تحميل رواية خلف أسوار الذنوب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
الفصل 2 — رواية خلف أسوار الذنوب الفصل الثاني 2 - بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ خلف أسوار الذنوب بقلم رشا عبد العزيز.
رواية خلف أسوار الذنوب الفصل الثاني 2 - بقلم رشا عبد العزيز
جلس على المائدة يترأسها، وعلى يمينه جلست والدته السيدة “نادية”، وعلى شماله جلس ابن عمه “رفعت” وشقيقته “رحاب”.
كانوا مندمجين في تناول الطعام وسط تدليل والدته له وهي تضع الأصناف التي يحبها في طبقه، لينظر لها بامتنان:
_ تسلم إيدك يا ست الكل.
بادلته الابتسامة وهي تدعو له:
_ تسلم يا حبيبي، بالهنا والشفا.
_ أيوه يا عم أهو الدلع والكلام الحلو كله لـ”يوسف”، لكن “رحاب” منسية! هو أنا بنت البطة السودا يا ماما؟ ماليش نصيب في الدلع؟
قالتها “رحاب” وهي تدعي الانزعاج، لينظر لها “يوسف” نظرة جانبية وقال مستنكراً:
_ أنتِ عندك جوزك، خليه يدلعك.
لينظر له “رفعت” بتحدٍ، وهو يحمل قطعة طعام بشوكته ويقربها من فمها لتفتح هي فمها بسعادة وتلتقط الطعام بشفتيها، غمز لها “رفعت” وعاد ينظر لـ”يوسف” ويقول:
_ أدلعها؟ أدلعهاش ليه؟ مش حبيبتي ونور عيني؟
_ تسلم يا حبيبي.
توردت وجنتاها خجلاً وهو يتغزل بها أمام شقيقها الذي مثّل الحنق وهو يقول مشاكساً “رفعت”:
_ اتلم يا “رفعت”، لاحظ إني موجود!
قهقهت “نادية” بسرور وهي ترى مشاكستهم:
_ متسيبه يا ابني يدلع مراته، عقبال ما تدلع مراتك أنت كمان.
وجد “يوسف” في دعاء والدته فرصة في مفاتحتهم بما ينوي فعله؛ ليتحمحم ويقول:
_ أحم… الظاهر دعوتك مستجابة يا ست الكل، أنا نويت أتجوز.
نظر الثلاثة له بدهشة، لتسأله والدته بسعادة متلهفة:
_ بجد يا حبيبي؟ ألف مبروك! ولقيت العروسة وإلا عاوزني أنا أدورلك على ذوقي؟
_ لا يا ماما، أنا لقيت العروسة.
نظر له “رفعت” و”رحاب” بترقب لتسأله:
_ مين يا أبيه؟ نعرفها؟
أجابها وهو يوزع نظراته بين الثلاثة:
_ لا، انتو ما تعرفوهاش، دي مهندسة عندي في الشركة.
شحب وجه “رفعت” عندما توقع هوية العروس؛ ليسأله وهو يدعو أن يكون توقعه خاطئاً:
_ أنت تقصد “سارة”؟
ليجيبه بما كان يخشاه:
_ أيوه، “سارة”.
اعتلت الصدمة وجهه وتلعثمت كلماته وهو يقول:
_ بس دي مش مناسبة ليك يا “يوسف”.
تلاشت ابتسامة “نادية” و”رحاب” وحل محلها الحيرة والقلق بعد حديث “رفعت”؛ ليتحول نظرهم نحو “يوسف” الذي احتقن وجهه من شدة الغضب وهو يقول:
_ ومش مناسبة ليه يا “رفعت”؟
اضطرب “رفعت” قبل أن يجيب مفسراً:
_ يعني يا “يوسف” -ما تؤاخذنيش- هي متحررة شوية، وأنت من عيلة محافظة.
تسارعت أنفاسه بانفعال وهو يسمع إجابة “رفعت” على سؤال والدته:
_ يعني إيه متحررة يا ابني؟
_ لبسها متحرر يا ماما وحركاتها وتصرفاتها، يعني مع احترامي لـ”يوسف” مش من توبنا.
