تحميل رواية كبير اولاد الصعيد بقلم نور الشامي pdf
بقلم نور الشامي
الفصل 1
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ كبير اولاد الصعيد بقلم نور الشامي.
الفصل 1
رواية كبير اولاد الصعيد من الفصل الاول للاخير
" القدر مش موافق... الكون مش سامح... ربنا مش رايد "
ترددت هذه الجملة في ذهنها كصدى بعيد، كأنها تخرج من شاشة قديمة يعمها الغبار... كانت قد سمعتها في أحد الأفلام المصرية يوماً ما ولم تكن تدري أنها ستراها يوما مرآة لحقيقتها..
تمدّدت على سرير المستشفى بفستان زفافها الأبيض، الباهت تحت أضواء النيون الباردة ووجهها شاحب يتأمل السقف كأنها تبحث فيه عن علامة عن إجابة، عن رحمه... كانت الغرفة مليئة بالناس... رجالًا ونساء، وكان الجميع في حالة من التوتر والغضب واصواتهم تتعالى، والجميع يتبادل النظرات المشحونة بالألم والغضب وفجأة، قطع صمت الغرفة صوت جدها، الذي اعتاد أن يكون صاحب القرار في العائلة. وهتف بصوت مرتفع:
ابعتوا هاتوا صخر والمأذون.. دلوجتي حالا
تجمدت قدر في مكانها ولم تصدق ما سمعته، إذ أن صخر هو ابن عمها الذي لم تره منذ سنوات عديدة. ولكن تلك السنين الطويلة لم تنسها ملامحه، ولم تُبعده عن تفكيرها أبدا
وركزت قدر على هذه الكلمة وكأنها رنّت في أذنيها كـ قنبلة انفجرت في داخلها. كانت تلك أول مرة تسمع فيها اسم صخر منذ أن كانا صغارًا حتي قاطع شرودها صوت الجد مرة أخرى، قائلاً بقوة:
هتتجوز صخر... وكفاية علينا فضايح اكده، يا هتتجوزه يا جسما بالله العظيم هجتلها مش علي اخر الزمن بنت زي دي تجيب لعيله الصعيدي العار والفضايج
في تلك اللحظة قامت إحدى السيدات في الغرفة واقتربت منه مردده بتوسل:
بلاش صخر بالله عليك يا حج...ابوس يدك بلاش صخر . ده لو عرف ال حوصل الدنبا هيخرب الدنيا كلها
نظر الجد اليهة بغضب وردد:
تختار.. يا تتجوز صخر يا تتجتل.. ويلا.. كلنا هنخرج ويسيبوها تفكر مع نفسها يا الجواز يا الموت
تمام يا نور، زودت السرد شوية علشان نعطي للمشهد نفسًا أوسع وإحساس أعمق، وطوّلت الحوار كمان علشان يظهر انهيار قدر واحتواء يمنى بشكل حقيقي ومؤثر:
خرج الجميع من الغرفة وأُغلِقوا الباب خلفهم كأنهم أغلقوا عليها العالم بأسره..و خيم الصمت الثقيل على المكان، وتسللت برودة الوحدة إلى جسدها فـ نظرت إلى ذراعها، إلى الإبرة المغروسة فيها ثم نزعتها بعنف، فاندفعت قطرة دم صغيرة، لكنها لم تكترث. الألم الحقيقي لم يكن في ذراعها، بل في قلبها الذي ينزف وتأرجحت على قدميها، و دموعها تسيل بلا هوادة، وصدرها يعلو ويهبط كأنها تغرق. لحظة واحدة فقط كانت كفيلة بقلب كل شيء رأسًا على عقب.وانفتح الباب فجأة، ودخلت يمنى ابنه خالتها، ووجهها مشوّه بالقلق و ما إن وقعت عيناها على قدر حتى اندفعت نحوها بسرعة، واحتضنتها بقوه مردده:
