الفصل 33 | من 36 فصل

رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم Manal Salem

المشاهدات
13
كلمة
1,981
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18


الفصل التاسع والعشرون

لو كانت الوقاحة رجلاً لأرتده قتيلاً دون ندم أو تأنيب ضمير، للحظة شُل تفكيرها وهي تستوعب اقتحام تلك الفظة لغرفتها بطريقة سافرة مكملة استفزازها المستنفذ لهدوء الأعصاب متناسية آداب الضيافة، انتصبت "فرح" في وقفتها مخبئة ما كشف منها بقطعة الثياب هاتفة بتشنج:

-وهو من الأصول تخشي عليا الأوضة وأنا كده؟

رمقتها "مفيدة" بنظرة مطولة شملتها من رأسها لأخمص قدميها، رأت في نظراتها نحوها تأففًا جليًا، بل ونفورًا واضحًا على تعبيرات وجهها، تجهمت متسائلة بانفعال:

-قولي إني غلطانة يا حاجة "مفيدة"؟

تصرفت "فرح" بتلقائية مدافعة عن خصوصيتها فلم يطرأ ببالها أن تجد أعين الأخيرة القاسية والحادة مثبتة على ندوبها، تلك العلامات التي تركت أثرها على عنقها لتصبح سببًا قويًا في الإساءة إليها، تقوس فم "مفيدة" للجانب مبدية اشمئزازًا علنيًا منها وهي تقول:

-إيه الجرف (القرف) ده؟

اعتصر قلبها ألمًا من كلماته الطاعنة، عفويًا ارتخت يداها عن قطعة الثياب الممسكة بها لتضعهما على عنقها لتخفيه عن عينيها، اغرورقت حدقتاها بعبرات كثيفة حينما تابعت بقسوةٍ:

-ولدي واخد واحدة معيوبة؟!

اهتز بدنها كليًا مع شراسة حديثها الذي لم وأد مشاعرها فورًا، أغمضت "فرح" جفنيها بقوة وهي تتراجع مبتعدة للخلف ليلتصق ظهرها بضلفة الخزانة، لم تقوَ ساقيها على حملها، شعرت أنها على وشك الانهيار أمامها، أنجاها من شرها المستطر اقتحام تلك الشابة للغرفة، هتفت الأخيرة موبخة والدتها بنبرتها المزعوجة:

-إيه يامه اللي بتعمليه ده مع الضيفة؟

أجابتها بشراسة مهلكة لما تبقى من روح "فرح":

-تعالي يا "سوسن" شوفي اللي اخترها "يزيد" بدالك، واحدة استغفر الله، مُسخ!

شهقت ابنتها من لسانها السليط الذي بدا كالسياط وهي توصف ضيفة المنزل بأقذع الألفاظ، ارتفع حاجبي "سوسن" للأعلى باستنكار وهي تضع قبضتيها على كتفي أمها لتجذبها نحو باب الغرفة:

-مايصحش الكلام ده، بينا يامه من هنا!

نفضت "مفيدة" ذراعيها عنها مرددة بعبوس:

-أني خارجة ماتمسكنيش!

استمعت "فرح" إلى صوت بصاقها دون أن تكون بحاجة للنظر إليها، تعالت شهقاتها مع نحيبها المكتوم، لم تتعرض لمثل ذلك الإذلال المهين من قبل، هوى جسدها وهي تدفن وجهها بين راحتي يدها مطلقة لنفسها العنان لتبكي بمرارة وحرقة لتدخل من جديد في دوامة أحزانها التي لا تنتهي مجترة كأس ذكرياتها المؤلمة.

.......................................................

لم تستطع تحمل رؤيتها تذل وهي ضيفة عزيزة في منزل العائلة لمجرد ضغائن حملتها أمها ضد طليقة ابن عمها "هايدي" متوهمة أن "فرح" مثلها ستعاملهم بكل احتقار وحقد، وبخت "سوسن" - ذات البشرة الخمرية والأعين البنية – والدتها قائلة بعتابٍ كبير:

-حرام عليكي يامه، أبيه"يزيد" هايقول عنا إيه بس، احنا عازمينه على فرحي، وجايبين مرته نبهدلها

حدجتها "مفيدة" بنظرات نارية لترد بعدها بعدائية:

-هتدافعي عن المصراوية جدامي (قدامي)؟

ثم زمت شفتيها متابعة:

