الفصل 15 | من 20 فصل

الفصل الخامس عشر

المشاهدات
4
كلمة
1,564
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

رواية حين يعاند القدر الجزء الخامس عشر 15 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة الخامسة عشر بعد رحيل راضي وسميحة، انطفأ البيت وصار الصمت سيده. لم تجد شمس مأوى لقلبها المكسور إلا في فيلا حسن، عاشت في الفيلا مع ليلى وعمار كأنها طيف شاحب. صارت حنان لها أمًا ثانية أما مراد، فقد آثر البقاء في شقته الجديدة، لا يزور الفيلا إلا كل بضعة أيام، وحين يأتي يتغير كل شيء.

لقد تبدلت شمس مائة وثمانين درجة. إن هاتفها اكتفت بكلمات مقتضبة، تتحجج بالمذاكرة وتقول معلش يا مراد عندي امتحان ولازم أقفل. وإن جاء إلى الفيلا، انسحبت بهدوء إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. كان يقف في الصالة، يبحث عنها بعينيه، فلا يجد إلا الفراغ. جن جنونه، ولم يفهم ما الذي اقترفه. ذات ليلة، لم يعد يحتمل، فجلس مع عمار وليلى وقال بصوت مختنق أنا بحب شمس، وعايز أتجوزها، عايزها على سنة الله ورسوله. ربت عمار على كتفه وقال يا حبيبي اصبر، البنت لسه مصدومة، موت أبوها وأمها نفسيتها متسمحش دلوقتي. وأضافت ليلى والدمع في عينيها شمس مش هتفضل كده يا مراد، واحدة واحدة وهتنسى، وهترجع شمس بتاعتنا اللي بتضحك.

مرت الأيام، وتبعتها الشهور، بطيئة ثقيلة كأنها لا تريد أن تمضي. كان ياسين الصغير هو الضوء الوحيد في عتمة شمس. تضمه، تغني له، وتبتسم له وحده. وتلعبه وتنيمه معاها

واليوم، أتم ياسين عامه الأول. أصرت شمس أن تقيم له عيد ميلاد، فقالت لها ليلى في الظروف دي يا شمس ازاي عاوزانا نعمل عيد ميلاده فقاطعتها شمس بصوت ثابت يوم زي شهر زي سنة، عمري ما هنسى أمي وأبويا، بس الحياة لازم تستمر، وياسين ذنبه إيه نحرمه من فرحته الحزن في القلب يا لوليتا

في المساء، امتلأ الفيلا بالزينة والبالونات. جاء مراد متأخرًا، يحمل في يده لعبة كبيرة مغلفة لياسين. سلم على الجميع وعينه تبحث عنها. رآها واقفة بعيدًا، بفستان أسود بسيط، وحجابها يغطي شعرها، وعيناها العسليتان ذابلتان. اقترب منها، وحاول أن يرسم ابتسامة: “ازيك يا شموسة، عاملة إيه؟ وحشتيني.” ارتبكت شمس، وتورد وجهها. لم تتوقع أن يقولها هكذا أمام الجميع. تلعثمت ولم تجد ردًا، فأنقذها هو بأن

مد يده بعلبة صغيرة مخملية: “خدي، دي عشانك.” نظرت إلى العلبة وقالت باستغراب: “دي مش عيد ميلادي أنا.” فقال وهو يحدق في عينيها: “افتحيها بس.” فتحت العلبة، فوجدت خاتمًا من الألماس يلمع كأنه قطعة من ضوء. شهقت ورفعت عينيها إليه. فقال مراد بصوت واضح، سمعه كل من في الغرفة: تقبلي تتجوزيني يا شمس انا بحبك وعاوزك تبقي مراتي؟

ساد الصمت. عمار وليلى وحنان وحسن، كلهم ينظرون. شمس شعرت أن الجدران تضيق عليها، وأن الهواء يهرب من رئتيها. صورة أبيها وأمها مرت أمام عينيها، والخوف كبل لسانها. فقالت بصوت مبحوح، مكسور: “لأ… أنا مش عايزة اتجوز.” ثم استدارت وركضت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها وهي تبكي جرى عمار خلف مراد الذي تجمد مكانه، ووجهه أصبح كقطعة من الرخام. قال له عمار يا مراد استنى، اصبر عليها، انت عارف ظروفها. فانفجر مراد،

وكرامته تنزف: “خلاص يا عمار، الحكاية خلصت قبل ما تبتدي. لو كانت بتحبني كانت وافقت، كانت حسّت بيا. أنا بالنسبالها صديق، ولا حتى الصداقة، خلاص بعدت عني هتحبني ليه اكبر منها يكتير ورجلي الي فيها عارجة اكيد عاوزة شاب من سنها ثم استدار وخرج من الفيلا، وصوت إغلاق الباب خلفه كان كصفعة. في غرفتها، كانت شمس تتكئ على الباب وتبكي بحرقة. دخلت عليها ليلى وحاولت أن تضمها،