قدر... يا حبيبتي اهدي... أنا جيت اهه أنا معاكي متخافيش مش هسيبك والله.. بس اهدي بالله عليكي.. اي الحاله ال انتي فيها دي عاد
اقتربت قدر اكتؤ منها وانهارت في حضنها مردده'
راح فين سابني اكدن ؟! سابني في نص السكة؟! ازاي يعمل اكده يا يمنى أنا كنت مستنيه اللحظة دي من سنين... كنت فاكرة إننا هنكمل سوا، هنواجه الدنيا مع بعض... بس هو هرب... سابني لوحدي أتحط في الوحل.. ولاوفي دماغه اي ال هيوحصلي
يمنى وهي تمسح دموعها بلطف:
"متجوليش اكده يا قدر... يمكن حوصله حاجه... يمكن اتأخر بس.. او يمكن مثلا فيه اي حاجه.. هو اكيد مش هيعمل اكده
قدر وهي تهزّ رأسها بشدة وتهتف بعينين حمراء من الدموع:
اتأخر؟ اﭢاخر اي دا فرحه..هو عارف قد إي اليوم ده مهم بالنسبالي! ده وعدني جال إنه مش هيسيبني أبداً... أهو سابني وسايبني دلوجتي للناس دي يجطعوني بإيديهم
تنهد يمني وساعدتها لتجلس علي طرف الفرلش مردده:
ما هو أكيد في حاجه... يمكن أهله مثلا حد منهم حوصله حاجه او يمكن حد هدده... بس مينفعش نرميه كده من غير ما نعرف اي ال حوصله.. اصلا اهلك بيدوروا عليه لو لاجوه هيجتلوه من غير ما يفهموا اي ال حوصل حتي
انفجرت قدر في البكاء واردفت بانهيار:
هما بيجولوا هتجوز صخر... صخر يا يمنى! ال مشفتهوش من سنين! ال أنا أصلاً كنت بخاف منه وإحنا صغيرين... أنا مبحبوش... وعايزيني في نص ساعة أوافج وأبصم واتجوز
يمنى بحده:
مش هيوحصل طالما أنا معاكي مش هيوحصل... هنتكلم مع جدك.. هجوله إنك تعبانة، مش جاهزة، إنك محتاجة وجت.. اي حاجه
انهارت قد من جديد ودفنت وجهها في صدرها مردده :
هو مش هيسمع، هو جالها صريحة... يا الجواز يا الموت. وأنا... أنا مينفعش أتجوز غيره يا يمنى. أنا... مش سليمة... لو عرفوا... لو عرف صخر... لو عرف أي حد، هيجتلوني. والله هيجتلوني
وبعد دقائق ثقيلة، بدت وكأنها ساعات، وكل من بالخارج كانوا ينتظرون قرارها... الجميع التزموا الصمت احتراما لهيبة الجد إلا العيون كانت تتحرك بقلق بين الباب المغلق وساعتها التي لا ترحم. وفتح الباب فجأة، ودخل الجد يتقدم من معه بخطى صارمة، عيناه تلمعان بالغضب والقرار القاطع وخلفه رجال العائلة والنساء المتوترات لكن الصدمة ضربت الجميع دفعة واحدة. وهم يرون الغرفة... فارغة والسرير خالي و الغطاء مقلوب و زجاجة المحلول معلقة بلا جدوى وآثار قطرات دم جافة على الملاءة. فـ صرخت إحدى النساء بذهول:
راحت فين؟! كانت اهنيه من شوية! كانت موجوده اهنيه
انتفض الجد وصاح بصوت أجش كالرعد:
مش ممكن... دي مجنونة! هربت؟! هربت من الجواز.. جسما بالله ما هرحمهة
القي الجد كلماته وضرب بعصاه الأرض ثم التفت للحرس الواقفين على الباب ووجهه مشتعلاً بالغضب مرددا :
دوروا عليها في المستشفى كلها... في كل مكان ولو لاجتوها... يا تجيبوها حالاً... يا تريّحوني منها وتجتلوها مفيش بنت في العيلة دي تنزل راسنا وتفلت اكده... فاهمين؟!