ليصرخ به بغضب مما جعل الجميع يجفل بدهشة:
_ مش أنت يا “رفعت” اللي هتحددلي إيه اللي هيناسبني! أنا اخترت “سارة” وهي عجباني.
نظرت له “رحاب” بقلق وقالت بتوتر:
_ “يوسف”، “رفعت” مش قصده، هو بينصحك بس.
_ وأنا مش عيل مش عارف مصلحته عشان هو ينصحني!
_ بس يا ابني ده جواز، لازم تفكر.
قالتها والدته برجاء.
لينهض واقفاً ويقول بحدة يحسم النقاش في هذا الموضوع:
_ ماما، أنا اخترت “سارة” خلاص، الموضوع منتهي.
ليتركهم مغادراً وسط نظرات “رفعت” وهو يهز رأسه بأسف، ونظرات “نادية” التي التقت بنظرات “رحاب” وهي تنظر لأثره بقلة حيلة.
*****************************
وتمت الخطبة بالفعل، وكان لها ما تمنت؛ كانت ترى سعادته بها التي كانت ترضي قلبها، ورغم أنها لا تملك تجاهه أي مشاعر لكنها كانت سعيدة باهتمامه.
وكما رأت اهتمامه، رأت انزعاج عائلته الذي لمسته في نظرات عيونهم؛ خصوصاً بعد أن اختارت فستاناً مفتوحاً وقصيراً جعل والدته تنظر لها بتعجب امتزج بالحزن: هل هذه عروس ولدها؟
ملابسها وتقربها منه وهي فترة خطوبة فقط، رقصها وجرأتها؛ جعل “رحاب” تنظر لـ”رفعت” وهي تدنو منه تهمس في أذنه:
_ كان عندك حق يا “رفعت”، دي مش شبهنا خالص.
لوى “رفعت” شفته وقال بسخط وهو يحدق بـ”يوسف”:
_ ولسه ياما هتشوفي! أخوكِ أعمى، مش شايف غير الزوقة اللي برا، لكن لسه لما تعاشريها! أنا اشتغلت معاها مشروعين خلوني أفهم شخصيتها.
_ يعني إيه يا “رفعت”؟
ابتسم باستهزاء:
_ ما تستعجليش يا “رحاب”، بكرة تعاشريها وتفهمي.
كانت تراقصه لترفع يديها تحاوط رقبته وتبتسم برقة:
_ أنا فرحانة أوي يا “يوسف”.
أحنى رأسه يسند جبهته على جبهتها ويقول بعينين التمعت بالعشق:
_ وأنا فرحان أكتر منك، أنا بحبك يا “سارة”.
ارتجف قلبها عند سماعها بحبه، رغم أنها تعلم أنه يحبها، لكن لا تعلم لماذا وقع الكلمة عليها كان مختلفاً.
ابتلعت ريقها وجاهدت لتخرج الكلمة مليئة بالحب رغم أنها في الحقيقة خالية منه:
_ وأنا كمان بحبك.
اتسعت ابتسامته يعدها:
_ يا حبيبتي، ربنا يقدرني وأسعدك.
وصدق فيما قال؛ فقد كان لها كمصباح علاء الدين، تأمر فيُطاع أمرها دون نقاش؛ جناح في فيلته زُين بأحدث طراز من الأثاث، وملابس أُحضرت لها خصيصاً من باريس وإيطاليا تحمل أكبر الماركات العالمية.
عادت “فرح” تحمل الهدايا لتجد زوجة أبيها تنتظرها، تنظر لها بحقد بعد أن قارنت بين اختيارها واختيار “سارة”.
تخطتها “سارة” دون حديث، لكنها قالت:
_ ولله وطلعتي مش هينة يا بنت “عابد”، وقعتِ وأنتِ واقفة!
زفرت “سارة” أنفاسها متأففة والتفتت إليها تبتسم باستهزاء:
_ شفتي إزاي؟ عشان تعرفي التفكير الصح.
قالت ذلك وهي تشير لها بإصبعها على جبهتها في محاولة لإغاظتها وتكمل:
_ مش زي ناس اتجوزت حد قد أبوها، مفكرة إنها ذكية!
