جلست شمس على مقعد بجوار النافذة. دموعها تسيل بصمت وهي تسترجع بألم كل ما حدث معها في السابق. تنتابها مشاعر مضطربة، مابين عشقها الشديد لجاد ومقتها وكراهيتها الشديدة لبيجاد. لا تستطيع تصديق أو استيعاب أن جاد، بحبه وعشقه اللامتناهي لها وخوفه ورقته الشديدة معها، هو نفسه بيجاد. القاسي المخادع الذي أهانها جسدياً ونفسياً حتى كادت أن تتخلص من حياتها من شدة قسوته معها. ثم تنهدت
بحرارة وهي تفكر بحيرة: كيف ستتصرف بعد أن عادت ذاكرتها؟ هل تواجهه بكذبه وغشه لها؟ هل تكشف له أنها قد كشفت لعبته القذرة باللعب بمشاعرها وجعلها تقع في حبه كالحمقاء، وهو ينوي الغدر بها مجدداً؟ وإلا لماذا يصر حتى الآن على لعب شخصية جاد السائق الفقير معها؟ ألا لو كان ينوي الغدر بها مجدداً. فانسالت دموعها وهي تقول بألم: = عاوز تعمل فيا إيه تاني عشان ترتاح وتحس إنك خدت انتقامك مني؟ مش كفاية شرفي اللي ضيعته؟
وفضيحتي اللي ملت البلد عندنا وأبويا اللي كان هيقتلني بسببك؟ ثم مرت يدها في شعرها بتعب وهي تنظر إلى صورته بلوم وغضب: = ولسه بتكذب تاني وبتعيشني في وهم حبك ليا من تاني؟ للدرجة دي أنت معندكش قلب ولا ضمير؟ ثم انتفضت واقفة بتوعد، وهي تتجاهل مشاعرها المجنونة والغارقة حتى النخاع في حبه، وترفض سماع صوت قلبها الذي يحاول إيجاد مبررات لما يفعله. ولكنها لن تستسلم له مجدداً، وستريه شمس جديدة، وستقتص لنفسها منه.
فأسرعت فجأة إلى الهاتف الأرضي وقامت بالاتصال به على رقمه الخاص الذي أعطاه لها للاتصال به في حالة الطوارئ، وهي تنوي إبلاغه بعودة ذاكرتها لها وبرغبتها في الانفصال عنه. في نفس التوقيت، جلس بيجاد في غرفة الاجتماعات مع بعض مديره التنفيذيين وبعض المسؤولين الإيطاليين يتناقشون حول بنود عقود شراكة بينهم، وقد ارتفعت حدة المناقشات الدائرة بينهم. بيجاد بجدية وهو ينظر بتمعن في الأوراق التي أمامه:
= إحنا كده اتفقنا تقريباً على كل الشروط، بس لسه أهم شرط وهو... ليقاطعه ارتفاع صوت هاتفه الخاص بالطوارئ. فتناوله بلهفة وهو يهب واقفاً ويتجه للخارج فوراً دون أن يتحدث، تحت نظرات الدهشة من الجميع. وهو يقول بتوتر بعد أن رأى رقم المنزل الخاص به وبشمس: = ألو.. ألو.. أيوه يا شمس، في حاجة يا حبيبتي؟
صمتت شمس ولم تتحدث وهي تستمع إلى نبرة صوته الرجولية المحببة، وقد جَبُنَت وشعرت بالتردد. فأسرعت بغلق الهاتف بسرعة ودموعها تسيل بالرغم عنها، وهي تنظر حولها بضياع وتشعر بالاختناق. فأسرعت بالخروج خارج الشقة وهي تتجاهل صوت رنين الهاتف الذي تصاعد بإلحاح.
في نفس التوقيت، شعر بيجاد بالجنون وهو يعاود الاتصال بها دون أن يحصل على إجابة. فأندفع خارجاً بسرعة شديدة وهو يتوقع حدوث شيء سيء لها. فركض وهو يتجاهل نظرات التعجب والدهشة من موظفيه، وهو يحاول الاتصال بها مرة أخرى بيد، وباليد الأخرى يتصل على الحرس الخاص بمنزله، وهو يكاد يجن لأنها لا تجيب عليه. فصرخ بحرسه وهو يندفع إلى سيارته يقودها بجنون: = حد يروح على شقتي الخاصة يشوف شمس هانم كويسة ولا في حاجة حصلت لها.
