تحميل رواية خلف أسوار الذنوب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ خلف أسوار الذنوب بقلم رشا عبد العزيز.
رواية خلف أسوار الذنوب الفصل الأول 1 - بقلم رشا عبد العزيز
في ذلك المبنى الفخم المكون من عدة طوابق كانت تسير، يضرب كعب حذائها على الأرض، يكسر صوته الهدوء بين ممرات تلك الشركة العملاقة لتجذب انتباه كل من مرت أمامه. جسدها الممشوق، وشعرها المنسدل على أكتافها، ملابسها الأنيقة والضيقة ترسم
منحنيات جسدها المتناسق، تنورتها القصيرة التي أظهرت جزءًا كبيرًا من ساقها، عطرها الذي يملأ المكان، ووجهها الذي زينته مساحيق التجميل بحرفية لتظهره بأبهى صورة؛ كل هذا جعلها محط أنظار الجميع.
كانت عيون الرجال تتبعها بانبهار، وألسنة النساء تتبعها بفضول، حتى وصلت مكتبها، تلقي التحية على زملائها بتعالٍ:
صباح الخير.
رفع “الأستاذ عاصم” نظره -ذلك الرجل الكبير ورئيس المهندسين في الشركة- رأسه يرد عليها التحية:
_أهلاً يا بشمهندسة، صباح النور.
جلست على مكتبها المخصص، تضع قدمًا فوق أخرى، وتزيح خصلات شعرها عن كتفها، تنظر إلى مجموعة الأوراق الموضوعة على مكتبها لتلتفت نحو المهندس المسؤول تسأله:
_دي أوراق مشروع الساحل؟
_أيوه يا “سارة”، اعملي حسابك “مستر يوسف” جاي النهاردة، أنا بعت “خالد” مكتب الإدارة عشان نعرف باقي تفاصيل الاجتماع ونجهز المطلوب مننا.
ثم صمت يحدق بها ويقول مادحًا:
_”سارة”، أنا معتمد عليكِ في المشروع دا، أنتِ شاطرة، عاوزك ترفعي راسي قدام “مستر يوسف”.
أومأت برأسها مؤكدة:
_أنا هبذل قصارى جهدي، متخافش يا فندم.
أنا متأكد وعندي ثقة فيكِ، اطلعي على الأوراق عشان تكوني جاهزة تعرضي فكرة التصميم النهاردة في الاجتماع.
_صباح الخير.
قالتها فتاة بسيطة قبل أن تتقدم بحرج وهي تبصر امتعاض وجه “عاصم” الذي هتف بها موبخًا:
_تأخير نص ساعة يا آنسة “فاطمة”، أنا مراعي ظروفك بس مش كل مرة هاتغاضى عن تأخيرك.
رفعت يدها متوسلة وقالت بأسف:
_أنا أسفة، أخر مرة يا فندم.
ليرد “عاصم” بحنق:
_أنا سمعت الكلام دا كتير.
لتنظر له بتوسل وقد لمعت الدموع بعينها وقالت برجاء:
_أرجوك يا فندم تعذرني، والدتي تعبانة أوي، مقدرتش أسيبها إلا لما بابا رجع من ورديته.
رغم إشفاقه عليها لكنه قال بضيق محذرًا:
_”فاطمة”، أنتِ بتشتغلي في وظيفة مكنتيش تحلمي بيها، لولا مرتبها مكنتيش تقدري توفري علاج والدتك، حافظي عليها أحسن ما تخسريها.
هزت رأسها توافق حديثه، تتمتم قبل أن تتجه نحو مكتبها بخطوات مثقلة:
_حاضر.
كانت “سارة” تتابع المشهد من بعيد، ورغم ادعائها عدم مبالاتها، لكن شيئًا بداخلها جعلها تشعر بالإشفاق عليها.
جلست “فاطمة” تشعر بالحزن بعد الكلمات القاسية التي أشعرتها بالذل، لكن لسانها لم يكف عن الحمد وهي تشرع بالبدء بعملها لتمسك الأوراق وتندمج معها.
كانت “سارة” تدرس ما أمامها بدقة وتدون الملاحظات استعدادًا للاجتماع الذي ستلتقي فيه -ولأول مرة- مع رئيس مجموعة
“الأنصاري”، “يوسف الأنصاري”، الابن الوحيد لـ”مدحت الأنصاري”؛ بعد أن أنهى دراسة الدكتوراة في الهندسة المعمارية من جامعة “أوكسفورد” الأمريكية بعيدًا عن مصر منذ ثلاث سنوات، عاد ليقود المجموعة بعد وفاة والده إلى جانب ابن عمه “رفعت الأنصاري” الذي كان مسؤولًا عن المجموعة في غيابه. “رفعت” لم يكن ابن عمه فقط، لكن زوج شقيقته الوحيدة.
كان ينتابها الفضول لترى هذا الشخص بعدما سمعت بذكره المتكرر على ألسنة الجميع، يشيدون بأخلاقه وطيبة قلبه ونجاحه في دراسته وماريعه التي أشرف عليها. قطع سلسلة تفكيرها قدوم “خالد”:
_أنا جبت اللي مطلوب يا باشمهندس “عاصم”.
قالها يمد الأوراق نحو “عاصم”، ويخطف نظرات انزعاج نحو “سارة” التي كانت تشعر بنظراته؛ فـ”خالد” المنافس الأول لها، لكنها تسبقه بأفكارها الحديثة وعبقريتها في التصاميم، وهذا ما كان يزيده كرهًا لها.
_شوفي التعليمات يا “سارة” عشان تستعدي للاجتماع.
قالها “عاصم” يمد لها يده بالورق، لتنهض متجهة نحوه تراقب بانتصار تجهم وجه “خالد” وامتعاضه وهو يقول مستنكرًا:
_وما أحضرش أنا ليه يا باشمهندس؟
أخفض “عاصم” نظارته الطبية نحو مقدمة أنفه ونظر له قائلًا:
_”سارة” هي اللي هتكون مسؤولة عن مشروع الساحل يا “خالد”، وأنت خليك في المشروع بتاعك، وإلا أنت ناسي أنك ماسك مشروع دلوقتي؟
_أيوه يا فندم بس…
_من غير بس يا “خالد”، الموضوع منتهي.
هكذا قاطعه “عاصم” بحدة لكي ينهي النقاش معه، ليعود إلى مكتبه يرمقها بنظرات محتقنة، وتخطف هي نحوه نظرات ازدراء.
**********”****************
وصلت قاعة الاجتماع مع المهندس “عاصم” لتأخذ نفسًا عميقًا تستعد لهذه التجربة الجديدة. دخلت تأخذ مكانها على طاولة الاجتماع في انتظار “يوسف” الذي وصل بعد قليل بطلته البهية؛ كان شابًا وسيمًا، يبدو في الثلاثين من عمره، يبدو عليه النشاط والعملية، يرافقه “رفعت” الذي التقت به عدة مرات أشعرتها بعدم تقبله لها.
افتتح الاجتماع وتحدث بلباقة، أفكاره طغى عليها الطابع الغربي، لتبتسم؛ هذا ما تطمح له، فهي ترتكز في تصميماتها على النمط الهندسي الغربي. أشار “عاصم” لها معرفًا بها:
_باشمهندسة “سارة” يا فندم، اشتغلت معانا من سنة، شاطرة أوي، كان نفسي تسمع أفكارها.
تحولت أنظاره نحوها بعد أن أشار لها “عاصم” لتثير إعجابه الذي زاد عندما وجدها تقف بكل ثقة تشرح تصميمها له؛ ثقتها بنفسها، ذكاؤها وأفكارها الرائعة، طريقتها في طرح فكرتها، كل هذا جعله يحدق بها فترة من الزمن ليبتسم بعملية قائلًا:
_عندك حق يا “عاصم”، فعلًا شاطرة.
ابتسمت بزهو وقالت مفتخرة بوصفه الذي أطربها لتقول:
_متشكرة يا فندم، دا من ذوق حضرتك.
نظر لها ثم نحو “عاصم” يخبره:
_هنعتمد فكرة “سارة”.
ثم التفت نحو المحاسب قائلًا:
_اعملي ميزانية بالتكاليف.
ابتسمت بانتصار بعد حديثه، لكن هذه الابتسامة تناقصت قبل أن تختفي وهي تسمع “رفعت” يهمس له:
_مش نستنى يمكن نلاقي أفكار أحسن؟
لكن “يوسف” نظر نحوها وقال بإصرار:
:لا، هنعتمد مشروع “سارة”، عجبني وشايفه كويس.
ابتسمت بانتصار بعد تحقيق هدفها:
_متشكرة يا فندم.
بادلها ابتسامة إعجاب لم تخفَ عليها.
***********************
عادت إلى منزلها، تلك الفيلا الصغيرة التي كانت يومًا تبلغ مساحة كبيرة، لكن خسارة والدها المالية جعلته يتخلى عن مساحة كبيرة منها ويخسر الكثير من شركاته بعد زيجات متكررة تستنزف كل واحدة منها مبلغًا ماليًا؛ فاختياره لفتيات يصغرنه بالعمر يجعله يصرف مبالغ مالية كبيرة لتحقيق رغباتهن ثم التخلص منهن بطلاق بعد أن تنتهي رغبته هو.
منذ وفاة والدتها وهي تعاني من إهماله وانشغاله مع نسائه اللاتي لم تعد تحصي عددهن؛ فتلك الزيجات السريعة باتت كثيرة وغير محسوبة.
دخلت الباب واتجهت نحو السلم لتصعد أول درجاته وتتوقف عندما سمعت:
_مساء الخير.
عادت إلى الوراء ونزلت تلك الدرجة لتلتفت وتجد فتاة جميلة جدًا توازيها في العمر، اقتربت منها وقالت باستهزاء متعجبة:
_إيه دا؟ أوعي تقولي لي إنك مرات أبويا الجديدة!
لوت الفتاة شفتها بسخط وقالت مستنكرة:
_أيوه، مرات أبوكِ، إيه، مش عاجبك؟
لتطالعها “سارة” بإعجاب وتبتسم ساخرة:
_تصدقي، بابا بقى ذوقه جميل!
استرخت ملامح الفتاة وقالت مبتسمة:
_ميرسي… أنا اسمي “أنجي”.
_وأنا “سارة”.
_عارفة، باباكي حكى لي عليكِ.
رفعت “سارة” حاجبيها بدهشة ثم مطت شفتها بتهكم تردد حديثها:
_حكى لك عني؟ غريبة! وأيه اللي عرفتيه؟
رفعت كتفها وقالت:
_قال إنه عنده بنت اسمها “سارة”.
حركت “سارة” مفاتيحها حول إصبعها وقالت بحزن ساخرة:
_كويس إنه فاكر إن عنده بنت!
