الأخيرة منذ عودة محمود من سيناء بدأ الرجل الكبير يتغير بشكل واضح وكأن خبر نجاته من الكمين الضخم أيقظ داخله خوفًا لم يشعر به منذ سنوات طويلة القصر الذي كان يشبه مملكة مغلقة أصبح أقرب إلى ثكنة عسكرية وعدد الحراس تضاعف والسيارات المسلحة لم تعد تغادر المكان والبوابات الخارجية صار يحيط بها رجال يحملون أسلحة ثقيلة ويتبدلون كل ساعات قليلة
حتى الأسوار نفسها تم تدعيمها بكاميرات إضافية وأجهزة استشعار وحركة وأصبح الدخول إلى القصر يمر عبر أكثر من نقطة تفتيش داخلية الرجل الكبير لم يعد يجلس في الشرفة كثيرًا كما كان يفعل سابقًا وبات يتحرك بين غرف محددة داخل جناح محصن في قلب القصر وكان واضحًا أنه أدرك أخيرًا أن محمود لم يعد مجرد تابع سابق يمكن سحقه بسهولة بل رجل يعرف تفاصيل المكان أكثر من اللازم
أما محمود فكان يراقب كل ذلك بصمت كامل ولم يتحرك بسرعة ولم يندفع خلف الغضب بل عاد يفعل ما يتقنه دائمًا المراقبة لأيام طويلة ظلت عيونه تتابع القصر من بعيد وتراقب مواعيد تبديل الحراسة وخطوط الكهرباء وأماكن الكاميرات ودقائق الضعف القليلة وسط هذا الحصن الضخم كان يعرف أن اقتحام القصر مباشرة يعني الانتحار وحتى لو دخل بعشرين رجلًا فلن يخرج حيًا ولهذا بدأ يفكر بطريقة مختلفة
في إحدى الليالي جلس مع اثنين فقط من رجاله داخل شقة قديمة مهجورة وكان أمامهم مخطط تقريبي للقصر رسمه محمود بنفسه من ذاكرته فأشار بإصبعه إلى جزء جانبي من المبنى ثم قال بهدوء هندخل نظر الرجلان إلى المخطط باستغراب قبل أن يكتشفا ما يقصده ممرات التكييف
كانت تمتد بين أجزاء القصر الداخلية وتصل إلى الجناح الخاص بالرجل الكبير وكانت ضيقة وخانقة لكن الحراسة لا تراقبها بشكل مباشر لأن أحدًا لم يتخيل يومًا أن رجلًا قد يزحف داخلها ليصل إلى قلب القصر الخطة كانت مجنونة لكن محمود لم يعد يبحث عن الخطط الآمنة فاتفق مع الرجلين على أن يبقيا بالخارج لتوفير التغطية وقت الخروج فقط أما الدخول فسيقوم به وحده
في الليلة المحددة كانت السماء مغطاة بالغيوم والهواء ساكنًا بشكل مريب ووصلت سيارة صغيرة إلى منطقة خلفية قرب القصر ثم انطفأت أنوارها بالكامل ترجل محمود مرتديًا ملابس داكنة وخفيفة الحركة بينما كان يحمل سلاحًا قصيرًا وكاتم صوت وسكينًا صغيرًا فقط ثم تحرك بين الأشجار والجدران الخلفية بصمت كامل حتى وصل إلى فتحة التهوية التي عرف مكانها مسبقًا
أزال الغطاء المعدني ببطء ثم زحف إلى الداخل وكان الهواء داخل الممرات خانقًا ومليئًا بالغبار وصوت أنفاسه يرتد حوله بشكل مزعج لكنه استمر يتحرك ببطء شديد عبر الأنفاق المعدنية الضيقة أسفل منه كانت أصوات الحراس تأتي متقطعة أحيانًا ضحكات بعيدة وخطوات وأصوات أجهزة الاتصال وكل متر كان يقطعه يقربه أكثر من النهاية التي رسمها داخل رأسه منذ خرج حيًا من سيناء
بعد دقائق طويلة توقف أخيرًا فوق فتحة صغيرة تطل على جزء من الجناح الداخلي فنظر للأسفل فرأى اثنين من الحراس يقفان قرب باب ضخم بينما يجلس الرجل الكبير داخل الغرفة خلفهما يدخن سيجاره المعتاد ويقرأ شيئًا على الطاولة وكأنه ما زال يظن أن أسواره تحميه من العالم كله أنزل محمود جسده ببطء شديد حتى أصبح خلف الحارسين مباشرة وفي ثوانٍ سريعة وصامتة انتهى كل شيء وسقط الحارسان دون صوت تقريبًا بينما اندفع محمود نحو الباب
