بقولَك أخوك خبّط عليّا الساعة 2 بليل يقولي عايز شوية سكر، وهو عارف إنَك مش موجود يا تامر تقولي عادي يعني! عادي ازاي بالظبط وبأي منطق معلش؟؟
ملامح وشه اترسم عليها الخنقة وعدم تقبله لكلامها، ساب تلفونه بعد ما كان بيقلب فيه بعشوائية وبصلها بنفس ملامح الضيق والزهق:
_ ما خلاص يا تسبيح بقى، أنتِ عارفة مدحت وأكيد عارفة إنه مش حد مش تمام يعني، كمان مراته غضبانة في بيت أهلها بقالها أسبوع على كلام أمي، اعذريه ياستي هو تلاقيه مش عارف حاجة في المطبخ وممكن مش لاقي السكر وكان عايز شوية يعمل بيهم كوباية شاي ولا حاجة، بعدين ما أنتِ قولتِ إنك ماديتيلوش وقولتيله مفيش، خلاص بقى!
ورجع تاني مسك التلفون، بصتله تسبيح وفضلت ساكتة ثواني بتفكر في جملته الأولى، من أول يوم دخلت فيه البيت ده وهي مش بترتاح لمدحت أخو جوزها، حاسة دايمًا بحاجة مريبة من ناحيته، نظرات عينيه فيها حاجة غريبة مش بتخليها على راحتها في وجوده، مجرد ما يبصلها بتحس إنها عريـ.ـانة، رغم التزامها بحجاب كامل مطابق للمواصفات الشرعية!
“لا يصف شيئًا من جسدِها،
لا يشف .. وليس زينة يلفت الأنظار.”
ونفس الشيء ينطبق على أبوه وأبو جوزها، ونفس عدم الراحة من ناحية والدتهم، ببساطة .. مفيش حد من العيلة كلها بترتحاله!
فاقت من شرودها اللي استغرقها ثواني ورفعت حاجبها وهي بترد على تامر جوزها بحدة صريحة في صوتها ونظرات عينيها:
_ عايز يعمل كوباية شاي ومحتاج سكر ينزل ياخد من عند أمه يا تامر، لكن ينزل يخبط على مرات أخوه الساعة 2 بليل والله أعلم اللي هيسمعه يقول ايه فده مفيش عقل يستوعبه…
وسكتت للحظات قبل ما تشاور على باب الشقة وهي بتحاول تلمحله أو تفهمه إن اللي حصل ده عيب وماينفعش:
_ وأبوك وأمك تحت يقولوا ايه لو سمعوه بيخبط عليّا في ساعة زي دي يقولوا ايه؟؟
قفل التلفون ووقف بعصبية:
_ يوه يا تسبيح! ما تقفلي زفت كلام على أم ده حوار بقى، قولتلِك مايقصدش حاجة، عَدّي بقى واسكتي سبيني أشم نَفَسي في يومين الاجازة دول…
اتحرك ناحية أوضة النوم وهو بيكلم نفسه بانفعال:
_ نكد برة ونكد جوة، ايه القرف اللي أنا فيه ده بس يارب!
بصتله وهو ماشي بعدم استيعاب لرد فعله، هو راجع من الشغل بقاله 3 أيام، فضلت كاظمة غيظها وساكتة مش راضية تتكلم في الموضوع معاه غير لما يعدي كام يوم يكون ارتاح فيهم..
غير إنه بينزل أسبوع بس اجازة،
كانت المفروض تقوله امتى لو مش دلوقتي؟!!
وهو ماشي!!
كانت متوقعة إنه هيهد الدنيا لما يعرف اللي حصل ده!
أو على الأقل يتكلم مع أخوه يعرفه إنه ماينفعش اللي عمله ده، لكنه خيب ظنها ببروده ولامُبالاته.
عدوا باقي أيام أسبوع اجازته وهما الإتنين متجنبين الكلام سوا من آخر حوار دار بينهم، الكلام مقتصر على “أغرفلَك تاكل؟ .. لأ مش جعان”، “هتنزلي معايا تحت؟ .. لأ مش قادرة”.
محاولات كتيرة من الإتنين للهروب من بعض، بدل ما يقعدوا ويتناقشوا ويتعاتبوا عشان يوصلوا لنقطة تلاقي تنتهي بصفا بينهم، ودي كانت دايمًا طريقتهم مع بعض في أي مشكلة أو خناقة تحصل ما بينهم؛ “الهروب”.
كل واحد مستني التاني يبدأ،
وعُمر ما حد فيهم أخد الخطوة الأولى!