تحرك الرجال كالعاصفة وعمّ الفزع المكان، وانهارت امرأة في الخلف وهي تهمس:
ربنا يستر عليكس يا قدر... يا ترى روحتي فين.. هي ذنبها اي بس ان عريسها هرب.. ذنبها اي... ربنا يسترها معاكي يا قدر
القت السيده كلماتها بخوف وفي مكان اخر كانت تركض قدر في الشارع بكل قوتها تفاديا للنظرات المتسائلة والهمسات التي تلاحقها في كل مكان وفستان الزفاف الأبيض كان يعيق حركتها لكنها لم تكترث كانت قدمها تتعثر على الأرصفة المبللة والناس في الشوارع يرمقونها بنظرات مشككة لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. كانت هي الوحيدة التي ترى كل شيء كسراب، وكل شخص كظل في تلك اللحظة. تسابق خطواتها الزمن وهي تتنفس بصعوبة وفجأة، عبر الصوت القوي الذي كسر سكون المكان. كانت أصوات رجال حرس جدها تتعالى وقد التفوا حولها وأحاطوا بها من كل جانب واردف أحدهم بنبرة حادة:
يا ست هانم ... تعالي معانا علشان عندنا أوامر... يا نجيبك... يا نجتلك واحنا مش عايزين نعمل اكده.. تعالي معانا
سحبت قدر نفسها للخلف وحاولت الهرب بكل ما أوتيت من قوة لكنها وجدت نفسها محاصرة وقلبها ينبض بسرعة، ويديها ترتجفان من شدة الخوف كأن الموت يقترب منها كظل لا يرحم وقبل أن يصوب أحدهم سلاحه نحوها، دوت مكابح سيارة حادة ز توقفت بسرعة بالقرب منها، وخرج منها عدة رجال يرتدون ملابس أنيقة بينهم شاب ذو ملامح صارمة ونظارات سوداء رفعها بهدوء عن عينيه. فـ نظر الجميع نحو السيارة، ثم نحو الشاب الذي تقدم بخطوات ثابتة، يحيط به هالة من القوة والهيبة وتراجعت خطوات رجال الجد على الفور، ولم يعد أحد منهم يجرؤ على التحرك. فـ وقفت قدر في مكانها، قلبها يكاد يتوقف من الصدمة. كانت عيناها معلقتين على هذا الوجه الذي تعرفه جيدًا... الوجه الذي كان منذ سنوات في ذاكرتها، والآن أصبح أمامها كحلم قد تحول إلى واقع فـ همست بصوت ضعيف وفزع:
صخر؟!
↚
توقفت السيارة أمام بيت كبير وفتح صخر الباب بعنف وهتف بحدة:
انزلي يلا.. كفايه اكده انزلي بدل جسما بالله ما انزلك بالعافيه
كانت قدر ما تزال تحت تأثير الصدمة و يداها ترتجفان ولم تستطع حتي علي الحركه فلم يمنحها وقتا للتفكير ومد يده إليها وجذبها من ذراعها بقوة وهبط بها من السيارة كأنها دمية لا حول لها ولا قوة فـ حاولت قدر التملص والصراخ لكنه لم يعطها فرصة وجرّها خلفه وسط ذهول المارة وهدير صوته يسبق خطاه مرددا :
كفاية بهدلة بجا لحد اكده ... الجوازة دي لازم توحصل النهارده غصب عن الكل يا جسما بالله العظيم هدفنك في ارضك ولا يهمني
القي صخر كلماته واندفع بها إلى داخل البيت وفتح الباب الكبير بقوة حتى ارتطم بالجدار فالتفتت العيون إليهما وكانت الوجوه مشدوهة والهمسات ترتفع... لكن صخر لم يلتفت لأحد ودخل ومعه قدر وسحبها إلى منتصف المجلس فنظر الجد، الذي كان على وشك أن يضربها بعصاه و انتفض واقفا وصاح:
كنتي فين يا بت انتي... كنتي فين؟ بتهربي...بجا دي اخرتها عريسك يهرب يوم الفرح وانتي عايزه تعملي زيه...بتعربي ليه يا بت انتي..اي ال حوصل بينكم علشان كل دا يوحصل والله لأربيكي
القي الجد كلماته ورفع يده ليصفعها لكن يد صخر امتدت بثبات وأمسكت يد الجد قبل أن تصل إلى وجهها مرددا بضيق:
لع يا جدي... من دلوجتي... أنا المسؤول عنها... ومحدش هيقرب منها طول ما أنا واجف.. دي هتبجي مرتي وانا مسمحش ان حد يمد ايده عليها حتي لو انت يا حج