اتبعت ذلك بضحكة مستفزة وهي تتحرك نحو غرفتها وتتركها تستشيط غضباً.
صعدت نحو غرفتها تفتح تلك الأكياس ببهجة، تخرج محتوياتها وتتفحصها بعين تلمع بغرور؛ ليتصاعد رنين هاتفها، التقطته تنظر لاسم المتصل لتجدها “فرح”:
_ ألو، أيوه يا “فرح”.
_ أيوه يا هانم، فينك مختفية؟ ولا سي “يوسف” آخدك مننا؟
استلقت على السرير ترسم ابتسامة على وجهها وتسحب خصلة من شعرها تلفها حول إصبعها، وتتحدث بانتصار غلفته الفرحة:
_ بصراحة يا “فروحة” أيوه، مشغولة بالتجهيز، أصل الفرح قرب و”يوسف” عاوز كل حاجة بسرعة.
_ آه، الظاهر جننتيه يا بنتي!
تنهدت بانتشاء تخبرها:
_ أيوه، دا بقى زي الخاتم في صباعي.
لتشجعها “فرح” قائلةً:
_ برافو يا “سارة”…
لتستطرد تسألها:
_ مش هتسهري معانا الليلة؟
_ أسهر إيه يا “فرح”؟ أنا ما أقدرش أخرج الفترة دي، مش عاوزة “يوسف” يشوفني في الأماكن دي.
_ ماشي يا “سارة”، ولو إنك واحشاني.
_ أنتِ كمان والله، بس أعمل إيه؟
_ خلاص يا “سو”، بس ابقي فضي نفسك يوم وتعالي البيت، البت “كوكي” دوشتني بتسأل عليكي.
_ يا روحي، والله واحشاني أوي الزقردة دي.
_ طب مع السلامة.
أغلقت الهاتف وعادت لما كانت تفعل، ليتعالى رنين هاتفها من جديد، ظنت أنها “فرح” لكن كان المتصل “يوسف”.
ضغطت زر الإجابة:
_ حبيبتي، وحشتيني.
_ “يوسف” يا حبيبي، إحنا لسه كنا سوا، لحقت أوحشك؟
_ أنتِ بتوحشيني وأنتِ معايا يا روحي.
نغزت كلماته قلبها، فرغم أنها كانت كلمات غزل لكنها لم تكن تسعدها، بل تشعرها بالاضطراب.
********************************
أتى يوم الزفاف، ولم يكن حفل زفاف عادياً، كان حفل زفاف أسطوري تألقت فيه كالأميرات، كما تألق هو وخطف أنظار الفتيات بأناقته وجاذبيته، لكن عينيه لم تكن ترى سواها؛ نجمة تسطع في سماء حياته.
رقصا سوياً، وكل من يراهم يجزم أنهما قصة حب جميلة يحسدهم عليها الكثيرون.
جلست والدته وشقيقته بعيداً كالغرباء، تنظر له والدته بحسرة؛ كم تمنت أن يسمع نصيحتها ويوقف تلك الزيجة التي لا تشبهه، فهذه الفتاة -ورغم لقاءاتها القليلة معها- إلا أنها لم ترتح لها، حتى مظهرها وتصرفاتها المتحررة لم تتقبلها.
نغزها قلبها بحزن، فولدها يعصيها لأول مرة في حياته ويصر على اختياره، دمعة قهر هربت من عينها، لمحتها “رحاب” لتشعر بالإشفاق عليها وتربت على يدها تواسيها؛ لتمسحها بسرعة وترسم ابتسامة اغتصبتها من عمق ألمها تداري خلف ستارتها قلبها المكلوم.
ذهبا في رحلة شهر العسل، والتي كانت رحلة ساحرة فوق تخيلها؛ كانت كما طلبت لجزر المالديف، وقفت على الشاطئ المغلق تستنشق الهواء بانتعاش لتجده يحيط جسدها من الخلف يهمس لها:
_ حبيبي، مبسوطة؟ عجبك المكان؟
أومأت له تجيبه:
_ أيوه.
