كانت أوضة ليل العامري هاديه شكل غريب…
إلا من صوت أنفاسها وهي نايمة، كأنها بتحاول تهرب من الدنيا حتى وهي مغمضة عينيها.
الشمس كانت داخلة من الشباك بخيط خفيف، بس ملامحها كانت مرهقة حتى في النوم.
فجأة…
صوت باب بيتفتح بعنف.
“قومي!”
الصوت كان عالي لدرجة خلتها تفزع في ثانية، وتفتح عينيها على الآخر.
قبل ما تستوعب، كان أبوها واقف قدامها، ملامحه مشتعلة غضب.
إنتي لسه نايمة لحد دلوقتي؟! قومي دوري على شغل بدل القعدة دي.
حاولت تقوم بسرعة وهي لسه مش مستوعبة، بس قبل ما تقف كامل…
كانت الضربة نازلة.
سكتت.
مش لأنها ما حستش بالألم…
لكن لأنها اتعودت إن الاعتراض ملوش نتيجة.
بصت له بعينين فيها دموع محبوسة، وقالت بصوت مهزوز: “حاضر… أنا هقوم أدور على شغل.
من وراها، أمها كانت صاحية على السرير، باين عليها التعب، بتحاول ترفع إيدها بس مش قادرة.
“يا بنتي… اهدي عليها…” قالت بصوت ضعيف.
ليل نزلت عينيها في الأرض، وبدأت تلبس بسرعة، كأنها بتحاول تهرب من المكان قبل ما تتكسر أكتر.
خرجت ليل من البيت وهي حاسة إن المكان وراها بيقفل عليها زي السجن.
وقفت لحظة على السلم…
أخدت نفس عميق، كأنها بتحاول تجمع نفسها قبل ما تنزل.
بصت في الشارع قدامها… زحمة ناس، كل واحد ماشي في طريقه، إلا هي.
“لازم شغل… لازم أجيب فلوس لعلاج ماما…” قالتها لنفسها بصوت واطي.
بدأت تمشي من غير هدف واضح، بتسأل في كل مكان تقابله: مفيش شغل.. أي شغل… حتى لو بسيط.
بس كل مرة كانت بتاخد نفس الإجابة: مفيش حاليا.
الساعات عدت عليها تقيلة…
الشمس بدأت تغيب، والشارع زاد زحمة وهي لسه مكانها ما اتغيرش.
رجليها بدأت تتعب، بس عنيها كانت لسه مصممة.
وقفت قدام محل صغير، بصت جواه، وبصت في الأرض…
وكأنها بتقارن بين حياتها وحياة الناس اللي جواه.
—
داخل المبنى الكبير، كان كل شيء مختلف تماما عن الشارع اللي برا.
هدوء… نظام… وفخامة واضحة في كل تفصيلة.
سفيان المالك دخل بخطوات ثابتة، من غير ما يبص يمين أو شمال.
كل اللي في المكان وقف احتراما له، بس هو ما كانش مهتم.
“الاجتماع بعد 10 دقايق يا فندم…” قال أحد الموظفين.
هز رأسه بس من غير كلام، وكمل طريقه على مكتبه.
قعد على الكرسي، وبص في الورق قدامه، لكن عينه ما كانتش مركزة.
كان في حاجة بتزن جواه…
مش شغل… ومش ضغط.
حاجة أقدم من كل ده.
سحب نفسه لورا في الكرسي، وبص للفراغ قدامه لحظة.
“لسه فاكر…” قالها بصوت واطي لنفسه.
وبعدين سكت.
و في نفس الوقت اتفتح الباب بدون ما يخبط.
سفيان بحده: مش تخبط ع الباب يا حيوان قبل ما تدخل.
عدي بمرح: مالك يا سيفو شكلك مش طايق حد علي صبح كده.
سفيان: اخرس يا زفت.. و كمل برفعه حاجب. خلصت شغل اللي وراك ولا لسه.