سكن الجد لوهلة ثم نظر في عينيه كأنه يختبره... وبعد لحظة اردف بصوت غليظ:
طيب... وريني بجا هتعمل اي عاد
أشار صخر للمأذون الجالس في الركن بهدوء تام ثم دفع قدر لتجلس أمامه دون أن يترك يدها وهتف بلهجة صارمة لا تحتمل :
يلا يا شيخ... اكتب الكتاب خلينا نخلص بجا
رفعت قدر رأسها ببطء والدموع ما زالت في عينيها وصوتها خرج كهمس مبحوح:
لع... مش عايزة... ابوس يدك سيبني.. انا مش عايزه اتجوز.. سيبوني في حالي
انهت قدر كلماتها لكن لم يلتفت صخر اليها وكأن صوتها لا يعنيه.. فقط شدد قبضته على يدها أكثر وردد:
أنا جولت اكتب يا مولانا.. يلا
وفي مكان اخر في ليل هاد يلف سماء القاهرة والضوء الخافت من الأباجورة ينعكس على جدران الغرفة الواسعة و سرير فوضوي وسط الشقة كان "كريم" مستلقيا نصف عاري و صدره مكشوف والسيجارة مشتعلة بين أصابعه بينما كانت فتاة ترتدي قميصه تضحك بجواره وشعرها مبعثر وعيونها تلمع بخبث حتي استلقت على صدره مردده بنبره ساخره:
↚
بتهرب تاني؟ مش هتبطل العادة دي؟ دي كانت ليلتك يا كريم فرحك.. ازاي تعمل كده يا ابني
ضحك كريم ضحكة قصيرة، ساخرة وغمز لها مرددا باستهزاء:
فرحي؟ أنا كنت في جنازتي يا روحي... الحمد لله إني نجيت من الفرح دا.. انا اصلا مش بتاع جواز ويوم ما اتجوز اروح اتجوز من الصعيد لا طبعا
هزت الفتاه رأسها بعدم تصديق مردفه :
دول صعايدة يا كريم.. لو أهلها عرفوا إنك هربت دول ممكن يدفنوك حي انت مش مستوعب ال عملته
نفث كرين دخان سيجارته لأعلى وصوته جاء واثقا وهتف :
محدش فيهم يقدر يعملي حاجة... ولا حتي جدها ال نافش ريشه دا أنا عارفهم كويس صيت من غير فعل وبعدين أنا مستحيل أتجوز واحدة حصل بيني وبينها ال حصل دا .. حتى لو كانت بالعافية خلاص مينفعش أبص في وشها.. البنت ال بتتجرّأ تتقرب من راجل قبل الجواز متستاهلش تبقى مراته
نظرت إليه الفتاة بدهشة مصحوبة بابتسامة ساخرة:
يعني أنت مش بس بتكسر القلوب... كمان بتدفنها وبعدين هو احنا هنضحك علي بعض يا كريم انا وانت عارفين كويس اي ال حصل بينكم بالظبط فبلاش تعمل فيها البريئ
ابتسم كريم بسخريه ومال عليها وقبّل جبينها بخفة مرددا :
– أنا بس بخلي ال حوليا يعرفوا حدودهم هي كانت شايفه نفسها عليا وانا اتصرفت وخلاص خلينا نقفل الموضوع دا ومركز في المهم
انهي كريم كلماته ثم سحب الغطاء على جسدهما وانطفأ الضوء وبعد فتره في بيت الصعيدي داخل غرفة صخر ليلا ساد الصمت الغرفة إلا من صوت بكاء قدر المكتوم وكانت تجلس على طرف السرير تضم ركبتيها إلى صدرها وقد التصقت عيناها بالأرضية الخشبية كأنها تستجدي منها مهربا وفجأة، ارتفع صوت صخر كالصاعقة مرددا بغضب:
كفاية بجا... كفاية نكد.. هو اي انتي مش بتتعبي من العياط
استدارت قدر إليه ببطء وارتجفت من نبرته الغاضبة، لكنه لم يتوقف بل تقدم نحوها وهو يلوح بذراعه وهتف:
انتي لسه بتعيطي؟ بتعيطي على واحد هرب وسابك؟ على كلب؟! دا ميستاهلش حتى تفتكري اسمه. رايحه تختاري كلب وجايه دلوجتي تعيطي ليه.. انا مش عايز عياط.. كفايه بجا صدعتيني.. انتي جاعده تعيطي علي تفاهه وانا حياتي باظت بسببك... انتي عارفة أنا سيبت إي علشانك؟ سيبت شغلي،ط و حياتي وشركتي ومصنعي وكل اللي ليا هناك... وجيت أتجوزك علشان تصرفاتك السخيفة وقراراتك الغلط! علشان غلطة انتي عملتيها... غلطة اسمها "كريم" ال معرفش جبتيه من اي صندوج زباله ويوم ما أنزل الصعيد أنزل علشان واحدة زيك؟ واحدة ضعيفة... بس اصلا بكرهك طول عمري
