بيت ابوكِ؟.
كنت حاسة بلساني مربوط.. الكلمات جفت في حلقي.
من عيونها الكانت بتخترقني ، كأنها بتفتش في سر مدسوس. قالت لي بصوت واطي..
رنا قلبها رهيف ، وبتحب تلملم الحاجات المكسورة من الشارع.. بس أنا ما بحب الغموض.
إنتِ دخلتِ البيت ده برجل واحدة ، ولازم أعرف، إنك جاية من وين؟ ، وهربانة من شنو؟ ، قربت مني خطوة زيادة وصوتها بقى أوطى..
لأنو في حتات الناس بتدخلها غلط ، بس صعب تطلع منها بسهولة.
رفعت حواجبها وقالت ، فقبل ما الظروف تتكلم بدلك إتكلمي إنتِ.
بلعت ريقي بصعوبة ، حاولت أعاين ليها ، بس ما قدرت أثبت فيها نظري ، قلت ليها بصوت متقطع..
أنا.. ما هاربة من زول.. سكتت و كأنو الكلمة نفسها ما أقنعتني.
كملت بسرعة، قبل ما تسألني..
بس.. حصلت مشكلة في بيتنا ، و ما قدرت أقعد هناك.
كانت بتراقبني وكأنها عايزة تتأكد من صحة كلامي..
قلت ليها.. وما عندي زول.. ولا مكان امشي.. عشان كدا.. بقيت هنا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بشك.. مشكلة؟.. شكلها كبيرة شديد؟!.
للحظة حسّيت بصدري ضاق ، ما قدرت أرد.
قبل ما تقول أي حاجة تانية ، الباب اتفتح فجأة.
رنا دخلت بسرعة ، فهمت الجو المكهرب بدون ما تسألنا.
قالت ليها بنبرة ضيق في شنو يا ماما نفيسة؟..
ردت ليها بهدوء مستفز.. ماف حاجة بسأل في ضيفتك شوية أسئلة بسيطة.
رنا قربت.. وقفت بيني وبينها وقالت ليها بضيق..
ما محتاجة أسئلة خليها في حالها.. و قومي ارح.. مسكتها من يدها.. وقبل ما تطلع قالت لي..
اختاري ليك اسم ثابت في الأول عشان ما تتلخبطي.
رنا ردت ليها بسرعة.. “اسمها مروة… وده كفاية”.
بعد طلعتها ، همست باسم مروة بصوت واطي.. مروة! ، لكن حسّيتو غريب.. ما شبهي..
فجأة حسيت ببرودة المكان بدت تمشي فيني..
“ماما نفيسة”.. الاسم نفسه سبب لي قشعريرة. نظراتها ما كانت نظرات مرا كبيرة ووقورة ، كان فيها حاجة غامضة ومخيفة.
اتذكرت كلامها.. في اماكن الناس البتدخلها غلط، ما بتطلع منها بسهولة”.
ضميت يدي لصدري ، وبقيت أهز في جسمي..
ياربي الأماكن دي قاصدة بيها البيت دا؟ ، و هل أنا هربت من جريمة عشان أقع في “مجهول” ألعن؟.
بعدها جات رنا و هي بتمسح في وشها بتعب ، وقفت ف راسي وقالت لي..
“أي زول يسألك ، تقولِ اسمك مروة بس” ، و ما تحاولي تشرحي ولا تفتحي سيرة لأي زول.
و نفيسة دي لو جاتك تاني ، اعملي نفسك نايمة، ميتة.. أي حاجة المهم ما تفتحي خشمك معاها.
كلامها خلاني أرتبك أكتر ، قلت ليها بصوت متردد.. رنا إنتِ بتعملي معاي كدا ليه؟ ، انا ما فاهمة حاجة ؟ و نفيسة دي منو؟ وكلامها عن الأماكن المابطلعوا دا شنو؟
في اللحظة دي..
ملامحها اتغيرت ، و شفت لمعة خفيفة مرت في عيونها، زي وجع قديم.
اتنهدت بهدوء ، و جات قعدت جمبي ف طرف السرير..
قالت لي.. صدقيني أنا ما بعمل كدا عشان حاجة…
بس في يوم من الأيام ، كنت في نفس مكانك.
عاينت ليها باستغراب..
ايوا.. كنت ضايعة ، خايفة ، ما عارفة أمشي وين ، ولا أثق في منو؟!.
و بغض النظر، إنتِ عملتي شنو؟ ، أو حصل ليك شنو؟
قلبي وجعني عليك لما شفتك ، ذكرتيني بنفسي ، و حسّيت بيك!.
للحظة حسيت بانه الكلام دخل فيني بطريقة غريبة..
كأنو أول مرة زول يشوفني.. من جوه.
قلت ليها بتردد طيب نفيسة دي أمك؟ ، اترددت لحظة بعدها قالت لي.. لا هي خالتي الربتني ، وتاني سكتت بس ما عارفة ليه حسّيت كأنه في حاجة ناقصة.
كملت بسرعة، كأنها عايزة تقفل الموضوع..
نفيسة طيبة بس طبعها كدا ، شديدة شوية وما بتحب الغموض ، و الحاجات المستخبية.
قلت ليها طيب والبيت دا.. ؟
فجأة نظرتها اتغيرت لحظة ، بس قالت لي.. بيت عادي زي الداخلية، ساكنين فيه كم بنت ، وكل واحدة في حالها و شغلها ، وما بنسأل التاني.
قبل ما اسألها تاني ، قالت لي..
“ما تخافي أي مكان غريب في الأول بتحسيه كدا فخليكِ هادية بس ، وامشي مع الأيام”.
و “ما تكبّري المواضيع في راسك ، عشان ما تتعبي ساي”.
قامت وهي بتمشي لسريرها.. يلا كفاية أسئلة يا مروة و اتغطي نومي.
بس الإحساس الجواي ما سكت.
بيت عادي زي الداخلية.. كررت الكلمة في سري..
لكن قلبي ما اقتنع.
________________
عِناب…
تاني يوم الضابط اتصل لفايز انه تقرير المشرحة الجنائي اكتمل ، وطلب منهم يجوا عشان يعرفوا المعلومات الأخيرة.
الجو في المكتب كان مشحون ، الضابط كان قدامه ، ملف اصفر كبير ، وصور فوتوغرافية كتيرة مُبعثرة ، من بينها صور للسكين ، وهي في كيس بلاستيك.
الضابط عاين ليهم بجدية وقال..
التقرير النهائي للبصمات والتشريح أكد.. انه السكين كانت في يد مريم، دي ما فيها شك.
اما الحاجة الأهم.. انه طريقة الطعنة ، وقوة الضربة وأثار العراك ، بتأكد إنها ما طعنته بطريقة هجومية ، هي كانت واقعة تحت ضغط جسدي كبير ، ودافعت عن نفسها بالحاجة الكانت جمبها عشان تبعدوا.
فايز كورك وهو مصدوم.. قصدك انه أخوي كان بعتدي عليها؟..الضابط رد ليه بإختصار..
ايوا.. وكدا القضية اتحولت من قتل عمد ، لدفاع عن النفس.
فايز قال بانكار و صوت متوتر.. لا.. لا مستحيل! فتحي ما ممكن يعمل كدا.
عمي عبدالرحمن نزل راسو بانكسار،كأنه في حاجة جواه انكسرت ، بعدها قام طلع طوالي..
أبوي دموعو بدت تنزل بدون صوت ، ما عارف يفرح لأنها بريئة ، ولا يحزن لأنو ما كان عارف الحاصل معاها.
في البيت..
كنت قاعدة في الصالة ، عيوني على الباب ، و قلبي ما مرتاح، كأنو عارف إنو في حاجة كبيرة جاية ، فجأة دخلوا واحد ورا التاني ، وشوشهم قالت كل حاجة قبل ما ينطقوا.
أبوي عيونو كانت حمرا كأنو كان بحارب دموعو طول الطريق.
فايز كان متوتر واضح عليه الغضب أكتر من الصدمة.
بقى يقول الكلام دا غلط ، أكيد في حاجة غلط!.
هيفاء قامت من مكانها بسرعة بقت تقول في شنو؟ حصل شنو؟! ، لكن ما في زول رد عليها مباشرة..
أنا كنت براقبهم ، وقلبي تقيل ، بس ما
مصدومة زيهم.
لأنو جزء مني كان متوقع إنو الحصل ما كان عادي ، و إنو مريم ما ممكن تعمل كدا بدون سبب.
بس برضو..
الحقيقة لما اتقالت بصوت عالي ،كان وقعها تقيل على قلبي وعلينا كلنا..
بس الفرق.. إنهم هم كانوا لسه بحاولوا يصدقوا ،
وأنا.. كنت بحاول أستحملها.
الليل مرّ تقيل ، ما كان في كلام كتير، كل زول كان ساكت ، هيفاء كانت َ بتبكي في غرفتها، وفايز ما قادر يقعد في مكان واحد ، أبوي طول الليل ما قام من الكرسي ، و عمي عبدالرحمن من طلع تاني ما رجع..
أنا و عائشة ما كنا قادرين ننوم ، وفي راسنا كمية من الأسئلة..
تاني يوم..
ناس فايز مشوا يشوفوا عمتي بدرية..
الدكتور قابلهم وقال ليهم.. حالتها استقرت ممكن تطلع اليوم، لكن لازم راحة ومتابعة.
و فعلاً جات البيت ، ملامحها كانت مرهقة وذبلانة، لكن أخف من أول مرة شفناها فيها.. كأن جسمها قام، لكن عقلها لسه ما لحق.
رقدوها في الصالون ، ما سألت ، ولا علقت..
بس عيونها كانت بتعاين في المكان كأنها بتفتش عن حاجة ضاعت منها.
هيفاء جرت عليها، حضنتها وهي بتبكي.. حمدلله على السلامه يا أمي.. عمتي ما ردت ليها بنفس الحماس،
بس مسكت يدها بهدوء ، وهزت راسها كأنها بتتأكد إنها لسه موجودة.
الجيران بدوا يجوا يحمدلوا ليها السلامة ، بس كان واضح من نظراتهم إنهم عرفوا كل شيء ، حتى الحكايات البتتقال بالهمس.