قبل عنقها وقال بعشق صادق:
_ حبيبتي، أهم حاجة سعادتك.
أغمضت عينيها كأنها تصم أذنها بعد صراخ ضميرها الذي يلوم قلبها المتجبر؛ لماذا لا يشعر بالحب تجاهه وهو يحاول إسعادها بكل الطرق؟ لماذا هذا البرود؟!
نظراته التي تثبت صدق مشاعره، وصوته الذي يؤكد حبه لها؛ كل هذا لا تشعر به، لم يجعل قلبها ينبض ولو قليلاً لأجله.
_ حبيبي، سرحتي فين؟
حركت رأسها نافية وابتسمت بهدوء:
_ أبداً، أنا معاك يا حبيبي.
كاذبة، هكذا نعتها قلبها.
_ يا روح حبيبك أنتِ.
قالها “يوسف” وهو يحملها ويدور بها يضحك بفرح وسعادة.
*******************************
وبعد مرور شهر تنقلت فيه معه بين المالديف وباريس، ها هي تعود للقاهرة تحمل أحلامها معها.
دخلت ذلك القصر مبتسمة وهي تحلم أن تكون سيدته الأولى، ولكن هذه البسمة تبخرت عندما وجدت والدته وشقيقته وزوجها واقفين باستقبالها.
برودة لقائهم معها ناقضت حفاوة استقبالهم لـ”يوسف” الذي كان يبادلهم الأحضان والقبلات:
_ نورت بيتك يا حبيبي.
_ بنورك يا ست الكل.
قالتها والدته بقلب والدة اشتاقت لولدها لتدعوه لتناول الغداء، التفت نحوها وابتسم يمد لها يده لتمسك به، يسحبها نحو طاولة الطعام التي حملت كل ما يحب.
كانت تلمح نظرات “رحاب” و”رفعت” المصوبة نحوها بترقب وامتعاض من اهتمام “يوسف” بها، ليزداد امتعاض “رفعت” عندما سمعه يقول:
_ “سارة” هترجع معايا الشركة بكرا عشان تمسك منصب نائب رئيس مجلس الإدارة.
ليختنق “رفعت” ويسعل عدة مرات قبل أن تمد له “رحاب” يدها بقدح الماء الذي التقطه منها وارتشفه دفعة واحدة وهو يردد ما قاله بتعجب وقال متلعثماً:
_ نائب رئيس مجلس الإدارة؟ طبعاً أكيد مبروك.
_ الله يبارك فيك.
قالتها “سارة” وهي ترمقه بنظرة شماتة وظفر.
************************”” *******
وفي اليوم التالي دخلت الشركة، تسير بجانبه تتشابك يده ويدها، لكن كانت هذه المرة مختلفة؛ اليوم تدخلها ليس كموظفة، هي اليوم تدخل كنائب رئيس مجلس الإدارة وزوجة مالك الشركة.
كان الموظفون ينظرون لها تلمع عيونهم بالحسد؛ فتلك الموظفة قد فازت بقلب المدير وأصبحت تملكه كما ملكت ثروته معه. وقفت “فاطمة” تطالعها بأسى وهي ترى وجهها يكسوه الغرور والكبر، ليتنهد “خالد” الواقف بجانبها بقلة حيلة وهو يتمتم بغضب:
_ لعبتها صح بنت الإيه!
سحبها من يدها نحو مكتبها الملاصق لمكتبه الذي صنعه كهدية لها بمناسبة عودتهم.
دخلت المكتب تدور عينها داخله بانبهار لتهتف بسعادة:
_ جميل أوي يا حبيبي.
طوّق خصرها يضمها إليه ويقول:
_ حبيبتي، أنتِ تستاهلي الأحلى.
خرجت من أحضانه تحاوط رقبته وتقبل وجنته ببطء:
_ حبيبي، مرسي.
نظر لعمق عينيها وقال بتشجيع:
_ عارف إنك قد المنصب دا، عاوزك تبهريني.
لتقول بصوت هامس تداعبه:
_ هبهرك وأجننك.
ليضحكا سوياً، ويوماً بعد آخر يسقط بشباك حبها حتى الثمالة.