رفعت قدر رأسها أخيرا وعيناها دامعتان وصوتها خرج هامسا لكنه مشبع بالخوف:
أنا مش ضعيفة ... بس أنا بخاف منك... بخاف من طريجتك، من عصبيتك سيبني في حالي انا مش عايزاك..مش عايزه اتجوزك.. أنا عايزة أروح أدور علي كريم... يمكن كان ليه سبب
وقف صخر فجأة وكأنها صفعت كبرياءه، وصاح بحدة:
أوعي... أوعي تجيبي اسمه تاني... الكلب دا مش عايز اسمه يتجال تاني علي لسانك بدل جسما بالله العظيم هجطلعلك لسانك من مكانه وعلي فكره انا هلاجيه... وهجتله... بإيدي بأيدي دي وبعدها هطلجك وارجع لحياتي تاني ولأمي واصحابي انا مش هسمح ان حياتي تدمر بسبب واحده تافهه زيك ياريت جدي كان جتلك وخلصنا منك
↚
القي صخر كلماته وذهب صافعا الباب خلفه وفي يوم جديد، وعلى شاطئ الإسكندرية الممتد كانت نسائم البحر تداعب وجوه العابرين، إلا أن الغضب كان له رأي آخر في قلب ميّار ابنة خالة صخر التي كانت واقفة بجانب خالتها أم صخر غي شرفة منزل واسع يطل على البحر وعيناها تغليان بالدموع والغضب وهي تمسح وجهها بعنف تهتف بصوت مرتعش:
ـيعني اتجوز اكده بكل بساطة؟ وأنا آخر من يعلم؟! دا أنا وهو ازاي يعمل اكده من غير ما حتى يرجعلي؟
مددت خالته يدها تمسك بكفها برفق محاولة تهدئتها مردفه:
يا بنتي دي ظروف طارئة... الموضوع مش سهل ولا بسيط صدجيني صخر مجبور و...
قاطعتها ميار بانفعال شديد :
مجبور؟! دا حتى لو مجبور كان جالي وبعدين من امتي وصخر الصعيدي بيتجبر علي حاجه يا خالتي .. دا واعدني واعدني يا خالتي! وانا صدجته
زفرت تهاني ام صخر بحزن ومسحت على كتفها مردده:
انا عارفة إنه غلط... بس هو اتصرف حسب الموقف... وأهو لما يرجع هنطعد ونفهم كل حاجة سوا وبعدين متنسيش ان دول اهل ابوه يا ميار والمفروض يعمل واجبه ليهم يا بنتي
شهقت ميار بقهر ودموعها تنهال على خديها وهي تصرخ:
لع مش هستنى يرجع أنا رايحاله الصعيد... رايحة وأعرف منه بنفسي كل حاجة ومش هسكت.. مش هسكت يا خالتي كفايه بجا اكده
اقتربت تهاني منها أكثر تحاول تهدئتها مجددا ولكن فجأة توقفت ميار عن البكاء، وحدقت في خالتها بعينين مشتعلتين وصوتها خرج مزلزلاً وهي تصرخ:
يا خالتي إنتي ناسيه إني مرته و
وفي المساء عند يمني التي دخلت الي الغرفه لتطمئن على قدر ولكنها انصدمت عندما وجدتها ملقاة على الأرض مغشيا عليها فـ صرخت بفزع وهرعت إليها محاوله إيقاظها وبعد لحظات دخل الطبيب مسرعا وبدأ في فحصها بينما كان الجد يراقب بقلق مرددا:
ها يا حكيم... طمني بالله عليك البنت كويسه.. اي ال حوصلها فجأه اكده
ابتسم الطبيب وانتهي من الفحص مرددا :
متخافش اكده يا حج خليل الف مبروك هي حامل و
وفي مكان مظلم يشبه المخازن القديمة، كان الجو خانقا وحجم المكان ضيقا أضاءته خافتة فقط من ضوء شاحب ينبعث من نوافذ صغيرة مغلقة و كان كريم جالسا على الأرض مربوطا بإحكام على أحد الأعمدة الحديدية ووجهه مغطى بالكدمات والجروح التي تنزف بلون داكن... كان يرتجف من الألم، إلا أنه لم يتوقف عن محاولة التنفس بصعوبة وصخر يقف امامه يتفحصه بعيون تمتلئ بالغضب ممسكًا بسلاحه بيد ثابتة وكأنما الهواء نفسه قد توقف أمامه وهتف بغضب:
لسه متخلقش ال يضحك على حد من عيلة الصعيدي ويفضل عايش
انهي صخر كلماته ورفع سلاحه نحو كريم الذي بدأ في توجيه نظراته الضعيفة نحو السلاح وقبل أن يترك له أي فرصة للتنفس أو حتى للتفكير، أطلق صخر عدت طلقات في جسده وفجأه و
↚