ثم صرخ بغضب مجنون: = بسرعة ومتسيبنيش خليني معاك ع التليفون. لم ينتظر الحرس حتى ينهي بيجاد حديثه، وأندفعوا إلى الشقة الخاصة بشمس. في حين تابع بيجاد الاتصال بها مراراً على أمل أن تجيب عليه، ولكنه لم يحصل على إجابة منها، فزاد أكثر من سرعته المجنونة في القيادة. وهو يستمع على الناحية الأخرى إلى حرسه الذين قاموا بالطرق بعنف عدة مرات على باب الشقة، ولكنها لم تجب أيضاً. الحارس وهو يحدث بيجاد في الهاتف بتوتر:
= شمس هانم مبتردش. إحنا هنقتحم الشقة يا بيجاد باشا. ثم أشار لرجاله باقتحام الشقة. صمت بيجاد دون أن يستطيع التحدث، وقلبه ينبض بجنون، يكاد أن ينخلع من شدة خوفه عليها، وعقله يعمل بطاقته القصوى وهو يحاول أن يتخيل ما حدث لها، والأسئلة تدور في عقله بجنون. هل استطاعوا أن يصلوا إليها وهي في منزله؟ هل قاموا بإيذائها؟ أم أنها قد شعرت بالتعب فحاولت الاتصال والاستنجاد به فتعرضت لإغماء أخرى؟ ثم همس بغضب من نفسه وهو
يضرب مقود السيارة بعنف: = غبي.. مكنش لازم أسيبها لوحدها أبداً وهي لسه تعبانة. ثم زاد من سرعة سيارته بجنون، وهو يستمع لصوت تحطم زجاج النافذة. وأندفاع حرسه إلى داخل الشقة، لتمر عدة دقائق عصيبة عليه، ويستمع أخيراً إلى صوت الحارس يقول بتوتر: = شمس هانم مش موجودة في الشقة. أندفع بيجاد بسيارته إلى داخل القصر، وهو يقول بتوتر غاضب: = راجعوا الكاميرات واقلبوا عليها القصر مستنيين إيه.
ثم توقف بسيارته بجانب بوابة القصر، وأندفع يركض بتوتر إلى الغرفة المخصصة للمراقبة، وفتح بلهفة الكاميرات الموزعة بكل ركن بالقصر، وعينيه تجول بلهفة عليهم، وهو يشعر بقلبه يكاد أن يتوقف من شدة توتره. ليتنفس فجأة براحة وهو يراها تقف بجوار المسؤول عن الحديقة تتحدث معه، وهي تقوم بزرع شتلة صغيرة من الورود. ليقول بغضب شديد بعد أن اطمئن عليها، وهو يلاحظ ارتدائها فستان ضيق قصير أصفر اللون ذو أكمام قصيرة:
= دا انتي سنتك سودة.. واقفة تتكلمي وتضحكي ولا على بالك. ثم تابع بغضب أشد: = وإيه الزفت اللي انتي لابساه ده. ثم أشار للحرس الذين أندفعوا فجأة للغرفة: = خلاص يا رجالة اهدوا وارجعوا لأماكنكم، أنا خلاص لقيتها. ثم أندفع بغضب إلى الخارج، واتجه إلى الحديقة الخلفية وهو يتوعدها بعقاب قاسٍ. بيجاد بغضب وهو يراها تركع على ركبتيها وتقوم بزرع شتلة صغيرة: = شمس.
تنفست شمس عدة مرات وهي تستعد لمواجهته، وهي ترسم ابتسامة كاذبة مرتعشة على شفتيها. ثم رفعت وجهها إليه وهي تقول بمرح مفتعل: = جاد.. إيه اللي جابك بدري أوي كده يا حبيبي؟ بيجاد بغضب: = سيبي اللي في إيدك ده وتعالي. ابتلعت شمس ريقها بتوتر، واقتربت منه بتردد. فسحبها بغضب وجرها من يدها خلفه، وهي تكاد أن تركض وهي تحاول مجاراة سرعته. ففتح باب الشقة ثم أغلقه خلفه، فشُهقت بصدمة وهي ترى النافذة المحطمة والزجاج المتناثر في كل مكان.