لتلوح بيدها بلامبالاة وتقول وهي تشير نحوها بسبابتها:
_طب يا مرات أبويا “إنجوي”.
ثم تركتها “سارة” وسط دهشتها وغادرت نحو غرفتها، لتنظر “أنجي” نحوها وتتمتم:
_مالها دي؟ مجنونة وإلا إيه؟
صعدت لغرفتها، عالمها المغلق؛ جلست على سريرها وأخرجت هاتفها تتصل بصديقتها الوحيدة:
_ألو، أيوه يا “فرح”.
_أيوه يا “سارة”، معلش أنا لسه صاحية، أصصح وأكلمك.
_هو أنتِ نايمة لحد دلوقتي؟
_أيوه، منمتش لحد الفجر.
ضحكت مستهزئة:
_أكيد مع “سالم”، مش كدة؟
أيوه.
_طب فيه سهرة النهاردة؟
_أكيد.
_ماشي، آخد شاور وأنام وأجيلك بالليل، مع السلامة.
أغلقت الهاتف وتسطحت على السرير ثم التفتت على جانبها الأيمن لتلتقط صورة والدتها، تنظر لها بحسرة وحزن وقالت متهكمة:
_مبروك يا ماما، جوزك اتجوز ومش عارفة للمرة الكام!
ثم قربت الصورة من فمها تقبلها بعين دامعة:
_وحشتيني يا ماما.
احتضنت الصورة بقوة وأغلقت عينها غافية.
****”” ************************
حل المساء لتقود سيارتها نحو منزل صديقتها، وقفت أمام الباب تحمل كيسًا مليئًا بالحلوى، طرقت الباب لتفتح لها طفلة صغيرة تهتف بلهفة وابتسامة كبيرة:
_طنط “سارة”!
ابتسمت لها “سارة” وانحنت تقرص وتقبل وجنتها:
_”كوكي” يا روحي، إزيك؟ عاملة إيه؟
كويسة.
ظلت الطفلة تحدق بها وعينها تنتقل بينها وبين الكيس، لتقهقه “سارة” ضاحكة وترفعه أمامها:
_يا بكاشة، يعني أنتِ فتحتِ الباب مش عشاني، عشان الحلويات والشيبسي!
ضحكت الطفلة بخجل لتعطيها “سارة” الكيس الذي التقطته بفرح وهي تردد:
_بحبك يا طنط أوي.
عاودت “سارة” تقبيلها وتخبرها:
_وأنا بموت فيكِ يا روح طنط.
_ادخلي يا “سارة”.
كان هذا صوت “فرح” التي تناديها من الداخل، لتمسك يد “كندة” تلك الطفلة التي تحبها جدًا، لتنظر لهما “فرح” وتقول معاتبة بعد أن رأت الكيس في يد صغيرتها:
_هو أنتِ مش هتبطلي يا “سارة” حكاية الحلويات؟
_مالكيش دعوة، دي حاجة بيني وبين “كوكي”.
لوت “فرح” شفتها بقلة حيلة وقالت وهي تحمل حقيبتها لتغادر:
_طب يلا، خلينا نمشي.
_ماما، عاوزة أروح معاكِ.
قالتها “كندة” بعين باكية، لتقول “فرح” بلامبالاة:
_”كوكي” أنتِ مش صغيرة، خليكِ مع “دادا”، أنا شوية وراجعة.
لكن الطفلة بدأت في البكاء، لتصرخ “فرح” بوجهها توبخها:
_بطلي عياط!
أشفقت “سارة” عليها لتنزل لمستواها تحاول إقناعها وهي تمسح دموعها برفق:
_”كوكي” حبيبتي، ماما عيانة وأنا هاخدها لدكتور، خليكِ شاطرة واستنينا مع “دادا نبيلة”، وأنا هجيب لك عروسة جميلة جدًا المرة الجاية، ماشي يا قمر؟
مسحت الطفلة عينيها بيدها الصغيرة وأومأت برأسها موافقة، لتقبل وجنتها “سارة” وترحل برفقة “فرح” التي ما إن خرجت حتى لامتها:
_ليه كدة يا “فرح”؟ حرام، “كوكي” لسه صغيرة.
لوحت لها “فرح” بلامبالاة وقالت:
_يوووه يا “سارة”، خلاص، ما أنا لازم أخرج وإلا هي هتعيش إزاي؟
حركت “سارة” رأسها بقلة حيلة وزفرت أنفاسها بضيق:
_”فرح”، بلاش الطريق دا، إحنا نخرج نتبسط، بلاش طريق الفلوس والغلط.
ضحكت “فرح” وقالت مستهزئة:
&وهو اللي بنعمله مش غلط؟ السهر والشرب مش غلط؟
ثم ربتت على ذراع “سارة” ساخرة:
_”سالم” بيصرف عليا وعلى بنتي من غير ما يعرف أنها بنتي، أنا مفهمّاه أنها بنت أختي المتوفية، هيصرف عليها ببلاش.
طالعتها “سارة” وقالت محذرة:
_خلي بالك يا “فرح”، “سالم” مش سهل لو عرف الحقيقة.
ابتسمت “فرح” باستهزاء:
_لو طار، هنلاقي غيره.
أتبعت كلامها بضحكة وقحة جعلت “سارة” تنظر لها بيأس.
***”” “********************
قادت “سارة” سيارتها ليمتعض وجهها عندما أخبرتها “فرح” أن الحفلة مقامة في فيلا “سالم”، لتهتف بحدة:
_وإحنا من إمتى بنسهر في بيوت؟!
لتجيبها “فرح” ببرود:
_يا بنتي هو عامل حفلة عيد ميلاده، متبقيش كئيبة يا “سو”.
زفرت أنفاسها بانفعال وأكملت القيادة رغم عدم اقتناعها حتى وصلتا منزل “سالم” الذي كانت تخرج منه الموسيقى الصاخبة. دخل الاثنتان بفساتينهما الضيقة التي رسمت أجسامهم، اتجه “سالم” نحوهما يرحب بهما ثم جذب “فرح” يهمس في أذانها وهي تضحك بشدة. أخذت “سارة” جانبًا تراقب الحفلة وأخرجت سجارتها الإلكترونية وبدأت تنفث دخانها عاليًا، حتى اقترب منها النادل يقدم لها مشروبًا كحوليًا (الشمبانيا) لتلتقط الكأس ترتشف منه القليل وتراقب الفتيات والشباب الذين كانوا منهمكين بفعل جميع أنواع المحرمات. استمرت تحتسي كأسها وتدخن سجارتها حتى تم تشغيل إحدى الأغاني التي تحبها لتُدندنها، لتنضم إلى ساحة الرقص وتبدأ بالرقص حتى جذبت أنظار أحد الشباب ليدعي الرقص أيضًا، حتى اقترب أكثر يحاول لمس جسدها، لمحت اقترابه ومحاولته لتمسك يده وتصفعه بانفعال وتصرخ به:
_إيدك لو اتمدت هقطعهالك!
تجمهر الناس حولهم وهي مستمرة في شتمه وهو يرد عليها، حتى انتبهت “فرح” التي كانت مندمجة مع “سالم”:
_دي “سارة”!
تركته واتجهت نحوها لها هو ينفخ بضيق، ليجدوا “سارة” تقف وتتشاجر مع شخص عرفه”سالم”:
_إيه يا “سارة” مالك؟ فيه إيه؟
سألتها “فرح” وهي تنظر لها بحيرة.
لفظت أنفاسها المتسارعة وهي تقول:
_الحيوان ده كان عاوز يلمسني!
لوى “سالم” شفته بسخرية وهو يسمع حديثها ليقول مستهجنًا:
_ومالو لو لمسك يا قطة؟
نظرت له باشمئزاز وقالت بغضب:
_لا يا “سالم بيه”، مش أي حد يتلمس، صوابع إيدك مش زي بعض!
نكست “فرح” رأسها بعد أن فهمت كلام “سارة” المبطن. نظر “سالم” نحو “سارة” بسخرية، انسحبت “سارة” تاركة الحفل. حاولت “فرح” أن تتبعها لكن “سالم” أمسك ذراعها يمنعها وهو يهمس لها:
_إيه؟ رايحة فين؟ عاوزة تضربي الليلة؟
نظرت له “فرح” ثم نظرت نحو “سارة” التي خرجت من البوابة لتضحك ضحكتها الوقحة وتقول:
_عندك حق.
**************************
خرجت “سارة” تقود سيارتها بانفعال، فتحت شباك سيارتها لعل الهواء البارد يهدئ من شدة انفعالها، وصلت منزلها لتفتح الباب وتخطو خطوات قليلة حتى سمعت من يقول:
_ما لسه بدري!
التفتت متعجبة وهي تجد زوجة أبيها تقف متخصرة، لتقول “سارة” بحدة:
_وأنتِ مالك؟ خليكِ في حالك، مالكيش دعوة بيا.
لوحت زوجة أبيها بيدها وقالت:
_راجعة وش الفجر ومش عاوزة حد يحاسبك!
قهقهت “سارة” تضحك بسخرية وهي تقترب منها وتربت على وجنتها وتفتح عينيها فجأة تصرخ بوجهها بما جعلها تشعر بالخوف وتتراجع خطوتين إلى الخلف عندما سمعتها تقول:
_أنا محدش يحاسبني يا حلوة، وخصوصًا أنتِ، متخلنيش أحطك في دماغي أحسن لك، هتخسري!
ثم تركتها ورحلت نحو غرفتها.
وفي غرفتها استلقت على سريرها تحاول النوم، لتحيطها أفكار مختلفة أرقتها وحجبت النوم عنها؛ ليلوح طيفه أمامها، لا تنكر أنه أعجبها، ثم ظهرت صورة زوجة والدها أمامها. رمشت عينيها وتحركت قزحتيها يمينًا ويسارًا تبحث تلك الفكرة التي قفزت تواً إلى عقلها؛ لماذا لا تحاول الخروج من هذه الحياة التي تعيشها؟ ولماذا لا يكون هو المفتاح للدخول لحياة جديدة؟
***********************”” “”
بعد ثلاثة أيام استدعاها “يوسف” للحضور إلى مكتبه، تبعت السكرتيرة نحو مكتبه الخاص، دخلت بعد أن فتحت لها الباب وأشارت لها بالدخول. كان يجلس منكبًا على مجموعة من الأوراق، لكن عطرها الذي ملأ المكان أجبره على أن يرفع نظره نحوها لتثير إعجابه بأناقتها وذوقها الرفيع:
_صباح الخير.
_صباح الخير يا باشمهندسة، اتفضلي.