لم يكن الليل قد انقضى بعد والسكون يخيم على الدار إلا من صوت الجد الغاضب يتردد في أرجائها كالرعد فـ وقفت قدر في منتصف الساحه ترتجف ودموعها تنساب على وجنتيها دون توقف بينما الجد ينهال عليها بعصاه الثقيلة كأنها عدو لا حفيدة حتي اردف بصوت غليظ يتقطع غيظا:
انتي جايبه لينا العار برجليكي... وهتدفعي التمن دلوجتي... بجا دي اخرتها.. حامل. حامل. واكيد من الكلب دا ال اسمه كريم صوح.. بجا كل دا يطلع منك.. كل دا منك انتي.. حته بنت متسواش اي حاجه تعمل فينا احنا كلنا اكده.. عيله الصعيدي ال عمر ما حد جاب سيرتها بغلط وال دايما راسها مرفوعه تيجي بنت زيك تعمل فينا كلنا اكده.. تجيبلنا العار.. جيبتلنا العار وبجيتي حامل والله لـ هجتلك
اندفعت زينات عمتها ابنة الجد تقف حائلًا بينه وبينها بذراعيها المرتجفتين مردده:
يا ابووي ... كفاية دي بنت غلبانة، متعرفش حاجة.. بص خلينا نجعد ونشوف اي ال حوصل.. مش يمكن يكون ال حوصل دا كله غلط من الحكيم.. احنا اي عرفنا.. خلينا نسمعها بالله عليك
زفر الجد بقسوة ودفع زينات جانبا فارتطمت بالحائط، لكنها عادت تقف من جديد والدمعة في عينها وهتفت بتوسل:
حرام عليك يا ابوي... دي حفيدتك... لحمك ودمك.. بالله عليك سيبها.. ابوس يدك
كانت زينات تحاول الدفاع عن قدر باي طريقه لكن الجد لم يكن يرى إلا العار ولم يسمع إلا صوت الكرامة الجريحة داخله حتي
مدّ يده إلى الدرج الخشبي وأخرج مسدسا عتيقا و قبض عليه كأنه طوق نجاة من الخزي وصاح بصوت مكتوم بالغضب:
ال تهون على نفسها... تهون علينا... العار مش بتستر.. ال تجيبلنا العار بندوس عليها برجلينا من غير رحمه
شهقت قدر و صرخت زينات بأعلى صوتها:
يا ابوي لع بالله عليك... لع
نظر الجد اليهم بغضب وارتفعت يده وبرودة السلاح تلمع في عينيه وكل من في الدار تجمد في مكانه ولكن قبل أن يضغط على الزناد اندفع ظل من العتمة كأن الليل نفسه تحرك.
وظهر صقر الذي لم يره أحد وهو يدخل زقفز أمام قدر دون تردد حتي دوى صوت الطلقة وصرخة قدر شقت سكون الليل مردده :
ـصقر
ارتطم جسد صخر بالأرض والدم يسيل من ذراعه بينما سقط المسدس من يد الجد بفزع وارتفعت الهمهمات في الدار وتجمع الجميع حول صقر الذي ما زال الدم يتسرب من ذراعه.. ارتعب الكل عليه حتى الجد نفسه اتسعت عيناه على غير عادته بصدمه وخوف وكانت عينا قدر التي أرعبها احتمال أن يكون قد أُصيب بسببها حتي اقتربت منه وهي تنحني بجسده المرتجف مردده :
ـ صخر... بالله عليك ما تسكت... كلمنا يا صخر.. انت كويس.. حوصلك اي... اتكلم يلا جول اي حاجه
نظر صخر اليها بتعب لكنه تحامل على نفسه وببطء شديد جلس أولًا ثم وقف كأنه يحمل الدنيا على كتفيه ز رفع رأسه نحو الجد واردف بثبات رغم الألم:
ال في بطنها دا... ابني أنا يا جدي
↚
ساد الصمت فجأة وتجمد الكل حتى زينات التي وضعت يديها على فمها وتراجعت قدر خطوة كأن الأرض تميد بها ونظرت له بذهول وهي تهمس:
انت... بتجول اي عاد... بتجول اي
رفع صخر عينه ليقابل عينها وردد بهدوء:
اه... أنا ال خطفت كريم... علشان كنت عارف إنه مش راجل ولا هيتجوزها... ووافجت اتجوزها علطول... عشان بحبها من زمان وعلشان ال حوصل بينا
لم يتحمل الجد ما سمعه فاندفع نحوه ورفع يده وصفعه على وجهه صفعة دوّت في المكان كله وهتف بصوت مبحوح من الصدمة:
كداب.... انت كداااب يا صخر ! مستحيل تعمل اكده! البنت دي هي ال غلطت! هي ال دنست اسمنا... وإنت... بدل ما توجفها عند حدها تيجي تحامي عنها؟!