في نفس الوقت الشرطة كانت مواصلة بحثها عن مريم،
لكن ما في أي أثر ليها ، كأنها فص ملح وداب.
مرت أيام على الوضع دا…
في الآخر أبوي قرر انو نرجع بيتنا ، قال لينا.. ما فضل هنا حاجة تتعمل ، ولا القعدة ح تغير واقع ، فالأفضل نمشي بيتنا ونتابع.
آخر اليوم جهزنا نفسنا و ودعنا ناس عمتي ، طلعنا وخليناهم براهم.
حسّيت إنو في صفحة كاملة من حياتنا اتقفلت بدون ما نحس بيها وهي بتتكتب ، بس الحاجة الوحيدة الكنت واثقة منها .. إنو قصة مريم لسه ما انتهت.
_____________
مريم…
مرت ايام ما فيها جديد حقيقي ، إحساس إنو الزمن واقف هنا.
كل يوم شبه التاني، نفس الغرفة، نفس الصمت، ونفس الأسئلة انا وين؟.
ماما نفيسة زي ما بتقول رنا ، من يوم ما جات وضايقتني بالأسئلة تاني ما جات الغرفة.
بعد ما صليت العشاء وقعدت أستغفر شوية ، رنا طلعت من الحمام وقعدت قدام المراية تسرّح شعرها بهدوء غير معتاد.
كنت بعاين ليها مستغربة من الهدوء البقي فيها الأيام دي.
سألتها بفضول.. رنا إنتِ قلتي إنك كنتِ في موقفي زمان .. كيف رجعتي لأهلك؟ وكيف واصلتي حياتك؟
وقفت المشط في نص شعرها، وسكتت لحظة..
كأن السؤال وداها لمكان بعيد شديد.
قالت لي بهدوء غريب..
ما رجعت ، زي ما إنتِ فاكرة.
قلت ليها كيف يعني؟ ، أخذت نفس عميق ، و قالت..
في حاجات.. الرجوع فيها ما بكون خيار أصلاً.
بتلقى روحك عايشة في مكان جديد.. غصب عنك، وبتتعلم تمشي معاه ، لغاية ما تنسي كيف كانت حياتك قبل.
كنت بسمعها ، بس ما فاهمة ، قلت ليها بإصرار خفيف… لكن كيف؟ يعني ما حاولتي؟ ما كان عندك زول ترجعي ليه؟
اتنهدت بضيق وكأنها بدت تتعب من الكلام ، بس حافظت على هدوئها…
دي حاجات كبيرة عليك يا مروة ، إنتِ لسه صغيرة على النوع ده من الفهم.
بس الفرق بيني وبينك .. إني وقتها كنت واعية.
شديت حواجبي أكتر وقلت.. واعية من شنو؟
ما جاوبت لي مباشرة ، سكتت لحظة طويلة ، وبعدين قالت…
واعية إنو الحياة مرات ما بترجع زي ما كانت ، وإن في لحظات لو اتعاملتي معاها غلط.. بتتغيري للأبد..
تاني ما سألتها، فضلت ساكته اعاين ليها!.
بعد خلصت قامت من قدام المراية ، فتحت الدولاب ، وبدت تطلع في ملابسها بسرعة.
اختارت فستان غامق بس أنيق بناسب جمالها وشكلها.
كنت براقبها و جواي احساس تقيل ، سألتها طالعة بالليل دا؟
ردت لي بسرعة.. ايوا عندنا حفلة ، م ح اتأخر.
قربت من المراية ، رسمت روج أحمر خفيف ، وعدلت شعرها ، كأنها زولة تانية تماماً غير رنا الهادية قبل دقائق.
شالت شنطتها وقبل ما تمشي ، وقفت لحظة على الباب، وقالت لي… اقفلي الباب كويس ، وما تفتحي لأي زول لغاية ما أجي.
فضلت واقفة أعاين في الفراغ و بحاول أرتب الكلام الفي راسي ، “كبيرة و واعية” ، كانت قاصدة شنو؟ ، وشنو الحاجات البتخلي الواحد “يتغير للأبد” ؟
مشيت قعدت على طرف السرير ، قررت أستناها ترجع يمكن لما تجي ألقى منها إجابة أوضح، أو حتى نظرة تخليني أفهم أكتر.
الوقت مرّ بطيء غريب ، كل دقيقة كانت أطول من التانية.
حاولت أنوم بس نومي كان متقطع شديد ، وكل ما اصحى مفزوعة أرفع عيني ناحية الباب ، ما القى حاجة .
لغاية قريب للأذان الصبح ، الباب اتخبط بقوة، خبطات متسارعة و مستعجلة .
قمت من سريري مخلوعة ، قلبي في يدي ، مشيت فتحت الباب بسرعة.
لقيتها مسنودة على الحيطة، جسمها ما ثابت، كأنها بتحاول توازن نفسها، وشعرها مفكوك و مبعثر كأنه مبلول بموية.
حتى فستانها كان ما مظبوط كويس ، اتجمدت في مكاني من الصدمة.
قلت ليها رنا؟!….
رواية جريمة إلى المجهول الفصل السابع 7 - بقلم زارا
لقيتها مسنودة على الحيطة، جسمها ما ثابت، كأنها بتحاول توازن نفسها، وشعرها مفكوك و مبعثر كأنه مبلول بموية..
حتى فستانها كان ما مظبوط كويس ، اتجمدت في مكاني من الصدمة.
قلت ليها رنا؟!.
رفعت راسها ببطء شديد ، عيونها كانت محمرة وفي إثر دموعي ، ملامحها كانت غايبة و شاحبة لدرجة تخوف.
قلت ليها.. رنا العمل فيكِ كدا منو؟ بس م اتكلمت!.
مسكتها من يدها الكانت باردة ، حاولت أسندها ، بس جسمها كان تقيل علي وما قادرة تقيف ، دخلتها الغرفة وقفلت الباب بسرعة وأنا بتلفت وراها ، وديتها لغاية سريرها كل خطوة كانت بتمشيها بتتأوه بألم.
قعدتها على طرف السرير ، و بقيت واقفة قدامها ، تاني سألتها… رنا الحصل عليكِ شنو ؟.
ما ردت عليّ. فضلت قاعدة، عيونها مثبتة في الفراغ، وإيدها بتضغط على طرف فستانها بقوة ، و جسمها بهتزّ بشدة.
قلبي انقطع من شكلها ، مديت يدي لمستها من كتفها..
فجأة اتنفضت بسرعة كأنها خافت مني أنا ، قالت لي صوت مخنوق.. ما تلمسيني يا مروة!..
رجعت خطوة لورا ، قلت ليها.. طيب الحصل شنو في الحفلة؟.
سكتت مسافة وبعدها قالت لي..
مشكلة.. حصلت مشكلة كبيرة ، هجموا علينا حرامية مسلحين ، الناس بدت تجري و أنا وقعت وسط الزحمة.
ما قدرت أصدق كلامها ولا دخل لي عقلي.. لا الحرامية و لا الزحمة بخلو الزول بالحالة دي ، سكتت و ما قدرت أضغط عليها أكتر.
بعدها همست لي.. انا عايزة أنوم.
رقدت مكانها بنفس ملابسها ، وسحبت الغطا، ولسه صوت تنهيده واصلني.
فضلت واقفة ، وما عارفة أعمل شنو ، في الآخر رجعت سريري ، لكن النوم ما جاني.
غمضت عيوني أكتر من مرة ، بس كل مرة أفتحها بنفس الخوف ، و الاحساس المقبض.
قعدت في نص السرير، و بقيت أعاين ليها من بعيد.
حاولت أهدأ و القى راحة ، بس عقلي كان مربوط بيها
لما سمعت صوت الأذان التاني ، قمت صليت ، و بقيت أستغفر و اسبح ، الواطه فتحت ، و الشمس بدت تدخل من الشباك.
تلفونها بقى يرن.. نغمة ورا نغمة ، و هي كأنها مخدرة لا حركت يد ولا رجل.
بعد الضهر بدت تتحرك وهي نايمة ، الغطاء اتزح من رقبتها شوية ، شهقت بصوت خفيف ، قمت قربت منها اكتر وانا حابسة نفسي..
شفت رقبتها كان فيها آثار أصابع مطبوعة ، وكأن في يد قوية كانت ماسة فيها.. و خدوش كتيرة ع كتفها.
ختيت يدي في خشمي وانا برجع لورا ، مستحيل الزحمة تعمل فيها كدا ، رنا اكيد بتكذب علي..
فتحت عيونها فجأة ، أول ما لمحتني واقفة بعاين ليها،
سحبت الغطا بسرعة ، و غطّت رقبتها.
وفي الحركة السريعة ، لمحت آثار ضرب خفيفة في يدها.
عاينت لي بنظرة طويلة و تقيلة ، قالت لي.. في شنو؟
النظرة دي خلّتني أنزل عيوني على طول ، قلت ليها.. رنا شكلك ما بقول انك وقعتي لكن؟.
ردت لي بصوت جاف و ناشف.. مروة انتِ بتحققي كتير مالك؟ قلت ليك وقعت انا ، ف شنو تاني؟
حسيت نفسي تقيلة وسخيفة من اسألتي ، قلت ليها.. ما قصدي احقق بس انا خوفت عليكِ.
سكتت مسافة و قالت لي .. “الساعة كم؟”
قلت ليها قريب للضهر..
طلعت تلفونها عاينت للشاشة مسافة.. ورجعته مكانه.
قامت قعدت في طرف السرير ، و لسه لافة الغطا حول رقبتها بقوة ، قالت لي.. مروة! جيبي لي موية.
مديت ليها الموية ، مسكت الكباية شربت بسرعة ، و رجعتها لي من غير أي كلمة.
اتوجهت على الحمام بخطوات بطيئة ، وقفلت وراها الباب.
قعدت لفترة طوييلة شديد ، تلفونها رجع يرن تاني اخدني الفضول اعرف المتصل منو؟ ، اتلفتت حولي ومشيت عاينت للشاشة شفته اسم “أمجد” ..
للحظات فكرت ارد بس سحبت يدي بسرعة ، في النهاية خليتو يرن لغاية ما سكت.
