تحميل رواية «حالة خاصة» PDF
بقلم ميادة يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ حالة خاصة بقلم ميادة يوسف.
رواية حالة خاصة الفصل الأول 1 - بقلم ميادة يوسف
رواية حالة خاصة الجزء الأول 1 بقلم ميادة يوسف
حالة خاصةرواية حالة خاصة الحلقة الأولى
في كافيه شيك على النيل…
مروة:
وبعدين يا طارق؟ إيه هتفضل كده شايل الهم والحزن والغم؟
فك بقى، إحنا جايين نفرح شوية، مش معقول كده.
طارق:
هفك يا حبيبتي… مجرد وقت وهيعدي، متشغليش بالك يا قلبي.
مروة:
إيه؟ مراتك برضو؟
طارق:
يا ستي قولتلك متاخديش في بالك…
بس إيه الجمال ده يا قلبي؟ بتحلوي كل يوم عن اليوم اللي قبله.
مروة:
بجد؟
إنت بتهرب صح؟
مافيش حد فاهمك قدّي.
طارق:
طب مدام فهماني بقى… تبقي تسكتي.
مدّت إيدها على إيده، وبصت له بحنين:
وحشتني نفسي في حضنك قوي…
طارق سكت لحظة، وبص للنيل بشرود، وكأن الكلام لمس وجع حاول يهرب منه كتير.
أما مروة فكانت عينيها كلها خوف… خوف من يوم يصحى فيه ضميره ويرجع لبيته وينساها.
وفي نفس اللحظة…
على ترابيزة بعيدة، كانت بنت قاعدة لوحدها، ماسكة كتاب وفنجان قهوة، لكن عينيها كانت متعلقة بطارق من أول ما دخل.
طارق…..
مد إيده وقال لمروة:
تعالي نتمشى بالعربية شوية.
مروة…..
ياريت… يالا.
اتحمست وقامت مشيت معاه، ركبوا العربية، ومروة قربت من طارق وسندت راسها على كتفه، وبدأت تلعب في زراير القميص وهي مبتسمة بخبث.
طارق مسك إيدها بهدوء:
مروة… بلاش دلع النهارده.
مروة بصت له بضيق:
إنت مالك بقى؟
كل شوية سرحان ومش على بعضك، حتى وأنا معاك حاسة إن عقلك في حتة تانية.
طارق تنهد وساق العربية بصمت، أما هي فكانت تراقب ملامحه وتحاول تفهم إيه اللي مخبيه جواه.
وفجأة…
رن تليفونه.
أول ما شاف الاسم، وشه اتغير واتوتر.
مروة لاحظت وسألته بسرعة:
مين؟
طارق قفل الشاشة بسرعة:
شغل.
لكن مروة خطفت التليفون من إيده قبل ما يمنعها، وبصت للاسم…
لتتجمد ملامحها وهي تقرأ:
“مراتي حبيبتى”
هما بيلفوا بالعربية…
مروة كانت ساندة راسها على الكرسي وبتبص من الشباك، بينما طارق سايق بشرود واضح.
مروة:
إنت ساكت ليه من ساعة ما خرجنا؟
طارق:
مفيش… بفكر بس.
مروة ابتسمت بسخرية خفيفة:
أكيد مش بتفكر فيا.
طارق بص لها بسرعة:
ليه دايمًا مصممة تحسسي نفسك إنك قليلة عندي؟
مروة:
علشان الحقيقة كده يا طارق…
أنا دايمًا التانية.
سكت شوية، وبعدها مد إيده مسك إيدها:
إنتِ عارفة إن الموضوع معقد.
مروة:
معقد لدرجة إنك عمرك ما وعدتني بحاجة.
حتى كلمة “مستقبل” مبتقولهاش.
طارق اتنهد بضيق وهو بيقف بالعربية عند إشارة:
مش كل حاجة ينفع تتقال بسهولة.
وفجأة…
شاف بنت واقفة على الرصيف في عز البرد، حضناها شنطة قديمة وبتحاول توقف تاكسي، لكن محدش راضي يقف لها.
مروة:
مالك؟ وقفت ليه؟
طارق فضل باصص للبنت لحظات، وكانت نفس البنت اللي كانت في الكافيه.
مروة لاحظت نظراته للبنت، فقالت بزهق:
لا… كمان بتبص للبنت دي؟
وفتحت باب العربية ونزلت بعصبية.
طارق:
تعالي يا مجنونة، اسمعي بس…
لكن مروة كملت مشي ومارضيتش تقف له.
طارق اتنهد بضيق:
أحسن… امشي، مش ناقصة نكد.