ستة أشهر عاشتها معه كانت بالنسبة له السعادة بعينها؛ فقد كانت تبهر حقاً بشخصيتها القوية والقيادية، حققت النجاح الذي أمله منها وكانت تبهر بالقرارات الهادفة.
لكنها بدأت تمل من دور الزوجة المطيعة الهادئة؛ لقد اشتاقت لحياة التمرد السابقة،
*******************************
لتجد نفسها تقف أمام بيت “فرح” تحمل كيس الحلوى التي اعتادت جلبه معها. طرقت الباب لتفتح لها “دادا نبيلة” الباب، وما أن دخلت حتى وجدت من يهرول نحوها منادياً:
_ طنط “سارة”!
لتحتضنها “سارة” وتحملها بسرور، تقبل وجنتها باشتياق لتلك الصغيرة:
_ “كوكي” حبيبتي، إزاي يا روحي؟ وحشتيني.
لتنزلها وتسلمها كيس الحلوى:
_ اتفضلي يا برنسيس.
التقطته “كندا” بلهفة وهي تردد:
_ أنا بحبك يا طنط.
_ وأنا بموت فيكي يا روحي أنتِ.
_ هي ماما فين؟
لمعت عين الصغيرة بالدموع وكسى الحزن ملامحها لتقول:
_ ماما خرجت من بدري ولسة ما رجعتش.
أحست “سارة” بالحزن لأجلها، يبدو أنها تفتقد والدتها؛ لتحرك يدها على وجنتها بحنان وتمسك يدها تسحبها نحو الأريكة:
_ طب تعالي نلعب سوى لحد ماما ما ترجع.
فرحت الصغيرة وجلست بجانبها، وسرعان ما اندمج الاثنان باللعب، لتمر ساعة لتسمع “سارة” صوت الباب يفتح وتدخل “فرح” بمظهرها الجديد بعد أن قصت وغيرت لون شعرها؛ لتبتسم لها “سارة” وتقول بتعجب:
_ إيه دا؟ نيو لوك؟
“فرح” التي ابتهجت ملامحها وأسرعت خطواتها بشوق نحوها وهي تقول بلهفة:
_ “سارة”! وحشتيني، كده محدش يشوفك!
_ معلش يا “فرح”، مشغولة.
نظرت لها “فرح” وقالت بلوم:
_ طبعاً بقيتِ سيدة أعمال وما بقيناش قد المقام.
عاتبتها “سارة” بحدة:
_ وأنتِ تعرفي عني كده يا “فرح”؟
_ وحشاني يا “سارة”، أعمل إيه؟ بحب أنكشك!
بادلتها “سارة” الابتسام:
_ ولا يهمك يا حبيبتي.
ثم سألتها بفضول:
_ بس إيه حكاية النيو لوك وأي لون الشعر الغريب دا؟
حركت “فرح” رأسها يميناً ويساراً ثم حركت يدها على شعرها وأمسكت نهاية خصلاته لتسألها:
_ حلو؟
قطبت “سارة” حاجبها باستغراب وقالت:
_ هو حلو بس غريب.
اقتربت “فرح” منها وأمسكت يد صغيرتها تقول لها بأمر:
_ روحي يا “كوكي” عند “دادا نبيلة”، عاوزة أتكلم مع طنط “سارة”.
امتثلت الصغيرة لأمرها رغم عدم رغبتها بترك “سارة” التي قبلت وجنتها قبل أن تغادر.
جلست “فرح” بجانبها وقالت موضحة:
_ “سالم” يا ستي عاوزني أغير شكلي، وأنتِ عارفة ما أقدرش أقول لا.
امتعض وجه “سارة” وقالت تلومها:
_ “فرح”، أنا مش مرتاحة لحكاية “سالم” دي، السكة دي غلط يا “فرح”.
تهكمت “فرح” وقالت مستهزئة:
_ حياتي كلها غلط يا ستي، بس أنا بحب الخطيئة!