شمس بغضب وذهول: = إيه اللي عمل في الشقة كده؟ بيجاد بغضب شديد: = يا برودك يا شيخة.. بقى مش عارفة إيه اللي عمل في الشقة كده؟ ثم جذبها من ذراعها بغضب، وقد ارتفع صوته من شدة توتره الذي ما زال يسيطر عليه: = ممكن أعرف إيه اللي خلاكي تتصلي بيا على الرقم اللي مؤكد عليكي مليون مرة متتصليش بيه إلا لما يكون في مصيبة سودة حصلتلك؟ شمس بتبجح وهي تحاول ألا تظهر خوفها منه:
= أنا كنت.. كنت بتصل برقمك التاني بس غصب عني غلط واتصلت برقمك للطوارئ، وأول ما أخدت بالي قفلت على طول. بيجاد بغضب: = ولما انتي اتصلتي غلط مردتيش عليا ليه وعرفتيني إنك اتصلتي غلط؟ ثم تابع بغضب مجنون، وإحساسه إنه كاد أن يفقدها ما زال يسيطر عليه: = وليه مردتيش على مكالماتي؟ ده أنا رنيت عليكي ولا مية مرة. سحبت ذراعها منه وهي تضع يديها في خصرها بتحدي:
= مخدتش بالي.. قفلت السكة وخرجت بره على طول ومسمعتش صوت التليفون وهو بيرن. ثم تابعت بغضب: = وبعدين على فكرة بقى أنت الغلطان مش أنا. بيجاد بدهشة: = أنا اللي غلطان.. وغلطان في إيه بقى يا مدام شمس؟ شمس باختناق وقد بائت دموعها بالنزول: = غلطان عشان... عشان لو أنت جايب لي تليفون محمول مكنش ده كله حصل.. كنت هتتصل عليا وهرد عليك والموضوع هيخلص. صمت بيجاد قليلاً، ثم قال فجأة:
= انتي عندك حق.. موضوع التليفون ده تايه عن دماغي خالص. ثم مرر يده في شعره بتوتر: = النهاردة هجيب لك وأنا راجع من الشغل واحد جديد. شمس بتبجح: = مش عاوزة منك حاجة. أنا بس بعرفك إنك أنت اللي غلطان مش أنا. ضغط بيجاد على شفتيه بغيظ وهو يحاول السيطرة على غضبه، ثم استدار مغادراً فجأة، لكنه توقف وشمس تقول بتردد: = طيب وأنت رايح فين دلوقتي؟ بيجاد بغضب يحاول السيطرة عليه: = راجع الشغل اللي اتنيل وبوظ بسببك.. عندك مانع؟
ابتسمت شمس ببرود: = لا يا حبيبي اتفضل. فاستدار مغادراً وهو يكتم غيظه، إلا أنه توقف وألتفت إليها فجأة: = مقلتليش كنتي بتتصلي بيا عاوزة إيه؟ ابتسمت شمس بإستفزاز: = أبداً كنت عاوزة آخد إذنك عشان أخرج أتمشى بره شوية. بيجاد بغضب: = نعم تت.. تتمشي.. ولوحدك وفي مكان مقطوع زي اللي إحنا فيه ده؟ ثم جذبها من ذراعها بغضب: = إيه محرمتيش من المرة اللي فاتت؟ وإلا لازم تحصل مصيبة عشان تفهمي إن خروجك لوحدك مينفعش؟ جذبت شمس