لم يرد صخر فقط انخفض رأسه ويده لا تزال على الجرح ينزف. أما الجد فكان يكاد يشتعل وهتف :
انا هجتلها... دلوجتي حالا! جيبولنا الحكيم... جيبولي الدكتور يطلعلي بصمة صوابعها اللى على جسدك يمكن تفوق وتعرف إن مفيش حاجه هتخبي العار دا.. يلا بسرعه هاتوا الحكيم علشان يعالج الجرح ويخرج الرصاصه
القي الجد كلماته ثم التفت نحو صخر بعينين تشتعلان قهرا. وردد بقسوة:
مهما حاولت تحميها... هتفضل غلطانه ... وانا هغسل عاري منها... وانت... انت يا صخر... ال هتجتلها بإيدك... بنفسك يا ولدي
انهي الجد كلماته ثم استدار وانصرف بخطوات ثقيلة، والشرر يتطاير من عينيه، تاركا خلفه صمتا أثقل من الرصاص وبعد فتره جلس صخر على طرف الفراش عاري الصدر، والضمادات البيضاء تلتف حول ذراعه التي نزفت كثيرًا. كان الحكيم قد انتهى من ربط الجرح، لكن النزيف لم يكن كله من الجسد، بل من القلب أيضا ونظر إليه الجميع بقلق بينما انصرفوا جميعا وهمست العمه بدعاء ثقيل:
"ربنا يستر عليكم ويهدي النفوس...
نظرت قدر بتوتر ثم اقتربت منه بخطوات حذرة وعيناها لا تزالان متورمتين من البكاء وشفتيها ترتجفان من الخوف والندم. حتي همست بصوت مبحوح:
انت كويس؟ الجرح... عامل إزاي دلوجتي؟
ما إن اقتربت حتى مد يده الجريحة وسحبها من معصمها بقوة حتى كادت تسقط فوقه و ثبت عينيه في عينيها واردف بغضب:
ليه؟ ليه عملتي اكده.. انتي اي شيطانه.. جايبه البجاحه دي كلها منين عاد
شهقت قدر وحاولت أن تتهرب بعينيها لكنها لم تستطع، كأن نظراته مسامير غرست في روحها فانهارت ورددت ببكاء:
غصب عني... مش عارفة حصل ازاي... والله ما كنت عايزة كل دا يوحصل...جسما بالله انت مش فاهم اي ال حوصل بالظبط
صمت صخر للحظة ثم رفع يده فجأة وصفعها بقوة على وجهها حتي دوى الصوت في الغرفة وجحظت عيناها من الصدمة، وارتدت خطوة للوراء، فتابع هو بصراخ :
انا بكرهك... بكرهك يا قدر... أنا ضربت كريم بالنار... فاهمة؟ ضربته بالرصاص وجتلته.. دلوجتي مين هيبجي ابن ال في بطنك ان شاء الله... مين هيبجي ابنه
تجمدت ملامح قدر وارتجف جسدها كأنها سمعت شيئا غير قابل للتصديق وتمتمت بشفاه مرتجفة:
حوصله اي هو... هو مات؟
انتفض صخر من مكانه وصرخ بغضب:
لسه بتسألي عليه؟ بعد ال عمله فيكي؟ بعد ما سابك جدام الناس كلها وفضحك؟! لسه بتسألي عليه.... أنا زهقت منك... ومن دموعك...و من ضعفك... كل مره انا ال لازم اتحمل مصايبك وبلاويكي... يا شيخه ياريتك تموتي واخلص منك بجا
سقطت الكلمات على قلبها كالسكاكين فتمتمت بحزن وانكسار:
أنا... أنا هنزل الطفل...