لتتبع كلماتها بضحكة وقحة جعلت “سارة” تنظر لها بيأس، لتضربها “فرح” على فخذها وتسألها بفضول:
_ سيبك مني أنتِ، أخبارك إيه بعد ما بقيتِ مليونيرة؟
زفرت “سارة” أنفاسها بثقل وقالت:
_ زهقت.
رفعت “فرح” حاجبها وسألتها بدهشة:
_ زهقتِ؟ يعني إيه يا بنتي؟
_ زهقت من تمثيل دور الزوجة المطيعة الهادية، رغم إن “يوسف” بيحبني بس حاسة إني بتخنق وأنا بكدب وأمثل إني بحبه طول الوقت. أنا ما أنكرش إن ساعات بحس بمشاعر ناحيته بس مش حب.
لوت “فرح” شفتها بسخط وقالت مستنكرة:
_ أنتِ هبلة صح؟ حد يبقى عايش في العز دا ومع حد بيحبه كدة وتقولي زهقت؟ يا بنتي استمتعي بالفلوس، اطلبي هدايا، سافري، روحي حفلات.
ثم ضربت على كف يدها كأنها وجدت الحل:
_ ارجعي للسهر معانا وغيري مودك.
_ و”يوسف”؟
سألتها “سارة” بحيرة.
_ مش ضروري يعرف، قوليله عند صاحبتي، وهو بيحبك مش هيشك فيكِ أكيد.
لمعت الفكرة في رأسها ونالت استحسانها؛ لماذا لا تعود لحياتها القديمة؟
***********************************
وفي اليوم التالي قررت العودة لـ”سارة” القديمة؛ ارتدت زياً قصيراً يرسم جسدها ويظهر مفاتنه، وارتدت حذاء بكعب عالٍ، وتركت العنان لشعرها. نظرت إلى هيئتها بالمرآة برضى لتبتسم بعودة “سارة” القديمة.
_ “سارة”؟
كان هذا صوت “يوسف” القادم من خلفها، التفتت لتراه يقف ينظر لها بضيق:
_ إيه اللبس دا يا “سارة”؟
أخفضت عينيها ومسحت بيدها على فستانها لتقول باستهجان:
_ ماله لبسي؟ أهو حلو.
ليهتف بحدة:
_ دا ضيق أوي يا حبيبتي.
عبس وجهها تخبره بانفعال:
_ “يوسف”، أنت اتجوزتني وعارف إني بلبس كدة، مضايق ليه دلوقت؟
اقترب منها يحدثها بهدوء في محاولة لإقناعها:
_ أيوه يا حبيبتي بس أنتِ بطلتِ تلبسي كدة من ساعة ما اتخطبنا، وأنا شايف إن لبسك بقى معقول.
_ قصدك من ساعة ما اخترت أنتِ لبسي وطلبت مني ألبس على مزاجك!
قطب حاجبيه باستغراب وقال:
_ مالك يا “سارة”؟ بتتكلمي كدة ليه؟ ومن إمتى أنا فرضت عليكِ حاجة؟
رفعت سبابتها وقالت بحزم تنهي النقاش:
_ أنتِ ما فرضتش بصورة مباشرة، أنتِ جبتلي هدوم وقلت دي برندات عالمية وحابب أشوفها عليكِ، وأنا عشان أرضيكِ وافقت. بس دلوقت عاوزة ألبس حاجة تعجبني، أظن دا من حقي، زي ما رضيت باختياراتك ترضى أنتِ كمان باختياراتي.
_ قصدك إيه؟
لتقترب منه تغير طريقتها في الحديث لتقنعه وتقول وهي تحرك يدها على صدره بدلع قائلة:
_ يعني “يويو” حبيبي، سيبني أعمل اللي في نفسي.
ثم قبلت وجنته وقالت بصوت هامس جانب أذنه:
_ مع السلامة، أنا اتأخرت على صاحبتي، باي.
ظل ينظر لإثرها وهي تغادر بتعجب.
*******”” “” *********
بعد عدة أيام، كانت تجلس في صالة المنزل ترتدي ملابس منزلية قصيرة مكشوفة الأكتاف، تضع قدماً على قدم وتمسك هاتفها تتصفحه بضجر عندما وجدت “رحاب” تقترب منها وتقول باقتضاب:
_ مساء الخير.
