لقيت السمسار قاعد على كنبة الصالة، وجسمه كله كان راجع لورا. نبهت على العساكر اللي معايا: "محدش يلمس حاجة"، واتقدمت ناحيته بحرص، ومديت إيدي قدام وشه عشان أشوف في نفس طالع ولا لأ؟!
وزي ما توقعت، عطية النجار، السمسار، كان ميت، أو خليني أقول مقتول، رغم إن مفيش أي علامات في جسمه ولا أي جروح تدل إنه مات مقتول. ولكن مستحيل الموضوع يكون صدفة. الصدفة دي ممكن تحصل واحد في المليون، ومش هتحصل معانا، أنا متأكد.
ولكن اللي لفت نظري هو مسرح الجريمة. قدام الكنبة اللي كان قاعد عليها المجني عليه، كان في ترابيزة مربعة عليها كوبيتين شاي، والاتنين كان مشروب منهم. معنى كده إن عطية كان معاه حد قبل ما نوصل.
وده خلاني أقوم من مكاني وأروح ناحية المطبخ، عشان عاوز أتأكد من حاجة معينة. وأول ما دخلت المطبخ وقربت من البوتاجاز، اتأكدت.
الوفاة دي لسه حاصلة قريب، ويمكن مفتش عليها ساعة، وده اللي عرفته لما قربت من براد الشاي اللي كان موجود على البوتاجاز، واللي كان لسه سخن، والمية اللي جواه درجة حرارتها لسه عالية.
وطبعًا بلغت وكيل النيابة، وفي ظرف ساعة كانت الشرطة وصلت، ووصل وكيل النيابة منتصر سليمان، ورجالة الطب الشرعي والمعمل الجنائي عشان يفحصوا الجثة ومسرح الجريمة. الموضوع كان واضح، خصوصًا لما قرب دكتور الطب الشرعي من الجثة الموجودة على كنبة الصالة، وبدأ يفحصها الفحص المبدئي، ومع وجود كوبيتين الشاي على الترابيزة، اتكلم وقال:
_ مفيش أي جروح في جسم المجني عليه تبين حدوث جريمة قتل، ولكن الريم اللي نازل من بوق المجني عليه، مع وجود الشاي، وارد جدًا إن المجني عليه اتعرض للتسمم، ودي طبعًا حاجة مش هنقدر نحددها بالفحص المبدئي، وهتستدعي إننا نشرح الجثة تشريح كامل عشان نعرف إذا ده تم ولا لأ.
= طيب يا دكتور، بالله عليك حاول تنجزنا شوية في تقرير الطب الشرعي. إحنا عاوزين نوصل للي بيعمل كده في أقرب وقت، ده واحد عارف إحنا بنعمل إيه، وسابقنا بخطوة دايمًا.
_ متقلقش يا باشا، إن شاء الله، وفي ظرف 48 ساعة التقرير هيكون عندكم.
...
خلصنا كلام مع دكتور الطب الشرعي، ورجالة المعمل الجنائي كانت بترفع البصمات من على الكوبايات الموجودة ومن الشقة كلها. وشرحت لوكيل النيابة وجهة نظري في موضوع كوبيتين الشاي الموجودين، والبراد اللي المية فيه لسه سخنة، وكان متفق جدًا معايا إن القاتل عارف إحنا بنخطط لإيه، وسابقنا بخطوة.
وبعدها بدأنا نتكلم مع بواب العمارة، واللي كان اسمه فريد، راجل كبير في السن وشكله تعبان.
_ اسمك فريد، مش كده؟ أنا سمعت واحد من الجيران بيقولك يا عم فريد.
= مظبوط يا باشا.
_ طيب يا عم فريد، مين آخر واحد زار عطية النجار في بيته؟ إحنا لما دخلنا الشقة لقينا في كوبيتين شاي موجودين على الترابيزة، وده معناه إن في حد كان معاه قبل ما يتوفى.
= والله يا باشا، أنا مش بركز مع اللي طالع واللي نازل. كنت في البداية بعمل كده، ولكن السكان مش عاجبهم اللي أنا كنت بعمله، وبيقولوا إني بزعل الضيوف اللي جاية عندهم، وعشان أنا راجل بخاف على لقمة عيشي، كبرت دماغي وبقيت مع حالي. اللي يطلع يطلع، واللي يدخل يدخل.
_ تمام، بس على الأقل بتلمح الناس اللي بتطلع وبتدخل، وإحنا عاوزين نعرف آخر ساعتين مين الناس اللي دخلت العمارة، والمفروض إنهم ضيوف مش سكانها.
= مش مركز والله يا باشا... في كذا حد دخل.
...
عرفت من كلامي مع البواب، اللي اسمه فريد، إننا مش هنوصل لحاجة، وإن الموضوع حيطة سد. وعشان كده، بعد ما الرجالة خلصت شغلها، رجعت على مكتبي أنا والرائد كمال، وساعتها واحد من فريق البحث الجنائي، واسمه عمر، خبط على باب المكتب ودخل، وقال إنه مستنيني من بدري.
واتكلم وقال:
_ من خلال المتابعة مع الظابط اللي بيعمل محاضر التغيب في المنطقة اللي حصل فيها الجريمة، مفيش أي بلاغات تغيب عن أطفال وصلت خلال الـ72 ساعة اللي فاتوا.
= وده معناه إن وارد جدًا الطفل ده يكون مش من المنطقة، مش كده؟
_ دي احتمالية يا فندم، وفي احتمالية تانية إن الطفل ده يكون ملوش أهل. أولاد الشوارع ماليين الدنيا يا باشا، وفي ناس مشغلاهم في إشارات المرور يبيعوا فل ومناديل، وفي أطفال بتخش تسرق المحلات، وحضرتك عارف الأزمة دي.