عدي بتوتر: احم قربت اخلص.. و قبل ما يكمل كلمه.
قطعه سفيان بصوت عالي: نعممممم كل دا و لسه مخلصتش.. علي مكتبك و شغل كله يتسلم انهارده.. و كمل بتهديد و الا انت عارف هعمل اييه.
عدي بخوف: لا خلاص خلاص ساعه بظبط و كل حاجة هتكون قدامك.
و خرج من مكتب.
اما سفيان ف كمل شغل.
—
ليل كانت قاعدة على رصيف قدام محل صغير، رجليها خلاص تعبت.
النهار خلص، والليل بدأ يدخل بهدوء تقيل.
في إيدها ورقة فيها أرقام أماكن شغل، وكلهم رفضوها.
“مش محتاجين حد دلوقتي…”
“رجعي بعدين…”
كل كلمة كانت بتكسر جزء جواها.
بصت للسما، وعيونها دمعت غصب عنها.
“أنا مش عايزة حاجة… أنا عايزة بس امي تبقي كويسه.
ليل فضلت ماشية…
خطواتها بقت أبطأ، كأن الشارع نفسه بدأ يضغط عليها أكتر من تعب رجليها. الإضاءة كانت خافتة، والهدوء اللي في آخر الليل بيخلي أي صوت صغير يبان أعلى من الطبيعي.
لفت في شارع جانبي… أهدى من اللي قبله، وفيه مباني أعلى، شكلها مختلف عن باقي المنطقة.
رفعت عينيها بتعب…
وفجأة وقفت.
قدامها مبنى كبير، واجهته زجاج فخم، وإضاءة ناعمة طالعة من جوه. فوق المدخل لوحة واضحة مكتوب عليها:
“شركة المالك”
لحظة سكون…
ليل بصت للاسم كأن الزمن وقف عنده.
حاجبها ارتفع شوية، ونفسها اتقطع فجأة من غير سبب واضح.
“المالك…”
همستها خرجت تلقائي، كأن الاسم مش غريب… كأن عقلها لمس حاجة مدفونة من زمان.
حست بدوخة خفيفة.
مسكت طرف هدومها لا إرادي، وقلبها بدأ يدق بسرعة غريبة… دقات مش مفهومة، مش مرتبطة بتعب اليوم ولا الجوع ولا الإرهاق.
لكن بحاجة تانية… إحساس قديم، كأنه ذكرى مش كاملة.
رجعت خطوة لواره
معقول.. معقول يكون هو أكيد لا لا.
سؤال طلع منها بصوت واطي.
بصت تاني على المبنى… النور اللي جواه كان دافئ، بس بالنسبة لها كان فيه حاجة تقيلة، كأنه بيشدها ناحيته وبيخوفها في نفس الوقت.
حست بريحة غريبة من الذكريات… مش واضحة، بس مألوفة.
صورة سريعة مرت في دماغها:
صوت باب بيتقفل بعنف…
وشخص واقف قدامها…
وكلمة “المالك” متقالة بنبرة مختلفة تماما.
هزت راسها بسرعة كأنها بتطرد الفكرة.
“لا… أكيد تشبه أسماء”.
بس قلبها ما كانش مصدقها.
فضل يدق أسرع…
وقفت قدام المبنى ثواني طويلة، مش عارفة تقرب ولا ترجع.
وفي اللحظة دي… باب الشركة الزجاجي اتفتح من جوه، وخرجت إضاءة أقوى شوية خلت ظلها يقع على الأرض قدامها… وكأنها اتسحبت غصب عنها ناحية حاجة هتغير كل اللي جاي.
ليل واقفة مكانها، قلبها لسه بيدق بسرعة غريبة من غير سبب واضح…
وباب شركة “المالك” لسه مفتوح قدامها شوية.