-ما إنتي خلاص بجيتي (بقيتي) ترطني (تكلمي) بلغوتهم، ونسيتي عوايدنا

ردت عليها "سوسن" بقوة نابعة من أصلها الطيب:

-أنا اتعلمت يامه في أحسن الجامعات مش عشان أعوج لساني ولا أنسى أصلي، وعوايدنا علمتني إن إكرام الضيف واجب، فإزاي عوزاني أسكت عن ظلمك ليها؟

ثم تحولت لنكنتها للصعيدية وهي تضيف متسائلة بانفعال:

-من ميتى (امتى) بنعايرو الناس؟

ورغم كون ابنتها على حق إلا أنها رفضت الاعتراف بذنبها، اكتفت بالتحديق الصامت في وجهها وهي تزفر بقوة، هزت "سوسن" رأسها محتجة على أسلوبها ولم تتوان عن إشعارها بفداحة ذنبها.

.......................................................

ألقى ببقايا القشة التي كانت في يده بعد أن كسرها إلى جزئين ليلج إلى المنزل مستنشقًا رائحة العجين المخبوز الذي زكم أنفه بقوة، ابتسم "يزيد" بسعادة فقد كان يشتاق لتلك الرائحة التي عهدها منذ طفولته وصباه، منحته شعورًا جميلاً بالارتياح، لم يرغب في إضاعة الوقت دون أن يتجول كذلك في بلدته مستعيدًا ذكرياته القديمة، فكر في أخذ زوجته في جولة لترى الجمال الطبيعي بها لتشاطره ما يحب، أسرع في خطواته متجهًا نحو الدرج، لاحظ التوتر السائد بين ابنة عمه ووالدتها المتواجدتين بالرواق فتساءل باهتمام وهو يمر بينهما:

-خير يا مرات عمي؟ حصل حاجة يا "سوسن"؟

توقفت كلتاهما عن نقاشهما المحتد، وتجمدت أنظار "سوسن" عليه مبتلعة ريقها بقلق مقروء في عينيها، نزعت "مفيدة" فتيل الصمت لتنفجر صائحة بتهكم:

-بقى تتجوز المُسخ دي يا "يزيد"

نزلت جملتها الصادمة كوقع طلقة نافذة أصابته في مقتل، شحب وجهه متسائلاً بفزع:

-قصدك مين؟

ارتبكت "سوسن" من ملامحه التي تحولت للقساوة ومن نظراته المحتقنة نحو والدتها، شعرت أنه سيفتك بأحدهم إن لم تتصرف هي، حاولت أن تخفف من وطأة الأمر عليه فردت بتلعثم:

-مافيش حاجة يا ابن عمي

بدا غير مقتنع بما تقول، استشعر وجود ما تخفيه عنه، بالطبع لم تضيع "مفيدة" الفرصة لتحرق الأرض بمن عليها، التفتت نحو ابنتها ترمقها بنظراتها الساخطة، حذرتها بعصبية بائنة في صوتها:

-اسكتي ساكت يا بت

لم ينتظر "يزيد" في مكانه كثيرًا ليفهم ما ترمي إليه، خمن بذكائه أنها تقصد زوجته، وأنها ربما أساءت لها بطريقة ما، ركض نحو غرفته باحثًا عنها بداخلها، انقبض قلبه بقوة حينما وجد المكان خاليًا منها، قفز قلبه بين قدميه معتقدًا ذهابها، لكن صوت نحيبها طمأنه نسبيًا وأعاد إليه روحه، استدار بجسده نحو المرحاض الموصود بابه متنفسًا الصعداء، دق الباب عليه مرددًا بصيغة آمرة وهو يدير مقبضه محاولاً فتحه:

-"فرح"، سمعاني، افتحي الباب!

ارتفع أنينها فتضاعفت مخاوفه عليها، هتف بقوةٍ وهو يقاتل لانتزاع المقبض:

-أنا هاكسر الباب، ابعدي عنه يا "فرح"!