ذراعها منه وهي تقول بغضب: = وهو يعني أنا اللي كنت خرجت بمزاجي؟ وإلا خطيبة سي بيجاد بتاعك هي اللي طردتني؟ بيجاد وقد انفلت عقال غضبه: = هي فعلاً طردتك.. بس ربنا ادانا عقل نفكر بيه. أقل حاجة كان ممكن تعمليها إنك تتصلي بيا وتسيبيني وأنا أتصرف. مش تسمعي كلامها زي المغيبة وتخرجي معاها ببهدوم بيت قصيرة ومكشوفة. ارتفع صوت شمس وقد اختنقت بالبكاء: = يعني أنا دلوقتي اللي غلطانة مش كده؟ بيجاد بغضب وغيره عمياء:
= غلطانة وغبية وزي الزفت كمان. وآخر مرة أشوفك بلبسك اللي زي الزفت ده بره البيت، وإلا برحمة أبويا يا شمس لهتشوفي مني وش مش هيعجبك. ثم تابع بغضب وغيره: = واتفضلي ادخلي غيري الزفت اللي انتي لابساه ده، والبس حاجة محترمة عشان في عمال جايين يصلحوا الحاجات اللي اتكسرت، وميصحش يشوفوكي كده. صمتت شمس دون أن ترد عليه. ليقول بغضب: = سمعتي أنا بقول إيه؟ شمس بإختناق وهي تتوجه لغرفة النوم:
= أيوه سمعت وهدخل حالاً أغير هدومي. تأمر بحاجة تانية؟ بيجاد بجدية: = شمس. إلتفتت شمس وهي تقول باختناق: = نعم. بيجاد بصرامة أخافتها: = رقم الطوارئ اللي اديتهولك تحفظيه كويس جداً وتستعمليه في حالة الطوارئ وبس، ومتتردديش ولو للحظة في إنك تتصلي بيه لو حسيتي بأي خطر. والدلع البايخ اللي حصل منك النهاردة ميتكررش تاني. ليتابع بتأكيد صارم أخافها: = رقم الطوارئ.. للطوارئ وبس، ومش لأي حاجة تانية. مفهوم؟ شمس باختناق:
= مفهوم. في أوامر تانية؟ بيجاد وهو يشير لغرفة النوم بصرامة: = لا مفيش، واتفضلي ادخلي غيري هدومك بسرعة. ثم تركها وغادر وهو يكاد يشتعل من شدة الغضب. وأنهارت هي في البكاء وهي تشعر بالحيرة. لا تستطيع أخذ قرار، هل تتركه وتفر بعيداً عنه؟ وإن فعلت، فإلى أين ستذهب وهي تعلم أن والدها قد يقتلها فعلياً إن عادت له هاربة؟ وإن استطاعت الهروب وتدبير مكان يأويها، هل ستتحمل أن تبتعد عنه وهي تشعر أن روحها معلقة به؟
وإن تركته تعلم أنها ستنهار ولن تستطيع أن تتحمل. خيارها الوحيد هو أن تعيش معه كذبته حتى يقرر هو اكتفاءه منها. وأن تحاول هي أن تجمع أكبر قدر من الذكريات الجميلة معه، تختزنها حتى تحيا عليها في أيامها القاحلة القادمة من دونه. وستحاول في نفس الوقت تدبير مكان تعيش فيه وعمل يسمح لها بالإنفاق على نفسها بعد انفصالها عن بيجاد. ثم مسحت دموعها بتصميم وهي تتوجه لغرفة النوم لتغيير ثيابها.