الهواء اللي خارج من جوه كان مختلف… أهدى، أنضف، كأنه عالم تاني.
هي أخدت خطوة صغيرة لقدام، عينيها راحت جوا المكان تلقائي.
إضاءة بيضا ناعمة، رخام لامع، موظفين ببدل أنيقة، كل حاجة منظمة بشكل يخوف.
لكن…
في اللحظة اللي عينيها دخلت أكتر جوا الصالة…
اتجمدت.
هو.
سفيان.
كان واقف في النص تقريبا، بيكلم موظف قدامه وهو ماسك ملفات في إيده، ملامحه حادة، ووقفته كلها هيبة.
ليل ما شافتش غيره.
كأن كل الموجودين اختفوا فجأة من حوالينه.
عينها ثبتت عليه، واتسعت ببطء.
قلبها ضرب بقوة أكتر، بس المرة دي مش خوف… حاجة تانية.
سفيان كان بيكمل كلامه عادي جدا، بتركيز، بيوقع ورق ويدي أوامر ببرود واضح…
لكن ما رفعش عينه ناحية الباب أصلا.
ما شافهاش.
ما حسش بيها.
ليل فضلت واقفة عند المدخل، متجمدة، بتبص له كأنه مشهد من حياة مش حياتها.
انأ لازم امشي لازم امشي… قالتها لنفسها بصوت واطي.
رجعت خطوة صغيرة لورا، كأن وجوده نفسه تقيل عليها.
في اللحظة دي، موظف جنبها عدي بسرعة وهو
شايل أوراق، خبط كتفها خبطه خفيفة من غير ما يقصد.
“آسف”
بس هي ما ردتش.
عينها مازالت عليه.
سفيان لف ضهره أخيرا ودخل ناحية مكتبه وهو بيتكلم في التليفون، صوته واثق وقاطع.
والباب الزجاجي بدأ يقفل ببطء…
وقبل ما يقفل كامل—
ليل كانت بتمشي بسرعه رهيبه..
سفيان كان واقف مكانه جوه المكتب، ماسك التليفون في إيده، بس تركيزه فجأة اتقطع.
في حاجة غريبة…
سكون مش طبيعي جواه.
حط التليفون على المكتب ببطء، وبص ناحية باب الشركة الزجاجي.
المكان فاضي.
بس هو… كأنه شاف حاجة لسه معدية من ثواني.
حاجبه اتشدد، ونفسه اتغير من غير ما يحس.
“غريبة…”
همسها لنفسه وهو بيبعد عينه، ويحاول يرجع يركز في الورق قدامه.
لكن قلبه…
كان بيخبط.
بشكل مش مبرر.
ضغط على صدره بإيده لحظة، وكأنه بيحاول يفهم الإحساس ده.
“إيه ده؟”
سكت شوية…
وبعدين فجأة، خرج الاسم من بُقه بهدوء غريب، كأنه طالع لوحده من غير إذن:
“ليل…”
وقف.
رفع عينه بسرعة كأنه اتفاجئ إنه قالها أصلا.
“ليل”
كررها تاني، أبطأ.
حس بقشعريرة خفيفة في جسمه، وملامحه اللي دايما ثابتة اتغيرت لحظة.
قرب خطوة ناحية الزجاج، وبص بره.
الشارع قدامه عادي… مفيش حد واضح.
بس هو حاسس بحاجة مش مفهومة.
إيده على صدره، ونبضه أسرع من الطبيعي.
“معقول…”
سكت لحظة طويلة، وبعدين همس بصوت أخف، كأنه بيكلم نفسه:
هي كانت هنا؟
وبعدها، بحدة بسيطة على نفسه كأنه بيستغرب رد فعله:
“ليه قلبي يدق كده”
رجع خطوة لورا، وبص للفراغ قدامه، بس المرة دي ملامحه ما كانتش باردة زي الأول.
فيه حاجة اتكسرت جواه… أو اتفتحت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!