الحظات و سمعت صوت الباب فتح و جات طالعة.. بقيت اعاين ليها باستغراب شديد..
كانت لابسة لبس طويل ، مغطى جسمها بطريقة ملفته من غير عادتها ،كأنها بتحاول تخفي حاجة أو تتفادى سؤال.
قلت ليها تلفونك كان برن ، مشت شالته و هزت رأسها بضيق ، المره دي قفلته تماماً وجدعتو باهمال ، تاني رجعت نامت.
مرت يومين و رنا ما حاولت تطلع من الغرفة ، و لا حتى تتكلم ، و نومها بقي متقطع ، حتى الأكل مرات تاكل لقمات بسيطة ، ومرات ما تقرب ليه.
كنت بعاين ليها بعيوني ، راسي يودي ويجيب ، عايزه أعرف الحصل ليها شنو بالضبط ، خلاها تحبس نفسها كدا؟!.
والأغرب..
مافي زول جاء سأل عنها ، أو ليه ما بتطلع ، كأنه دا شيء عاادي.
في اليوم التالت.. الباب اتفتح بهدوء ، و دخلت بت أول مرة أشوفها ، كانت مختلفة عن باقي البنات..
مرتبة ، هادية ، ملامحها فيها راحة غريبة ما شبه المكان.
ابتسمت لي أول ما عيونا اتلاقت ، وقالت لي..
إنتِ مروة.. صح؟
اتوترت شوية ، بس هزيت ليها راسي.
سلمت علي كأنها بتعرفني من زمان.. قالت لي..
أنا.. وتين!
بعدها عيونها مشت مباشرة لرنا ، قالت ليها بنبرة عادية جداً.. كيفك هسي يا رنا؟.. سؤالها كان كأنها عارفة في شنو!
رنا ما ردت ، ولا حتى رفعت عيونها ، بس قبلت على الحيطة..
وتين سكتت ثواني ، بعدها قالت ليها.. ماما نفسية بتناديك!.
مجرد ما سمعت اسمها قلبي قبضني ، عاينت لرنا بسرعة.. أول مرة اشوفها تتوتر بالطريقة دي.
ردت ليها بصوت واطي من غير ما تلتفت عليها..
قولي ليها تعبانة ، ما قادرة.
وتين ابتسمت بهدوء وقالت ليها.. هي قالت لازم تجي و هسي!.
كنت بتنقل بنظري بينهم ، حاسة انه في كلام كتير بتقال.. بدون صوت.
رنا زفرت بضيق.. و قالت طيب ، بس صوتها كان صوت زول ما عنده خيار تاني.
أول ما رنا طلعت ، حاولت أقنع نفسي إنو البشوفه ده ما بخصني ، لكن كان في حاجة جواي بتحركني بفضول ، قمت براحة مشيت ع الباب ، لمست المقبض وأنا مترددة ، لفيته الباب فتح من غير صوت.
طلعت وانا بعاين في المكان ما شفت زول ، مشيت ناحية باب الشقة الكان فاتح ، نزلت خطوات ع السلم وانا حاسة بقلبي ح يطلع من الخوف.
بقيت اسمع أصوات حادة من بعيد ، نزلت اكتر لغاية ما قربت للأرض، انحنيت شوية جاني صوت ماما نفيسة حاد قاسي..
“إنتِ عارفة القوانين كويس يا رنا ، ماف زول بكسرها
ويمشي بمزاجه ، كنت متوقعة منك تكوني أذكى من كدا”..
رنا كانت ساكته ما سمعت ردها.
بعدها قالت بصوت حاسم.. المرة الجاية ما ح أتحمل النتائج.
رنا ردت بصوت مكسور و واطي.. و الله ما كنت قاصدة كنت فاكرة الموضوع عادي و م ح يوصل لكدا.
للحظات حسيت بخوف شديد من حوارهم ، والقوانين البقولوها ، ما قدرت اقيف اسمع اكتر ، اتراجعت لورا على اطراف أصابعي بحذر من غير ما أعمل صوت.
لما وصلت باب الشقة قفلتها وراي ، مجرد ما التفتت لقيت وتين! ، قاعدة في الكرسي خالفة رجل على رجل ، و ماسكة تلفونها بكل برود ، م عرفتها طلعت متين ولا كيف؟.
اتسمرت مكاني لثواني ، بعدها واصلت مشي ، كأني ما شفتها ، و من غير مقدمات قالت لي..
“الفضول هنا ممنوع ، والأسئلة الذايدة ما بتفيدك”
و رجعت عاينت في تلفونها بكل بساطة ، و لا كأنها قالت حاجة أصلا.
فتحت خشمي عشان أرد ليها، بس ما لقيت حاجة أقولها.
دخلت الغرفة بسرعة و قفلت الباب ، اتسندت عليه ، و أنا باخد نفسي بالعافية .. ما عارفة الحاجات البشوفها دي طبيعية ولا أنا البقيت ما فاهمة.
الحصل لرنا؟ كلام نفيسة عن القوانين ، و كلام وتين البارد ومحذر.. كانوا كلهم نفس الإحساس بطريقة مختلفة.. انه في البيت ده ، ماف مكان للأسئلة.
وفجأة خطرت لي فكرة ما قدرت أهرب منها..
حتى لو قررت أطلع ، ح أمشي وين؟ و أنا ما عندي طريق واضح أساسا.
_________
أواب…
الفترة الفاتت.. ما كانت ساهلة علي نهائي، عقلي كان عالق ، بحاول يركز مع امتحانات الفاينال..
و من جهة قلبي عالق في نفس النقطة.. مريم! صورتها!، صوتها!.
و السؤال البسيط البقى تقيل شديد.. هي وين؟
أيام عدت بالسهر ، و التوتر ، وتركيز غصب عني.
كل مرة أحاول أقنع نفسي..أخلص امتحاناتي أول بعدها أشوف الموضوع.
لكن الحقيقة؟ ، ما كنت قادر أفصل ، كل حاجة كانت بتفكرني بيها.
لغاية ما جاء آخر يوم..
طلعت من قاعة الامتحان وأنا حاسي بخفة في راسي..
زي زول كان شايل حمل تقيل ، و فجأة انشال منه..
وقفة مسافة ، و أخدت نفس عميق ، ولأول مرة من أيام، حسّيت إنو ممكن أفكر براحة.
ما كان عندي مزاج اقعد مع الشلة ، طلعت ومشيت على المواصلات ، وانا بفكر في خططي الجاية!
أثناء ما الحافلة ماشة ، وانا بعاين في الطريق وبقول يمكن ألمح طيفها ، فجأة لمحت بنت في الشارع ، نفس شكل مريم! في وقفتها! حجمها! طولها! ، كانت لابسة عباية سوداء ، لمحت وشها لثواني ، قلبي ضرب بقوة ، من غير ما أشعر قلت بصوت عالي مريم!.
لقيت نفسي بوقف الحافلة بسرعة و بنزل ، قطعت الظلط حتى من غير ما أشوف العربات.
كنت بناديها وأنا بقرب عليه ، مريم!.. مريم! ،الناس كانت بتتلفت علي باستغراب ، بس هي ما اتلفتت خالص.
قربت منها وهزيتها من كتفها بقوة لدرجة صرخت بصوت عالي ، و تلفونها وقع ف الأرض التفتت و هي مخلوعة ، في اللحظة دي الوش الكان قدامي ، ما وشها ، اتفاجأت من الصدمة وحسيت بإحراج شديد ..
كانت متوترة و خايفة ، بتحاول تستوعب ، شالت تلفونها بسرعة ونفضته، رفعت راسها و بكل غضب وضيق قالت..
إنت مجنون ولا شنو؟! ماسكني كدا ليه؟!..
كنت لسه مصدوم من الموقف ، قلت ليها بصوت متقطع.. أنا آسف افتكرت زول تاني.. والله ما قاصد..
قاطعتني بصوت أعلى.. افتكرتني منو؟! دي طريقة تسأل بيها؟! ولا دي قلة أدب منك؟!.
الناس بدت تتلم حولنا ، بنظرات تقيلة ، حاولت أهدّي الوضع..
قلت ليها.. أنا غلطان، حقك علي ، بس فعلاً كنت مفتكرك..
بس ما سكتت ، بالعكس زادت عصبية وصراخ.. لا لا! الموضوع ما بسيط ، إنت مسكتني في الشارع قدام الناس!
فجأة سمعت صوت من وراي بقول.. في شنو؟
التفتت لقيتهم ولدين ، واضح من شكلهم إنهم بعرفوها.. واحد فيهم قرب منها وقال ليها…
مالك يا أسماء بتكوركي؟ في شنو؟ ، أشرت علي وهي بتقول..الزول دا مسكني من كتفي هنا في الشارع!.
الولد التاني جاء وقف قصادي ، وضيق عيونه علي..
قال ليها.. مسكك؟!
حاولت أتكلم بسرعة اني شبهتها بزول ، بس قبضني من ياقة قميصي وقال لي..
شبهتها؟ يا زول أنت بتعرفها؟
كنت شايف نظرات الناس ،صوت البت ، و الولد القدامي كلهم ضدي.
مسكته من يده وقلت ليه.. زح يدك يا حبيب ، سوء فهم ما اكتر ، اخوه التاني قال ليه.. ما تسأله خلينا نتفاهم معاه في القسم شكله حرامي…
رواية جريمة إلى المجهول الفصل الثامن 8 - بقلم زارا
مسكته من يده وقلت ليه.. زح يدك يا حبيب ، سوء فهم ما اكتر ، اخوه التاني قال ليه.. ما تسأله القسم قريب خلينا نوديه شكله حرامي.
القسم؟!..
الكلمة دي خلتني احس بخطورة تصرفي ، قبل ما أرد..
في واحد من الناس المتجمعين دخل بينا قال ليهم..
يا شباب استهدوا بالله الولد فعلا مشبها ، و كان جاري عليها و بنادي باسم مريم ، والبت دي شكلها مركبة السماعات ما سمعته..
واحد تاني ردّ.. هو غلطان واعتذر ليكم ، واضح انه ملخبط وما قصده ماف داعي تكبروا الموضوع.
الولد الكان ماسكني اتردد لحظة ، بقي يعاين لينا الاتنين..قال ليها.. نخليه ولا نمشي القسم؟
ردت وهي مترددة.. خلاص خلوه!.
أتلفت علي و قال لي.. اعمل حسابك يا زول ، و ما تقابض في بنات الناس من طرف.
عدّلت قميصي بسرعة.. قلت ليه.. حصل خير ، وحقك علي.
ما انتظرت منهم رد ، طلعت من المكان بسرعة ، و حاسي بكمية من الإحراج من الموقف ، لكن برضو..
الإحساس ما اختفى ، إحساس إني شفت مريم فعلاً..
ولو ما كانت هي؟ ، يبقى أنا وصلت لمرحلة بقيت أشوفها في أي زول.
ركبت أقرب حافلة ومشيت البيت ، لما دخلت لقيت أمي وأريج قاعدين في الصالة، قدامهم قهوة.
قلت.. السلام عليكم ، ردوا بصوت واطي..
أمي قالت لي.. تعال اقعد اشرب قهوة ، شكلك مُصدع.
قعدت معاهم..
حاولت أتماسك ، أتنفس بهدوء ، و أطرد كل الحاصل من راسي ، لكن ما قدرت.
أريج سألتني.. امتحنت كيف؟ ، رديت بإختصار.. تمام!.
سكتنا لحظة..
قالت لي.. لسه شاغل بالك بيها؟.
رديت ليها.. أيوة! شاغل نفسي بيها ، وشديد كمان..
أمي اتنهدت بضيق و قالت.. أواب! الموضوع ما بسيط زي ما إنت فاكر ، الناس كلها بقت تتكلم.
قلت ليها بلامبالاة… كلام الناس مابهمني ، أنا عارف مريم شنو؟!.
أريج عدلت قعدتها وقالت بحسم.. أواب! خلينا نكون واضحين ، عاينت ليها من غير ما أرد.
قالت.. هي اتهمونا في جريمة قتل ، تاني عايز بيها شنو؟ انساها ، وبعدين.. معقولة تهرب كل الفترة دي لو ما متفقة مع زول؟.
الكلمة دي.. جاتني زي الكف ، رديت ليها بغضب.
أريج! ما تتكلمي ساي ، إنتِ ما عارفة حاجة!
أمي ما ردت بكلمة ، بس نظرتها كانت كافية توريني انها مؤيداها في فهمها.
قلت ليها.. الناس البتهرب ما معناها مذنبة.
أريج ردت ببرود.. وبرضو ما معناها بريئة.
في اللحظة دي.. فهمت إنو الموضوع ما بقى نقاش.
بقى حكم ، بأنه نظرتهم ليها اتغيرت ، حتى لو كانت مظلومة.
قمت وقفت فجأة وقلت ليهم.. إنتو بتتكلموا عنها كأنها مجرمة! ، بس أنا الوحيد البعرفها كويس ، وما ح أقبل أي زول يظلمها قدامي!.
أريج قالت ببرود.. إنت عاطفي زيادة يا أواب ، نحن بنتكلم عن واقع.
ضحكت ضحكة قصيرة.. عاطفي؟… وواقع؟.. هزيت راسي..
تمام.. رسالتكم وصلت.
مشيت بسرعة تجاه الباب ، و سامع صوت أمي وراي.. أواب!.. يا أواب! أقيف..
ما وقفت ، طلعت من البيت بكل ضيق الدنيا ، و حاسي جواي بركان نار ما بنطفي.
ما كنت عارف امشي وين ، وقفت فجأة.. طلعت تلفوني اتصلت لي عثمان صحبي.. قلت ليه.. وينك؟..
ردّ لي.. في الجمبة.. رديت.. طيب جاي عليك وقفلت منه ، قبل ما يسأل تاني.
لما وصلت لقيتو قاعد ، أول ما شافني..
سألني باستغراب.. مالك يا زول متضايق كدا؟
ما رديت عليه.. طلعت علبة سجاير..
ولّعت واحدة، التانية ، و التالته
وهو ساكت ، بس براقبني ، لغاية ما قال لي..
أواب!.. في شنو؟ إنت من متين بتشرب بالشكل دا؟
نفخت الدخان ببرود، و قلت ليه.. الناس كلها بقت تتكلم عنها.. كأنها خلاص بقت مجرمة.
عثمان عدّل قعدتو و قال.. عن مريم؟
هزيت راسي.بقولوا هربت ، ومرات يقولوا متفقة مع زول..
سكت لحظة ، وبعدها قال لي .. طيب.. إنت شايف شنو؟
قلت ليه.. أنا بعرفها اكتر من نفسي ! ، و شايفها مظلومة ، بس المشكلة.. إني ما عارف الحصل شنو فعلاً؟!.
عاين لي بنظرة طويلة و قال.. يعني إنت محتار بين البتعرفها ، والحاصل قدامك؟.
ما رديت ، بس ولّعت سجارة رابعة ، قال لي بهدوء..
طيب بدل ما تقعد تفكر، أمشي أعرف ، القعاد ساي كدا ما ح يفيدك ، يا تمشي تفتشها ، أو تنسى الموضوع.
رديت ليه بصوت مُتعب.. أفتشها وين؟ ، و أبدا من وين أصلاً؟
قال لي ماف حاجة بتجي جاهزة كدا ، إنت البتلقى الخيط براسك ، أو في الشارع ، أو في أي زول كان قريب منها.
قلت ليه.. بس هي ما سابت لي حاجة أمسك فيها ، لا رقم ، لا مكان ، ولا زول.
قال لي.. آخر زول كانت معاه منو؟ ، أكيد بكون عارف.
وقعت ف بالي عُناب! ، قلت ليه.. بت عمها.
قال لي وهو بطفي السيجارة.. أمشي اتكلم معاها تاني… عناب دي أكيد عندها حاجة مخبيّاها. الزول القريب ما بكون جاهل بكل التفاصيل.
قلت ليه.. بس أنا اتكلمت معاها قبل كدا ، و ما قالت حاجة جديدة. نفس الكلام ، ونفس الإنكار.
قال لي بحدة.. طيب ده معناه في حاجة ما عايزة تقولها.امشي اسمعها تاني ، يمكن المرة دي تقول كلام تاني.
_______________
عُناب…
من وقت ما رجعنا البيت ، وكل يوم بنصحى على أمل إنو مريم تظهر ، ترجع فجأة كأنو ما حصل حاجة.
لكن الحقيقة كانت أوضح ، هي مشت و خلّت وراها فراغ كبير ، فراغ ما بملاه زول.
كنت كل مرة ألقى نفسي واقفة قدام سريرها..البقى
فاضي.. موحش،،
أتذكر صوتها، ضحكتها، شكلها و هظارها مع عائشة.. كانت تفاصيل بسيطة ، بس بقت توجعني أكتر من أي حاجة تانية.
عائشة كانت بتحاول تمسك نفسها قدامنا ، لكن عيونها كانت بتفضحها كل مرة.
ودائما بتسألني بصوت متردد.. يا عناب! هسي هي بتكون قاعدة وين؟ أكلت؟ شربت؟ مرتاحة ولا.. ؟.
و كنت كل مرة.. أسكت.
لأني ما عندي إجابة ، ولا حتى حاجة أواسي بيها.
أكتر واحد كان بوجعني ماهر!.
بقى يقعد براه بالساعات ، وأحياناً.. يبكي من غير صوت
كنا بنحاول ما نخليه براه ، نقعد معاه ، نلهيه بأي طريقة
لكن الحزن كان أكبر مننا.
كان بسألني بصوت مكسور.. مريم بترجع متين؟
أرد عليه وأنا بحاول أكون قوية..
قريب.. ح تجي قريب.
يسكت لحظة ، وبعدها يقول.. أنا عارفها ما بتجي تاني، زي ماما.. قالت بترجع قريب ، وما رجعت.
هسي مريم زيها.. كلهم مشوا وخلّوني برايي.
ما كنت بعرف أقول شنو.. بس بضموا علي و بحنسوا
بأي كلام.. و في نفسي عارفة إنو الكلام م بخفف الإحساس دا.
حتى أنا…
ما كنت أحسن حال ، بمشي الجامعة وأرجع ، كأني بعمل واجب بس.
ما في تركيز.. ما في رغبة ، الضحك البعرفو اختفى.
و أي زول يسألني عن مريم! ، كنت بس أسكت ، أو أهرب من الكلام.
والإحساس الأصعب.. كان “إحساس الذنب”.
كان بجيني فجأة.. من غير سبب واضح..
إحساس إنو أنا ، كنت جزء من الحصل ، وكل ما أحاول أهرب من الفكرة.. ترجع لي تاني أقوى.
في يوم كنت قاعدة في الجامعة ،
فجأة… تلفوني اهتز ، عاينت للشاشة من غير اهتمام في الأول ، بس مجرد ما شفت الاسم ، اتعدلت في قعدتي من غير ما أشعر.
أواب!.. قلبي دق بسرعة ، لأنو الاسم دا ما مرّ علي ساي
كان مربوط بي مريم!.. رديت بعد تردد.. ألو؟!.
صوتو ما كان فيه أي مجاملات.. عُناب.. إنت وين؟.
قلت ليه..في الجامعة.
سكت لحظة ، وبعدين قال بجدية.. عايز أقابلك ضروري.
الجملة دي خلتني اتوتر ، سألته بسرعة..
في شنو يا أواب؟
رد بإختصار و نبرة تقيلة.. لما القاكِ..
في لحظة.. كل الإحساس القديم رجع لي.. الخوف! القلق!.
جاني بعد ساعة وقعدنا في كافتريا الجامعة..
شكله كان مختلق شديد ، من آخر مرة شفته فيها ف القسم ، شاحب وعيونه واقعة ، سلم علي وقعد.
سألته مباشرة.. خير يا أواب في شنو؟.
ما رد على طوالي ، بعدها قال..أنا ما ح أطول عليك.. بس عايز أسألك سؤال واضح.
قلبي دق بسرعة حاولت أكون عادية.. قول سامعاك؟
ثبت عيونه فيني وقال لي.. قولي لي الحقيقة يا عُناب إنتِ متأكدة إنك ما مخبية حاجة؟!
اتوترت للحظات بس رديت ليه باستغراب..
مخبية شنو؟ لو بخصوص مريم والله انا ما عارفة هي وين.
بس هو م اقتنع ، قال بصوت أهدأ..
عُناب… أنا حاسي إنو في حاجة ناقصة ، وإنتِ عارفاها.
قلت ليه بإنفعال..ليه كل الناس دي مفتكرة إني عارفة حاجة عنها؟!.
لأنك آخر واحدة كنتِ معاها ، والوحيدة الممكن تكون لاحظت أي حاجة قبل ما تختفي.
احساس الذنب جاني تاني ، هزيت راسي بسرعة و حلفت ليه.. والله العظيم ما داسة شيء ، ومستحيل اكون متفقة معها، أو اكون سبب إنها تختفي.
عاين لي لفترة وهو مركز في عيوني ، كأنه بحدد هل أنا صادقة ولا لأ؟! ، سكت مسافة و قال..
تمام.. فكري مع نفسك و لو حسيتي انك عايزة تتكلمي ف اي وقت انا قاعد.
وقام مشى من غير ما ينتظرني انطق حرف.
وقفت مكاني بعد ما مشى ، حسيت بضيق شديد..
كأنو كل الناس بقت شايفة فيني حاجة أنا ذاتي ما شايفاها.
همست بيني وبين نفسي..
بس أنا لو كنت عارفة ، كنت قلت!.
في لحظة واحدة.. فكرة مريم رجعت لي بقوة..
ياربي.. وين هي؟عاملة شنو؟عايشة كيف؟.
_____________
مريم…
بعد كلام وتين ، تاني ما حصل شيء واضح ، لكن جواي كان في حاجة.. اتغيرت.
كلمة “الفضول هنا ممنوع” ، ما حسيتها مجرد تحذير بالعكس كأنها من قوانين البيت.
بقيت أتكلم أقل ، وأراقب أكتر ، و أي حركة في البيت بقت تلفت نظري ، زي الأبواب البتقفل بدون صوت ، و الهمس البكون بين البنات لما يجوا لرنا ف الغرفة ينادوها.
رنا.. بقت ما زي الأول أبدا ، هدوءها زاد بطريقة تخوف
ما بتتكلم كتير ، وحتى لما تتكلم بتحس إنها بتحسب كل كلمة قبل ما تطلع.
وفي كل مرة أعاين ليها.. كنت بحس إنها شايلة حاجة تقيلة جواها ، لكن بتتظاهر إنها تمام.
في يوم بعد المغرب…
من غير مقدمات رنا قالت لي.. قومي ننزل تحت،
قلت ليها بإستغراب.. ننزل تحت لشنو؟، مع انه ما حصل طلبت مني انزل.
ردت لي بسرعة كأنها ما عايزة نقاش.. ماما نفيسة طلبت انك تنزلي معاي.
نفيسة؟!
الاسم دا كان دايماً كافي إنه يقفل أي سؤال.
لبست من غير ما اتكلم و طلعت معاها.
أول ما نزلنا تحت ، قعدنا تحت في الحوش ، و كان فيه حوالي خمسة بنات ، قاعدين في كراسي الحوش و في تربيزة فيها أكل كتيير كأنها عزومة ، بس الجو ما كان عادي ، وفي سكوت غريب ، أول ما شافوني عاينوا لي مسافة بعدها نزلو عيونهم.
رنا مشت قعدت ، وأشارت لي أقعد جنبها ، قعدت بس ما كنت مرتاحة.
بعدها جات ماما نفيسة ، بخطوات هادية ، بس وجودها نفسه عمل تغيير في الجو.
البنات اتعدّلوا في قعداتهم تلقائياً ، وهي سلمت بهدوء، وقعدت في الطرف ، بعدها عاينت لينا كلنا ، و قالت بصوت ثابت.. اتفضلوا.. للأكل..
البنات بدوا يجهزوا في الأكل ، وكأنه كل زول عارف مهمته كويس.
رنا كانت قاعدة ساكتة بتراقب، أكتر ما بتشارك.
ما كانت مرتاحة ، واضح من طريقة يدها وهي بتتحرك مع المعلقة ، كأنها ما عارفة المفروض تعمل شنو.
ماما نفيسة رفعت رأسها وقالت…”لينا زمن ما اجتمعنا كدا”..
سكتت شوية كأنها بتختار كلامها، و بعدها قالت.. الواحد بحب يشوف الأمور بعينه..
بقت تعاين على كل البنات القاعدين ، و حولت نظرها علي لفترة أطول و بنفس النظرة الباردة كملت..
عشان كدا.. الزول البكون جديد ، بياخد وقت لغاية ما يتعوّد ، بس في ناس بتختار تتعود بسرعة ، وفي ناس بنساعدها تتعود.
مجرد ما قالت كدا ، فجأة رنا كحت بطريقة ظاهرة كأنها اتشرقت بالأكل..
حسيت إن الكلام موجه لي أنا، لكن ما حاولت أبين
رغم إنو في إحساس تقيل بدا يكبر جواي.
بعد ما خلصنا من الاكل ، واحدة من البنات قامت بهدوء ، وبدأوا الباقين يتحركوا وراها، كأنو القعدة انتهت.
رنا رفعت يدها كأنها ح تقوم ، و أنا كمان اتحركت معاها بدون ما أفكر ، لكن قبل ما نقيف.. صوت نفيسة وقفنا..
قالت اقعدي.. اتجمدت مكاني ، ما كنت عارفة بتقصد منو..لغاية ما قالت لي.. مروة!
البنات وقفوا لحظة.. بعدها كملوا مشيهم كأنو ما حصل حاجة.
رنا اترددت، عاينت لي بسرعة ، لكن ما قالت حاجة ، ومشت معاهم.
فضلت أنا قاعدة برااي ، رفعت عيوني عليها ، لقيتها
بتعاين لي بنظرة حادة وثابتة..
في اللحظة دي ، فهمت إنو القعدة دي ما كانت مجرد قعدة عادية….
رواية جريمة إلى المجهول الفصل التاسع 9 - بقلم زارا
فضلت أنا قاعدة برااي ، رفعت عيوني عليها ، لقيتها
بتعاين لي بنظرة حادة وثابتة..
في اللحظة دي ، فهمت إنو القعدة دي ما كانت مجرد قعدة عادية.
بعد صمت طويل بدت تتكلم ، اسمك الكامل منو يا مروة؟.. اتوترت لحظة ، بس حاولت أخفي توتري ، رديت ليها بصوت ثابت.. ما علقت ولا ادتني نفس..
طوالي واصلت.. جاية من وين؟ ، عندك أهل هنا ولا برا؟
بالرغم من أنها أسئلة بسيطة في شكلها، بس حسيت انها عايزة تختبر ردت فعلي وانا بجاوب..
بعدها غيرت اتجاه الكلام ، ولسه نظرها جوه عيني..
قبل ما تجي هنا ، كنتي قاعدة مع منو؟، من غير ما أتردد قلت ليها.. أهلي!
ما لحقت أرتب نفسي، جات الجملة البعدها.. طلعتِ بإرادتك؟ ولا ظروف؟.
قلت ليها.. أنا وريتك الظروف الطلعتني شنو!.
ردت لي بإبتسامة خفيفة، ما فيها دفئ ، قلتِ مشكلة في البيت.. بس لغاية هسي ما وريتيني نوع المشكلة شنو؟!.
بلعت ريقي وقلت ليها.. نقاش عادي..
هزّت رأسها ، كأنها ما اقتنعت ، وبعدها قالت..
طيب! لو نقاش عادي زي ما بتقولي كان انتهى بسرعة ، و حليتي مشكلتك ، بس إنتِ لهسي ما رجعتِ؟ ، يبقى الحصل ليكِ ما مجرد نقاش والسلام؟!.
ماعرفت ارد ليها بشنو؟ ، بقيت اتململ ف قعدتي ، ورجعت ضهري في الكرسي بتوتر.
ضيقت نظرها على حركتي البقت ذايدة وقالت..
الزول لما يهرب من حاجة انتهت.. برتاح ، لكن الزول البفضل ساكت ، غالباً ما هربان من المشكلة.
بكون هربان من السبب.
حسّيت الكلام دخل جواي ، سكوتي طول ، لدرجة ما لقيت كلام اقوله.
ابتسمت وقالت.. أنا ما محتاجة إجابة منك هسي ، لأنو الإجابات البتتقال بسرعة ، غالباً ما بتكون صادقة.
خلينا من السبب الجابك شنو؟ ، انا عايزة افهمك انتي..
مروة الحقيقية ، لسه حية جواكِ؟ ولا دفنتيها مع المشكلة الخليتيها وراكِ؟.
فجأة حسيت ببرودة سرت في جسمي ، نظرتها لي ما كانت نظرة سؤال، كانت نظرة تأكيد.. كأنها بتقول لي.. أنا شايفة مريم المختفية ورا القناع ده.
غمضت عيوني بقوة ، شفت صورة “فتحي” وهو واقع في المطبخ و دمه سايل ، مرت قدام عيني بسرعة..
قربت أقول ليها “أنا ما دفنت زول!”.. الكلام كان في طرف لساني ، كنت ح أفضح نفسي قدامها من الخوف..
بس فجأة حسيت بحركة في باب الشارع..
التفتت وراي ، اتفاجئت من الراجل الجاي داخل ، لابس بدلة اشتراكية ، في عمر الثلاثين ، دقنه كانت كثيفة ادته ملامح حادة ومخيفة ف نفس الوقت.
الغريبة انه ماما نفيسة ما اتفاجأت كانت عادية جدا
مجرد ما قرب علينا ، قال السلام عليكم..
أول ما عينه وقعت علي ، عاين لي مساافة طويلة ، لما نزلت عيني تحت من التوتر ، ما اتكلم بس هزّ راسو بسلام خفيف ومشى قعد في الكرسي..
بقيت أقول في سري دا منو؟ و جاي لشنو أصلا؟
لحظات وتاني جاء داخل واحد..
بس كان أصغر في العمر ، لابس قميص وبنطلون جينز مسبسب شعرو ، كان بتكلم بالتلفون ، و ف يده التانية ماسك مفتاح عربية بلعب بيه.
بقيت أحاول استوعب؟، قلت بكونو أولادها ولا حاجة.
أول ما شافني ، قفل التلفون طوالي و دخله ف جيبه قرب مني بابتسامة م ارتحت ليها ، من دون مقدمات مدّ يده يسلم علي ، بس عملت ليه حركة إني ما بصافح، سحبها براحة وبقى يضحك بإحراج…
التفت لماما نفيسة الكانت بتراقب المشهد ببرود..
قال ليها.. شنو يا ملكة غيرتي القوانين ولا شنو؟.
قالت ليه.. اتفضل يا مُنير..
سألها بفضول.. ما عرفتينا على الشخصية الجديدة ؟!. قالت ليه بصوت جاف.. دي مروة!.
هزّ راسو و قال.. مروة شكلها صعبة! ، و مشى قعد في الكرسي و لسه عينه فيني.
من غير ما أشعر، حولت نظري بالغلط ، تجاه الراجل الكبير، لقيته مضيق عيونه علي ، بنظرة ما قدرت افسرها ، في اللحظة دي حسيت بخوف رهيب اتملكني.
قطع حبل افكاري صوت ماما نفيسة وهي بتقول لي بصوت آمر..قومي أديهم موية!.
في الأول ما استوعبت انه الكلام موجه لي ، بس نظرتها كانت كافية تقفل أي سؤال.
قمت على حيلي ، و كل العيون بقت ماشة معاي بدون ما أرفع راسي.
كبيت الموية و مديت الكباية للراجل الكبير ، ما ابتسم ولا حرك نفسه حتى ، أخدها مني بدون ما يلمسني ، بس لسه بنفس النظرات ، كأنه شافني في مكان قبل كدا و بحاول يتذكرني، نزلت عيني و مشيت بدون ما أتكلم.
الراجل التاني كان قاعد بطريقة مريحة زيادة عن اللازم
أول ما قربت منه ، مديت ليه الكباية ، فجأة مسك يدي و ضغط عليها بطريقة جريئة.
للحظات جسمي كله قشعر ، سحبت يدي ورجعت لورا بسرعة زي الضربتني كهربا ، لما الكباية وقعت على الأرض وانكسرت.
ضحك ضحكة مستفزة وقال..
ما مشكلة.. شكلك ما متعودة على الترحيب.
ما قدرت أرد عليه ، بس وقفت مكاني ، و أنا بعاين للكباية المكسورة ، و للموية البقت منتشرة حول رجلي ، حسيت بدموعي عايزة تنزل من الموقف والاحراج ..
لفّيت بسرعة و مشيت ناحية السلم ، وانا شبه جارية
قبل ما أوصل ، سمعت صوته وراي قال ليها..
مروة دي خام ولا شنو؟!.
الكلمة دي وقفتني في مكاني ، خلتني أحس كأنهم بعاينوا لي بمفهوم تاني! ، جريت ودموعي بدت تنزل بشدة،كنت بس عايزة أصل الغرفة، أصل لرنا و أختفي من عيون الرجال ديل.
بس المنظر في الشقة ،خلاني أتسمر من الصدمة..
الصالة كانت غرقانة في دخان وريحة “سجاير” قوية. خلتني اكح بشدة ، وتين كانت قاعدة مع واحدة تانية من البنات، متربعين في الكنبة وبضحكوا بصوت عالي و مايع ، و اي واحدة ماسكة سيجارة ف يدها.
أول ما شافتني ، نزلت السيجارة من يدها وقالت لي بصوت ساخر..
أووو.. مروة! مالك وشك مخطوف كدة؟ أوعى تكوني شفتِ الوحوش البرا ؟
البنت التانية ضحكت وهي بتهتز وتخبط يدها علي رجلها…براحة عليها، البت لسه نيّة وما بتستحمل الهظار التقيل بتاع ناس مُنير.
كنت بعاين ليهم بذهول.. مصدومة في وتين الكنت مفتكراها احسن واحدة ، ومصدومة أكتر في البيت الكنت قايلاه “داخلية”.. في دقائق بس ، كل الأقنعة سقطت قدام عيني.. السجاير، والضحك المايع، والرجال المستنيين .. الصورة اكتملت في راسي وبقت أبشع مما كنت بتصور.
وتين قامة و جات ناحيتي ، نفخت الدخان في وشي ببرود وقالت لي ..
أنا ح اوريك الحقيقة بدل رنا الخجلانة و بتحاول تخليك بعيدة..
أسمعي يا بت الناس.. هنا ماف زول بِغطي وشو بِيدو ويبكي ، البيت ده الداخل فيه مفقود ، والطالع مولود. أحسن ليكِ تغيري النظرة بتاعة البت البريئة دي، لأنها هنا ما بتأكل عيش.. بالعكس، بتجيب ليك الوجع.
ما قدرت أرد ليها ، ولا حتى قدرت أطلع كلمة واحدة من كتر الصدمة ، حسيت الدنيا لافة بي ، و المكان بقى ما شايلني ، جريت على الغرفة فتحت الباب وقلبي مقطوع.
لقيت رنا واقفة قدام المراية.. كانت لابسة فستان سهرة بِلمع ، وريحة عطرها مالية الغرفة ، الصورة دي كسرتني أكتر.
جريت عليها، مسكتها من كتفها بقوة ، صوتي طلع عالي و مخنوق..ليه؟!.. ليه خدعتيني يا رنا؟ و جبتيني هنا؟، يعني دي ما داخلية زي ما كذبتِ علي! ، دا بيت مشبوه!، وتين كلمتني الحقيقة.. يعني الرجال التحت ديل؟!، ما قدرت اكمل ، و بقيت أبكي بطول حسي.
فكيتها و قلت ليها.. أنا طالعة من البيت ده هسي!، أحسن لي أموت في الشارع ، ولا أقعد في القرف ده ثانية واحدة.
قمت بسرعة مشيت ناحية الباب ، فتحته وقبل ما اتحرك خطوة ، الباب اتقفل بقوة ، و رنا واقفة قدامي ، ملامحها خالية من أي تعبير
مسكتني من كتفي ، قالت لي بصوت واطي..
تمشي وين؟ إنتِ كان عندك فرصة وضيعتيها. كان ممكن تطلعي في الأيام الأولى وإنتِ (جاهلة) وما عارفة حاجة.. لكن هسي؟.
قبل ما تكمل كلامها ، صرخت فيها “إنتِ ما بتخوفيني!” صوتي كان برتعش و أنا بقول ليها “مستحيل أرضى أبيع نفسي زيكم!”.
دفعتها بكتفي و بكل قوتي ، لما اتخبطت في الحيطة…
بس ما صرخت، ولا حاولت تمنعني بيدها.
مسحت دموعي ورجعت مسكت المقبض، وقبل الفّو صوتها وقفني ، بس المرة دي كان اهدي وأخطر..
قالت لي وهي بتعاين جوه عيوني..
مريم!.. إنتِ لو طلعتي الليلة ،ما ح تلحقي تمشي بعيد.. ح تلقي ناس.. مجهزين حبل المشنقة ، لأي زول هربان من جريمة زي جريمتك.
اتجمدت في مكاني من الصدمة.
بس م اهتمت بي واصلت كلامها ، و ح تلقي ناس تانيين أخطر منهم.. و ديل ما بسلموا زول للحكومة لأنه قانونهم ببدا و ينتهي بيهم ، ومجرد ما نطقت اسم “نفيسة” حسيت بحاجة تقيلة نزلت على قلبي.
رنا همست لي في وشي.. لو الشرطة سبقوا عليكِ.. يمكن تلقي فرصة تتكلمي و تتحاكمي..
بس لو نفيسة لقتك قبلهم وإنتِ طالعة من طوعها..
ما ح تضيع زمنها معاكِ ، عندها ناس في كل زقاق ، ما بِترددوا ثانية واحدة ، ينهوا أمرك ويجدعوك في أقرب زباله .. عشان يضمنوا إنك ما ح تفتحي خشمك عن بيتهم ده.
في اللحظة دي… حسّيت كأنه روحي بتتسحب مني أصابعي الكانت شادة على المقبض ارتخت براها. وفكيته .. من غير ما أحس.
وقفت مكاني مشلولة ما قادرة أرجع خطوة لورا ، ولا قادرة أفتح الباب واواجه المصير المنتظرني.
الكلام الكان بتقولو ، ما كان مجرد تهديد ساي ، كان حقيقة مؤلمة ، شفتها في لمعة عيونها!.
قعدت على ركبي مسكت راسي و ذيدت في البكاء..
ما كنت عارفة اني هربت من ذنب الموت ، عشان أقع في ذُل الحياة دي؟.
التفتت لرنا وقلت ليها.. لو عارفة دا كله!، ليه جيتي في طريقي اليوم داك؟ كان تخليني في مكاني.. ولا تجيبيني لجهنم دي! ليه نزلتِ لي من العربية أصلاً لو دي النهاية؟!.
عيونها لمعت بالدموع ، و قالت لي بصوت مخنوق…
يا مريم.. أنا والله ما خدعتك ، بس لما شفتك في الشارع الليلة ديك ، شفت روحي الضاعت مني زمان.. نفسي ما سمحت لي أخليك وراي ، لأني عارفة الح يحصل ليك شنو؟.
طلبت من نفيسة تقعدك معانا كم يوم ، لغاية مشكلتك تتحله ، وهي وافقت في الأول عشان خاطري..
مسحت دموعها و واصلت..
بس إنتِ ما رضيتي تحكي لي الحصل ليكِ ، عشان اساعدك و بديت أقلق عليك منها ، بس في يوم وأنتِ نايمة.. بقيتي تهلوسي وتصرخي.. “أنا ما قتلته.. والله ما كان قصدي!”. وقتها قلبي وقف من الرعب ، أتمنيت تكون مجرد كوابيس.
اخدت نفس طويل وكملت بقهر..
بس في كل مرة تصّري انك ما تحكي ، شكي كان بذيد اتأكدت إنه الهلوسة دي حقيقة ، وإنك غرقانة في هم كبير و دم ما بتمسح ، بقيت خايفة عليكِ أكتر من خوفي على نفسي.