= عندك حق يا عمر فعلًا، ولو القاتل بيركز على النوعية دي من الأطفال، يبقى هو بيشغل دماغه كويس ومش غبي، عشان هو عارف إن مفيش بلاغات تغيب هتحصل على اختفاء الأطفال دول. عمومًا، كمل شغلك، ولو وصلت لحاجة تانية ابقى بلغني أو بلغ الرائد كمال.
...
كلام عمر خلاني أشوف أقرب إشارات مرور للشقة اللي اتقتل فيها الطفل، وبدأنا نراقب الأوضاع في أقرب أماكن فيها إشارات مرور من المكان ده، عشان نعرف هل في طفل اختفى في الفترة الأخيرة ولا لأ
******
جاتلي أخبار إن الحكومة مفتحة عينيها اليومين دول على موضوع إشارات المرور، ومن الواضح إنهم شكوا في حاجة. والراجل اللي بيتواصل معايا بعتلي لوكيشن عشان أتحرك عليه، وهناك هلاقي أطفال وهعرف أجيب منهم واحد. واللوكيشن اللي بعته كان تحت كوبري.
وفعلًا روحت هناك، وكنت ماشي بالعربية بدور على أي طفل باين عليه إنه من أطفال الشوارع، لحد ما الاختيار وقع على واحد لبسه مبهدل وباين عليه إنه منهم. قربت منه، وعرفت أجيبه بنفس الطريقة اللي جبت بيها الطفل الأولاني، وروحت بيه على مكان تاني، الراجل اللي كان بيكلمني كان محدد عنوانه شقة برضو متأجرة في عمارة، بس دي كانت أول مرة أروح هناك، ولاحظت إن العمارة مفيهاش بواب.
وطلعت أنا والطفل على الشقة، ونفذت فيه نفس اللي نفذته في الطفل اللي فات، وأنا فاتح لايف وبفرجهم على عملية التشريح.
*******
كنت قاعد في مكتبي أنا والرائد كمال بنحاول نوصل لأي حاجة قبل صدور تقرير الطب الشرعي والمعمل الجنائي والبصمات، ولكن في الوقت ده لقينا راجل وست جايين يعملوا محضر تغيب لابنهم اللي عنده خمس سنين، وإنه خرج يلعب مع الأطفال في الشارع ومرجعش، وإنهم لما سألوا الأطفال قالوا إن في واحد كان راكب عربية سودة أخده معاه.
إحنا في البداية كنا فاكرين إنه محضر تغيب، ولكن الناس كانت جاية تبلغ عن خطف ابنها حسب شهادة الأطفال اللي كانوا بيلعبوا معاه في الشارع، وعرفنا إن الطفل اسمه كريم حافظ عبد الرحمن، وبدأنا رحلة البحث عن الطفل، واللي استغرقت 24 ساعة، عشان بعدها يوصل بلاغ من جيران في عمارة إنهم شمين ريحة وحشة جاية من الشقة اللي في الدور التاني، وعلى حسب المعلومات اللي عندهم إن الشقة دي متأجرة.
وأول ما وصلتلنا المعلومة اتحركنا فورًا على مكان البلاغ، وقدرنا نفتح باب الشقة من غير ما نكسره، وجوه كان موجود نفس المشهد، كوبي بيست، سرير التشريح اللي موجود في نص الصالة وعليه بقع دم ناشفة، ولكن الجثة كانت موجودة على السرير المرة دي بنفس الشكل اللي كانت عليه الجثة اللي فاتت.
ولكن مع وصول وكيل النيابة ورجالة الطب الشرعي والمعمل الجنائي، تلاحظ وجود كاميرات في كل دور، والكاميرات دي كانت من نوع نادر وغالي، بتسجل صوت وصورة، وحجمها صغير جدًا، وكانت موجودة فوق الأسانسير.
وقتها قربت من واحد من الناس اللي واقفة عند باب الشقة، وعرفت إن اسمه طه، وسألته:
_ هي الكاميرات اللي بتصور دي، التسجيلات بتاعتها فين؟!
= عند الأستاذ عبد السلام في الدور الأول. هو أصلًا صاحب فكرة الكاميرات، وهو اللي جابها معاه من بره مصر، لأن النوع ده مش موجود في مصر، على حسب كلامه يعني يا باشا.
_ طيب، والأستاذ عبد السلام ده موجود دلوقتي؟
...
لقيت واحد من الناس اللي واقفة بيقول: "أنا عبد السلام". كان راجل كبير في الخمسينات، واستأذنته إننا عايزين نراجع الكاميرات عشان نشوف مين الشخص اللي دخل بالطفل الصغير ده هنا في الشقة. والراجل رحب جدًا وكان موافق.
وفعلًا نزلنا أنا ووكيل النيابة منتصر سليمان على شقة الأستاذ عبد السلام، اللي فتح الشاشات اللي قدامه، وبدأنا نراجع التسجيلات لآخر 48 ساعة، عشان نعرف مين اللي دخل الشقة المقفولة.
لحد ما شوفنا الشخص اللي كان داخل بالعيل الصغير، وطلع المفتاح من جيبه ودخل الشقة دي.
أنا ووكيل النيابة بصينا لبعض وإحنا مصدومين، عشان الشخص اللي داخل من الباب ده إحنا عارفينه كويس...
الشخص ده يبقى...
لجميع الفصول من هنا