رفع الرجل الكبير رأسه فجأة واتسعت عيناه للحظة قصيرة لم يعرف فيها هل ما يراه حقيقي أم كابوس عاد من الماضي وقف محمود أمامه أخيرًا بعد كل الدماء وكل الخيانة وكل المطاردات وساد الصمت لثوانٍ ثقيلة ثم ابتسم الرجل الكبير ابتسامة صغيرة متعبة وقال كنت عارف إنك هتيجي ظل محمود ينظر إليه دون أن يرمش وكانت عيناه خاليتين تقريبًا من أي انفعال بينما الرجل الكبير يحاول الحفاظ على هدوئه رغم الرعب الذي بدأ يظهر داخل وجهه
قال الرجل الكبير بصوت منخفض كنت أقدر أقتلك من زمان لكني اللي صنعتك اقترب محمود خطوة بطيئة ثم قال لأول مرة بصوت بارد وانت فاكر إن اللي يصنع وحش يقدر يتحكم فيه للأبد حاول الرجل الكبير الوصول ببطء إلى درج مكتبه لكن محمود كان أسرع فأطلق طلقة واحدة استقرت في كتفه وأسقطته أرضًا صرخ الرجل الكبير بعنف وهو يحاول الزحف مبتعدًا بينما الدم ينتشر تحت جسده فوق الرخام الأبيض
اقترب محمود أكثر حتى أصبح فوقه مباشرة ثم انحنى وأمسك سيجار الرجل الكبير الملقى على الأرض ووضعه بين شفتيه للحظة كأنه يسخر من كل شيء الرجل الكبير كان يلهث ويحاول الكلام لكن محمود لم يمنحه وقتًا طويلًا أخرج سكينه الصغيرة ببطء ثم قال بصوت منخفض كل الناس اللي ماتت بسببك كانوا فاكرينك بعيد عن الحساب نظر الرجل الكبير إليه بعينين مذعورتين قبل أن يغرس محمود السكين بقوة في صدره مرة واحدة مباشرة قرب قلبه
تجمد جسد الرجل الكبير فجأة واتسعت عيناه للحظة أخيرة ثم خرج آخر نفس من صدره ببطء بينما ظل محمود ينظر إليه دون أي تعبير لكن اللحظة لم تكتمل لأن صوت إنذار حاد انطلق فجأة داخل القصر كله ثم دوى أول إطلاق نار بالخارج بعدما اشتبك رجلا محمود مع الحراس إثر اكتشاف أحدهم الحركة قرب الجدار الخلفي
وخلال ثوانٍ تحول القصر بالكامل إلى ساحة حرب مفتوحة والرجال يركضون في الممرات والرصاص يخترق الزجاج والجدران وأجهزة الإنذار تصرخ بلا توقف أمسك محمود بسلاحه فورًا بينما انفجر باب الغرفة بدفعة عنيفة ودخل أول الحراس مطلقين النار فسقط أحدهم فورًا بينما احتمى محمود خلف عمود رخامي وتحول الجناح الداخلي إلى جحيم مغلق
في الخارج كانت النيران تشتعل قرب السيارات بعدما أصابتها الرصاصات وأحد رجاله كان يطلق النار من خلف نافورة حجرية بينما الدم يغطي ذراعه بالكامل الحراس كانوا بالعشرات لكن الفوضى داخل القصر جعلت الرؤية صعبة حتى عليهم وكان محمود يتحرك بين الممرات بسرعة وهو يطلق النار بدقة باردة وكل طلقة كانت تصيب هدفها تقريبًا الجدران الفخمة امتلأت بالثقوب والدماء والقصر الذي كان رمزًا للقوة تحول تدريجيًا إلى مذبحة ضخمة
أحد الحراس حاول الالتفاف حوله من ممر جانبي لكن محمود عاجله بطلقات سريعة ثم اندفع عبر الدخان المتصاعد نحو السلم الخلفي لأنه كان يعرف أن البقاء أكثر يعني الموت وصل أخيرًا إلى المخرج الخلفي حيث كان الرجلان ينتظرانه وسط تبادل نار عنيف وكان أحدهما ينزف بشدة لكنه ما زال يطلق النار بعنف ليغطي انسحابهم
قفز الثلاثة داخل السيارة بينما الرصاص يمطر الهيكل المعدني من كل اتجاه ثم اندفعت السيارة بأقصى سرعة مخترقة البوابة الجانبية للقصر بينما دوى خلفهم انفجار ضخم بعدما اشتعلت إحدى السيارات المصفحة داخل الساحة ومن بعيد ظل القصر يحترق وسط الصراخ وصفارات الإنذار والدخان الأسود الذي ارتفع نحو السماء كأنه إعلان عن سقوط عالم كامل
أما محمود فظل صامتًا داخل السيارة والدماء والغبار يغطيان وجهه بينما عيناه ثابتتان على الطريق المظلم أمامه وكان يعرف أن ما حدث الليلة لم يكن مجرد هجوم بل نهاية مرحلة كاملة من حياته وبداية شيء أخطر بكثير بعد الليلة التي احترق فيها القصر وانتهى فيها اسم الرجل الكبير لم يعد هناك شيء في حياة محمود يشبه ما قبلها