رفعت نظرها عن الهاتف ونظرت إليها بحنق:
_ أهلاً.
_ مرات عمي والدة “رفعت” جاية تزور ماما.
_ وأنا مالي؟ بتقوليلي أنا الكلام دا ليه؟
لتقول لها “رحاب” بانزعاج:
_ مرات عمي بتحب اللت والعجن، ست رغاية يعني، يا ريت تغيري لبسك، مش حلو تيجي وتلاقيكِ لابسة كدة.
لتكون كلماتها الشرارة التي أشعلت فتيل كرهها الذي تكتمه والرغبة في رسم حدود هذا المنزل، لتصرخ بانفعال وهي تهب وتقف أمامها:
_ نعم! نعم! أنتِ إزاي تقوليلي كده؟ أنتِ واعية بتطلبي مني إيه؟
لوت “رحاب” شفتها مستنكرة وقالت بحنق:
_ بطلب إيه يعني؟ لبسك مش مناسب عشان تقابلي ضيوف.
وضعت يدها على خصرها وقالت بصوت مرتفع:
_ والله دا بيتي، ألبس اللي أنا عاوزاه واللي على مزاجي، محدش له دخل بيا!
اجتذب صراخهم “يوسف” الجالس في المكتب، ليرفع نظره عن الأوراق التي كان يدققها ويخرج نحو الخارج؛ وهو يقف أمامهم يهتف بانفعال:
_ مالكم؟ فيه إيه؟ صوتكم طالع ليه؟
لتشير له “سارة” نحو “رحاب” وتقول بضيق:
_ “رحاب” عاوزاني أغير هدومي عشان مش عجباها وشايفاها مش مناسبة.
وزعت “رحاب” نظرها بين الاثنين وقالت مفسرة:
_ يا أبيه أنت عارف مرات عمي بتعلق على كل حاجة.
_ بس دا بيتي وأنا حرة، ألبس اللي أنا عاوزاه، هي مالهاش حق تتدخل!
ألقى “يوسف” نظرة نحو “سارة” التي فتنه منظرها ليبتلع ريقه ويقول لـ”رحاب” بتلعثم:
_ كلام “سارة” صحيح، دا بيتها وتلبس اللي على مزاجها.
نظرت “سارة” نحو “رحاب” بنظرة انتصار جعلت “رحاب” تنصدم من حديث شقيقها، لتسأله بتردد:
_ يعني أنا غلطانة يا أبيه عشان ما كنتش عاوزة حد يتكلم عليها وحش؟
_ ده أنا أقطع لسان اللي يجيب سيرة مراتي بحاجة وحشة! هي ست البيت هنا واللي يدخله يحترمها.
ابتهجت ملامح “سارة” لتقترب منه تحيط خصره وتقول بمكر:
_ تسلملي يا حبيبي.
_ لا يا “سارة”، أنتِ هنا ست البيت، اللي يدخله يحترمك، وإذا قلل من احترامك يبقى مع السلامة.
اتسعت عين “رحاب” بدهشة وهي تدرك رسالة شقيقها المبطنة بتهديد من يتعرض لها ولو بالكلام.
نظرات الشماتة والانتصار التي تنظر لها بها “سارة” جعلتهم توقن أنها خسرت شقيقها؛ لم يعد “يوسف” الحنون طيب القلب، بل أصبح رجلاً تسوقه زوجته على مزاجها.
اقتربت من “يوسف” تقول له بدلع مصطنع:
_ تعالى يا حبيبي نطلع أوضتنا أحسن.
تبعها كالمغيّب بعد أن ابتسم وهو يفهم ما تريده منه؛ كأنها تكافئه على وقوفه بجانبها.
ظلت “رحاب” تنظر لأثرهم بكسرة لتنساب تلك الدموع التي أسرتها بوجودهم، وعزمت على اتخاذ القرار: لن تدخل هذا المنزل مجدداً بعد أن هُدرت كرامتها فيه.
*******************،،، *************
مرت ثلاثة أشهر عادت فيها هي لحياتها المتمردة، وهذا ما بدأ يزعج “يوسف” بعد أن لاحظ تصرفاتها التي لم يعد يتقبلها.