قالها مبتسمًا يشير لها بالجلوس، لتجلس بشموخها المعتاد واضعة قدمًا فوق الأخرى، التفتت نحوه:
_طلبتني يا فندم؟
كان غارقًا في تأمل تفاصيلها التي تشده نحوها كأنها تعويذة سحرية حتى أخرجه سؤالها من تأمله:
_كنت عاوز أسألك عن المشروع، وصلتي لحد فين؟
مدت له يدها ببعض التصاميم:
_دي يا فندم التصميمات الأولية، لو عند حضرتك أي تعديل.
التقط منها التصاميم ليفتحها وعينيه تتنقل في تفاصيلها بانبهار، ليبتسم وهو لا يزال يطالعها ويقول مادحًا:
_برافو يا باشمهندسة، تحفة! كان عنده حق “عاصم” إنه يرشحك.
شهادة أعتز بيها يا فندم.
لف ورق التصميم وأعاده إليها:
_كده تمام.
لتقول بعملية أبدعت في تمثيلها كي تضع الحجر الأساس في خطتها، فلم تغب عنها لمعة الإعجاب التي رأتها في عينيه مما زاد من تصميمها في التمسك بتلك الفرصة التي سوف تساعدها في دخول عالمه:
_يعني حضرتك معندكش أي تعديل على التصميم؟
حرك رأسه نافيًا:
_لا يا “سارة”، التصميمات مستوفية، مش محتاجة تعديل.
همت بالنهوض لكي تغادر لكن أوقفها صوته:
_استني يا “سارة”، أنا ما ضايفتكيش، استني نشرب قهوة سوا.
أمسكت التصميمات ومثلت الحياء:
_ملوش لزوم يا فندم.
_لا يا “سارة”، أنا عاوز أشرب القهوة معاكِ، عندي كم سؤال حابب أسألك عن المشروع.
ابتسمت بانتصار وعادت مكانها، ليبدأ بينهما حديث ونقاشات، وتحولت القهوة إلى دعوة غداء رفضتها بإصرار لكنه أبى إلا أن تقبل دعوته. لتوافق وتخرج هاتفها مدعية استئذانها من والدها، فمن المعلومات التي جمعتها عنه في الأيام القليلة الماضية عرفت أن عائلته محافظة، لذلك يجب أن تكون زوجة الابن المناسبة. لها، ابتسمت داخلها على كلمة الزوجة المناسبة.
وفي أحد المطاعم الراقية على ضفاف نهر النيل جلست أمامه يتناولون وجبة الغداء، طلبت الطعام الإيطالي الذي كانت تحبه وعلى علم ببعض أطباقه:
_المطعم دا من أقرب المطاعم لقلبي، أول ما رجعت لمصر جيت اتعشيت هنا، صاحب المطعم صاحبي من زمان وشيف درس في إيطاليا.
_فعلًا الأكل جميل والمكان هادي.
ابتسم لها يسألها:
_بتحبي الهدوء يا “سارة”؟
ابتسمت داخلها باستهزاء؛ هي والهدوء قطبان متنافران، لكنها أجابت بلسان افتعلت فيه الرقة:
_أيوه أكيد، وهو مين مبيحبش الهدوء؟
ابتسم بسعادة، فها هو ركن آخر من أركان صورة زوجته المستقبلية يكتمل بها؛ جميلة، أنيقة، ذكية، ناجحة وهادئة. انتهى هذا اللقاء وأصبحت على يقين أنها ظفرت بما كانت تحلم به، خطوات قليلة وتصل نحو هدفها.
وبعد عدة أيام أخرى كانت تخرج من الشركة تشعر بسعادة، فاليوم أيضًا تكرر لقاؤها به وبدا أكثر إعجابًا بها من ذي قبل، كانت تسير نحو سيارتها وهي تبتسم متذكرة عينيه التي لم تفارقها وابتسامته التي تظهر كلما تحدثت، لتهمس لنفسها:
_فاضلك تكة يا “سارة” وتوصلي لقلبه ويكون خاتم في صباعك!
أتبعت كلماتها بابتسامة خبيثة.
****”” “” *****”*********” ”
قادت سيارتها نحو الخارج لتجد “فاطمة” تقف عند موقف الباص يبدو عليها الإنهاك، كادت أن تتجاوزها بلامبالاة لكنها توقفت بعد أن أشفقت عليها، أنزلت زجاج النافذة ونادت عليها:
_”فاطمة”… “فاطمة”!
انتبهت لها “فاطمة” واتجهت نحوها بتعجب لتسألها:
_أيوه يا “سارة”، محتاجة حاجة؟
لتشير لها:
_اركبي، أوصلك.
حركت رأسها نافية وقالت محرجة:
_لا مفيش داعي، أنا هستنى الميكروباص.
كررت “سارة” دعوتها بإصرار وقالت بحدة:
_اركبي يا “فاطمة”، بلاش عند!
رضخت “فاطمة” واستجابت لدعوتها فقد كانت متعبة، لتركب على استحياء وتتمتم بخجل:
_متشكرة يا “سارة”.
_على إيه؟ أنتِ في طريقي.
وصلت إلى منزلها في إحدى الأحياء البسيطة، أشارت لها “فاطمة” نحو المنزل لكن قبل أن تترجل أصرت عليها للغداء معها ومع عائلتها، رفضت “سارة” لكن “فاطمة” أصرت وأحرجت “سارة” عندما قالت:
_أنا عارفة أننا مش على قد المقام وأكلنا مش من مستوى…
وقبل أن تكمل قاطعتها “سارة” بسرعة وهي تنهرها:
_بلاش الكلام دا يا “فاطمة”، أنا نازلة معاكِ.
دخلت خلف “فاطمة” بتردد ودارت عيناها في المكان، فرغم كون المكان بسيط ولا يصل إلى مستوى الفيلا التي تقطن فيها، لكن انتابها شعور بالدفء.
أشارت “فاطمة” نحو غرفة والدتها:
_اتفضلي يا “سارة”، ماما كان نفسها تشوفك من زمان.
دخلت “سارة” إلى الغرفة لتجد سيدة ممددة على سريرها وجهها يدعو للسكينة والراحة، رحبت بها بحب:
_أهلاً يا بنتي، تعالي.
اتجهت نحوها وجلست على السرير أمامها بعد أن عانقتها والدة “فاطمة”:
-أهلاً يا حاجة.
لتسألها بفضول:
_أنتِ “سارة”؟ دانا كان نفسي أشوفك من زمان، “فاطمة” دايمًا كانت بتحكي لي عنك.
قالتها والدة “فاطمة” وهي تتطلع لها تخفي عنها دعوة ابنتها الدائمة لها بالهداية. ابتسمت “سارة” بخجل وهي تنقل بصرها بين “فاطمة” ووالدتها:
_”فاطمة”، شوفي أبوكِ لو خلص ورد القرآن عشان نتغدى، خلي “سارة” تدوق طبيخي.
لتنظر لها “فاطمة” بلوم وتقول معاتبة:
ليه تعبتِ نفسك؟ أنا مش قلت لك متتعبيش نفسك؟
وبعتاب هي أيضًا بررت:
_يا بنتي، خليني أحس إني ليا فايدة، مش عالة عليكم.
اقتربت منها “فاطمة” تقبل رأسها وتلومها:
_متقوليش كدة يا ست الكل، أنتِ الخير والبركة.
مشهد جعل الدموع تلسع عينها، وابتلعت غصة مرة تشابه مرارة حياتها بعد رحيل والدتها. جلست معهم على المائدة بعد أن انضم لهم والد “فاطمة” الذي رغم أنها لمحت انزعاجه من مظهرها، لكنه رحب بها بينهم. ألِفَت “فاطمة” وحوارها مع والديها واهتمامها بهم وبعض المزاح الذي حصل بينهم، أثار مشاعرها ولمس ذلك الجرح الذي تخفيه خلف قناع القوة والجبروت.
كم تمنت أن تعيش هي هذه اللحظات، كم تمنت أن يكون لها عائلة، ربما لكانت اختلفت حياتها. أخفضت عينيها نحو الطبق الموضوع أمامها ورفعت بعضًا منه نحو فمها تتناوله بتلذذ، لم تتذوق منذ زمن طعامًا امتزج بحنان الأم؛ ليفتر ثغرها عن ابتسامة جانبية ساخرة ملأتها الحسرة. وكيف تتذوق طعام الأم وهي من عاشت على طعام الخدم منذ رحيل والدتها؟
_عجبك أكلي يا بنتي؟
صوت والدة “فاطمة” أعادها إلى الواقع، لترفع عينها لها تجيبها بابتسامة:
_جميل، تسلم إيدك.
**************************
شهران مرا الآن، وتكررت لقاءاتها مع “يوسف” الذي نصبت له شباكها باحتراف وهي تظهر له كل ما يحلم أن يراه في زوجته المستقبلية؛ لتحكم شبكها حوله وتصطاده كما يصطاد العنكبوت فريسته، لتبتسم بانتصار وهي تسمع سؤاله:
_تتجوزيني يا “سارة”؟
رواية خلف أسوار الذنوب الفصل الثاني 2 - بقلم رشا عبد العزيز
جلس على المائدة يترأسها، وعلى يمينه جلست والدته السيدة “نادية”، وعلى شماله جلس ابن عمه “رفعت” وشقيقته “رحاب”.
كانوا مندمجين في تناول الطعام وسط تدليل والدته له وهي تضع الأصناف التي يحبها في طبقه، لينظر لها بامتنان:
_ تسلم إيدك يا ست الكل.
بادلته الابتسامة وهي تدعو له:
_ تسلم يا حبيبي، بالهنا والشفا.
_ أيوه يا عم أهو الدلع والكلام الحلو كله لـ”يوسف”، لكن “رحاب” منسية! هو أنا بنت البطة السودا يا ماما؟ ماليش نصيب في الدلع؟
قالتها “رحاب” وهي تدعي الانزعاج، لينظر لها “يوسف” نظرة جانبية وقال مستنكراً:
_ أنتِ عندك جوزك، خليه يدلعك.
لينظر له “رفعت” بتحدٍ، وهو يحمل قطعة طعام بشوكته ويقربها من فمها لتفتح هي فمها بسعادة وتلتقط الطعام بشفتيها، غمز لها “رفعت” وعاد ينظر لـ”يوسف” ويقول:
_ أدلعها؟ أدلعهاش ليه؟ مش حبيبتي ونور عيني؟
_ تسلم يا حبيبي.
توردت وجنتاها خجلاً وهو يتغزل بها أمام شقيقها الذي مثّل الحنق وهو يقول مشاكساً “رفعت”:
_ اتلم يا “رفعت”، لاحظ إني موجود!
قهقهت “نادية” بسرور وهي ترى مشاكستهم:
_ متسيبه يا ابني يدلع مراته، عقبال ما تدلع مراتك أنت كمان.
وجد “يوسف” في دعاء والدته فرصة في مفاتحتهم بما ينوي فعله؛ ليتحمحم ويقول:
_ أحم… الظاهر دعوتك مستجابة يا ست الكل، أنا نويت أتجوز.