نفيسة بدت تزهج وتقول لي البيت ده ما فاتحنو سبيل لله ، القعدة المجان انتهت ، والبت دي لازم تبدا تشتغل عشان تمن أكلها ونومها.
سايرتها وكذبت عليها، حاولت أأجل الموضوع بكل طريقة ، لأني ما عايزة ادخلك في اجوائنا دي.
بس الليلة ما ادتني فرصة ، ولا سمعت كلامي ، اختارت تنزلك الحوش ، عشان توريكِ القرف ده بنفسك.
رنا مسحت دموعي و حاولت تهديني..
أنا متأكدة هسي هي عرفت عنك حاجة ، فما تتهوري و تحاولي تطلعي لأنك ح تموتي ، خليني أقنعها إنك لسه ما جاهزة ، لغاية ما أشوف ليكِ حل ، و أطلعك من هنا.
أثناء ما هي بتمسح دموعي ، فجأة الباب فتح بقوة
وتين دخلت ، و لسه السيجارة ف يدها ، عاينت لي باستهزاء ، و قالت لرنا..
ماما نفيسة قالت ليك.. تعالي للزبون الجا مع منير!
لأنه شكله ما زول صبر..
عرفته دا الراجل الكان بعاين لي بنظرات ما طمئنتني ، التفتت علي و قالت…
احسن تمشي بسرعة ، عشان ما يختار براه!.. و قفلت الباب وهي بتضحك.
كلامها خلى قلبي ينقبض من الخوف ، رنا مسكتني من كتفي، وقالت لي بنظرة اعتذار.. ما تركزي معاها.
أنا ح أمشي ، اقفلي الباب كويس وما تطلعي.
بعد رنا نزلت ، حسيت بأنه كل دقيقة ح اقعدها في البيت دا، ح تضيع جزء من كرامتي ، بس انا قررت الليلة دي لازم تكون نهايتي أو بدايتي. ما ح أستنى لغاية الصباح، و لا ح أستنى رنا ترجع وتديني جرعة “تخدير” تاني بكلامها.
مشيت فتحت الشباك عاينت تحت ، المسافة كانت عالية شوية من الأرض ، للحظة حسيت بخوف اتملكني، رجعت خطوة لورا بسرعة.
همست لنفسي.. لو فضلتي هنا ح تموتي بالبطيء.
رجعت للشباك تاني ، رفعت رجلي نزلتها ، و مسكت في الحافة قوي ، بس يدي كانت بترجف من الخوف.
فجأة..
سمعت الباب بخبط ، و صوت واحدة من البنات ، بتقولي.. افتحي الباب يا مروة!.. عايزنك.
حسيت بحيلي كله برد ، الاسم ده بقى يحسسني بالاشمئزاز ، ما رديت، ولا حتى اتنفست. عاينت من الشباك للأرض، المسافة و الضلام يوقفوا القلب.
ما كان عندي زمن للتفكير..
من غير ما أتردد ، فكيت يدي من حافة الشباك..
ثانية واحدة بس، كانت أطول من أي إحساس عشته في حياتي، حسيت فيها إني معلقة بين السماء والأرض.
و بضربة قوية خبطت الأرض ، حسيت بألم فظيع في كاحل رجلي ، كتمت صرخة من أعماقي.
قمت على حيلي بِصعوبة ، رجلي ما كانت شايلاني من الوجع ، بس الخوف من “نفيسة” والناس التحت كان أقوى من أي شعور.
رفعت راسي وعاينت للشباك من تحت.. همست لنفسي.. ماف رجعة يا مريم! .. ماف رجعة.
بقيت أجري وانا بعرج ، رجلي كانت بتوجعني مع كل خطوة، لكن ما وقفت..
الشارع كان فاضي ، و الإضاءة ضعيفة ، كل حاجة حولي كانت بتخوف أكتر مما تطمّن ، كنت بس عايزة ابعد من محيط البيت دا بأي طريقة.
بعد كم شارع…
شفت راجل واقف ماسك تلفونه ، و بعاين في الطريق ، وقفت قدامه و أنفاسي مقطوعة.
قلت ليه وأنا ببكي.. “لو سمحت ، وصلني قسم الشرطة” .
نظرة واحدة منه كانت كافية تخلي قلبي يقع تاني.
قال لي ببرود.. قسم الشرطة؟.. إنتِ جاية من وين في الوقت دا؟.
نظراته ما طمئنتني خالص ، طوالي اتحركت من جمبه وبقيت ماشة بسرعة ، بقى يقول لي.. تعالي يابت..
أنا ح اساعدك!.
بس م التفتت ليه ، سرعت خطواتي البتعرج ، و بقيت اجري، مجرد ما قربت للظلط ، فجأة حسيت بزول مسكني من وراي ، وقبل ما استوعب حاجة ، خنقني من رقبتي بقوة..
حاولت أصرخ ، بس يده كانت زي الكماشة كاتمة أنفاسي ، إيدي و رجلي بدوا يدفعوا في الهوا بدون فايدة.
همس لي في اذني ..قلنا ليك.. ما في زول بطلع من هنا..انتي مفتكرة نفسك ح تهربي!.
بقيت اشوف طشاش، و الأصوات بقت بعيدة ،
جسمي استسلم غصباً عني ، آخر حاجة شفتها ، قبل ما الدنيا تضلم لي ، نور عمود الشارع ، و هو ببهت قدامي وصوت الراجل وهو بقول لي.. ماما نفيسة مستنياكِ.. والمرة دي، ماف رحمة…
رواية جريمة إلى المجهول الفصل العاشر 10 - بقلم زارا
آخر حاجة شفتها ، قبل ما الدنيا تضلم لي ، نور عمود الشارع ، و هو ببهت قدامي وصوت الراجل وهو بقول لي.. نفيسة مستنياكِ.. والمرة دي ماف رحمة..
بعدها كل شيء غرق في سواد ، ما عارفة الوقت المرّ كم؟ دقيقة؟ ساعة؟ ولا دهر كامل؟.
فتحت عيوني بصعوبة ، جفوني كانت تقيلة كأنها ملصقة ، حاولت أرمش ، بس الدنيا كانت مضلمة لدرجة انك ما بتميز فيها إيدك من رجلك.
حاولت أتحرك ، أرفع يدي لراسي من شدة الصداع الحاسة بيه ، بس اتجمدت في مكاني ،يدي ما اتحركت! عقلي بدا يستوعب الصدمة ، أنا مربوطة!.
حاولت أتململ، أهز أكتافي.. لقيت نفسي قاعدة في كرسي خشب ، و يديني مربطات بحبل قوي ورا ضهري ، حتى رجليني كمان كانوا مربطات في أرجل الكرسي.. و كاحلي اليمين اتخدر تماما من شدة الألم.
بقيت أتلفت حوالي برعب حقيقي ، بس الضلام كان محاصرني من كل اتجاه ، ما كنت سامعة غير صوت تنقيط موية من بعيد ، وريحة عفونة غريبة قوية كتمت نفسي ، واضح انه المكان ما بتدخله الشمس.
فجأة حسيت بحركة فئران تحت رجلي ، قربت اجن من الخوف ، بقيت اصرخ بهيستريا أنا وين؟!.. إنتو جبتوني وين؟!.
حاولت افك يدي أحرك رجلي ، بس الحبل كان مشدود ، ناديت بأعلى صوتي.. في زول هنا؟!.. في زول سامعني؟!.. يا رناااا!.
بس ماف صوت غير تنقيط الموية ، صرخت لغاية ما حلقي وجعني ، في الآخر بقيت أبكي من غير صوت..
بعد مسافة سمعت باب حديد بفتح بصوت بطيء و مزعج ، كأنه بحتك في الأرض..
قبل ما أرفع راسي النور اشتغل بإضاءة قوية ، لدرجة غمضت عيوني ، بعد ثواني فتحتهم.
بقيت أعاين للمكان حولي ، كنت في صالة حيطها اسمنتية رطبة ومقشرة ، و في كرسي على الركن فيه حبال مفكوكة بطريقة عشوائية ، حتى الأرضية كان عليها بقع غامقة و داكنة.
قبل م أستوعب حاجة ؟!. لقيتها واقفة قدامي “نفيسة” ملامحها ما فيها أي انفعال.. نفس النظرة الثابته و الحادة..
قالت لي بصوت واطي.. المكان عجبك؟!.
ما قدرت أرد عليها ، جسمي كله اتجمد ، رفعت يدها بمنتهى الهدوء و مسكت حنكي ، ثبتت عينها في عيني و قالت..
الهروب.. ما كان فكرة ذكية يا مريم!.
قلبي وقف تماماً من الصدمة ، كيف عرفت اسمي الحقيقي؟!.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وكملت…
اتمنيت تكوني أوفى من كدا ، لأنه القاتل لما يلقى مكان يستروا ما بخونه.
فجأة حسيت الهواء انعدم من المكان ، بقيت مذهولة كيف عرفت إني قاتلة؟ يعني أنا كنت مكشوفة الفترة دي كلها؟.
قالت لي بصوت حاد..
كنتِ قايلة الشارع ح يستقبلك بالأحضان؟ بس الشارع ده حق نفيسة! ، والبوليس الكنتِ ماشه ليه دا ، نصه بتحرك بإشارة من إصبعي.
سكتت لحظة ، و قالت ببرود قاتل..
إنتِ حالياً ميتة بالنسبة للعالم البرا ، وما ح تحييكِ إلا كلمة واحدة مني.
قربت من وشي لدرجة بقيت شايفة تجاعيد وشها بوضوح ، و قالت.. أنا ما بهمني قتلتي منو؟ و إذا كان بستاهل ولا لأ؟ ، بس كل البهمني انه من الليلة تنسي اسم مريم دا خالص ، ح تعيشي حياتك الجديدة هنا تحتِ ، و ح تبقي زي البقية وأكتر.
رديت ليها بصوت مُرتجف.. لا…لا
سكتت لحظة، كأنها ما سمعت ، قلت ليها بصوت أقوى
مستحيل.. أبقى زيكم.
فجأة مسكت شعري وشدت راسي لفوق ، لدرجة صرخت من الألم ، قالت لي بحدة… قوليها!.. قولي.. أنا ح أنسى اسمي.