بتنتهي المشكلة ما بينهم بالصدفة؛ حاجة تحصل فيضحكوا الاتنين عليها فيتصالحوا، الكلام يجيب بعضه وهم بيفطروا مثلا سوا، وكل واحد منهم فاكر إن التاني نسىٰ، والحقيقة إن محدش نسي حاجة.
الإتنين شايلين من بعض ومش عارفين، مفكرين إنهم نسوا وإن خلاص دي مشكلة وعدت، لكن الحقيقة إنهم بيراكموا مش بينسوا، وعند نقطة ما كل واحد منهم سيفيض بما لديه.
يوم سفره الصبح، يوم ليه طقوس معينة؛ إما بينزلوا الإتنين عند أهله تحت يا العكس هم بيتجمعوا عنده في البيت، رغم إنه بيسافر كام أسبوع بس ويرجع إلا إنهم بيتعاملوا وكأنه هيسافر للأبد! عادة غريبة مكنتش فاهماها ولكن حاولت ولازلت بتحاول تتأقلم عليها عشان تواكب تفكيرهم الغريب.
صحت تسبيح الصبح متأخر على غير العادة الساعة 11، بسبب نومها متأخر الكام يوم اللي فاتوا وهي بتفكر في اللي حصل بينهم من آخر مرة..
على صوت خبط فوق باب البيت، اتعدلت على السرير وهي مستغربة مين بيخبط عليهم، لحد ما استوعبت إن النهاردة جوزها هيمشي، أكيد دول أهله!
ابتسمت بسخرية على الوضع الغريب بينهم،
واللي خلاها تنسى يوم سفره،
اللي في العادة كانوا بيجهزوا ليه على بيات.
قامت فتحتلهم وهي مش طايقة نفسها ولا طايقاهم وعلى وجه الخصوص صاحب الوجه السمج مدحت، دخلت المطبخ بعد ما صحت تامر عشان يقعد مع أهله، واعتذرتلهم إن هتتأخر شوية في تجهيز الفطار.
وشوية وكانوا متجمعين بياكلوا كلهم سوا على نفس السُفرة، قاعدة تسبيح مخنوقة وسطهم، حاسة إنها غريبة معاهم، كانت سرحانة كعادتها الأيام اللي فاتت وفاقت على صوت السمج وهو بيتكلم:
_ بس ما شاء الله يا تسبيح عليكِ طبق فول…
وبص لتامر وغمز وهو بيكمل: يابختك ياعم..
وتعالت ضحكاتهم كلهم بما فيهم تامر جوزها، وهي قاعدة مش مستوعبة، طريقته وهو بيقول الجملة دي كانت منتهى الخبث والمكر، ازاي محدش لاحظ!
_ وأنت مش ناوي ترجع مراتك تعملك فول حلو زي ده ولا ايه يا مدحت؟؟
بص مدحت لتامر اللي سأله ورد وهو بيسيب العيش من ايده:
_ طب وليه بس السيرة الغم دي، خلينا نتمزج بالفطار الحلو ده وبلاش نكد!
ورجعوا يضحكوا كلهم تاني، وهي … من شدة ضيقها حاسة بالمكان بيطبق عليها، عايزة تقوم تهرب وكأنها مخطوفة وسطهم.
بصعوبة كبيرة قدرت تعدي اليوم، بين كل فترة كانت بتهرب منهم بأي حجة حتى لو حجة عبيطة، المهم ماتكونش وسطهم، وماتكونش قصاد عيون مدحت المتربصة وتلميحاته القذرة اللي محدش منتبه ليها غيرها.
بليل بعد ما جهز تامر نفسه عشان يمشي، وهو واقف على باب الشقة حضنها كالمعتاد، مكنتش عارفة هو بيعمل كدا تقضية واجب ولا هو فعلًا بيراضيها..
_ متزعليش يا تسبيح مني، أنا كنت بس مخنوق وتعبان من الشغل، حقك عليا.
حتى اعتذاره ماحستوش، كأنه بيقرأ الكلام أو بيسمعه، كلمتين حافظهم وبيقولهم..
طبطبت على ضهره وردت عليه بنفس أسلوبه: حصل خير..
والمفترض إنهم كدا اتصافوا،
أو بالأصح بيمثلوا قدام بعض إنهم اتصافوا.
تاني يوم، وهي واقفة في المطبخ بتعبي حاجة الخزين اللي جهزتها في أكياس، سمعت صوت واطي جِدًّا .. تجاهلته ظنًا إنها بتتخيل، ما الساعة 2 ونص أكيد يعني بيتهيألها.!
رجعت سمعت الصوت تاني، وأعلى!
خبط على باب الشقة!
سابت اللي في ايدها واتحركت تشوف مين،
فاتفاجئت بيه،
مدحت!