في المساء، دخل بيجاد بهدوء إلى شقتهم ليجدها غارقة في الظلام. ففتح أنوار المنزل وعينيه تبحث عن شمس، وهو ينادي: = شمس.. انتي فين يا حبيبي؟ ثم توجه إلى غرفة نومهم فوجدها فارغة. فأسرع إلى غرفة المعيشة ليجدها أخيراً مستغرقة في النوم على الأريكة. فرفعها على ساقيه وهو يمرر يده على وجهها الشاحب، يقبله بلهفة: = شمس.. مالك يا حبيبتي؟ إيه اللي منيمك هنا؟ فتحت شمس عينيها وهي تقول بتعب: = جاد. احتضنها جاد وهو يقول بلهفة شديدة:
= قلب جاد وروحه ودنيته. ثم مرر يده في شعرها بحنان: = إيه اللي منيمك في الضلمة يا حبيبي؟ نظرت شمس حولها بدهشة: = مش عارفة.. أنا كنت قاعدة هنا والظاهر راحت عليا نومة. قبل بيجاد أعلى رأسها وهو يقول بحنان، وهو يلوم نفسه لقسوته عليها في السابق: = طيب يلا فُوقي كده وشوفي أنا جبت لك إيه. هزت شمس كتفها بغضب: = مش عاوزة منك حاجة. ضمها بيجاد إليه وهو يقول بحنان: = لاااا.. دا كدا يبقى القمر بتاعي زعلان مني بجد. شمس بغضب:
= أيوه زعلانة ومخاصماك بجد. ثم حاولت النهوض والابتعاد عنه وهي تقول بغضب: = وإبعد كده... منعها بيجاد من النهوض وهو يضحك بمرح: = طيب بس اهدي وخلينا نتكلم الأول. شمس بغضب وهي تحاول رفع يده عن خصرها وتفشل: = مش هتكلم معاك.. ومخاصماك. ولو سمحت ابعد إيدك عني. ابتعد بيجاد قليلاً عنها وهو يقول بمكر: = خلاص انتي حرة.. بس انتي متأكدة إنك مش عاوزة تشوفي الموبايل الجديد اللي جبتهولك؟ شمس بغضب طفولي: = لا مش عاوزة.
ضمها بيجاد له مجدداً وهو يقبل إذنها ويهمس فيها بحنان: = ولا عاوزة تشوفي فستان السهرة اللي يجنن جبتهولك. نظرت له بطرف عينيها وهي تقول بصوت خفيض متردد: = مش عاوزة. فمرر يده في خصلات شعرها بحنان وهو يزيد من ضمها إليه، ويهمس فوق شفتيها بعشق: = ولا عاوزة تخرجي تساهري معايا. تاهت شمس في عينيه وهي تقول بحيرة: = ها. ابتسم بيجاد وهو يهمس فوق شفتيها بحنان:
= أنا آسف يا عمري متزعليش مني.. عصبيتي دي كانت غصب عني من كتر خوفي وغيرتي عليكي. ثم زاد من ضمها إليه وهو يقبلها برقة عدة مرات فوق شفتيها، حتى استجابت له بلهفة، فحملها وهو يعمق من قبلته لشفتيها واتجه بها إلى غرفة نومهم. بعد مرور بعض الوقت، احتضن بيجاد جسد شمس بتملك بين ذراعيه وهو يدفن رأسه في عنقها ويقبله بحنان. فمررت شمس يدها في شعر رأسه وهي تقول برقة: = جاد. بيجاد وهو يدفن وجهه في عنقها: = همممم.
شمس وهي تشعر أنها تذوب من رقة لمساته العاشقة والمتملكة: = أنت مش قلت إننا هنخرج نتعشى بره؟ زاد بيجاد من ضمها بتملك إليه وهو يهمس بمكر أمام شفتيها: = أنا قلت كده؟ شمس باحتجاج طفولي: = آه قلت كده. مرر شفتيه فوق شفتيها وهو يقول بمكر: = مفيش خروج إلا لما تصالحيني الأول. شمس باحتجاج: = نعم؟ وإلا أنا كل ده ولسه مصالحتكش؟ فابتسم وهو يهمس فوق شفتيها بشغف: = كل ده أنا اللي كنت بصالحك يا نصابة، ودلوقتي جه دورك عشان تصالحيني.
ثم قبل شفتيها وهو يهمس لها بعشق: = يلا... نظرت شمس في عينيه بعشق وقد تاهت في جاذبيتهم الشديدة وهي تقول بحيرة: = يلا إيه... بيجاد وهو يستولي على شفتيها بعشق: = صالحيني. ثم أغرقها في عشقه من جديد.
بعد بعض الوقت، ارتدت شمس فستان أنيق ومحتشم من الشيفون الحرير الأزرق الرائع وحذاء رائع فضي اللون. ثم اتجهت للمرآة وهي تنظر لنفسها بسعادة وهي تصفف شعرها عدة مرات حتى صار لامعاً ومهدلاً. فجمعتُه على جانب واحد بفراشة أنيقة من الألماس، ثم تركته منسدلاً على أحد كتفيها، وبدأت في وضع زينة لوجهها رقيقة ومتقنة حتى صارت آية في الجمال.
