كانت ودعة جائعة جداً. شمّت رائحة الخبز الساخن فسال لعابها. تبّعت الساحر وهي تنظر يمنة ويسرة. كان كل شيء مرتباً في المزرعة ونظيفاً، وجعلها ذلك تشعر بنوع من الارتياح لهذا الغريب. عندما دخلت البيت، رأت المائدة منصوبة، وفوقها كل الخيرات: الخبز، والعسل، والمربى، والجبن. قال لها الرجل: "كُلي ما تشائين، فأنتِ ضيفتي." تردّدت قليلاً. نظر إليها وابتسم، فقد فهم أنها خائفة. أكلت من الطعام.
جاءت قطة سوداء، فرمى لها جبناً فأكلتها. حينئذٍ مدت يدها وأكلت أيضاً حتى شبعت. أتاها بإناء فيه ماء، فغسلت يديها ومسحتهما في منشفة نظيفة. جلست على مقعد، وجلس هو أمامها وقال لها: "لقد لاحظت شحوبك. هل تشكين من ألم في بطنك؟ إني أرى فيه انتفاخاً. ولو سمحت لي بفحصك، لعرفت مرضك." سألته: "هل أنت طبيب؟ قال: "كل ما قلتِه صحيح. فمنذ شهر أحس كأن شيئاً يتحرك في بطني، والآن أصبح يضغط على صدري." اقترب منها ونظر إلى عينيها وقال لها:
"لستِ حاملاً، لكن هناك شيء ما في بطنك." ثم وضع يده على بطنها وألصق أذنه. إثر ذلك، لاح الفزع على وجهه وقال: "هل ابتلعتِ شيئاً؟ روت له ما حدث مع نساء إخوتها. فضرب كفاً بكف وأجابها:
"لقد احتالوا عليكِ، فما بلعتِه ليس حلوى، بل بيضة الثعبان الطائر. وهي صغيرة، لكن الثعبان يكبر بسرعة. وعندما لا يكفيه الطعام، سيأكل أحشاءكِ. هذه الثعابين لا توجد إلا في قمم الجبال، وتُستعمل في أقوى أنواع السحر. غداً سأخرجه وستستعيدين عافيتكِ إن شاء الله. لكن أخبريني، كيف أتيتِ إلى هنا؟
قصت عليه حكايتها مع إخوتها وكيف طردوها وضياعها في الطريق. لكنها كتمت عليه خبر الأرانب، فقد لاحظت أنها تفر عندما تسمع صوته وترجع عندما يذهب. أمرها غريب، فهي ذكية جداً، ومن المؤكد أن وراءها سراً. بل كل شيء هنا وراءه سر، وسيكون لها الوقت لتكتشفه. عند الظهر، قال لها الرجل: "لن تأكلي شيئاً حتى الصباح. يجب أن يجوع الثعبان عندها يمكن التخلص منه. لو بقي بضعة أيام أخرى في بطنك لقتلك. الحظ شاء أن يقودك إلى مزرعتي."
في الغد، أحضر دواءً صنعه من نبتة الحنظل وقال لها: "إنه شديد المرارة، وعليكِ أن تشربيه دفعة واحدة. هيا تشجعي." أمسكت بأنفها بيدها وشربته. أحست بالمرارة تصعد إلى رأسها. أحضر لها طاساً وقال لها: "عليكِ بالانحناء." أما الثعبان، فإنه انزعج من شدة المرارة واندفع إلى حلقها. ولما رأى الساحر طرف رأسه، ضرب البنت على ظهرها بقوة. فسقط الثعبان في الطاس. حاول الرجل أن يقتله، لكن ودعة صاحت: "اتركه!
أليس هو الجنين الذي اتهمني به إخوتي ونساءهم؟ سأرجع للانتقام ولن ينجو أحد من غضبي! بقيت ودعة عند الرجل تأكل وتشرب وتغني. كل يوم، وأصبحت مع الأيام أكثر فتنة، حتى تحيّر الساحر من جمالها وهام بها. وكبر الثعبان وأصبح تنيناً رمادي اللون يتبعها أينما ذهبت.
ذات يوم، نزلت ودعة لتستحم في حوض الماء الساخن. ومر الرجل، فرأى شامة غريبة الشكل على ظهرها. ولم يكن يحتاج إلى من يعلمه أن الجارية هي مفتاح كنز أحد كبار الملوك الذي يحرسه الجان، ودمها هو الذي سيفتح الباب المغلق. في أحد الأيام، كانت ودعة جالسة في المزرعة تستمع إلى شدو العصافير. فاقترب منها الساحر وجلس بجانبها، ثم قال لها: "إني أحبك وأريد أن أتزوجك، وسأعطيكِ مهراً صندوقاً من الذهب والفضة."
نظرت إليه الفتاة بدهشة، فلم تكن تنتظر منه ذلك، فقد كان في سن أبيها. ثم قالت له: "إني مازلت صغيرة ولا أفكر في الزواج الآن." أجابها: "معك حق، فأنتِ هنا فقط منذ شهر، وهذا ليس كافياً لمعرفة طباع الإنسان. على كل حال، الموضوع سابق لأوانه، لكن الكنز لا يمكن أن ينتظر." سألته عن أي شيء تتحدث. قال:
"جاء في الكتب القديمة أنه ناحية الشمال كانت توجد مملكة عظيمة. عصى أهلها الله، فأرسل عليهم وباءً قضى عليهم. ونمت الأشجار والنباتات فغطت المدينة. وأنا أعلم مكانها، وفي أحد سراديب القصر هناك كنز كبير، وأنتِ فقط من يمكنه فتحه." قالت: "كيف عرفت ذلك؟ رد عليها: "من الشامة التي على ظهرك." قالت له: "إخوتي أيضاً لهم نفس الشامة." بهت الساحر وقال:
"تروي الأسطورة أن أحد أبناء الملك كان في الصيد وقت وقوع الوباء مع بعض العبيد والجواري. وقد نجا هؤلاء. هذا يعني أنكِ وإخوتكِ من نسل هذا الأمير المحظوظ. وقبل أن يموت الملك، صنع تعويذة لحماية الكنز، ومن له هذه الشامة يمكنه الدخول إلى الغرفة السرية في سرداب القصر دون أن يهلك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!