جلس في صالة المنزل ينتظرها بغضب بعد أن وصل الوقت قرابة الفجر وهي لم تعد إلى المنزل.
أمسك الهاتف يتصل بها لينفخ أنفاسه بضيق وهو يجد الهاتف مغلقاً؛ عاود الكرة لكن ليس هنالك من إجابة، حتى وجدها تدخل بخطواتها المتبخترة تدندن أغنية ببرود.
ليقترب منها ويصرخ:
_ كنتِ فين يا هانم؟
نظرت له وربعت يدها تقول بضيق:
_ كنت عند صاحبتي، وأظن إني بلغتُك قبل ما أخرج.
أمسك عضدها بقوة وقال حانقاً:
_ أنتِ عارفة الساعة كام؟
نفضت يده بعنف وتأوهت تدلكها لتقول مبررة:
_ الوقت سرقنا وإحنا قاعدين، محصلش حاجة يعني.
ولتُقلب دفة النقاش سألته بانفعال:
_ أنت بتشك فيا يا “يوسف”؟ لو تحب اتصل بيها عشان تصدق!
وادعت الحزن ومثلت البكاء الذي جعله يتراجع عن موقفه ويقول لها بأسف:
_ حبيبتي، أنا مش قصدي، بس الوقت متأخر وخفت عليكِ.
_ أنا مش عيلة عشان تخاف عليا!
لتتركه راكضة نحو غرفتها، نفث أنفاسه بضيق ومسح على وجهه ليتنهد ويلحقها عازماً على إرضائها.
لكن ما حدث بعد شهر صنع شرخاً كبيراً في علاقتهم، وخسرت جزءاً كبيراً من ثقته بها؛ عندما كان يبحث عن المفتاح الاحتياطي لغرفة المكتب الخاصة به بعد أن أضاع النسخة الأصلية، وأثناء بحثه داخل الأدراج وجد ما صعقه وطعن قلبه العاشق لها؛ عندما وجد أقراصاً لمنع الحمل، يبدو من نقص حباتها أنها تأخذها بانتظام.
ليصرخ منادياً عليها:
_ “سارة”… “سارة”!
أتت نحوه بسرعة بعد أن أجفلها نداؤه الغاضب لتجده يشهر شريط الحبوب أمامها ويسألها بانفعال:
_ ممكن أعرف إيه دا؟
أصابتها الصدمة من معرفته لتقول بتلعثم:
_ دي حبوب منع حمل.
ليصرخ بصوت عالٍ جعلها تنتفض:
_ وحبوب منع الحمل بتعمل إيه عندك؟
صمتت، فلا تعلم بماذا تجيبه.
ليصرخ بصوت أعلى:
_ ردي! بتعمل إيه عندك؟
أخبرته بصوت مرتعش بعد أن أبصرت تفاقم غضبه:
_ أنا أصلي قلت نأجل الخلفة دلوقت، إحنا يا حبيبي مش مستعجلين على الولاد ودوشتهم.
تسارعت أنفاسه تحاكي النار الناشبة في صدره ليزفرها بقوة عله يهدئ من غضبه وقهره:
_ وقرار زي دا بتاخديه لوحدك ليه؟ مش لازم نتفق سوا؟
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجيبه:
_ عندك حق، بس ما توقعتش إنه يكون عندك اعتراض.
قذف الشريط أسفل قدمها وقال بسخرية حزينة:
_ ما يكونش عندي اعتراض!
ثم هز رأسه وقال بحرقة قبل أن يغادر:
_ يا خسارة يا “سارة”.
ظلت تنظر لأثره لتشعر أنها ارتكبت خطأ لن يُغتفر بالنسبة له.
وصدق توقعها، فهذا الحدث صنع فجوة كبيرة بينهم حتى أصبح يبتعد عنها ويتجاهلها؛ لتشعر بقرب الخسارة؛ ستخسره وتخسر ثروته، ليصور لها الشيطان الحل لهذه المشكلة بفكرة تخرج منها رابحة لكل شيء.