نظر الثلاثة له بدهشة، لتسأله والدته بسعادة متلهفة:
_ بجد يا حبيبي؟ ألف مبروك! ولقيت العروسة وإلا عاوزني أنا أدورلك على ذوقي؟
_ لا يا ماما، أنا لقيت العروسة.
نظر له “رفعت” و”رحاب” بترقب لتسأله:
_ مين يا أبيه؟ نعرفها؟
أجابها وهو يوزع نظراته بين الثلاثة:
_ لا، انتو ما تعرفوهاش، دي مهندسة عندي في الشركة.
شحب وجه “رفعت” عندما توقع هوية العروس؛ ليسأله وهو يدعو أن يكون توقعه خاطئاً:
_ أنت تقصد “سارة”؟
ليجيبه بما كان يخشاه:
_ أيوه، “سارة”.
اعتلت الصدمة وجهه وتلعثمت كلماته وهو يقول:
_ بس دي مش مناسبة ليك يا “يوسف”.
تلاشت ابتسامة “نادية” و”رحاب” وحل محلها الحيرة والقلق بعد حديث “رفعت”؛ ليتحول نظرهم نحو “يوسف” الذي احتقن وجهه من شدة الغضب وهو يقول:
_ ومش مناسبة ليه يا “رفعت”؟
اضطرب “رفعت” قبل أن يجيب مفسراً:
_ يعني يا “يوسف” -ما تؤاخذنيش- هي متحررة شوية، وأنت من عيلة محافظة.
تسارعت أنفاسه بانفعال وهو يسمع إجابة “رفعت” على سؤال والدته:
_ يعني إيه متحررة يا ابني؟
_ لبسها متحرر يا ماما وحركاتها وتصرفاتها، يعني مع احترامي لـ”يوسف” مش من توبنا.
ليصرخ به بغضب مما جعل الجميع يجفل بدهشة:
_ مش أنت يا “رفعت” اللي هتحددلي إيه اللي هيناسبني! أنا اخترت “سارة” وهي عجباني.
نظرت له “رحاب” بقلق وقالت بتوتر:
_ “يوسف”، “رفعت” مش قصده، هو بينصحك بس.
_ وأنا مش عيل مش عارف مصلحته عشان هو ينصحني!
_ بس يا ابني ده جواز، لازم تفكر.
قالتها والدته برجاء.
لينهض واقفاً ويقول بحدة يحسم النقاش في هذا الموضوع:
_ ماما، أنا اخترت “سارة” خلاص، الموضوع منتهي.
ليتركهم مغادراً وسط نظرات “رفعت” وهو يهز رأسه بأسف، ونظرات “نادية” التي التقت بنظرات “رحاب” وهي تنظر لأثره بقلة حيلة.
*****************************
وتمت الخطبة بالفعل، وكان لها ما تمنت؛ كانت ترى سعادته بها التي كانت ترضي قلبها، ورغم أنها لا تملك تجاهه أي مشاعر لكنها كانت سعيدة باهتمامه.
وكما رأت اهتمامه، رأت انزعاج عائلته الذي لمسته في نظرات عيونهم؛ خصوصاً بعد أن اختارت فستاناً مفتوحاً وقصيراً جعل والدته تنظر لها بتعجب امتزج بالحزن: هل هذه عروس ولدها؟
ملابسها وتقربها منه وهي فترة خطوبة فقط، رقصها وجرأتها؛ جعل “رحاب” تنظر لـ”رفعت” وهي تدنو منه تهمس في أذنه:
_ كان عندك حق يا “رفعت”، دي مش شبهنا خالص.
لوى “رفعت” شفته وقال بسخط وهو يحدق بـ”يوسف”:
_ ولسه ياما هتشوفي! أخوكِ أعمى، مش شايف غير الزوقة اللي برا، لكن لسه لما تعاشريها! أنا اشتغلت معاها مشروعين خلوني أفهم شخصيتها.
_ يعني إيه يا “رفعت”؟
ابتسم باستهزاء:
_ ما تستعجليش يا “رحاب”، بكرة تعاشريها وتفهمي.
كانت تراقصه لترفع يديها تحاوط رقبته وتبتسم برقة:
_ أنا فرحانة أوي يا “يوسف”.
أحنى رأسه يسند جبهته على جبهتها ويقول بعينين التمعت بالعشق:
_ وأنا فرحان أكتر منك، أنا بحبك يا “سارة”.
ارتجف قلبها عند سماعها بحبه، رغم أنها تعلم أنه يحبها، لكن لا تعلم لماذا وقع الكلمة عليها كان مختلفاً.
ابتلعت ريقها وجاهدت لتخرج الكلمة مليئة بالحب رغم أنها في الحقيقة خالية منه:
_ وأنا كمان بحبك.
اتسعت ابتسامته يعدها:
_ يا حبيبتي، ربنا يقدرني وأسعدك.
وصدق فيما قال؛ فقد كان لها كمصباح علاء الدين، تأمر فيُطاع أمرها دون نقاش؛ جناح في فيلته زُين بأحدث طراز من الأثاث، وملابس أُحضرت لها خصيصاً من باريس وإيطاليا تحمل أكبر الماركات العالمية.
عادت “فرح” تحمل الهدايا لتجد زوجة أبيها تنتظرها، تنظر لها بحقد بعد أن قارنت بين اختيارها واختيار “سارة”.
تخطتها “سارة” دون حديث، لكنها قالت:
_ ولله وطلعتي مش هينة يا بنت “عابد”، وقعتِ وأنتِ واقفة!
زفرت “سارة” أنفاسها متأففة والتفتت إليها تبتسم باستهزاء:
_ شفتي إزاي؟ عشان تعرفي التفكير الصح.
قالت ذلك وهي تشير لها بإصبعها على جبهتها في محاولة لإغاظتها وتكمل:
_ مش زي ناس اتجوزت حد قد أبوها، مفكرة إنها ذكية!
اتبعت ذلك بضحكة مستفزة وهي تتحرك نحو غرفتها وتتركها تستشيط غضباً.
صعدت نحو غرفتها تفتح تلك الأكياس ببهجة، تخرج محتوياتها وتتفحصها بعين تلمع بغرور؛ ليتصاعد رنين هاتفها، التقطته تنظر لاسم المتصل لتجدها “فرح”:
_ ألو، أيوه يا “فرح”.
_ أيوه يا هانم، فينك مختفية؟ ولا سي “يوسف” آخدك مننا؟
استلقت على السرير ترسم ابتسامة على وجهها وتسحب خصلة من شعرها تلفها حول إصبعها، وتتحدث بانتصار غلفته الفرحة:
_ بصراحة يا “فروحة” أيوه، مشغولة بالتجهيز، أصل الفرح قرب و”يوسف” عاوز كل حاجة بسرعة.
_ آه، الظاهر جننتيه يا بنتي!
تنهدت بانتشاء تخبرها:
_ أيوه، دا بقى زي الخاتم في صباعي.
لتشجعها “فرح” قائلةً:
_ برافو يا “سارة”…
لتستطرد تسألها:
_ مش هتسهري معانا الليلة؟
_ أسهر إيه يا “فرح”؟ أنا ما أقدرش أخرج الفترة دي، مش عاوزة “يوسف” يشوفني في الأماكن دي.
_ ماشي يا “سارة”، ولو إنك واحشاني.
_ أنتِ كمان والله، بس أعمل إيه؟
_ خلاص يا “سو”، بس ابقي فضي نفسك يوم وتعالي البيت، البت “كوكي” دوشتني بتسأل عليكي.
_ يا روحي، والله واحشاني أوي الزقردة دي.
_ طب مع السلامة.
أغلقت الهاتف وعادت لما كانت تفعل، ليتعالى رنين هاتفها من جديد، ظنت أنها “فرح” لكن كان المتصل “يوسف”.
ضغطت زر الإجابة:
_ حبيبتي، وحشتيني.
_ “يوسف” يا حبيبي، إحنا لسه كنا سوا، لحقت أوحشك؟
_ أنتِ بتوحشيني وأنتِ معايا يا روحي.
نغزت كلماته قلبها، فرغم أنها كانت كلمات غزل لكنها لم تكن تسعدها، بل تشعرها بالاضطراب.
********************************
أتى يوم الزفاف، ولم يكن حفل زفاف عادياً، كان حفل زفاف أسطوري تألقت فيه كالأميرات، كما تألق هو وخطف أنظار الفتيات بأناقته وجاذبيته، لكن عينيه لم تكن ترى سواها؛ نجمة تسطع في سماء حياته.
رقصا سوياً، وكل من يراهم يجزم أنهما قصة حب جميلة يحسدهم عليها الكثيرون.
جلست والدته وشقيقته بعيداً كالغرباء، تنظر له والدته بحسرة؛ كم تمنت أن يسمع نصيحتها ويوقف تلك الزيجة التي لا تشبهه، فهذه الفتاة -ورغم لقاءاتها القليلة معها- إلا أنها لم ترتح لها، حتى مظهرها وتصرفاتها المتحررة لم تتقبلها.
نغزها قلبها بحزن، فولدها يعصيها لأول مرة في حياته ويصر على اختياره، دمعة قهر هربت من عينها، لمحتها “رحاب” لتشعر بالإشفاق عليها وتربت على يدها تواسيها؛ لتمسحها بسرعة وترسم ابتسامة اغتصبتها من عمق ألمها تداري خلف ستارتها قلبها المكلوم.
ذهبا في رحلة شهر العسل، والتي كانت رحلة ساحرة فوق تخيلها؛ كانت كما طلبت لجزر المالديف، وقفت على الشاطئ المغلق تستنشق الهواء بانتعاش لتجده يحيط جسدها من الخلف يهمس لها:
_ حبيبي، مبسوطة؟ عجبك المكان؟
أومأت له تجيبه:
_ أيوه.
قبل عنقها وقال بعشق صادق:
_ حبيبتي، أهم حاجة سعادتك.
أغمضت عينيها كأنها تصم أذنها بعد صراخ ضميرها الذي يلوم قلبها المتجبر؛ لماذا لا يشعر بالحب تجاهه وهو يحاول إسعادها بكل الطرق؟ لماذا هذا البرود؟!
نظراته التي تثبت صدق مشاعره، وصوته الذي يؤكد حبه لها؛ كل هذا لا تشعر به، لم يجعل قلبها ينبض ولو قليلاً لأجله.
_ حبيبي، سرحتي فين؟
حركت رأسها نافية وابتسمت بهدوء:
_ أبداً، أنا معاك يا حبيبي.
كاذبة، هكذا نعتها قلبها.
_ يا روح حبيبك أنتِ.
قالها “يوسف” وهو يحملها ويدور بها يضحك بفرح وسعادة.