لف بالعربية وتحرك، لكن بعد شوية لمح في مراية العربية البنت اللي كانت واقفة لوحدها على الرصيف.
فضل باصص لها لحظات، وبعدها لف بالعربية ورجع وقف قدامها.
مريم أول ما شافته فتحت الباب الخلفي بسرعة وركبت وهي متضايقة:
إيه يا أستاذ؟ ساعة أستنى حضرتك!
هي دي مواعيد؟
والله لأتصل بالشركة وأبلغهم عن سوء الخدمة.
طارق اتفاجئ للحظة، لكنه دخل في الكلام من غير ما يفكر:
آسف يا فندم، معلش… حصل معايا موقف غريب.
بس بالله عليكي ماتبلغيش الشركة.
مريم عقدت دراعاتها بضيق:
وأنا مالي؟
أنا طالبة العربية من أكتر من نص ساعة والجو ساقعة بره.
طارق حاول يكتم ضحكته:
حقك عليا.
طب يلا… على فين؟
مريم بدأت تديله العنوان وهي لسه متعصبة، بينما طارق كان سايق وعينيه كل شوية تروح للمراية يبصلها.
مريم لاحظت سكوته فقالت:
مالك؟
إنت جديد في الشغل ده؟
طارق ابتسم بخفة:
ليه؟ باين عليا؟
مريم:
آه… السواقين عادة بيبقوا حافظين الشوارع، إنت شكلك تايه أصلًا.
طارق ضحك لأول مرة من قلبه:
معلش استحملي أول يوم شغل بقى.
مريم هزت راسها وهي بتبص من الشباك:
واضح فعلًا.
وفجأة…
العربية عطلت في نص الطريق.
مريم بصت له بصدمة:
يا نهار أبيض!
إنت أكيد بتتدرب عليا!
مريم ….. “خلاص مش هحكي لك تاريخ حياتي… بص قدامك أحسن.”
قالتها وهي ماشيه بخطوات سريعة، من غير ما تبص وراها، وكأنها بتقفل باب كلام انتهى قبل ما يبدأ.
بعد لحظات، رن موبايلها.
وقفت على جنب بضيق، وفتحت الاتصال: “أيوه… أنا دكتورة مريم، اتفضل.”
صوتها كان حاد ومتوتر: “يعني إيه الأوردر مش وصل؟! مفيش أي رسائل جتلي على الرقم… رقم الطلب إيه؟”
سكتت ثواني وهي بتسمع الرد، وبعدين ردت بنبرة أقسى: “لا يا فندم، رقمى هو 010…… أكيد في لخبطة. أكد الطلب حالًا، مع السلامة.”
قفلت المكالمة بسرعة وهي بتزفر بضيق.
على الناحية التانية…
طارق كان قاعد ماسك موبايله، وعينه على الرقم اللي سيفه من شوية. مش فاهم هو عمل كده ليه، ولا ليه حس إنه محتاج يحتفظ به.
قفل الشاشة، وبص قدامه لحظة طويلة، وكأنه بيحاول يطرد الفكرة من دماغه.
بعد وقت قليل…
مريم وصلت للمكان اللي كانت رايحاه، دخلت بسرعة وأنهت اللي وراها من إجراءات وشغل، من غير ما تدي لنفسها فرصة تلتقط أنفاسها.
وفي نفس الوقت…
طارق رجع شقته، شقة هادية شبهه، مقفولة على صوت أفكاره أكتر من أي حاجة تانية. دخل، رمى مفاتيحه، وراح على الحمام على طول.
فتح الميه…
ووقف تحت الدش، لكن عقله كان مشغول، رايح وجاي بين صوت مريم العصبي في المكالمة، وبين الرقم اللي لسه متسجل في موبايله.
خرج بعد شوية، لف فوطة على رقبته، وبص في المراية بصمت طويل، كأنه بيحاول يفهم الإحساس الغريب اللي بدأ يثبت جواه… من غير ما ياخد باله.
مريم دخلت الشقة وهي شايلة الشنطة على كتفها، أول ما فتحت الباب وقفت مكانها لحظة من الصدمة.
الألعاب في كل مكان، الصالة شبه ساحة معركة، وصوت ضحك طفل صغير جاي من بعيد.
بصت قدامها وقالت بانفعال: “إيه ده يا أكرم اللي أنت عامله ده؟! فيه حد يعمل كده برضو؟ قالب الشقة دار ألعاب!”
من ناحية تانية في المطبخ، خرجت سميه وهي بتعدل طرحتها بسرعة، وبابتسامة هادية: “جِيتِ يا مريم… حمد لله على السلامة.”
مريم ردت وهي لسه متوترة: “الله يسلمك… ابنك مبهدل الصالة ومغرق نفسه عصير!”
سميه تنهدت وهي شايلة طبق من المطبخ: “أعمل إيه بس؟ يادوب لسه مخلصة شغل البيت، والأكل جاهز عندك.”
مريم هزت راسها وهي بتحاول تهدى: “ماشي… أنا هروح أغير لأكرم الأول.”
اتجهت ناحية أوضة الأطفال، فتحت الباب بهدوء، ولقت أكرم قاعد على الأرض، لابس لبس متوسخ شوية، وباين
عليه إنه مستمتع جدًا بالفوضى اللي عاملها.
قربت منه مريم ونزلت لمستواه: “يا بطل… ينفع اللي أنت عامله ده؟”
أكرم بص لها ببراءة، وسكت لحظة كأنه بيفكر، وبعدين ابتسم: “بس كنت بلعب يا ماما…”
مريم حاولت تخبي ابتسامتها وهي بتتنهد: “تلعب براحتك… بس من غير ما نقلب الشقة كده.”
مسحت على شعره وقامت تشيله: “يلا بقى نغير ونظبط الدنيا مع بعض… وبعدين نحكيلي لعبت إيه النهارده.”
مريم كانت لسه خارجة من أوضة أكرم وهي شايلة هدومه عشان تغيره، وفجأة سمعت صوت سميه جاي من البلكونة وهي بتلم الغسيل.
سميه وهي واقفة في البلكونة: “ها يا مريم… هتعملي إيه مع طليقك؟ هترجعي له زي ما هو عايز؟”
مريم وقفت لحظة، وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة وهي بتبص ناحيتها: “لا والنبى! اطلعي في البلكونة في الشارع وقولي كده للناس كلها… شاطرة يا مرات أخويا، شاطرة!”
سميه ضحكت من قلبها وهي بتهز راسها: “ما تخفيش… البرد مخلي الناس لابدة ومحدش سامع حاجة!”
مريم هزت راسها وهي داخلة جوه تاني: “الحمد لله… وإلا كانت فضيحة على آخر اليوم.”
دخلت أوضة أكرم، وبدأت تغيرله هدومه بهدوء، لكن عقلها كان مشغول بالكلمة اللي اتقالت.
بره…
سميه فضلت شوية في البلكونة وهي بتكمل نشر الغسيل، وبصوت أخف كأنها بتكلم نفسها: “بس برضو… الموضوع ده مش سهل عليها خالص.”
وفي اللحظة دي، صوت ضحك أكرم الصغير كان مالي الشقة، كأنه بيحاول يمسح أي توتر حصل من شوية……ياترى ايه حكايه مريم بالظبط وطارق هيعمل إيه؟!
…..
رواية حالة خاصة الفصل الثاني 2 - بقلم ميادة يوسف
ليس كل من يبتعد ينسى… وليس كل من يعود يستحق فرصة جديدة… فبين وجع الأمس وغموض الغد، تقف القلوب حائرة أمام قرارات قد تغيّر مصيرها إلى الأبد.”
سميه: بقولك هتعملي إيه مع طليقك؟ ردي عليا.
مريم: وقفت قدامها وقالت بهدوء: أنا عارفة إني تقلت عليكم أنا وأكرم… وعلى العموم بدور على شقة، وممكن أخد أكرم وأنام في العيادة عادي.
سميه: أخص عليكي يا مريم! طب دانتي صاحبتي ورفيقة عمري، مش بس بنت خالتي ولا أخت جوزي. وبعدين احنا اللي عايشين في شقة باباكي الله يرحمه، يعني انتي قاعدة في بيتك وإحنا اللي ضيوف.
مريم: ابتسمت بحزن: ربنا يخليكي ليا يا سميه… بس مش بحب أحس إني تقيلة على حد.
سميه: وأنا مش بحب أسمع الكلام ده منك. إنتِ وأكرم أهل البيت، ومحدش يقدر يقول غير كده.
في اللحظة دي دخل أكرم يجري وهو بيضحك: ماما… ماما… عمو كريم جابلي عربية!
مريم: عربية إيه تاني يا أكرم؟
أكرم: تعالي شوفي!
خرجت مريم للصالة، ولقت كريم قاعد على الأرض بيلعب مع أكرم.
كريم: إيه يا دكتورة؟ داخلة تبصيلي كده ليه؟
مريم: علشان إنت السبب في دلع الواد ده.
كريم: وأنا مالي؟ ده راجل البيت الصغير.
أكرم ضحك: أنا راجل البيت!
الكل ضحك، لكن مريم سرحت للحظة.
كريم: مالك؟
مريم: مفيش.
سميه: فيه… لسه بتفكر في طليقها.
كريم اتنهد: لسه بيكلمك؟
مريم: كل يوم تقريبًا.
كريم: وإنتِ؟
مريم: خلاص يا كريم… اللي انكسر بينا صعب يرجع زي الأول.
كريم: بس هو أبو أكرم.
مريم: أبو أكرم وهيفضل أبو أكرم طول عمره… لكن زوجي؟ لا.
وفجأة… رن موبايلها.
بصت للشاشة واتوترت.
سميه: مين؟
مريم: هو.
كريم: ردي وشوفي عايز إيه.
مريم أخدت نفس عميق وردت: أيوه يا حسام.
حسام: وحشتيني.
مريم أغمضت عينيها بضيق: قول عايز إيه يا حسام.
حسام: هو لازم كل كلامنا يبقى خناق؟ أنا بطلب أشوف ابني.
مريم: تشوفه في أي وقت. لكن لو جاي تفتح مواضيع قديمة يبقى بلاش.
حسام: أنا لسه بحبك يا مريم.
مريم: متتأخرش على معادك مع أكرم. مع السلامة.
وقفلت المكالمة.
سميه: لسه مش ناوية تديله فرصة؟
مريم: بعض الأخطاء مبتتغفرش يا سميه.
وفي مكان تاني…
كان طارق قاعد في بلكونة شقته، قدامه فنجان قهوة بارد.
فتح موبايله وبص على رقم مريم.
فضل يتأمله شوية.
وبعدين ضغط اتصال…
لكن قبل ما الرنة الأولى تكمل، قفل بسرعة.
طارق: إيه الهبل اللي بعمله ده؟
قام من مكانه بعصبية، لكنه اتفاجئ بمكالمة داخلة.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاه يتنهد بضيق:
“مراتي حبيبتي”
بص للموبايل ثواني طويلة قبل ما يرد.
وفي الجهة الأخرى…
كانت زوجته تبكي.
طارق:
ألو… أيوة يا مها، عاملة إيه إنتِ والولاد؟ أخباركم إيه؟
مها:
بعصبية وصوت عالي:
ولادك إنت لسه فاكر سليم ومازن؟
آه ما إنت عايش بالطول والعرض وأنا شايلة كل الهم لوحدي.
على العموم محتاجة فلوس، وياريت ترجع البيت علشان ولادك محتاجينك.
طارق:
تنهد وهو بيغمض عينه:
آه… مصاريف وفلوس.
حاضر، كل اللي تعوزيه موجود.
أنا راجع على دبي قريب، وهعدي يومين نقعد مع بعض ومن غير مشاكل.
يلا أقفل دلوقتي علشان راجع من الموقع تعبان.
مها:
طب هبعتلك شوية طلبات تجيبها معاك وإنت جاي.
طارق:
ماشي.
قفل المكالمة ورمى الموبايل على الكنبة، وسند راسه للخلف بتعب.
همس لنفسه:
الغريب إننا بقينا بنتكلم في كل حاجة…
إلا إحنا.
فضل قاعد شوية في صمت، قبل ما يرن الموبايل برسالة جديدة.
فتحها…
كانت من مها.
“ما تنساش تجيب ألعاب لسليم ومازن… الولاد فرحانين إنك هتيجي.”
ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه لأول مرة.
طارق:
ربنا يحفظهم.
لكن فجأة…
رجع قدامه وجه مريم وهي بتزعق فيه بسبب العربية.
ضحك رغماً عنه:
دي مجنونة رسمي.
وفي نفس الوقت…
كانت مريم قاعدة في أوضتها بعد ما أكرم نام.
فتحت اللاب توب علشان تراجع شغل العيادة، لكن تركيزها كان في حتة تانية.
وفجأة افتكرت السواق الغريب.
مريم:
لا… ده كان عجيب فعلاً.
ثم هزت رأسها بسرعة:
وأنا مالي بيه أصلًا؟
لكنها ما كانتش تعرف…
إن القدر بدأ يجهز لأول مواجهة حقيقية بينهم.
بقلم ميادةيوسف الذغندى
طارق…..
مسك فنجان القهوة، ومشى بيه ناحية المطبخ، ورماه في الحوض.
طارق:
حتى يوم ما أعمل فنجان قهوة أشربه… أنساه.
تنهد بتعب وهو بيبص للساعة.
طارق:
يالا… النوم أحسن.
عندي شغل بكرة كتير.
طفّى الأنوار، ودخل أوضته بهدوء.
قعد على السرير لحظات، وبعدها تمدد وحط راسه على المخدة.
غمض عينيه وحاول ينام…
لكن أول ما ساب نفسه للنعاس، ظهرت قدامه صورة مريم.
وشها وهي متعصبة…
وطريقتها وهي بتبص له باستغراب…
وصوتها وهي بتقوله:
“إنت جديد في الشغل ده؟”
فتح عينيه بضيق.
طارق:
إيه ده بس…
لف على جنبه التاني وحاول ينام من جديد.
لكن صوتها كان لسه بيرن في ودانه، وكأنها قاعدة قدامه دلوقتي.
طارق هز راسه بقوة، واستغفر:
أستغفر الله العظيم…
أستغفر الله العظيم.
شد البطانية عليه أكتر، وحاول يجبر نفسه على النوم.
وبعد وقت…
بدأ التعب يغلبه أخيرًا.
لكن قبل ما ينام بلحظات، همس لنفسه:
غريبة…
مع إني معرفهاش.
وأخدته غفوة متقطعة، بينما صورة مريم كانت آخر حاجة شافها قبل ما ينام.
أما في مكان آخر…
كانت مريم واقفة في البلكونة، والهواء البارد بيحرك خصلات شعرها.
بصت للشارع بشرود طويل، قبل ما تتنهد وتدخل تقفل الباب وراها.
هي كمان كانت محتاجة تنام…
لكن النوم الليلة دي، كان بعيد عن الاتنين.
مها……
كانت قاعدة على الكنبة، وتهز رجلها بعصبية واضحة، وعينيها ثابتة على شاشة الموبايل.
نورا أختها:
اللي يشوفك من شوية وإنتِ بتزعقي له وتشخطّي فيه، ما يقولش أبدًا إنك مستنياه يرد!
مها:
بصت لها بضيق:
قصدك إيه؟
نورا:
قصدي إنك بتحبي طارق يا مها.
مها:
ضحكت بسخرية:
حب؟
إنتِ لسه بتصدقي الكلام ده؟
نورا:
أومال إيه؟
لما إنتِ مش بتحبيه، مالك زعلانة قوي كده؟
ومالك كل شوية تبصي في الموبايل مستنية يتصل؟
مها:
اعتدلت في قعدتها وقالت بحدة:
طارق ده كان حلم بنات البلد كلها…
حضوره، وهيبته، وشكله، وعيلته، وأملاكه هنا في البلد.
معقول أسيب واحدة تاخد كل ده مني؟
نورا:
قعدت على الكنبة وهي بتبص لأختها بتفكير:
يعني مش حب؟
مها:
أكيد لا.
نورا:
أنا بقى شايفة غير كده.
شايفة إن كل السيطرة دي، وكل العصبية دي…
وراها غيرة وخوف.
مها:
خوف من إيه يعني؟
نورا:
خوف تخسريه.
سكتت مها لحظة، لكنها سرعان ما قالت بعناد:
أنا مستحيل أخسر حاجة بتاعتي.
نورا:
والإنسان مش ملكية يا مها.
مها:
قامت واقفة وهي متضايقة:
أنا داخلة أنام وأسيبك للحب والكلام الفارغ ده.
نورا:
ضحكت
وهي بتشاور عليها:
اهربي براحتك…
بس في يوم هتعترفي إنك بتحبيه.
مها:
من غير ما تبصلها:
تصبحي على خير.
دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها.
لكن أول ما بقت لوحدها…
وقفت قدام المراية.
وبصت لنفسها ثواني طويلة.
وبدون ما تشعر، راحت فتحت ألبوم الصور على موبايلها.
ظهرت صورة قديمة ليها مع طارق يوم فرحهم.
فضلت تبص للصورة بصمت.
ثم لمست الشاشة بطرف صباعها وهمست:
أنا مش بحبك…
انت بتاعى انا ملكى انا ، انا اللى قول تعمل إيه ومش تعمل إيه وتروح فين وتيجى من فين كلك على بعضك ملكى
لكن دمعة صغيرة خذلتها ونزلت من عينها.
فمسحتها بسرعة، وقفلت الموبايل بعصبية.
وكأنها بتحارب حقيقة مش عايزة تعترف بيها حتى لنفسها.
مريم……
قفلت اللاب توب بعد ما فقدت التركيز تمامًا، وقامت من مكانها.
دخلت أوضة أكرم بهدوء، لقيته نايم وحاضن لعبته المفضلة.
ابتسمت وهي بتعدل الغطا عليه، ومسحت على شعره بحنان.
مريم:
ربنا يحفظك يا قلب ماما.
طفت النور الصغير، وخرجت من الأوضة بهدوء.
وهي ماشية ناحية أوضتها افتكرت فجأة:
يووه…
مشوار بكرة!
وقفت مكانها وضربت كف بكف:
أنا لسه ما حجزتش عربية.
مسكت موبايلها بسرعة وهي بتفكر:
أفتح الأبلكيشن وأحجز…
ولا آه!
السواق ده…
أنا أخدت رقمه صح.
ابتسمت من غير ما تحس وهي بتفتكر شكله وهو مرتبك لما العربية عطلت.
راحت فتحت سجل الأرقام، وبدأت تدور عليه.
ولما لقت الرقم، حفظته باسم:
“السواق الغريب”
وبمجرد ما مافتحت الاتصال اتفاجأت بالاسم على الشاشه
رواية حالة خاصة الفصل الثالث 3 - بقلم ميادة يوسف
أحيانًا يضع القدر أشخاصًا في طريقنا دون موعد، فتبدأ الحكاية بخطوة عابرة… وتنتهي بقلب لم يكن مستعدًا لكل ما سيأتي.”
مريم……
فتحت الاتصال بسرعة:
إنت؟
طارق……
اتلخبط واتردد لحظة:
دكتورة مريم؟
مريم:
أيوه.
طارق……
اتنحنح وهو بيحاول يظبط صوته:
أنا… كنت بتأكد إن الرقم متسجل صح عندي بس.
مريم……
ابتسمت باستغراب:
تمام… أنا أصلًا كنت بتصل عليك.
طارق:
بتتصلي عليا؟
مريم:
أيوه، عندي مشوار مهم بكرة وعايزة عربية ضروري.
طارق:
ولا يهمك… الساعة كام؟
مريم:
تسعة الصبح.
طارق:
تمام، هكون عندك قبلها بعشر دقايق.
مريم:
لا، ابعت أي سواق من الشركة.
طارق:
للأسف كله عنده مأموريات من بدري.
مريم:
يعني؟
طارق:
يعني هاجي أنا.
مريم:
خلاص ماشي.
أنهوا المكالمة، لكن كل واحد فيهم فضل يفكر في التاني أكتر من اللازم
ما أنهى المكالمة…
طارق فضل باصص للموبايل ثواني، وبعدين خبط كف على جبينه.
طارق:
أنا لازم أكون في الموقع بدري جدًا… هو أنا إزاي وافقت كده على ميعاد مريم؟
تنهد بضيق وهو بيبص للساعة.
طارق:
يووووووووووه…
مرر إيده في شعره وهو بيهز راسه.
طارق:
خلاص… لازم أنام، الفجر هيأذن كمان شوية.
حط الموبايل على الكومود، وقفل النور، وحاول ينام بسرعة.
الساعة السادسة صباحًا…
كان طارق موجود بالفعل في الموقع.
بعيد تمامًا عن حالة التردد والشرود اللي كان فيها بالليل.
هنا كان شخص تاني.
مهندس معماري ناجح، صارم، ودقيق في شغله بشكل يخلي الكل يعمل له ألف حساب.
طارق شريف…
صاحب شركة “إعمار” مع شريكه وصديق عمره عمر، واحدة من الشركات المعروفة في دبي في مجال التطوير العقاري والمشروعات الكبرى.
كان واقف وسط الموقع مرتدي خوذة الأمان والسترة العاكسة، وعينيه بتتحرك بين الرسومات الهندسية وبين العمال.
طارق:
مين المسؤول عن القطاع ده؟
أحد المهندسين:
أنا يا باشمهندس.
طارق أشار ناحية جزء من الأساسات:
القياسات دي اتراجعت كام مرة؟
المهندس:
مرتين يا فندم.
طارق:
يبقى تراجع تالت ورابع كمان.
أساسات المبنى دي اللي شايلة المشروع كله، والغلط فيها ما بيتصلحش بعدين.
المهندس:
حاضر يا فندم.
طارق اتحرك وسط العمال وهو بيتابع كل تفصيلة بنفسه.
طارق:
الخرسانة اللي جاية بعد ساعة دي تتراجع قبل ما تدخل الموقع.
وأي شحنة أقل من المواصفات تترفض فورًا.
العامل:
أوامرك يا باشمهندس.
في اللحظة دي وصل عمر وهو ماسك كوب قهوة.
عمر:
صباح النشاط يا هندسة.
طارق من غير ما يرفع عينه من المخطط:
صباح النور.
عمر ضحك:
أنا مقتنع إنك روبوت مش بني آدم.
طارق:
ليه؟
عمر:
الناس بتصحى من النوم تشرب قهوة.
إنت بتصحى من النوم تراجع أساسات.
طارق أخد منه القهوة:
ما هو لو كل واحد عمل شغله صح، أنا هرتاح.
عمر:
لا، إنت عمرك ما هترتاح.
طارق ابتسم لأول مرة:
ممكن.
عمر لاحظ الابتسامة.
عمر:
على فكرة… دي أول ابتسامة أشوفها على وشك من أسبوع.
طارق:
عادي.
عمر:
لا مش عادي.
في حاجة حصلت.
طارق:
مفيش.
عمر:
أعرفك من عشرين سنة يا طارق.
احكي.
طارق هز راسه وهو بيقفل الملف:
مفيش حاجة تستاهل.
مجرد دكتورة مستفزة عطلتلي العربية أول امبارح.
عمر رفع حاجبه:
دكتورة؟
طارق أدرك إنه اتكلم أكتر من اللازم.
فلف الموضوع بسرعة:
يلا خلينا في الشغل.
لكن عمر ابتسم بخبث وهو بيتمتم:
آه… شكلنا داخلين على قصة جديدة
بقلم ميادةيوسف الذغندى
.نزلت مريم من العمارة وهي ماسكة شنطتها ومستعجلة.
لكن أول ما رفعت عينها ناحية العربية وقفت مكانها.
مريم:
إيه ده؟
طارق كان واقف جنب العربية، لابس بدلة رمادي أنيقة ونضارة شمس.
طارق:
صباح الخير.
مريم:
هو السواقين عندكم بقوا بالشياكة دي؟
طارق ضحك:
معترضة؟
مريم:
مستغربة.
طارق فتح باب العربية:
اتفضلي.
ركبت مريم وهي لسه بتراقبه باستغراب.
وبعد دقائق من السير…
مريم:
إنت شغال بقالك قد إيه في الشركة؟
طارق كتم ضحكته:
فترة كده.
مريم:
واضح إن صاحب الشركة بيحبك.
طارق:
إشمعنى؟
مريم:
مخليك سايق عربية محترمة جدًا.
طارق:
ممكن.
مريم:
ومهذب زيادة عن اللزوم.
طارق:
دي أول مرة حد يعتبرها عيب.
مريم ضحكت رغماً عنها.
ولأول مرة…
الصمت بينهم ما كانش مريح بس، كان لطيف كمان.
في الطريق…
رن موبايل طارق.
بص للشاشة، وأول ما شاف الاسم ابتسم تلقائيًا وفتح الخط.
طارق:
قلبي معاكي.
مروة……
ابتسمت بانتصار:
شفت؟ أنا اللي اتصلت عليك.
طارق:
طب وأنا كنت غلطت فيكي؟
إنتِ اللي زعلتي ومشيتي وسايباني واقف أكلم نفسي.
مروة:
سيبك من ده…
إزاي لسه كاتب اسمي “مراتي حبيبتي”؟
طارق ضحك وهو سايق:
وأغيره ليه يعني؟
مروة سكتت لحظة، وحاولت تخبي فرحتها.
أما مريم فكانت قاعدة في الكرسي الخلفي، مشغولة في مراجعة أوراقها ومش مركزة مع المكالمة.
طارق:
طب استني… أنا داخل إشارة ومش سامع كويس.
هكلمك بعدين.
مروة:
ماشي.
قفل المكالمة.
مريم رفعت عينيها من الأوراق للحظة:
واضح إن المدام راضية عنك النهارده.
طارق بص لها في المراية وضحك:
على حسب المزاج.
مريم:
ربنا يعينك.
طارق:
آمين.
وبعد دقائق…
وقفت العربية قدام المستشفى.
طارق:
وصلنا يا دكتورة.
مريم جمعت أوراقها وفتحت الباب.
مريم:
تمام… تقدر تشوف وراك إيه دلوقتي، وأنا هخلص واتصل عليك.
طارق:
أكيد.
مريم:
بس متبقاش بعيد أوي.
طارق:
ليه؟ خايفة العربية تعطل تاني؟
مريم لأول مرة ضحكت بوضوح:
لا… خايفة أتورط مع سواق غريب غيرك.
طارق اتفاجأ:
سواق غريب؟
مريم:
آه، ده الاسم اللي حفظت رقمك بيه.
طارق انفجر ضاحكًا:
بجد؟
مريم:
بجد.
طارق:
واضح إن سمعتي بقت في الأرض.
مريم:
بالعكس… الاسم لايق عليك.
طارق هز رأسه وهو يضحك:
خلاص يا دكتورة، روحي شوفي شغلك.
مريم:
سلام.
طارق:
سلام.
نزلت مريم ودخلت المستشفى بخطوات سريعة.
أما طارق ففضل باصص ناحية الباب اللي دخلت منه ثواني طويلة قبل ما ينتبه لنفسه.
طارق:
يا ساتر…
هو أنا مالي؟!
ثم حرك العربية واتجه ناحية الموقع، دون أن يعرف أن اليوم ده لسه مخبي له مفاجآت كتير.
طارق……
كان قاعد في الموقع بعد ما خلص جولة طويلة بين العمال والمهندسين.
أخد نفس عميق وهو ماسك كوباية الشاي.
طارق:
أخيرًا شوية هدوء.
طلع موبايله وبدأ يقلب في الفيسبوك بدون تركيز.
بوست ورا التاني…
لحد ما فجأة ظهر قدامه اسم:
“الدكتورة مريم…”
تحتها عبارة:
“أشخاص قد تعرفهم”
طارق رفع حاجبه باستغراب.
طارق:
هي دي؟
ضغط على الصفحة بدافع الفضول.
وأول ما دخل البروفايل اتفاجأ بالمكتوب.
“استشاري علاقات زوجية وأسرية”
طارق فتح عينيه بدهشة.
طارق:
أوبااااااااا…
يعني دكتورة علاقات زوجية؟
ثم هز رأسه وهو يضحك.
طارق:
يعني نسخة من هبة قطب كده؟
وانفجر في الضحك لوحده.
بدأ يقلب في الفيديوهات اللي بتنزلها.
مرة تتكلم عن الخلافات الزوجية.
ومرة عن التربية.
ومرة عن تأثير الطلاق
على الأطفال.
ومرة عن أهمية الحوار بين الزوجين.
ومع كل فيديو كان يلاقي نفسه مركز أكتر.
الطريقة هادية.
والشرح بسيط.
وكلامها مرتب.
بعيد عن الاستعراض أو التعقيد.
بعد نص ساعة تقريبًا…
كان لسه بيتفرج.
لدرجة إن عمر قرب منه فجأة.
عمر:
إيه يا هندسة؟
طارق انتفض وقفّل الموبايل بسرعة.
عمر ضحك:
لا لا لا…
واضح جدًا إن في مصيبة.
طارق:
مفيش مصيبة.
عمر:
أمال بتتفرج على إيه؟
طارق:
فيديوهات.
عمر:
فيديوهات إيه؟
طارق:
مفيش حاجة مهمة.
عمر خطف الموبايل بسرعة قبل ما طارق يمنعه.
وبص للشاشة.
ثانية…
واتنين…
وبعدين بص لطارق.
عمر:
الدكتورة مريم؟
طارق:
هات الموبايل يا عمر.
عمر:
لا والله؟
بتتفرج على فيديوهات علاقات زوجية كمان؟
طارق:
كنت بقتل وقت.
عمر انفجر ضاحكًا:
بتقتل وقت ولا بتدرس؟
طارق خطف الموبايل منه.
طارق:
كبر دماغك.
عمر:
لا… أنا بدأت أقلق.
أول مرة أشوفك مركز مع حد بالشكل ده.
طارق:
إنت فاضي النهارده؟
عمر:
وفاضي أراقبك كمان.
طارق تجاهله وحاول يرجع للشغل.
لكن بعد ما عمر مشي…
رجع فتح الصفحة تاني بدون وعي.
ووقف عند فيديو كانت مريم بتقول فيه:
“أكبر مشكلة بين أي اتنين مش قلة الحب… لكن قلة الفهم.”
طارق فضل باصص للشاشة لحظات.
وافتكر مكالمته الأخيرة مع مراته
وافتكر سنين الجواز اللي بقت كلها أوامر وخلافات ومشاكل.
تنهد وهو بيطفي الفيديو.
طارق:
يمكن عندها حق.
وفي نفس اللحظة…
رن موبايله.
بص للشاشة.
وابتسم دون أن يشعر.
لأن الاسم الظاهر كان:
“دكتورة مريم ”
اتعدل في قعدته بسرعة ورد.
طارق:
أيوه يا دكتورة؟
مريم:
أنا خلصت.
طارق:
تمام… عشر دقايق وأكون عندك.
مريم:
ماتتأخرش.
طارق ابتسم:
أوامرك.
وقفل المكالمة.
أما عمر اللي كان واقف بعيد بيراقبه…
فقال وهو يهز رأسه:
واضح إن الموضوع أكبر من مجرد مشوار يا باشمهندس..