ووقف بيجاد الذي ارتدى بدلة سوداء وقميص رمادي أنيق، وهو يرتدي ساعته ويراقب سعادتها الطفولية بابتسامة رجولية جذابة. فاقترب منها ثم لف ذراعيه حولها وهو يهمس في أذنها بعشق: = معقولة كل الجمال ده بتاعي؟ ابتسمت شمس بخجل، وهو يخرج من علبة بحوزته عقد مشغول من حبات اللؤلؤ الرمادية المتدرجة الألوان والمتداخلة، ووضعه حول عنقها، ثم طبع قبلة رقيقة على عنقها، ثم اتبعه بسوار وخاتم من نفس التصميم. فابتسمت شمس بسعادة
وهي تنظر لهم بانبهار: = حلوين أوي يا حبيبي ولايقين على الفستان. ابتسم بيجاد وهو يقول بحنان: = حلوين عشان انتي اللي لابساهم يا حبيبتي. ثم أضاف وهو يضع في يدها هاتفاً حديثاً ذهبياً اللون منقوش عليه اسمها بحبات ماسية صغيرة: = وده يا ستي تليفونك الجديد.. عشان شمسي متزعلش وتحن وترضى ترد عليا.
نظرت شمس للهاتف في يدها وقد اتسعت عينيها بصدمة، ثم صرخت فجأة بحماس وهي تقفز بفرحة كالطفل. ثم رمت نفسها بين ذراعيه بسعادة، فاحتضنها ولف بها الغرفة، ثم أنزلها وهو يحتضنها ويرفع وجهها إليه يتأمل ابتسامتها وهو يقول بحنان: = لو كنت أعرف إن الموبايل هيفرحك أوي كده.. كنت اشتريتلك شركة موبايل بحالها.
اختفت ابتسامة شمس فجأة وامتلأت عينيها بالدموع. وكلماته تذكرها بمدى ثرائه، وأن الواقف أمامها ليس جاد حب عمرها، ولكن بيجاد رجل الأعمال القوي الذي سحقها بدون رحمة في السابق، الذي تخشاه حتى الموت حالياً. فانقبض قلبها وتبخرت سعادتها الواهية في الهواء. لاحظ بيجاد تبدل حالتها من الفرحة الشديدة إلى الحزن. فمرر أصابعه على وجهها بحنان: = في إيه يا حبيبتي؟ أنا قلت حاجة زعلتك؟ هربت شمس بعينيها منه وهي تقول بتوتر:
= لأ بس قلقانة.. أول مرة أحضر حفلة زي دي. لف بيجاد يده حول خصرها وهو يقودها إلى السيارة الفخمة المتوقفة بجانب شقتهم. وهو يفتح باب السيارة الأمامي لها وهو يقول بهدوء: = أولاً مفيش حاجة ممكن تقلقك. إحنا هنحضر عشاء عمل لمجموعة من الإيطاليين وهيكون فيه مدراء ورؤساء تنفيذيين وزوجاتهم. حاجة عادية يعني. ثم جلس في مقعد السائق وبدأ في القيادة بهدوء. وشمس تقول بتوتر: = طيب وإحنا هنروح هناك بصفتنا إيه؟
ابتسم بيجاد وهو يرفع يدها إليه يقبلها مهدئاً ويقول بمرح: = هنروح هناك بصفتي متدرب متوصي عليه جامد جداً من بيجاد بيه الكيلاني، وهاروح عشان أتعلم أصول البيزنس والصفقات اللي بتتم في الحفلات وفي عشاء العمل. ها.. عندك أسئلة تانية؟ ابتسمت شمس بتوتر وهي تنظر من النافذة الجانبية وعينيها تمتلئ بالدموع.
بعد قليل، وضعت شمس يدها بتوتر على ذراع بيجاد الذي قادها إلى قاعة طعام راقية لا يرتادها إلا صفوة المجتمع. فانتشرت عدة موائد عليها مجموعات من الرجال والنساء الذين يظهر عليهم الثراء والنفوذ. إلا أن بيجاد لم يلتفت إليهم وهو يتوجه إلى مائدة كبيرة عليها عدد محدود من النساء والرجال. فحيّا الموجودين بهدوء، ثم سحب مقعداً وساعد شمس على الجلوس. في حين مال أحد الرجال وهمس بجانب أذن بيجاد باحترام:
= كل حاجة تمت زي ما حضرتك أمرت. مفيش حد هيذكر اسم سيادتك النهاردة وكلنا هنتعامل معاك على إنك موظف جديد معانا. هز بيجاد رأسه برضا دون أن يعلق. ثم بدأ التحدث بطلاقة باللغة الإيطالية مع ضيوفه الإيطاليين. في حين شاهدت شمس ما يحدث حولها بتوتر. وعينيها تدور في المكان لتتوقف فجأة على عيون تتابعها بغل وغضب. فشحب وجهها وهي تشيح بوجهها عنهم وتهمس لنفسها بتوتر: = ودول إيه اللي جابهم هنا؟
في نفس الوقت همست تارا التي ترتدي فستان أسود عارٍ لوالدتها: = شايفة مين اللي قاعدة هناك مع بيجاد الكيلاني؟ رفعت قسمت عينيها تتأمل شمس بغضب. وتارا تتابع بحقد: = ملبس الفلاحة فستان أحدث موديل وطقم لؤلؤ ثمنه معدي المليون دولار، ومدخلها تقعد مع أسيادها. قسمت بغضب: = اهدي يا تارا وابن الكيلاني مهما حاول عمره ما هيعرف يساوي الجربوعة دي بينا. تارا بغضب:
= يساوي إيه بس يا ماما.. بصي قدامك كويس.. دا مش بس سواها بينا، لا دا رفعها عننا كمان. مش شايفة لابسة إيه؟ ولا قاعدة مع مين؟ إسود وجه قسمت من شدة الغيظ. وتارا تتابع بكراهية: = استني لسه السهرة في أولها. إن ما فضحته هو والفلاحة اللي عاوز يساويها بينا. ثم نظرت لوالدتها وهي تقول بخبث: = مش هي لسه فاقدة الذاكرة ومش فاكرة إنها متجوزة من بيجاد الكيلاني؟ خلاص خلينا نفكرها ببيجاد وإللي عمله فيها. ثم مالت على أذن شخص بجانبها
وهي تقول بحقد ومكر: = كمال.. مش اللي هناك ده يبقى بيجاد بيه الكيلاني؟ ارتفعت عين كمال بلهفة: = أيوه فعلاً هوه.. أنا من زمان كان نفسي أتعرف بيه وأعمل شغل معاه. ابتسمت تارا وعينيها تتابع شمس بحقد: = وأهي الفرصة جاتلك أهي على طبق من دهب ورينا شطارتك بقى.
بعد قليل، اندمجت شمس في عالمها الجديد بمساعدة بيجاد الذي أدمجها في مجرى الحديث الدائر بينهم بسهولة ويسر، يساعدها أن الجميع كان يخطب ودها لقربتها من بيجاد الكيلاني، وحش أسواق المال. ابتسم بيجاد وهو يميل على أذن شمس بحنان: = تسمحيلي بالرقصة دي يا شمس هانم؟ ابتسمت شمس برقة وهي تقف معه، وهو يحاوط خصرها بتملك ويتمايل معها بهدوء على أنغام الموسيقى الحالمة. يضمها إليه بحماية وعشق، ويديه تحيطها وهي تريح رأسها على كتفه.