فقالت شمس من بين شهقاتها: “أكيد بيتجوزني شفقة يا ليلى، وهو لو كان بيحبني بجد، كان سكت كل ده ليه؟ ليه ما اتكلمش من زمان دا احنا ياما كتير كنا سوا عمره ما بينلي انه حتي بيحبني كان معتبرني صدقته طيب الاصدقاء بيقفو جنب بعض هو بعد وما صدق جاي دلوقتي وبيقولي بحبك وعاوزني اصدقه حاولت ليلى أن تفهمها أن مراد يحترق من أجلها وبيحبها ، لكن شمس كانت قد اتخذت قرارها قالت انا معنتش عاوزة حد يكلمني في الموضوع ده.

في الصباح، استيقظت قبل الجميع. حزمت حقيبتها الصغيرة، ولم تأخذ سوى ثيابها وكتبها. كتبت ورقة ووضعتها على وسادتها: “سامحوني، تعبتكم معايا كتير. لازم أرجع بيت أبويا، ده مكاني. . شمس.” وخرجت من الفيلا قبل أن يستيقظ أحد، والشمس لم تشرق بعد. عادت إلى البيت الذي شهد طفولتها، البيت الذي مات فيه صوت أبيها وأمها، لكنه على الأقل بيتها، وحدها فيه لا تشفق على أحد، ولا يشفق عليها أحد.

وحين استيقظت ليلى ولم تجدها، وجدت الورقة، فصرخت. ركض عمار إليها مالك ياليلي ايه الي حصل شمس يا عمار سابتنا ومشت رجعت بيت ابوها انا لا يمكن اسيب بنت اخويا اخويا زمان ماسابنيش واخدني عيشت معاه وعوضني عن كل الي حصلي وكملت تعليمي ازاي اسيب بنته تتبهدل وهي ملهاش غيري ياعمار عمار اخدها في حضنه يهديها اهدي حبيبتي هنروحلها ونرجعها أما مراد، فكان يقود سيارته بلا هدى، وقلبه يصرخ: ليه يا شمس؟

ليه طعنتي قلبي وانتِ عارفة إني من غيرك ميت؟ وشمس، كانت تجلس في صالة بيتها البارد، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتقول للجدران: هو مش بيحبني، هو بس صعبان عليه حالي. وافترق قلبان، كل منهما يظن أنه الاخر لا يحبه عمار وليلى طرقوا باب بيت شمس. كانت تفتح لهم بوجه شاحب، وعينين انطفأ بريقهما، وتجلس معهم لدقائق صامتة. تقول لها

ليلى والدمع يحاصر صوتها: “تعالي معانا يا شمس، البيت من غيرك ميت، وياسين هتسبيه ازاي هتقدري تعيشي لوحدك وانا موجودة لا يمكن اسيبك يا حبيبتي عمار وهو يمسح على رأسها بحنان أخ كبير: “يا بنتي الفيلا بيتك، وإحنا أهلك، مش هنسيبك لوحدك هنا.” لكن شمس كانت تهز رأسها ببطء، وتبتسم ابتسامة موجوعة: “أنا مرتاحة هنا يا ليلى، بجد مرتاحة. ده بيت أبويا وأمي، وريحة أبويا لسه في كل ركن. سيبوني على راحتي، أرجوكم.”

أمام إصرارها الصامت، لم يجد عمار وليلى بدًا من الرضوخ. صارا يزورانها كل يومين، يطمئنان عليها، يتركان لها طعامًا من يد حنان، ويعودان بقلبين مثقلين بالهم.

أما شمس، فقد دفنت نفسها في الكتب. تذهب إلى كليتها كل صباح، تعود قبل الغروب، تغلق الباب على نفسها وعلى كتبها، وتذاكر حتى ينال منها التعب. كانت تريد تقديرًا عاليًا، تريد أن تثبت لنفسها أنها تستطيع أن تقف وحدها، أنها ليست عبئًا على أحد. كانت تهرب من الألم بالمزاكرة، ومن الوحدة إلى المسائل والمعادلات. ومراد؟ مراد لم يحاول. لم يتصل، لم يرسل رسالة، لم يطرق بابها. بعد تلك الليلة، بعد رفضها وده اكدلها انها مجرد شفقة

كان صمته هو الدليل القاطع. كل ليلة، وهي مستلقية على سريرها القديم، تحدق في السقف وتحدث نفسها: “شوفتي؟ أهو بعد، ولا سأل، ولا همه. كان فعلًا شفقة أما مراد، فكان يتأكل من الداخل. جرح كرامته كان أعمق من جرح قلبه. ظل أيامًا في شقته لا يخرج، لا يرد على هاتفه، لا يكلم حسن ولا حنان. يرى خاتم الألماس على طاولته كل ليلة، فيشعر بطعنة جديدة. “رفضتني… قالت لأ قدام الكل. أنا بالنسبة ليها ولا حاجة. صديق وبطلت أكون.”

دخل مراد على والده حسن في المكتب وقال بصوت ميت: “أنا قررت اسافر يا حاج. هأسس فرع الشركة في دبي، والمشروع محتاجني هناك انا وادم صاحبي .” نظر إليه حسن طويلًا، وفهم أن ابنه يهرب من وجعه، لا من العمل. ربت على كتفه وقال: “سافر يا حبيبي بس الهروب مش حل.”

وفي المطار، وقف مراد ينظر إلى طائرة الإمارات وهي تستعد للإقلاع. أخرج هاتفه، فتح محادثتها، كتب “وحشتيني” ثم مسحها. كتب “أنا مسافر” ثم مسحها. وفي النهاية، أغلق الهاتف، وركب الطائرة. ابتعد آلاف الأميال، وظن أن المسافة ستداوي. وبقيت هي في بيت أبيها، تظن أن صمته هو الإجابة. هو في دبي، يقف في شرفة مكتبه في الطابق الأربعين، يرى الأبراج ولا يرى شيئًا سوى عينيها العسليتين .

وهي في القاهرة، تجلس على سلم الجامعة وحيدة، تمسك كتابها ترى وجهه حبيبها مراد وافترق الدرب، وكل منهما يحمل في قلبه نصف الحكاية، ونصف الوجع، ويقسم أنه كان الضحية. كان اليوم هادئًا على غير العادة. سماء القاهرة رمادية خفيفة، وهواء الشتاء يدخل من نافذة السيارة المفتوحة ويلعب في طرف طرحة شمس. كانت ماسكة المفتاح بيد مرتجفة. مفتاح شقة مراد. الشقة التي اختارت تفاصيلها بنفسها. لون الحوائط… شكل الأثاث… الستاير

توقفت أمام الباب طويلًا. قلبها يدق بعنف غريب، كأنها ستراه حالًا يفتح لها ويقول بصوته الخشن: واقفالي ليه؟ ادخلي يا بنتي.” لكن الصمت وحده كان في انتظارها. أدخلت المفتاح ببطء… وفتحت الباب. رائحة المكان ضربتها فورًا. ريحته. نفس البرفان الخفيف، ونفس دفء الخشب والقهوة. كأن الشقة متجمدة عند آخر يوم كان هنا. دخلت بخطوات بطيئة. كل ركن فيها يحمل قطعة منه. الكنبة الكبيرة التي نام عليها مرة وهو مرهق من الشغل…

المكتبة التي رتبتها بنفسها وهو يفسد ترتيبها عمدًا فقط ليستفزها… ضحكة صغيرة مكسورة خرجت منها رغمًا عنها. وضعت حقيبتها، وبدأت تنظف. كانت تمسح التراب عن الطاولة وكأنها تلمس أثره… ترتب القمصان التي تركها داخل غرفته… تسوي ياقة قميص أسود وهي تتخيل شكله فيه. وفي كل مرة تلمس شيئًا يخصه… كانت تشعر بقلبها يوجع أكثر. دخلت غرفة النوم أخيرًا. الغرفة كانت مرتبة بشكل مؤلم. السرير كما تركه. وساعته فوق الكومود.

وصورة صغيرة لعائلته… بينهم هي، تضحك بعفوية وهو ينظر لها بدل الكاميرا. تجمدت أمام الصورة طويلًا. ثم مدت يدها المرتعشة تأخذها. همست بصوت مكسور: –“ليه بصيتلي كده… لو مكنتش بتحبني؟ لكن السؤال خرج متأخرًا جدًا. جلست على طرف السرير… فشعرت بشيء صلب تحت الوسادة. قطبت حاجبيها، ورفعت الوسادة ببطء. وتجمدت. علبة سوداء صغيرة. أنفاسها اختفت للحظة. عرفتها فورًا. إيديها بدأت ترتعش وهي تفتحها. الخاتم. خاتم الألماس الذي رفضته.

لكنه لم يُعده للمحل… لم يتخلص منه… بل تركه هنا. تاركًا قلبه كله داخل علبة صغيرة. دموعها نزلت فجأة بلا مقاومة. أخذت الخاتم بين أصابعها، ولمع الحجر تحت الضوء. افتكرت يوم ما اتقدملها ورفضها ليه وضعت يدها على فمها تمنع شهقة خرجت منها بالعافية. “يا رب…” همست باختناق. “أنا عملت ايه ضيعت الي بنا كله ؟ ضمت العلبة إلى صدرها، وانحنت للأمام تبكي بصمت موجوع هز كتفيها. ولأول مرة منذ رحيله… سمحت لنفسها تعترف بالحقيقة كاملة.

هي متقدرش تعيش من غير وجوده في حياتها ونامت وهي حاضة قميصه وكمان

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...