تراجع خطوتين للخلف شاحذًا قواه ليندفع نحوه ضاربًا إياه بعنف قاصدًا خلعه من مفصله، كرر تلك الفعلة مرتين حتى فُتح على مصراعيه، وقف عند عتبته يلهث وهو يجول داخله ببصره، وجدها منزوية بجوار المغطس الصغير فهرول ناحيتها، جثا على ركبتيه أمامها يهزها من ذراعيها الملتفين حول ركبتيها المضمومتين إلى صدرها قائلاً بلهفة مضاعفة:

-"فرح"، ردي عليا

لم تكن في حالة واعي كاملة، لف ذراعه حول ظهرها ومرر الأخر أسفل ركبتيها ليحملها دون انتظار ردها، خرج بها منه واضعًا إياها على الفراش، جلس بجوارها يمسح وجهها المتورم بيديه مرددًا بتلهف مرتعد:

-"فرح"، إنتي كويسة؟

مرر أنظاره على جسدها ليتأكد من عدم وجود أي إصابة به، وخاصة ندوب عنقها، شعرت بالارتياح لأنها لم تقدم على شيء متهور، رفعها إليه ليحتضنها هامسًا بصوته المختنق:

-أنا أسف، حقك عليا أنا، حبيبتي ردي بس عليا وطمنيني

ترددت "سوسن" في الدخول للغرفة بعد أن رأت الحالة العصبية المبررة لابن عمها، كورت أصابع كفها لتضغط عليه وهي تتلج بحذرٍ إليه، أرادت أن تتفقد تلك الضيفة التي قاست القليل من عدائية والدتها دون ذنب فعلي، ضغطت على شفتيها قائلة بحرج وهي تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى:

-إن شاء الله تبقى كويسة

رفع "يزيد" وجهه الملتهب بحمرة غاضبة نحوها ليصرخ بها:

-عملتوا فيها إيه؟

دافعت عن نفسها قائلة نافية أن يكون لها أي يد فيما أصاب زوجته:

-والله ما أنا يا أبيه، دي أمي دخلت عليها وأنا حاولت أمنعها

صاح بها بصوته الجهوري الغاضب مستخدمًا يده في التلويح:

-إنتو مستكترين علينا أكون مع مراتي؟ للدرجادي مضايقكم وجودها؟ عاوز أفهم الكره ده كله ليه؟ هو أنا اللي اتجوزتها ولا أنتو؟

ابتلعت ريقها قائلة بتوجسٍ:

-أنا ماليش ذنب، بالعكس أنا حابة أقوم معاها بالواجب

واصل صراخه المتعصب بها قائلاً:

-لو فرح جرالها حاجة مش هـ......

قاطعته ببسمة باهتة طامعة في نفسها أن تهدأ ثورته:

-مش هايحصل إن شاء الله

شدد "يزيد" من ضمه لزوجته، كانت شبه واعية لكلماته الثائرة المدافعة عنها، وجودها الآن معها أشعرها بالأمان الذي افتقدته في غيابه، هدر متسائلاً باهتياج:

-عاوز أفهم بتعايروها بإيه بالظبط؟

التفت ناحية "فرح" يرمقها بنظراته الآسفة، احتضن وجهها براحة يده ماسحًا على بشرتها برفق وهو يقول بصوتٍ شبه مختنق:

-أنا السبب في اللي حصلها من البداية، لو بتقروا جرايد وبتابعوا أخبار هتعرفوا إن مراتي كانت هاتموت بسببي أنا!

استدار بتعابيره المحقونة غضبًا نحو "سوسن" هادرًا بنبرة عازمة:

-أنا مش هاقعد هنا ثانية واحدة

هتفت ابنة عمه بقلق وهي تحاول منعه مما عقد النية على فعله:

-استنى بس

كانت نظراته نحوها تحمل العتاب القاسي، وزاد من إحساسها بالذنب حينما عنفها قائلاً:

-متشكر يا بنت عمي، كنت فاكرك هتكرمي مراتك، بس طلعت غلطان

دنت منه حتى بلغته، وضعت يدها على كتفه تتوسله برجاءٍ كمحاولة بائسة منها لرأب الصدع:

-اسمعني يا أبيه، أنا هاجيبلها حقها بس ماتمشيش

وقبل أن تضيف المزيد كانت والدتها تقف عند عتبة الباب تطالع ثلاثتهم بنظراتها الغير مريحة، هتفت صائحة بنبرة صلبة مجبرة إياهم على التحديق بها بغرابة صادمة:

-متزعليش يا بتي، حجك (حقك) عليا

صدمة جلية اعترت أوجههم وهي تعتذر بهدوء وكأنها لم تفعل ما يُشين، رمشت "سوسن" بعينيها لتتأكد أنها لا تحلم، بينما بقيت نظرات "يزيد" المشتعلة على ملامحها القاسية رافضًا تمرير الأمر ببساطة، فأثر معايرتها لزوجته لن يكون بسهولة اعتذارها ...................................... !!

.....................................................

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...