*******************************
وبعد مرور شهر تنقلت فيه معه بين المالديف وباريس، ها هي تعود للقاهرة تحمل أحلامها معها.
دخلت ذلك القصر مبتسمة وهي تحلم أن تكون سيدته الأولى، ولكن هذه البسمة تبخرت عندما وجدت والدته وشقيقته وزوجها واقفين باستقبالها.
برودة لقائهم معها ناقضت حفاوة استقبالهم لـ”يوسف” الذي كان يبادلهم الأحضان والقبلات:
_ نورت بيتك يا حبيبي.
_ بنورك يا ست الكل.
قالتها والدته بقلب والدة اشتاقت لولدها لتدعوه لتناول الغداء، التفت نحوها وابتسم يمد لها يده لتمسك به، يسحبها نحو طاولة الطعام التي حملت كل ما يحب.
كانت تلمح نظرات “رحاب” و”رفعت” المصوبة نحوها بترقب وامتعاض من اهتمام “يوسف” بها، ليزداد امتعاض “رفعت” عندما سمعه يقول:
_ “سارة” هترجع معايا الشركة بكرا عشان تمسك منصب نائب رئيس مجلس الإدارة.
ليختنق “رفعت” ويسعل عدة مرات قبل أن تمد له “رحاب” يدها بقدح الماء الذي التقطه منها وارتشفه دفعة واحدة وهو يردد ما قاله بتعجب وقال متلعثماً:
_ نائب رئيس مجلس الإدارة؟ طبعاً أكيد مبروك.
_ الله يبارك فيك.
قالتها “سارة” وهي ترمقه بنظرة شماتة وظفر.
************************”” *******
وفي اليوم التالي دخلت الشركة، تسير بجانبه تتشابك يده ويدها، لكن كانت هذه المرة مختلفة؛ اليوم تدخلها ليس كموظفة، هي اليوم تدخل كنائب رئيس مجلس الإدارة وزوجة مالك الشركة.
كان الموظفون ينظرون لها تلمع عيونهم بالحسد؛ فتلك الموظفة قد فازت بقلب المدير وأصبحت تملكه كما ملكت ثروته معه. وقفت “فاطمة” تطالعها بأسى وهي ترى وجهها يكسوه الغرور والكبر، ليتنهد “خالد” الواقف بجانبها بقلة حيلة وهو يتمتم بغضب:
_ لعبتها صح بنت الإيه!
سحبها من يدها نحو مكتبها الملاصق لمكتبه الذي صنعه كهدية لها بمناسبة عودتهم.
دخلت المكتب تدور عينها داخله بانبهار لتهتف بسعادة:
_ جميل أوي يا حبيبي.
طوّق خصرها يضمها إليه ويقول:
_ حبيبتي، أنتِ تستاهلي الأحلى.
خرجت من أحضانه تحاوط رقبته وتقبل وجنته ببطء:
_ حبيبي، مرسي.
نظر لعمق عينيها وقال بتشجيع:
_ عارف إنك قد المنصب دا، عاوزك تبهريني.
لتقول بصوت هامس تداعبه:
_ هبهرك وأجننك.
ليضحكا سوياً، ويوماً بعد آخر يسقط بشباك حبها حتى الثمالة.
ستة أشهر عاشتها معه كانت بالنسبة له السعادة بعينها؛ فقد كانت تبهر حقاً بشخصيتها القوية والقيادية، حققت النجاح الذي أمله منها وكانت تبهر بالقرارات الهادفة.
لكنها بدأت تمل من دور الزوجة المطيعة الهادئة؛ لقد اشتاقت لحياة التمرد السابقة،
*******************************
لتجد نفسها تقف أمام بيت “فرح” تحمل كيس الحلوى التي اعتادت جلبه معها. طرقت الباب لتفتح لها “دادا نبيلة” الباب، وما أن دخلت حتى وجدت من يهرول نحوها منادياً:
_ طنط “سارة”!
لتحتضنها “سارة” وتحملها بسرور، تقبل وجنتها باشتياق لتلك الصغيرة:
_ “كوكي” حبيبتي، إزاي يا روحي؟ وحشتيني.
لتنزلها وتسلمها كيس الحلوى:
_ اتفضلي يا برنسيس.
التقطته “كندا” بلهفة وهي تردد:
_ أنا بحبك يا طنط.
_ وأنا بموت فيكي يا روحي أنتِ.
_ هي ماما فين؟
لمعت عين الصغيرة بالدموع وكسى الحزن ملامحها لتقول:
_ ماما خرجت من بدري ولسة ما رجعتش.
أحست “سارة” بالحزن لأجلها، يبدو أنها تفتقد والدتها؛ لتحرك يدها على وجنتها بحنان وتمسك يدها تسحبها نحو الأريكة:
_ طب تعالي نلعب سوى لحد ماما ما ترجع.
فرحت الصغيرة وجلست بجانبها، وسرعان ما اندمج الاثنان باللعب، لتمر ساعة لتسمع “سارة” صوت الباب يفتح وتدخل “فرح” بمظهرها الجديد بعد أن قصت وغيرت لون شعرها؛ لتبتسم لها “سارة” وتقول بتعجب:
_ إيه دا؟ نيو لوك؟
“فرح” التي ابتهجت ملامحها وأسرعت خطواتها بشوق نحوها وهي تقول بلهفة:
_ “سارة”! وحشتيني، كده محدش يشوفك!
_ معلش يا “فرح”، مشغولة.
نظرت لها “فرح” وقالت بلوم:
_ طبعاً بقيتِ سيدة أعمال وما بقيناش قد المقام.
عاتبتها “سارة” بحدة:
_ وأنتِ تعرفي عني كده يا “فرح”؟
_ وحشاني يا “سارة”، أعمل إيه؟ بحب أنكشك!
بادلتها “سارة” الابتسام:
_ ولا يهمك يا حبيبتي.
ثم سألتها بفضول:
_ بس إيه حكاية النيو لوك وأي لون الشعر الغريب دا؟
حركت “فرح” رأسها يميناً ويساراً ثم حركت يدها على شعرها وأمسكت نهاية خصلاته لتسألها:
_ حلو؟
قطبت “سارة” حاجبها باستغراب وقالت:
_ هو حلو بس غريب.
اقتربت “فرح” منها وأمسكت يد صغيرتها تقول لها بأمر:
_ روحي يا “كوكي” عند “دادا نبيلة”، عاوزة أتكلم مع طنط “سارة”.
امتثلت الصغيرة لأمرها رغم عدم رغبتها بترك “سارة” التي قبلت وجنتها قبل أن تغادر.
جلست “فرح” بجانبها وقالت موضحة:
_ “سالم” يا ستي عاوزني أغير شكلي، وأنتِ عارفة ما أقدرش أقول لا.
امتعض وجه “سارة” وقالت تلومها:
_ “فرح”، أنا مش مرتاحة لحكاية “سالم” دي، السكة دي غلط يا “فرح”.
تهكمت “فرح” وقالت مستهزئة:
_ حياتي كلها غلط يا ستي، بس أنا بحب الخطيئة!
لتتبع كلماتها بضحكة وقحة جعلت “سارة” تنظر لها بيأس، لتضربها “فرح” على فخذها وتسألها بفضول:
_ سيبك مني أنتِ، أخبارك إيه بعد ما بقيتِ مليونيرة؟
زفرت “سارة” أنفاسها بثقل وقالت:
_ زهقت.
رفعت “فرح” حاجبها وسألتها بدهشة:
_ زهقتِ؟ يعني إيه يا بنتي؟
_ زهقت من تمثيل دور الزوجة المطيعة الهادية، رغم إن “يوسف” بيحبني بس حاسة إني بتخنق وأنا بكدب وأمثل إني بحبه طول الوقت. أنا ما أنكرش إن ساعات بحس بمشاعر ناحيته بس مش حب.
لوت “فرح” شفتها بسخط وقالت مستنكرة:
_ أنتِ هبلة صح؟ حد يبقى عايش في العز دا ومع حد بيحبه كدة وتقولي زهقت؟ يا بنتي استمتعي بالفلوس، اطلبي هدايا، سافري، روحي حفلات.
ثم ضربت على كف يدها كأنها وجدت الحل:
_ ارجعي للسهر معانا وغيري مودك.
_ و”يوسف”؟
سألتها “سارة” بحيرة.
_ مش ضروري يعرف، قوليله عند صاحبتي، وهو بيحبك مش هيشك فيكِ أكيد.
لمعت الفكرة في رأسها ونالت استحسانها؛ لماذا لا تعود لحياتها القديمة؟
***********************************
وفي اليوم التالي قررت العودة لـ”سارة” القديمة؛ ارتدت زياً قصيراً يرسم جسدها ويظهر مفاتنه، وارتدت حذاء بكعب عالٍ، وتركت العنان لشعرها. نظرت إلى هيئتها بالمرآة برضى لتبتسم بعودة “سارة” القديمة.
_ “سارة”؟
كان هذا صوت “يوسف” القادم من خلفها، التفتت لتراه يقف ينظر لها بضيق:
_ إيه اللبس دا يا “سارة”؟
أخفضت عينيها ومسحت بيدها على فستانها لتقول باستهجان:
_ ماله لبسي؟ أهو حلو.
ليهتف بحدة:
_ دا ضيق أوي يا حبيبتي.
عبس وجهها تخبره بانفعال:
_ “يوسف”، أنت اتجوزتني وعارف إني بلبس كدة، مضايق ليه دلوقت؟
اقترب منها يحدثها بهدوء في محاولة لإقناعها:
_ أيوه يا حبيبتي بس أنتِ بطلتِ تلبسي كدة من ساعة ما اتخطبنا، وأنا شايف إن لبسك بقى معقول.
_ قصدك من ساعة ما اخترت أنتِ لبسي وطلبت مني ألبس على مزاجك!
قطب حاجبيه باستغراب وقال:
_ مالك يا “سارة”؟ بتتكلمي كدة ليه؟ ومن إمتى أنا فرضت عليكِ حاجة؟
رفعت سبابتها وقالت بحزم تنهي النقاش:
_ أنتِ ما فرضتش بصورة مباشرة، أنتِ جبتلي هدوم وقلت دي برندات عالمية وحابب أشوفها عليكِ، وأنا عشان أرضيكِ وافقت. بس دلوقت عاوزة ألبس حاجة تعجبني، أظن دا من حقي، زي ما رضيت باختياراتك ترضى أنتِ كمان باختياراتي.
_ قصدك إيه؟
لتقترب منه تغير طريقتها في الحديث لتقنعه وتقول وهي تحرك يدها على صدره بدلع قائلة:
_ يعني “يويو” حبيبي، سيبني أعمل اللي في نفسي.
ثم قبلت وجنته وقالت بصوت هامس جانب أذنه:
_ مع السلامة، أنا اتأخرت على صاحبتي، باي.
ظل ينظر لإثرها وهي تغادر بتعجب.
*******”” “” *********
بعد عدة أيام، كانت تجلس في صالة المنزل ترتدي ملابس منزلية قصيرة مكشوفة الأكتاف، تضع قدماً على قدم وتمسك هاتفها تتصفحه بضجر عندما وجدت “رحاب” تقترب منها وتقول باقتضاب:
_ مساء الخير.
رفعت نظرها عن الهاتف ونظرت إليها بحنق:
_ أهلاً.
_ مرات عمي والدة “رفعت” جاية تزور ماما.
_ وأنا مالي؟ بتقوليلي أنا الكلام دا ليه؟
لتقول لها “رحاب” بانزعاج:
_ مرات عمي بتحب اللت والعجن، ست رغاية يعني، يا ريت تغيري لبسك، مش حلو تيجي وتلاقيكِ لابسة كدة.
لتكون كلماتها الشرارة التي أشعلت فتيل كرهها الذي تكتمه والرغبة في رسم حدود هذا المنزل، لتصرخ بانفعال وهي تهب وتقف أمامها:
_ نعم! نعم! أنتِ إزاي تقوليلي كده؟ أنتِ واعية بتطلبي مني إيه؟
لوت “رحاب” شفتها مستنكرة وقالت بحنق:
_ بطلب إيه يعني؟ لبسك مش مناسب عشان تقابلي ضيوف.
وضعت يدها على خصرها وقالت بصوت مرتفع:
_ والله دا بيتي، ألبس اللي أنا عاوزاه واللي على مزاجي، محدش له دخل بيا!
اجتذب صراخهم “يوسف” الجالس في المكتب، ليرفع نظره عن الأوراق التي كان يدققها ويخرج نحو الخارج؛ وهو يقف أمامهم يهتف بانفعال:
_ مالكم؟ فيه إيه؟ صوتكم طالع ليه؟
لتشير له “سارة” نحو “رحاب” وتقول بضيق:
_ “رحاب” عاوزاني أغير هدومي عشان مش عجباها وشايفاها مش مناسبة.
وزعت “رحاب” نظرها بين الاثنين وقالت مفسرة:
_ يا أبيه أنت عارف مرات عمي بتعلق على كل حاجة.
_ بس دا بيتي وأنا حرة، ألبس اللي أنا عاوزاه، هي مالهاش حق تتدخل!
ألقى “يوسف” نظرة نحو “سارة” التي فتنه منظرها ليبتلع ريقه ويقول لـ”رحاب” بتلعثم:
_ كلام “سارة” صحيح، دا بيتها وتلبس اللي على مزاجها.
نظرت “سارة” نحو “رحاب” بنظرة انتصار جعلت “رحاب” تنصدم من حديث شقيقها، لتسأله بتردد:
_ يعني أنا غلطانة يا أبيه عشان ما كنتش عاوزة حد يتكلم عليها وحش؟
_ ده أنا أقطع لسان اللي يجيب سيرة مراتي بحاجة وحشة! هي ست البيت هنا واللي يدخله يحترمها.
ابتهجت ملامح “سارة” لتقترب منه تحيط خصره وتقول بمكر:
_ تسلملي يا حبيبي.
_ لا يا “سارة”، أنتِ هنا ست البيت، اللي يدخله يحترمك، وإذا قلل من احترامك يبقى مع السلامة.
اتسعت عين “رحاب” بدهشة وهي تدرك رسالة شقيقها المبطنة بتهديد من يتعرض لها ولو بالكلام.
نظرات الشماتة والانتصار التي تنظر لها بها “سارة” جعلتهم توقن أنها خسرت شقيقها؛ لم يعد “يوسف” الحنون طيب القلب، بل أصبح رجلاً تسوقه زوجته على مزاجها.
اقتربت من “يوسف” تقول له بدلع مصطنع:
_ تعالى يا حبيبي نطلع أوضتنا أحسن.
تبعها كالمغيّب بعد أن ابتسم وهو يفهم ما تريده منه؛ كأنها تكافئه على وقوفه بجانبها.
ظلت “رحاب” تنظر لأثرهم بكسرة لتنساب تلك الدموع التي أسرتها بوجودهم، وعزمت على اتخاذ القرار: لن تدخل هذا المنزل مجدداً بعد أن هُدرت كرامتها فيه.
*******************،،، *************
مرت ثلاثة أشهر عادت فيها هي لحياتها المتمردة، وهذا ما بدأ يزعج “يوسف” بعد أن لاحظ تصرفاتها التي لم يعد يتقبلها.
جلس في صالة المنزل ينتظرها بغضب بعد أن وصل الوقت قرابة الفجر وهي لم تعد إلى المنزل.
أمسك الهاتف يتصل بها لينفخ أنفاسه بضيق وهو يجد الهاتف مغلقاً؛ عاود الكرة لكن ليس هنالك من إجابة، حتى وجدها تدخل بخطواتها المتبخترة تدندن أغنية ببرود.
ليقترب منها ويصرخ:
_ كنتِ فين يا هانم؟
نظرت له وربعت يدها تقول بضيق:
_ كنت عند صاحبتي، وأظن إني بلغتُك قبل ما أخرج.
أمسك عضدها بقوة وقال حانقاً:
_ أنتِ عارفة الساعة كام؟
نفضت يده بعنف وتأوهت تدلكها لتقول مبررة:
_ الوقت سرقنا وإحنا قاعدين، محصلش حاجة يعني.
ولتُقلب دفة النقاش سألته بانفعال:
_ أنت بتشك فيا يا “يوسف”؟ لو تحب اتصل بيها عشان تصدق!
وادعت الحزن ومثلت البكاء الذي جعله يتراجع عن موقفه ويقول لها بأسف:
_ حبيبتي، أنا مش قصدي، بس الوقت متأخر وخفت عليكِ.
_ أنا مش عيلة عشان تخاف عليا!
لتتركه راكضة نحو غرفتها، نفث أنفاسه بضيق ومسح على وجهه ليتنهد ويلحقها عازماً على إرضائها.
لكن ما حدث بعد شهر صنع شرخاً كبيراً في علاقتهم، وخسرت جزءاً كبيراً من ثقته بها؛ عندما كان يبحث عن المفتاح الاحتياطي لغرفة المكتب الخاصة به بعد أن أضاع النسخة الأصلية، وأثناء بحثه داخل الأدراج وجد ما صعقه وطعن قلبه العاشق لها؛ عندما وجد أقراصاً لمنع الحمل، يبدو من نقص حباتها أنها تأخذها بانتظام.
ليصرخ منادياً عليها:
_ “سارة”… “سارة”!
أتت نحوه بسرعة بعد أن أجفلها نداؤه الغاضب لتجده يشهر شريط الحبوب أمامها ويسألها بانفعال:
_ ممكن أعرف إيه دا؟
أصابتها الصدمة من معرفته لتقول بتلعثم:
_ دي حبوب منع حمل.
ليصرخ بصوت عالٍ جعلها تنتفض:
_ وحبوب منع الحمل بتعمل إيه عندك؟
صمتت، فلا تعلم بماذا تجيبه.
ليصرخ بصوت أعلى:
_ ردي! بتعمل إيه عندك؟
أخبرته بصوت مرتعش بعد أن أبصرت تفاقم غضبه:
_ أنا أصلي قلت نأجل الخلفة دلوقت، إحنا يا حبيبي مش مستعجلين على الولاد ودوشتهم.
تسارعت أنفاسه تحاكي النار الناشبة في صدره ليزفرها بقوة عله يهدئ من غضبه وقهره:
_ وقرار زي دا بتاخديه لوحدك ليه؟ مش لازم نتفق سوا؟
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجيبه:
_ عندك حق، بس ما توقعتش إنه يكون عندك اعتراض.
قذف الشريط أسفل قدمها وقال بسخرية حزينة:
_ ما يكونش عندي اعتراض!
ثم هز رأسه وقال بحرقة قبل أن يغادر:
_ يا خسارة يا “سارة”.
ظلت تنظر لأثره لتشعر أنها ارتكبت خطأ لن يُغتفر بالنسبة له.
وصدق توقعها، فهذا الحدث صنع فجوة كبيرة بينهم حتى أصبح يبتعد عنها ويتجاهلها؛ لتشعر بقرب الخسارة؛ ستخسره وتخسر ثروته، ليصور لها الشيطان الحل لهذه المشكلة بفكرة تخرج منها رابحة لكل شيء.
الفصل الثالث
رواية خلف أسوار الذنوب الجزء الثالث 3 بقلم رشا عبد العزيز
خلف أسوار الذنوبرواية خلف أسوار الذنوب الحلقة الثالثة
جلست أمام “فرح” تخبرها بما آلت إليه الأمور معه، وتستشيرها بخطتها الشيطانية لتخرج منتصرة.
“فرح” التي شجعتها، بل وزادت عن ذلك بأن تأخذها لمن يساعدها على تثبيت ركائز تلك الخطة؛ لتبصر النور على أتم وجه.
وقفت أمام باب مكتب الأستاذ “جميل”، ذلك المحامي ذو الطرق الملتوية، والذي يمرر القضايا من تحت الطاولات بخفة ساحرة، وما ساعده على ذلك حنكته في القانون وخفاياه، فهو يبحث بين الثغرات المغطاة ويغطي الحقائق بأقذر الطرق.
دخلت إلى ذلك المكتب، لتقف أمامه رجل في الخمسين من عمره، هزيل الجسد، يرتدي نظارات طبية مستديرة.
أزاحها لكي يستطيع أن يراها بوضوح من خلف زجاج نظارته، ليرمقها بنظرة متفحصة من الأعلى إلى الأسفل.
أثارت اشمئزازها لتلفظ أنفاسها بانزعاج شعر به هو، ليشير لها بالجلوس:
-_أتفضلي يا هانم.
جلست، وجلست “فرح” في الكرسي المقابل لها:
-_أزيك يا أستاذ “جميل”؟
-_أهلاً يا مدام.
كان يحادث “فرح” ويختلس النظرات نحوها ويبتسم بأمل، فالثراء الظاهر عليها يجعلها مادة دسمة تجلب النقود:
-_أنا جايلك في استشارة قانونية.
-_أنتِ تؤمري يا مدام، بس زي ما أنتِ عارفة، الاستشارة مش ببلاش.
قالها وهو يوزع نظراته بينهما ويضحك بسماجة:
-اللي تؤمر بيه، بس خلي بالك لو النصيحة طلعت “فشنك” مش هيحصل طيب.
امتعض وجهه وهو يخرج سيجارته ويشعلها تاركاً دخانها يتصاعد في الهواء، وتملأ رائحتها المكان، كما تصاعد حنقه من كلماتها ليقول بحدة:
-“جميل العقر” معندوش نصيحة “فشنك” يا هانم.
-_طب ماشي يا أستاذ.
لينظر نحو “سارة” وكأنه تأكد أنها صاحبة القضية ويقول:
-_أسمع عشان أحدد سعر الاستشارة.
نظرت “سارة” نحو “فرح” التي أومأت لها تحثها على الحديث، ورغم أنها كانت مترددة، لكنها حسمت أمرها واتجهت بنظرها نحوه تقص عليه قصتها.
استمع لها بإمعان ليسحب نفساً من سيجارته وينفثه عالياً وهو يقول:
-_يعني أنتِ عاوزة تكوشي على كل حاجة بالمختصر؟
حركت رأسها ونظرت نحو “فرح” ثم إليه مرة أخرى:
-_أيوه، ومن غير ما هو يعرف.
-_مممم.
همهمات صدرت منه وهو يفكر، قبل أن يقول:
-_بسيطة، توكيل عام مطلق بموجبه تتحول كل حاجة ليكِ، وضروري الإمضاء تكون حقيقية.
عقدت حاجبيها بعدم فهم، وسألته مستفسرة:
-_يعني أيه؟ مش فاهمة.
-_يعني تخليه يمضي من غير ما يعرف هو بيمضي على أيه، فهماني يا هانم؟
ثم صمت وعيناه معلقة بها قبل أن يكمل:
-_وبعدها ننقل الملكية بكل سهولة.
حركت عينها يمينًا ويسارًا تفكر في خطوتها هذه ومدى خطورتها، لكن لن تتراجع الآن؛ لتضع حجر الأساس لهذه الخطة، وأول خطواتها استعادة الثقة.
**********(رشا عبد العزيز) *********
تزينت بأبهى حلة، وارتدت ما يجعلها مغرية بالنسبة له، وجلست تنتظر عودته. جلس بوجهه الذي يعلوه الجمود رغم أن هيئتها خطفت أنفاسه، لكنه ظل محافظًا على جموده أمامها. اقتربت منه بخطوات مدروسة ومغوية، عانقته وهي تردد:
-حبيبي وحشتني.
عطرها الذي غزى أنفاسه أسكره قليلًا، لكن كرامته أيقظته ليزيح يديها عنه ويتجاوزها، لكنها لم تستسلم لتقترب مرة أخرى، تزيح عنه سترته رغم اعتراضه، وتطوق جسده من الخلف، تضع رأسها على ظهره وهي تقول بأسف مصطنع:
-“يوسف” يا روحي، مش كفاية بقى، زعلك طلع وحش يا حبيبي، أنا آسفة يا روحي.
دفء جسدها القريب وكلماتها زحزحا ثباته ليقول بصوت مهزوز:
-_وهو اللي عملتيه شوية يا “سارة”؟
-_آسفة، والله آسفة يا روحي، غلطة ومش هتتكرر.
أزاح يدها بضيق واستدار نحوها موبخًا:
-_وهو أنتِ عاوزة تكرريها؟
رفعت يدها تحتضن وجهه بين يديها، وتحرك إبهامها على وجنته تخبره بصوت افتعلت فيه الحب:
-_لا يا روحي، أنا اتعلمت الدرس، بعدك خلاني أعرف أنا بحبك قد أيه، أنا بحبك أوي يا “يوسف”، ومستعدة أعمل أي حاجة عشان تسامحني وترضى عليا.
ابتسم بحب ونسي غضبه مع كلماتها وآسفها، لتبتسم وهي تجده يسقط بشباكها من جديد.
********”” “**********************
ثلاثة أشهر كانت كفيلة باستعادة ثقته من جديد؛ فقد أصبحت طوع أمره في كل شيء؛ في لبسها وحريتها كانت كما أراد وحلم هو، ولكي تحكم أركان خطتها، أحضرت له تحليل مختبر مزور يثبت أنها حامل.
أشفقت عليه عندما رأت فرحته بحملها المزيف، وكيف يراعيها ويهتم بها، ورغم أنها كادت تطيح بخطتها جانبًا وتزيح فكرتها المجنونة عن التنفيذ، لكن وجود “فرح” و”جميل” اللذين كثفا جهودهما بإقناعها أنها ستخسر إذا اكتشف حقيقة خداعها، فلماذا لا تسبقه هي وتجهز عليه أولًا؟ حتى استوطنت الفكرة عقلها، وأبت مغادرته، لتقرر التنفيذ في اليوم التالي.
دخلت عليه المكتب:
-حبيبي اللي واحشني.
رفع عينه عن الأوراق التي كان يطالعها، وخلع نظارته الطبية ليبتسم مرحبًا بها:
-“سارة” حبيبتي.
اقتربت منه تحمل حزمة الأوراق لتنحني وتقبل وجنته، لتتسع ابتسامته بسرور، ليسحبها يجلسها على قدميه معاتبًا:
-_وبعدين معاكِ يا أم الغالي، مش قولنا نخف شغل عشان حبيبي اللي جاي؟
قالها يمسح على بطنها المسطحة كأنه يحاور طفله، لتبتلع ريقها بخوف وهي تتخيل ردة فعله لو علم بخداعها له.
أحاطت رقبته وقالت بدلع:
-_حبيبي أنا مش بتعب نفسي، هما الورقتين دول تمضي عليهم وخلاص، أخلصهم وأرجع البيت.
-_أوراق أيه دي؟
-_أوراق مناقصة الساحل.
لم تغادر مكانها، ظلت جالسة على قدمه تشتت أفكاره وهو يطالع الأوراق، تغيب عقله بحركاتها وهمساتها بكلمات الحب والغزل، حتى أنهى توقيعها دون أن يدقق في محتوياتها، غافلًا عن تلك الورقة التي دستها بين الأوراق ليوقع على وكالة عامة بالتصرف بجميع ممتلكاته.
لمعت عيناها بخبث بعد نجاح خطتها، ونهضت تلملم تلك الأوراق وتحملها:
-_تسلم إيدك يا حبيبي.
-_أنتِ تؤمري يا روحي.
-_كده تمام، أروح أظبطهم عشان أرجع البيت.
-_خلي بالك من نفسك ومن الغالي حبيبي.
-_حاضر.
ابتسمت مغادرة بعد أن أرسلت له قبلة في الهواء، زادت ابتسامته معها.
************************************
وخلال فترة وجيزة، استطاع محاميها الخبيث تحويل ملكية جميع أملاكه لها بموجب تلك الوكالة؛ ليحين وقت المواجهة بعد أن اطمأنت أن كل شيء أصبح ملكًا لها.
تفاجأت من عدم وجودها في المنزل صباحًا، بحث عنها في كل مكان لكن لم يجدها، واتصل بهاتفها لكنها لم تجبه.
لتزداد دهشته عندما اتصل به “رفعت” يخبره أنها موجودة في الشركة ومعها شخص غريب المظهر، وطلبت مقابلة الأستاذ “بركات” المحامي الخاص به.
وصل إلى الشركة بأقصى سرعة وتوجه نحو مكتبه، ليتفاجأ بها تجلس على المكتب الخاص به، لكنها اليوم مختلفة، ليست “سارة” حبيبته؛ هذه شخصية أخرى، مظهرها المتحرر ونظراتها الغريبة أصابته بالقلق.
دخل ه “رفعت”، ينظر للرجل الذي يجلس مقابل السيد “بركات” ويحمل بيده مجموعة من الأوراق.
ليسألها:
-_”سارة”، أنتِ هنا من أمتى؟ ومين الراجل ده؟
استرخت بجلوسها تخبره بانتشاء:
-_أنا هنا من بدري، أما مين ده فده الأستاذ “جميل” المحامي بتاعي.
قالتها مشيرة نحو “جميل” الذي نهض يرحب به ويمد يده يصافحه:
-أهلاً يا “يوسف” بيه.
“يوسف” الذي أربكه الوضع، ينظر نحو يده الممدودة ليحول نظره نحوها وهو يقطب حاجبيه ويقول بانفعال:
-“سارة”، أيه اللي بيحصل هنا؟
لتتسع عيناه بصدمة وهو يسمعها تقول ما شلَّ جسده عن الحركة:
-_أنا جاية أستلم شركتي.
ضحك ببلاهة ظنًا منه أنها تمازحه:
-شركة أيه يا حبيبتي؟
عيناها التي كانت تملؤهما التحدي والإصرار، كررت حديثها:
-الشركة دي يا حبيبي، هو أنت مش كتبتها باسمي؟
ليصرخ بغضب بعد أن استنزف آخر درجات تعقله:
-“سارة”، أنتِ مجنونة؟ شركة أيه اللي أنا كتبتها باسمك؟ وحصل أمتى ده؟
لينهض “جميل” حاملًا ورقة يسلمها له ويشرح ما يحدث:
-“سارة” هانم بقت المالكة الجديدة للشركات كلها والفيلا كمان وكل الممتلكات الخاصة بحضرتك بموجب التوكيل العام اللي حضرتك عملته ليها.
لم تعد قدماه تستطيع حمله، وخناجر الخذلان تطعن قلبه الذي أحبها، ليمسك الورقة بيد مرتعشة، وعيناه تتسع أكثر كلما تنقل بنظره بين سطورها، شحب وجهه وتيبست الدماء في عروقه وهو يسلمها للأستاذ “بركات” الذي أكد كلام “جميل” بصحة الأوراق.
ليتجه نحوها كثور هائج، يقبض على كتفيها ويهزها بعنف ويصرخ بها:
-_عملتِ كده ليه؟ عاوزة توصلي لأيه؟ قصرت معاكِ في أيه عشان تعملي كده؟
صوته كان يخرج بقهر، قلبه الذي عشقها كان لا يصدق خيانتها، لقد طعنته في صميم قلبه.
نفضت يديه عنها وعادت تقول بانفعال بجح:
-_خلاص كفاية، افهم بقى، الشركة شركتي دلوقت، وأنت مش مرحب بيك فيها… بررااااا.
قالتها بصياح تشير له نحو الباب. نظر لها بدهشة لا يصدق أنها حبيبته التي عشقها، أنها مسخ متجبر.
كرامته التي سُحقت تحت أقدامها غيبت عقله، ليندفع نحوها يطوق رقبتها ويردد:
-_هقتلك يا “سارة”، هقتلك.
بدأت بالاختناق لولا “رفعت” الذي اتجه نحوه يمنعه من تلويث يديه بدمائها القذرة:
-_ابعد يا “يوسف”، أنت اتجننت؟ دي حرباية ما تستاهلش تلوث إيديك عشانها.
أبعده بصعوبة عنها يسحبه نحو الخارج، ولا يزال “يوسف” يصرخ بها:
-_هدمرك يا “سارة”.
وقفت تسحب أنفاسها بصعوبة وتدلك رقبتها حتى التقطت أنفاسها بعد نوبة من السعال.
نظرت نحو “بركات” الذي كان يراقب المشهد بأسف على “يوسف” وحقد على “سارة”، لتسأله:
-_لو تحب ممكن تفضل في منصبك محامي الشركة، لو لا، مع السلامة.
نظر “بركات” نحو الباب الذي خرج منه “يوسف” ثم نظر نحوها، وشيء ما داخله جعله يقول:
-_أنا هفضل في منصبي معاكِ يا مدام “سارة”.
لمعت عينها بانتصار، ونظرت نحو “جميل” الذي ابتسم بعد نجاحه والمبلغ المضاعف الذي قبضه منها.
*****”” “” ***********************
وصل إلى الفيلا مستندًا على ذراع “رفعت”، فلم تعد قدماه قادرة على حمله، دخل يشعر بعروقه تتمزق، أصبح يشعر بالاختناق وكأن الهواء انحسر من حوله، عينه أظلمت بمرارة الخذلان، يتجرع مرارتها في فمه.
ناظرته والدته بخوف لتهرول نحوه بلهفة قلق تسأله:
-_مالك يا نور عيني؟
رفع عينه يتطلع لها بكسرة يخبرها بحرقة:
-_دا عقاب عصياني ليكِ يا ست الكل.
كانت هذه آخر الكلمات التي نطقها قبل أن يسقط مغشيًا عليه.
لطمت صدرها بفزع ونادته بلوعة وخوف:
-_يوووووووسف!
وقفوا أمام باب غرفة العناية المركزة، دموعهم تغرق عيونهم، “رحاب” تحتضن والدتها المكلومة وتدعو الله أن ينقذه، وتتلفظ بالشتائم والدعاء على “سارة” التي أوصلته لهذه الحالة.
“رفعت” الذي وقف يستشيط غضبًا على تلك المخادعة، ويشعر بالأسى على ابن عمه ورفيق دربه.
خرج الطبيب ليهرولوا نحوه يسألونه بخوف:
-_طمنا يا دكتور.
أخفض الطبيب عينه بأسف يخبرهم:
-_للأسف جلطة في المخ اتسببت له بشلل نصفي.
شهقة قهر صدرت من والدته وهي تلطم وجنتها، و”رحاب” التي شلت أقدامها الصدمة، تضع يدها على قلبها الذي يصرخ حزنًا على شقيقها.
“رفعت” الذي كان ينظر للطبيب نظرات ضائعة، لا يستوعب ما يقوله، حتى وجد زوجة عمه يختل توازنها وكادت أن تسقط لولا “رحاب” التي تمسكت بها، ليسأل الطبيب:
-_مفيش أمل يا دكتور؟
ليتحدث الطبيب بعملية:
-_الحمد لله هو لسه شاب وصحته كويسة، والحالة جت في الوقت المناسب، هو محتاج فترة علاج طبيعي، وإن شاء الله الحالة تتحسن.
سقطت أجساد الثلاثة على الكراسي بثقل، يحملون معهم جرحًا نازفًا، ينظر أحدهم إلى الآخر بتيه، ويشفقون على ذلك الماكث خلف الأجهزة.
**************(رشا عبد العزيز)****”” “” “*****************
ستة أشهر مضت على هذه الأحداث، وصلت “سارة” فيها إلى أوج عظمتها؛ فلقد حققت نجاحات متكررة، دخلت في مناقصات كبيرة ونجحت في تطوير الشركة في فترة وجيزة، أصبح منافسوها يحسبون لها ألف حساب.
جلست على مكتبها بتفاخر تدقق بعض الأوراق وتتحدث عبر الهاتف بحزم، تعطي الأوامر لموظفيها الذين يهابونها ويخشون بطشها؛ فأقل الأخطاء تعني خسارة عملهم.
سمعت طرقات على الباب لتأذن للطارق بالدخول، لتدخل السكرتيرة تخبرها أن والدها ينتظر على الباب.
تعجبت من وجوده لكنها سمحت له بالدخول، ليدخل بابتسامة متسعة وخطى سريعة:
-“سارة” حبيبتي، إزيك؟ وحشتيني.
نظرت له باستهزاء وقالت متهكمة:
-“عابدين” باشا، أيه اللي فكرك بيا؟ معقولة لسه فاكر إن عندك بنت؟
طأطأ رأسه وادعى الحزن وهو يقول بأسف مزيف:
-_معلش يا بنتي، سامحيني مشغول.
قهقهت ضاحكة وهي تحرك الكرسي الذي تجلس عليه يمينًا ويسارًا:
-_ومشغول بأيه يا “عابدين” بيه؟
تلعثم في كلامه يخبرها بحاله مع زوجته المتطلبة، ويطلب منها مساعدته:
-_ياريت تساعديني يا بنتي.
رسمت الانزعاج على وجهها لتخبره بحدة:
-_أنا مش فاتحاها “تكية” يا باشا.
ليحاول استعطافها بطريقة أخرى:
-_يا بنتي مراتي الجديدة خلتني أكتب الفيلا باسمها، وكمان أنا مديون، محتاج فلوس عشان عاوز أشتري عربية جديدة.
ثم دارت عينه في المكتب الخاص بها يشير لها بيده:
-_وأنتِ ما شاء الله مقتدرة، مفهاش حاجة لما تساعدي باباكي.
احتدت عيناها وأخبرته بانفعال شديد:
-_أنا هكون بارة وأساعدك، بس مش المبلغ اللي في بالك، المبلغ اللي في بالي.
ظل محدقًا بها يرمقها بنظرة حانقة، لكنه في نهاية المطاف تقبل منها الفتات الذي رمته له.
***”” “****************************
في غرفته، كان يجلس على السرير شارد الذهن يفكر فيما حل به، إنسان عاجز يسير على عكاز، ليلوح طيفها أمامه فيزداد قهرًا وحزنًا؛ فهي لم تكتفِ بسلب ثروته، لكنها أكملت برفع قضية خلع ربحتها، مما سبب له انتكاسة جديدة آلمته.
اقتربت منه والدته تمسح على شعره بحنان وتنظر له بحزن رغم ابتسامتها المزيفة:
-_حبيبي إزيك النهاردة؟
أومأ برأسه يخبرها بخفوت:
-_الحمد لله أحسن يا ست الكل.
-_الحمد لله يا بني، إحنا كنا فين وبقينا فين، أنت على الأقل بقيت بتمشي من جديد، الفضل لله وللعلاج الطبيعي من بعده.
ليردد بصوت ملأته الحرقة:
-_الحمد لله، بس لسه خطوتي تقيلة يا أمي، نفسي أرجع أمشي زي زمان.
ربتت على يده تواسيه:
-_معلش يا حبيبي، شوية شوية هتتحسن وترجع زي زمان إن شاء الله
***************************
تلك الفكرة المجنونة التي خطرت في بالها جلبت لها المخاطر؛ فبعد أن رأت “سارة” ونجاحها، قررت أن تفعل مثلها وتسرق خزنة “سالم”، لكن ما لم تحسب حسابه أن “سالم” ليس “يوسف”؛ فلقد اكتشف لعبتها، وأصبح يطاردها ليسترجع نقوده. لم تعرف ماذا تفعل، لتتصل بـ “سارة” تخبرها أنها تريد رؤيتها. “سارة” التي كانت عائدة للتو من عملها منهكة رفضت، لكن “فرح” أصرت على رؤيتها، أذعنت “سارة” لطلبها بعد أن أحست بوجود خطب ما، فصوت “فرح” يغلفه الرعب.
جاورتها في السيارة تنظر لها بسخط:
-_مالك يا “فرح”؟ عاوزة أعرف مخرجاني من بيتي في الوقت دا على ملا وشي ليه؟
انطلقت في سيارتها تقص عليها ما فعلته بقلق، لتتسع عين “سارة” بدهشة تلومها:
-_أنتِ اتجننتِ؟ حد يعمل كده مع “سالم”؟ قلتلك بلاش دا، راجل مش سهل وأنا مش مرتحاله.
عينها كانت تطالع الطريق بقلق وتتحرك بارتباك، قلبها يخفق بخوف زاد عندما لاحت سيارة تطاردهم وتضيق عليها الطريق، لتزيد السرعة حتى أصبحت سرعتها جنونية، ما جعل “سارة” تتمسك بمقدمة السيارة برعب وتصرخ عليها بخوف:
-أيه اللي بيحصل يا “فرح”؟ خففي السرعة شوية.
لتجيبها بصوت فاض فزعًا:
-فيه حد بيطاردنا يا “سارة”.
كان الخوف هذه المرة من نصيب “سارة” التي أصبحت تلتفت نحو الخلف تبصر تلك السيارة التي تلاحقهم، حتى سمعت فجأة صوت صرير سيارة “فرح” وضوء السيارة القادمة أمامهم يضيء بقوة، لتلتفت تجد سيارة تحاول “فرح” تفاديها حتى فقدت السيطرة على سيارتها لتنقلب عدة مرات. غطت “سارة” وجهها وتكورت على نفسها وهي تشعر بالزجاج يتناثر حولهم كالمطر في ليلة عاصفة، دفعت جسدها نحو الأسفل حتى شعرت الدنيا تظلم من حولها، لتستقر السيارة أخيرًا، لكنها غابت عن الواقع لحظات قبل أن تفتح عينها بألم، تئن بصوت متعب تشعر بعظامها تحطمت، بالكاد استطاعت تحريك جسدها قليلًا لتلتفت بتعب وهي تسمع أنينًا هامسًا يصدر من “فرح” التي صعقها منظرها وهي تجد قطعة زجاج كبيرة تُغرس في رقبتها، وصوت غرغرة الدماء في حنجرتها.
تقاوم خروج كلماتها التي تحاول لفظها قبل أن تخرج روحها التي لم يعد لها مكان في هذا العالم، فقد دنت النهاية.
ارتعش جسدها من هول المنظر لتمد يدها تحاول كتم الدماء ومنعها:
-“فرح” خليكِ معايا، الإسعاف زمانه جاي.
-“كندا”…
همس بسيط أخرجته بصعوبة سمعته هي لتعلم أنها توصيها بها:
-_ماتخافيش، “كندا” في عينيا، بس هي محتاجالك أكتر مني، خليكِ معايا يا “فرح”.
شهقت تعلن قرب خروج روحها لتقول جملتها بوضوح كأنها رسالة من الله إليها:
-_هقابل ربنا إزاي؟
جملة صعقتها لتنظر لها بذهول وهي ترى اتساع عينيها وشهقة كبيرة أعلنت مغادرة روحها إلى بارئها.
انسابت دموعها وهي تصرخ عليها بهستيريا:
-_ماتموتيش يا “فرح”!
….