فهمس بجوار أذنها بحنان: = مبسوطة يا حبيبي؟ ابتسمت شمس بسعادة: = أوي يا حبيبي، كأني في حلم جميل. قبل بيجاد شعرها وهو يهمس بحنان: = دا أنا اللي في حلم جميل يا شمسي ونفسي مصحاش منه. ثم زاد من ضمها بحنان وهو يتمايل بها، وهي تشعر كأنها ملفوفة في غيمة سحرية. بعد قليل، جلست شمس بجانب بيجاد وبعض رجاله وزوجاتهم وبعض رجال الوفد الإيطالي، وهم يتحدثون بجدية وباللغة الإيطالية في بعض بنود العقود. فقالت زوجة أحد المدراء بهمس لشمس:
= أنا هاروح الحمام أظبط ميكياجي، تحبي تيجي معايا؟ شمس بارتباك: = آه يا ريت. ثم مالت على أذن بيجاد: = أنا هاروح معاها الحمام وثواني وراجعة. نظر لها بيجاد باهتمام: = اتفضلي يا حبيبتي. مشت شمس مع السيدة التي تتحدث بمرح عن زوجها وشدة اهتمامه بعمله. في حين اعتذر بيجاد من الموجودين وهو ينوي أن يلحق بشمس ويقف لها بالخارج خوفاً من حدوث أي شيء غير محسوب لها. لكنه اصطدم برجل أعمال مد له يده وهو يقول باحترام:
= كمال أبو الليل رجل أعمال.. اتشرفت جداً بمقابلتك. مد بيجاد يده محيياً وعينه تتابع بقلق شمس حتى اختفت عن عيونه. في حين ابتسمت تارا بانتصار وهي تشير لوالدتها وتقول بكراهية: = خليكي هنا.. وأنا رايحالها. قسمت بتوتر: = طيب وبيجاد؟ إحنا مش عاوزين مشاكل معاه. تارا بسخرية: = متخافيش.. بيجاد على ما يقدر يخلص نفسه من كمال فيها على الأقل ربع ساعة، وأنا مش عاوزة أكتر من كده.
ثم ذهبت سريعاً إلى الحمام ودخلت لتجد شمس برفقة السيدة وهي تضع القليل من أحمر الشفاه. تارا بمرح مفتعل: = شمس إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟ اهتزت شمس وهي تنظر لها بتوتر: = الحمد لله كويسة. إزيك أنتِ؟ فتحت تارا حقيبتها وهي تقول بخبث: = أنا الحمد لله كويسة.. وباباكي البشكتاش هو والخدامة مراته كمان بخير. امتقع وجه السيدة وهي تتابع الحديث، فقالت بحرج خوفاً من المشاكل: = طيب أنا هسيبكم تكملوا كلامكوا، وهروح أنا.
ثم أسرعت بالخروج وتركتهم وحدهم. وشمس تقول بتوتر: = ممكن أعرف أنتِ عاوزة إيه مني بالظبط؟ ولازمته إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ تارا بغضب: = اخرسي واسمعيني كويس وشيلي وش الطيبة ده اللي حطاه على وشك. ثم تابعت بكراهية: = بقى انتي يا جربوعة فاكرة إن بيجاد بيه الكيلاني بيحبك حقيقي؟ فاكرة إنه ممكن يفضلك عليا ويختار حتة خدامة تبقى مراته؟ إلتمعت عيون شمس بالدموع، ولكنها قالت ببرود: = بيجاد الكيلاني مين اللي بتتكلمي عنه؟
أنا ست متجوزة وعيب قوي إللي بتقوليه ده. تارا بسخرية: = بقى مش عارفة بيجاد مين؟ بيجاد اللي بترقصي في حضنه طول الليل، وإللي ملبسك هدوم ومجوهرات لا انتي ولا أهلك تحلموا تتفرجوا عليها، مش تلبسوها. شمس ببرود وهي تضع قطرات من العطر على عنقها، وتتحسس عقد اللؤلؤ بإغاظة: = أنا مش فاهمة انتي بتتكلمي عن إيه. بس أكيد انتي تقصدي حد تاني غيري.. عن إذنك مش عاوزة أتأخر على بيجاد... آه.. أقصد جاد جوزي.. أصله بيقلق عليا موت.
ثم حاولت المغادرة. إلا أن تارا التي اشتعل غضبها بجنون وهي تدرك أن شمس لم تفقد الذاكرة كما تدعي، فسحبتها من يدها وهي تقول بغضب: = يابنت الكلب دا انتي مطلعتيش سهلة. ثم دفعتها بغل في الحائط خلفها، فاصطدمت رأسها به بقوة ووقعت على الأرض مغشياً عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!