هتلر كان قد سقط قبل ذلك في سلسلة اشتباكات أنهت وجوده تمامًا ووائل أخذ ثأره في لحظة انفجار طويلة جمعت كل ما تراكم من خيانة ودم وغضب ثم تفرقت الطرق كما تتفرق النار بعد أن تأكل كل شيء لكن عندما انتهى كل ذلك لم يشعر محمود بأنه انتصر بالمعنى الذي كان يتخيله كانت القاهرة هادئة بشكل غريب في الأيام التالية كأن المدينة نفسها تتنفس بعد عاصفة طويلة لا تريد أن تتذكرها رجاله بدأوا يختفون واحدًا بعد الآخر،بعضهم اختار الابتعاد
وبعضهم اختفى في أماكن لا يعرفها أحد،وبعضهم ببساطة لم يعد يرى أن هناك حربًا تستحق البقاء من أجلها بعد إعلانه توقفه عن الاجرام. أما هو فكان يجلس كثيرًا وحده،لا خطط،لا أوامر،ولا مكالمات من الرقم الغامض،حتى ذلك الصوت اختفى تمامًا كأنه لم يكن
في إحدى الليالي عاد إلى الحارة القديمة التي بدأ منها كل شيء،المكان لم يتغير كثيرًا لكن كل شيء داخله هو كان مختلفًا،وقف أمام جدار قديم يحمل آثار أيام بعيدة وتذكر كل الأسماء التي مرت وكل الوجوه وكل الدم الذي دفعه ليصل إلى هذه اللحظة،، لكن الغريب أنه لم يعد يشعر بأن شيئًا قد رُبح،بل كأن كل ما فعله كان يدفعه خطوة خطوة بعيدًا عن نفسه الأولى.
جلس على درجة سلم عمارته وظل ينظر للشارع الفارغ أمامه،لا أصوات إطلاق نار، لا مطاردات، لا خوف مباشر فقط صمت،الصمت الذي يأتي بعد أن تنتهي الحكايات الكبيرة ولا يبقى بعدها شيء ليُقال،أخرج سيجارة أخيرة وأشعلها ببطء ثم نظر إلى السماء كأنه يبحث عن إجابات لم تأتى بعد ابتسم ابتسامة خفيفة لا تحمل فرحًا ولا ندمًا وقال بصوت منخفض لنفسه كأنها جملة أخيرة لا تُقال إلا مرة واحدة كل اللي كنت بدور عليه انتهى بس أنا لسه واقف هنا
ثم أطفأ السيجارة تحت قدمه ونهض ببطء. سار في الشارع دون أن يلتفت خلفه وكأن الطريق لأول مرة لا يقوده إلى معركة جديدة بل إلى بداية مختلفة تمامًا بداية لا تحتاج اسمًا ولا سلاحًا فقط رجل قرر أخيرًا أن يترك الحرب تمشي وحدها دون أن يكون هو في قلبها هذه المرة شعر برغبه كبيره فى رؤية عفاف ،زوجة هتلر ،حبيبته القديمه ،لم يعرف كيف لم يفكر فيها طوال هذا الوقت
طرق باب شقتها وسمع صياح طفل صغير يركض داخل الشقه، كان وجهها شاحب عندما رأته وشعر محمود ان ملامحها تغيرت ،لم تعد عفاف التى يعرفها، حتى تلك الرغبه داخله لامتلاكها خفتت لحد بعيد ،رحبت به على غير توقعة دا ابنك ؟ ايوه دا محمود آبنى تذكر محمود هتلر وهو يخبره ان المدام مصره على إطلاق اسم محمود على طفلهم الأول، العاشقات يرغبن فى تخليد اسماء عشاقهم على قطعه منهم شرب الشاى ولاحظ ان لا جود لصوره لهتلر على الجدار
همست عفاف عندما لاحظت ذلك مش عايزاه يعرف حقيقة والده كان شغال ايه، مش عايزه يعرف اى حاجه عنه سألها تعرف مين قتله؟ قالت عفاف ،معرفش ولا عايزه اعرف، ابتسم محمود، مش مهم، كله مش مهم، الانسان لم يختفى الهاله إلى حواليه بتختفى معاه. _خطواته السريعه سبقته وهو يقطع الشارع ربما لم يكن على حياته الإجراميه ان تنتهى بهذة الطريقه ،لما فعل ذلك؟ يعرف انها لم تكن رغبه صافيه لم تكن شهوة بل ربما انتقام
_عاد محمود الى الحى القديم ،إلى شقته، تزوج بتول واحضر والدتها للعيش معهم، عاد الى وظيفته بمساعدة الرجل الغامض الذى همس قبل أن يختفى إلى الأبد اعتبرها مكفأة نهاية خدمه يا دكتور.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!