هزّيت راسي برفض ، وأنا برجف من الخوف..
شدت شعري أكتر ، قولي أنا ح أسمع الكلام!.
حسيت فروة راسي ح تنخلع ، قلت ليها.. مستحيل..
سحبتني قريب ليها ، وبصوت أقرب للهمس قالت لي..
الظاهر انك عنيدة بس أنا بكسر عنادك دا.. كلمة كلمة.
رغم خوفي منها ، ومن دون تفكير، بصقت ليها في وشها ، وقلت ليها بصوت مبحوح ومتقطع..
“في أحلامك لو بقيت زيكم!”.
فجأة ملامح وشها بقت ما بتتفسر، مسحت وشها بكل برود ، ومن دون مقدمات ، رفعت يدها و لطشتني كف لما بقيت اشوف طشاش من قوته ، قالت لي وهي بتضغط على أسنانها من الغيظ..
واضح إنك لسه فاهمة الموضوع اختيار ، بس إنتِ ما محتاجة توافقي ، محتاجة تتعلمي!..
وقفت على طولها ، عدّلت ملابس كأنو ما حصل شيء، وقبل ما تلتفت ، جدعت لي الكلمة الأخيرة… “والتعليم هنا.. بجي بكسر العين”.
مشت بخطوات ثابتة لغاية ما اختفت ورا الباب ، ورجع الضلام يحيط بي من كل اتجاه.
في اللحظة دي حسيت بإحساس أبشع من الخوف ، دموعي بدت تنزل بشدة ، كأنه خلاص ما عندي اختيار.
بقيت اسأل نفسي.. بقهر انا عملت شنو في روحي؟! هربت من ذنب ، عشان أقع في ذنب أكبر؟!.
قتلت عشان كرامتي ، عشان فتحي ما يلمسني ، وجيت برجلي لمكان ح يسرقها مني بِدم بارد ، وبِأرخص تمن كأني بضاعة.
بكيت بكل قهر الدنيا ، من الظروف الخلتني أقع في مكان زي دا..
__________________
مرّ وقت طويل وانا في حالتي دي ، لغاية ما قطع حبل أفكاري ، صوت الباب و هو بفتح..
دخلت وتين ، و صحبتها الكانت بتدخن معاها..
بس شكلهم مختلف ، ملامحهم كانت جادة ، من غير سخرية أو ضحك.
قالت لي مروة! نحن عايزين نساعدك تطلعي من هنا.. ومن دون مقدمات صحبتها بقت تفك لي الحبال..
ما كنت مطمئنة ليهم ولا شكلهم ، بس مجرد فكرة انهم عايزين يساعدوني خلتني أسمع كلامهم ، من غير نقاش.
أول ما فكت مني الحبال ، حسيت اني كنت مربوطة سنين من الألم ، قالوا لي بسرعة.. يلا ارح.
وقفت عاينت ليهم بعدم ثقة ، قلت ليهم.. انتو متأكدين عايزين تساعدوني؟
سكتوا لحظة.. بعدها وتين قالت لي.. لو فضلتي هنا.. ح تضيعي.
صحبتها ردت.. في طريقة نطلعك.. الليلة.
بس لازم تسمعي الكلام ، وما تعملي لينا مشاكل.
حسيت بالأمل بدا يدب فيني ، قلت ليهم.. ح أعمل أي حاجة ، بس طلعوني من هنا.
سألتهم بلهفة.. رنا وين؟.. هي ما ح تطلع معاي؟.
ما ردوا علي ولا حتى عاينوا لي.. نظراتهم كانت بِتتبادل بِسرعة غريبة ما ارتحت ليها أبداً ، بعد مسافة قالو لي رنا قاعدة منتظراك برا.
طلعنا من الباب ، و مشينا في ممر ضيق ، كان عليه أبواب مقفول ، للحظة جاني احساس ما حلو.
أثناء ما مرينا بواحد من الأبواب ، سمعت صوت بكاء مكتوم ،
قلت ليهم.. سمعتوا الصوت دا؟ ، قالو لي..
لأ.. ما سمعنا.
وقفت قدام الباب لثواني ، و المرة دي الصوت بقى أوضح..بكاء مكتوم كأنو الزول الببكي خايف صوته يطلع.
جسمي كله ارتعش من الصوت ، قلت ليهم.. و الله في زول ببكي هنا..
قبل ما أتحرك ، وتين جات شدتني من كتفي بقوة ، قالت لي بصوت واطي ، مليان تهديد…
إنتِ عايزة تطلعي حيّة ، ولا نهايتك تكون هنا؟.
بلعت ريقي بصعوبة ، و عاينت للباب تاني ، بس الصوت اختفى فجأة ، كأنه الزول الجوا سمعنا وخاف أكتر.
رجعت خطوة لورا بدون ما أحس ، وما قدرت أسأل تاني..
وتين همست لي.. امشي قدامي ، وما تعايني لأي باب.
بس قلبي كان معلق في الباب دا ، في الصوت الظهر واختفى فجأة..
في اللحظة دي اتأكدت انه في ناس محتجزين غيري.
مشينا لغاية ما طلعنا سلم ، و صّلنا للطابق الأرضي..
ومن دخلنا فيه ضربتنا ريحة عطور قوية ، بس كان هادئ ذيادة عن اللازم.
وتين فتحت واحد من الأبواب ، و دخلنا..
بس اتفاجئت انها كانت غرفة! ، مليانة بخور لما نفسي كتم ، و فيها سرير واحد ، عاينت ليهم بعدم فهم..
دا شنو؟ انتو قلتوا ح نهرب.. بس كيف ح نطلع بالغرفة دي؟.
ما ردوا لي بقوا يبتسموا ، و يعاينوا لبعض بإستفزاز ، صحبتها قالت..
لازم نجهزها في الأول! ، في لحظة بس شفت الغدر في عيونهم ، ارتعبت ورجعت لورا ، قلت ليهم تجهزوني لشنو؟ انتو عايزين تعملو فيني شنو؟.
وتين ابتسمت ابتسامة باردة ، ومسحت وشها يدها بِزهج، ردت ليها.. لا ما ضروري نتعب نفسنا.. هو أصلا قال عايزها زي ما هي ، بوسخها و شكلها دا.
من غير ما أشعر مسكت وتين من رقبتها و بقيت اكورك فيها.. انتو كذبتوا علي؟، جبتوني هنا لمنو؟ أنا مستحيل اعمل الفي راسكم دا؟.
فكيتها وجريت ناحية الباب ، بس وتين دفعتني بكتفها لما صحبتها مسكتني!.
ضحكوا ضحكة قصيرة و قالو لي.. اهدي بس يا مروة! حاولت اقوم تاني ، بس هم كانوا أسرع مني ، جروني الاتنين وقفلوا الباب بسرعة.
ضربت الباب و أنا بصرخ.. افتحوا الباب.. يا رنا الحقيني!.. طلعوني من هنا!.
جاني صوت وتين وهي بتضحك بشماته.. وفري صراخك دا ، ح تحتاجي ليه بعدين ، دا دافع فيك دم قلبه.
بكيت و حنستهم لغاية ما حسيت بِغمة في قلبي ، خلتني ما قادرة حتى أتنفس..
وفجأة.. كل شيء سكت ، لا ضحك ناس وتين ، ولا حركتهم ، ثواني و الباب بدأ يفتح ببطئ شديد..
ظهر لي.. الراجل الكان لابس بدلة اشتراكية ، اتجمدت مكاني من الرعب.
ما دخل مباشرة وقف لحظ ، كأنه بعاين أو بقيّم المكان.
بعدها اتحرك خطوة لجوا ، وقفل الباب وراه..
رفع يده وعدّل ياقة بدلته بكل هدوء ، كأنه قاعد في مكان مكشوف ، مش غرفة مقفولة.
بعدها رفع عيونه علي ، بنفس النظرة الثابتة و المخيفة
و قال بصوت… السلام عليكم.
م رديت ليه ، بقيت أزحف لورا لغاية ما ضهري التصق في الحيطة ، قلت ليه بصوت مرعوب..
إنت عايز مني شنو؟! أطلع برا خليني في حالي!.
اتحرك خطوة ، كأنه ما سمعني.
ضميت إيدي على صدري ، و صرخت فيه بهستيريا..
أوعك! ، أوعك تقرب مني!.
اتحرك خطوة تانية ، بس وقف و بقى يراقبني ، بنظرات غريبة.. ما فيها اللمعة الشفتها عند منير وفتحي
حاولت أزحف زيادة ، بس مافي مكان ، انحشر فيه.
قلت ليه .. بالله عليك أبعد.
مال رأسه شوية ، وبصوت مستفز خلاني اكتم شهقتي..
قال لي.. خلصتِ؟ولا لسه عندك باقي؟.
دموعي نزلت بصمت المرة دي.. بقيت أعاين ليه بخوف حقيقي.
قال لي يا بت… اهدي أنا ما جاي لنزوة ، ولا جاي أمد يدي عليكِ وأذيكِ ، لو دا كان قصدي، كان خلصته اول ما دخلت.
كلامه خلاني اهدي شوية ، و أبطل بكاء ، قلت ليه.. بصوت مكسور.. إنت عايز شنو؟. ردّ لي ببساطة.. اطلعك من هنا.
خوفي كان أكبر من إني أصدقه قلت ليه..
كضّاب!..كلكم نفس الشيء ، اتنهد بهدوء، كأنو متوقع ردي..
لو أنا كضّاب ، ما كان طلبتك إنتِ بالتحديد ، و لا كنت قاعد معاكِ هسي من غير ما…
قلت ليه.. أنا ما تحاول تخدعني ، ابعد مني بس!.
هزّ راسه بضيق ، و دخل يده جوا جيب قميصه ، طلع بطاقة صغيرة ، وبدون ما يقرب علي، جدعها ناحيتي
بس م اتحركت نهائي ، عيوني كانت عليه هو.. قال لي شوفيها.
اترددت لحظة ، و بحركة سريعة خطفتها من الأرض ،
قرية الاسم والمهمة ، قلبي دقّ بعنف ، عاينت ليه من غير ما اصدق ، قلت ليه.. إنت.. شرطي؟!…