رفع صخر يده بحركة لا إرادية، لكن الدم تساقط من بين أصابعه فجأة فشهقت قدر واقتربت منه بسرعة، وهي تمسك بذراعه المرتجفة مردده :
دم... الجرح بينزف تاني... استنى... خليك جاعد... أنا هجيب حاجة أوجف بيها النزيف
لم يرد فقط ظل واقفا.. ينظر لها بعينين فارغتين كأنها لم تعد قادرة على الوصول إليه بينما هي تتشبث بيده وتحاول تضميد جرحه والدموع تنهمر على وجنتيها وفي صباح يوم جديد تسللت أشعة الشمس بخجل عبر ستائر الغرفة، لتنساب فوق ملامح ليلي المرهقة ووقفت أمام المرآة، تعبث بأطراف شعرها بشرود، وعيناها لا تعكسان سوى قلق دفين لم تستطع إخفاءه، كأنها تنتظر شيئا… أو تخشى حدوثه حتى اقترب منها "آدم" بخطوات هادئة دون أن تنطق و أحاطها من الخلف بذراعيه وأسند ذقنه على كتفها و لم تقاومه بل أغمضت عينيها كأن لمسته تبث فيها دفئا غاب عنها طويلًا وهمست بنبرة ناعمة:
↚
ـ واحشتني جوي علي فكره
اقترب أدم أكثر، وقبل عنقها بخفة:
وانتي كمان واحشتيني جوي علي فكره
استدارت ليلي إليه ببطء ونظرت في عينيه ول فـ اقترب منها، ولمسة شفاهه على شفتيها كانت كأنها محاولة لاسترجاع لحظة لحظاته معها وظلا على حالهما لثواني حتى قطعت ليلي تلك اللحظة الهشة بصوت خافت تردد كالصدى:
صخر اهنيه.. في الصعيد
تجمدت يده على خصرها وابتعد عنها فجأة. لم يتكلم، فقط نظر بعيدا، كأنها أيقظت ألما دفينا في صدره فرددت ليلي بحذر:
ليه اكده؟ والله بيحبك، بيحبك جوي يا آدم
رد ادم بصوت مليء بالخذلان:
هو خانني... مش أنا دا كان أخويا... أقرب واحد لجلبي... بس بعد كل. دا غدر بيا وخاني
اقتربت منه بخطوة ورددت:
بس حاول... كتير حاول يكلمك و يصالحك ويشرحلك... إنت ال مكنتش راضي تسامحه ولا حتي بتسمعه
نظر اليها ادم كأن النار اشتعلت في عينيه وهتف:
ومش هسامحه بعد ال عمله؟ وبعد ما كسر ضهري لع مش ممكن.. مستحيل ارجع اسامحه تاني و
لم تمر لحظة حتى وضع يده على صدره فجأة يتألم، ووجهه شحب وأنفاسه ثقلت فـ اقتربت ليلي منه بفزع تمسك بذراعه مردده:
آدم؟! فيك إي؟! مالك؟
وقبل أن يرد انفتح الباب بعنف ودخلت أمه وعيناها مليئتان بالقلق:
إلحقني يا ابني... الحارس تحت بيجول إن صخر...انزل.. انزل بسرعه شوف في اي
القت الام كلماتها وذهبت وبعد فتره وقف آدم أمام البوابة الكبيرة وإلى جواره كانت ليلى فـ اقترب منهم أحد الحراس وبادره آدم:
صخر عامل إي دلوجتي؟
خفض الحارس نظره وردد بصوت خافت:
الإصابة وحشة... وفي مشاكل كتير جوي يا بيه ... والست الكبيرة والمدام جايين النهارده هيوصلوا الصعيد قبل المغرب ولو وصلوا هتبجي مصيبه كبيره
تنهد آدم بضيق وظل صامتا لـ لحظة، ثم تمتم بنبرة حاسمة:
خلاص... أنا هتصرف.ط و
وقبل أن يكمل كلمته دوى صوت طلقة نارية في المكان و تجمد الجميع في أماكنهم ثم سقطت ليلى على الأرض والدماء تتسرب من جنبها فـ ركض آدم نحوها مذهولا وصرخته اخترقت السكون:
ليلى
وبعد فتره عند صخر كان يقف بغضب ينظى الي الجميع مرددا:
يعني راحت فين... راحت فين عاد وازاي تخرج من غير ما حد يحس ولا يشوفها.. ما تتكلموا واجفين تتفرجوا عليا ليه عاد
نظروا الحرس الي بعضهم بتوتر حتي ردد احدهم:
البيه الكبير هو ال خدها يا بيه وكمان جالنا خبر من المستشفي ان كريم لسه عايش واختفي من المستشفي
نظر صخر اليه بصدمه وركض بسرعه وبعد فتره في قلب الصحراء حيث لا يكاد يرى المرء شيئا سوى الرمال التي تتناثر بلا نهاية... وقف الجد خليل بوجهه الصارم وقوامه المرتكز على عصاه يحرسه حارس ضخم يقف بجانبه بثبات أما قدر، فكانت مربوطة بإحكام وعيونها مليئة بالخوف والتوسل و أمامها حفرة عميقة، كبيرة جدًا وكأنها ابتلعت الظلام كله فتمتمت بخوف: