إذا كنت تبحث عن قصة حب أسطورية وردية، تنتهي نهاية مثالية، فتوقف هنا لأن حكاية ضرغام والحب ليست من هذا النوع فهو لم يكن يومًا بطلًا خارقًا، ولم تكن هي الأجمل بين النساء، لكنها كانت الوحيدة التي امتلكت قلبه بالكامل، وكان ذلك كافيًا بالنسبة له ليخوض من أجلها كل المعارك، حتى وإن كان الثمن أن يُهزم أمام الجميع، فقط كل ما يكفيه أن تكون هي شفاؤه..
لقد تركت داخله ندبة أبدية، داخل قلب لم يعرف الحب إلا معها هي التي هزمته دون أن ترفع سلاحًا واحدًا في وجهه…
قد لا تكون حكاية ضرغام والحب قصة استثنائية كما تتوقع، ولا تبدأ كبدايات الأساطير، لكن ما يميزها هو ذلك القلب الذي ظل ينبض بالحب بينما يدفنه في أعماقه، فلم يكن حبهما سهلًا يومًا، بل كان طريقًا ممتلئًا بالوعود التي لم يتحقق منها شيء، وبأثمان لم يكونا مستعدين لدفعها….
ولهذا، فليكن وعدي لك…
أن حكاية ضرغام والحب ستترك بداخلك أثرًا لن يُمحى أبدًا..
____________
اذكروا الله.
____________
كانت شفاء تعرف منذ اللحظة التي أخبرها فيها والدها أن ضرغام قادم ليتحدث معها أن قلبها لن يخرج سالمًا من هذا اللقاء ولن يعد كما كان، ورغم ذلك جلست تنتظره جالسة فوق الأريكة في منتصف الصالة الصغيرة بينما ضوء العصر الباهت يتسلل من الشرفة نصف المفتوحة، والهدوء الثقيل يملأ البيت بطريقة تخنق الأنفاس.
لم تكن هادئة حقًا كما بدت، فقط تحاول ألا تنهار قبل أن يبدأ الحديث وحين وصل ودخل ضرغام، شعرت بشيء داخلها يرتجف بعنف رغمًا عنها، هذا الشاب كان يومًا عالمها بأكمله.
كان الشخص الذي تحفظ خطواته، طريقة تنفسه، وانفعالاته قبل أن ينطق بها، حتى صوته حين يغضب كانت تحفظ طبقاته جيدًا، لذلك عرفت فورًا أنه يحاول السيطرة على نفسه منذ اللحظة الذي جلس فيها أمامها.
لكنها تعمدت ألا تنظر إليه طويلًا لأن النظر إليه كان كفيلًا أن يضعفها، ولأنها إن سمحت لقلبها أن يتذكره للحظة واحدة فقط ستخسر المعركة التي جُبرت على خوضها.
مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن تقول ببرود متعمد، وكأنها تتحدث مع شخص عادي لا يحمل قلبها بين يديه منذ سنوات:
-اتفضل يا بن خالي اتكلم أنا سمعاك، قول اللي جيت علشانه.
تجمدت ملامح ضرغام للحظة، ذلك اللقب وحده كان كافيًا ليشعل النار داخله “ابن خالي”…
ليس ضرغام…!!!
ليس الاسم التي كانت تنطقه قديمًا بحب ودلال وغضب وعتاب وضحك وكأنها نزعت منه فجأة كل شيء كان يخصه عندها، وكأنها تضع بينهما جدارًا كاملًا من الدم البارد والرسميات كأنها تعاقبه.
فرك ضرغام يديه بعصبية، ثم رفع إحداهما يحك بها أنفه محاولًا السيطرة على الغضب المحتقن داخل صدره، لم يكن غاضبًا منها فقط بل من نفسه أيضًا، بل من عجزه أمامها، من ذلك الإحساس المهين بأنه قد يخسرها فعلًا..
رفع عينيه إليها أخيرًا، ثم أجبر شفتيه على ابتسامة باهتة لم تصل أبدًا إلى عينيه، وقال بصوت حاول أن يبدو هادئًا:
-دلوقتي الخلاف اللي كان بين أبويا وأمك اتحل والنفوس هديت واتصالحوا خلاص وبقوا سمن على عسل نشكر ربنا، وجدي كتب لكل واحد نصيبه في البيت بشكل رسمي على حياة عينه.
صمت رغم عدم انتهائه بعد ولكنه رغب بالتمعن بها أكثر ومع رد فعلها الذي قد يصدر منها.
فقد كان يتحدث وهو يراقبها بدقة، ينتظر أي شيء أي اهتزاز في ملامحها، أي لين، أي راحة، أي علامة تخبره أن الباب ما زال مواربًا بينهما وأن هناك فرصة دائمة…
لكنه لم يجد شيئًا، فجلست كما هي هادئة بصورة أوجعته كأن كلامه كله لا يعنيها وكأنها تجاوزته فعلًا وهنا فقط بدأت ابتسامته تختفي تدريجيًا، وشعر لأول مرة بالخوف الحقيقي من الفقدان.
ابتلع ضرغام ريقه بصعوبة ثم قال بصوت أكثر صدقًا هذه المرة، صوت رجل يخلع كبرياءه أمام المرأة التي يحبها:
-أنا بحبك وأنتِ عارفة أني مش هعرف أكمل واعيش من غيرك يا شفاء، أنا عايز نتصافى أحنا كمان ونرجع من تاني بس المرة دي مش على خطوبة المرة دي نتجوز علطول و………
لكنها قاطعته قبل أن يكمل، قاطعته بسرعة، وكأنها تخاف أن يضعفها أكثر إن استمر في الكلام قائلة ببرود قاتل أصابه في مقتل:
-وأنا مش موافقة أننا نرجع، أحنا كويسين أوي كدة، أنا عندي كرامة ومش هنسى اللي خالي قاله أبدًا.
ثم تابعت حديثها بكبرياء زائف رغم أنها في تلك اللحظة تبكي ألمًا:
-أحنا في الأول وفي الأخر قرايب بلاش مشاكل أكتر من كدة، وهما اتصالحوا خلاص وده معناه أننا نحافظ على الصلح ده ورجوعنا مش في مصلحة أي حد على فكرة، العيلة هيحصل فيها مشاكل تاني بسببنا.
وهنا انفجر ضرغام، انفجر كمن كان يحبس إعصارًا كاملًا داخل صدره، فهب واقفًا دفعة واحدة حتى تحركت الطاولة الصغيرة أمامه، وصوته خرج غاضبًا ومجروحًا في آن واحد:
-ما يحصل اللي يحصل المهم أحنا؛ شوفي أنا بكلمك في إيه وأنتِ في إيه، أنتِ بتهزري صح، أنتِ عارفة أني محبتش قدك في الدنيا دي، أنتِ إزاي عايزة تعملي فينا كدة، وليه بتتكلمي بالطريقة دي؟؟ كأنك واحدة تانية معرفهاش يا شفاء.
هبت هي الأخرى وصرخت في وجهه بغضب لم يقل عنه شيء، فكانت فاشلة على ما يبدو بالتمسك بدور الفتاة الباردة:
-مينفعش يعني مينفعش يا ضرغام، مش هنقعد اللي نعيده نزيده، أنا مش عايزاك ياريت تفهم ده، وبعدين أنت وأبوك اللي غلطتوا، وأنا مش ناسية حرف واحد من اللي اتقال ولو ناسي أفكرك.
هز رأسه ببطء، وعيناه تزداد اشتعالًا:
-يا سلام فكراني هقولك لا؟؟؟؟ أحب اسمع فكريني كدة أنا ناسي فعلًا.
قالت شفاء بإرهاق واضح للعيان:
-أنا مش فاضية أني اقعد اعاتبك ولا عايزة اعاتبك من أساسه، أنا كنت ساكتة أنت اللي جاي وعايز ترجع على فكرة مش أنا، وأنا معنديش حاجة أقولها غير اللي قولته وقراري مش هيتغير أحنا مش لبعض يا ابن خالي.
كان ينظر لها بصدمة، كأنها لم تعد تلك الفتاة التي يحبها، كأنها تبدلت بأخرى!!!
تجاوز صدمته بصعوبة ثم تمتم بجدية مخمنًا سبب ما تفعله:
-أنتِ بتعملي كل ده علشان موضوع الشقة؟ أنا فعلا مكنش في مقدرتي وقتها إني ادفع إيجار برا، بس دلوقتي أنا بدأت شغل جديد، وهأجر شقة برة بيت العيلة لو ده يريحك.
جاء جوابها مؤكدًا ما كذبه وبرره مقاطعة له رافضة اقتراحه الأخير:
-لا مش عايزاك تعمل أي حاجة علشاني علشان حتى لو عملت كدة مبقاش له فايدة خلاص.
ضيق ضرغام عينه ثم سألها بعدم فهم:
-قصدك إيه؟!.
ردت عليه بحزن حقيقي لكن عيناها كان بها العديد من الأشياء التي تخفيها لكنه لم يكن قادرًا على فهمها
الآن:
-أنا خلاص فاض بيا، العيلة الصغيرة اللي كل ما كنت بتتخانق معاها وترجع تضحك عليها وتصالحها بكلمتين خلاص مبقتش موجودة يا ضرغام.
ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا وكانت تلك النظرة أشد قسوة من كل الكلام:
-أنا مش عايزاك.
وفي تلك اللحظة خرج والدها محمود من الداخل بعدما كان يسترق السمع إلى كل شيء وهو يقف في الرواق قائلًا بضيق واضح:
-ما خلاص يا ضرغام، الجواز مش بالعافية بنتنا مش عايزاك، قولت عايز تتكلم وافتكرت أننا بنكدب عليك، وادينا أهو خليناك تتكلم رغم أن الموضوع خلصان بس أنت اللي مش عايز تفهم ده.
التفت ضرغام إليه بعينين مشتعلتين وهو يقول من بين أسنانه:
-أحنا لسه بنتكلم.
لكن شفاء قاطعته فورًا، وكأنها تحسم الأمر قبل أن تنهار أمامه:
-الكلام خلصان يا ضرغام أنا اللي عندي قولته.
اقترب محمود أكثر منها ثم قال ببرود مستفز:
-اديك سمعت يلا بقى من غير مطرود.
قبض ضرغام على ميدالية مفاتيحه بعنف حتى برزت عروق يده، ثم نظر إلى شفاء نظرة طويلة موجوعة ناطقًا بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالوعيد والألم:
-أنا ماشي يا شفاء بس هسيبك شوية وارجعلك تاني، الكلام لسه مخلصش، بس على الأقل تكوني هديتي وفكرتي كويس، وخليكي فاكرة كلامك ده لأنك هتندمي عليه.
وضع محمود يده على كتف ابنته قائلًا بكبرياء:
-ربنا هيرزق بنتي باللي يحبها ويقدرها ويعاملها زي الجوهرة.
لم يعد ضرغام لديه طاقة للجدال مع هذا الرجل الذي يرغب في ضربه ولن يعتبره ويراه زوج لعمته، لذلك سيطر على نفسه بصعوبة شديدة ثم استدار وغادر ثم أغلق الباب خلفه بعنف هزّ البيت كله….
ساد الصمت للحظات…
صمت ثقيل يشبه الخراب بعد العاصفة، اقترب محمود من ابنته أكثر من قبل، وحاوطها بكلتا يديه بحنان الأب الذي يظن أنه أنقذها، ثم قبّل رأسها قائلًا بفخر:
-أنتِ اخدتي القرار الصح.
هنا فقط…
انهارت شفاء أخيرًا، فخرجت منها شهقة ممزقة، ثم أخرى، ثم انفجرت بالبكاء كأنها كانت تحبس بحرًا كاملًا داخل صدرها طوال الوقت، سقطت قوتها كلها دفعة واحدة اختفت الفتاة الباردة التي كانت تتحدث منذ قليل، وحلّت مكانها فتاة عاشقة موجوعة ومكسورة غير قابلة للترميم….
فتاة دفنت قلبها بيديها وهي لاتزال تحبه أكثر مما ينبغي…………….
───
تلك الفتاة لا تتوقف عن العناد، هو يعرف جيدًا كما يعرف اسمه بأنها تعشقه كما يعشقها…
لكن…
لماذا تعند معه بهذه القسوة؟
لماذا تصرّ على أن تتركه واقفًا في منتصف الطريق..
ألا تراه معذبًا في بُعدها…
هو يموت في كل يوم تبتعد فيه عنه.
جلس ضرغام في حجرته، الأنوار خافتة، والهاتف بجواره يشغّل إحدى الأغاني الحزينة، يتركها تملأ المكان، وتملأ رأسه، وتبرر له ضعفه.
دخل شقيقه نوح الأكبر الذي يكبره بعامين فقط إلى الحجرة التي كان بابها مفتوحًا من الأساس وكأن ضرغام لم يعد يملك طاقة ليغلق شيئًا في حياته،
لا بابًا، لا جرحًا، ولا حتى قلبه….
تنفّس نوح بعمق، ثم قال بنبرة عفوية فيها شيء من المزاح الثقيل:
-لا ده واضح أنك مضايق بجد بقى.
ضحك ضرغام ضحكة قصيرة ساخرة، ضحكة لا تصل لعينيه، وقال وهو يغلق الأغاني:
-لا بهزر….
ثم استدار قليلًا، وصوته خرج مشحونًا، مخنوقًا:
-واحد خطيبته سابته وناقص يبوس رجلها علشان ترجعله وهي برضو ومش عايزة وراكبة دماغها، إيه اللي يضايق في كدة فعلًا؟ دي حاجة بسيطة جدا…
نظر إليه نوح نظرة فاحصة، ثم قال بجدية:
-متبكيش على اللي يبكيك، سيبها وريح دماغك بكرة تلاقي ألف غيرها هي البنات خلصت يعني!
خرجت كلماته منطقية، سهلة، مكررة…
لكنها لم تمس القلب بشيء….
رغم أنها محفوظة…
رد ضرغام بصوت خافت، كأنه يعترف لنفسه قبل أن يعترف له:
-بحبها يا نوح، بحبها ومش قادر على بُعدها، وأنا حاسس أننا هنرجع هي بتحبني وأنا بعشقها.
ابتسم نوح ابتسامة فيها شفقة وأمل زائف، ثم تمتم:
-بكرة هتلاقي غيرها وتحب غيرها وهتفهم أن كل ده تعلق مش حب، الحب بيجي لما بتكون مرتاح ومتقدر، وشفاء لا عايزة تريحك ولا تقدرك.
صمت ضرغام فشقيقه محقًا نوعًا ما، عقله يقتنع بحديثه لكن قلبه لا يقتنع أبدًا بما يسمع.
وكيف للمحب أن يسمع حديث العقل؟
وكيف للعقل أن ينتصر حين يكون الخصم هو القلب؟
حاول أن يهرب من الدائرة، من الفكرة…
من اسمها الذي يطوف في رأسه دون استئذان.
حاول ضرغام أن يتحدث في أي شيء لذلك حول مجرى الحديث وسأل شقيقه:
-عملتوا إيه عند الدكتور؟
تنهد نوح، وتغير صوته لشيء من الوجع الثقيل:
-زي ما أنت عارف راندا عندها مشكلة.
ثم أضاف على حديثه بنبرة أكثر ألمًا وقهرًا:
-ساعات بفكر اتجوز بس بخاف على زعلها، أنا بحبها، بس برضو أنا نفسي في عيل، واديك زي ما أنت شايف أحنا بنحاول بس كل الدكاترة بيقولوا الموضوع صعب.
-خير إن شاء الله يا نوح، بلاش الأفكار دي، ده أنت وراندا بتموتوا في بعض يعني، وإن شاء الله ربنا هيرزقكم مهما كان الموضوع صعب.
قالها وهو يحاول أن يكون قويًا من أجله، رغم أنه في داخله كان يتمنى لو أن الحب يكفي، ويغني عن طفل من صلبه.
يتمنى لو أن التمسك وحده يضمن البقاء، وأن العناد لا يقتل الأشياء الجميلة ببطء…….
ولكنه وبكل أسف يفعل، وهذا ما فعله العناد وفعلته شفاء، فقد حكمت على قصة حبهما بالموت وهما لا يزالان على قيد الحياة……
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!