الفصل 141 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
15
كلمة
7,567
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثامن عشر

فُتح الباب بصوت مدوي بينما يدخل مُؤيد بملامح متوحشة ثائرة

((هل جُنت زوجتك يا مُصعب لتتجول في المزرعة أثناء عمل المزارعين وبينهم؟))

اتسعت عينا مُصعب قليلا ليسترسل مُؤيد بصوتٍ جلجل به المكان حتى كادت الجدران أن تهتز

((هل أنتَ راضي يا سبع الرجال عن زوجتك؟))

تحامت نورين على نفسها واختبأت خلف مُصعب من مُؤيد الذي بدا في هذه اللحظة وكأنه أسد جائع غاضب يريد أن يلتهمها..

نقل مُؤيد عينيه بين الوجوه الواجمة المصدومة هاتفا

((هل تعرفون كيف كان منظري والمزارعون ينظرون لها في المزرعة؟))

عند هذه النقطة تحلت نورين بشيء من الشجاعة وثارت هاتفة في وجهه

((كاذب، لقد كنتُ بعيدة عنهم، بل كنتُ أهمّ بالمغادرة عندما جاؤوا للعمل، صراخك العالي عليّ هو ما جذب الأنظار نحوي))

اتسعت عينا مُؤيد وردها عليه بهذا الشكل أثار تلك البدائية الشرقية المتأصلة في عروقه لكنه لجم نفسه بشق الأنفس ألا يتجاوز في قول أو فعل بسبب وجود والده..

في حين التفت مُصعب لها بوجوم مضاعف فارتعشت شفتيها لتغمغم ببؤس وخوف

((ألم أعلمك بتجوال في المزرعة قبل أن أذهب؟))

خيم الصمت على الجانب الآخر للحظات مريعة.. ثم صدح صوت مُؤيد يقول وعيناه عاصفتين بالوعيد

((إذن الأستاذ مُصعب هو من يسمح لها بالتمادي والخروج كما تشاء، كل مرة تفعل الأفاعيل وأسكت مجبرا، لكن الآن معك كل الحق لترتجفي في هذا الشكل لأني لن أمرر ما حدث))

وقف يعقوب من مكانه يهتف بحزم في ابنه

((مُؤيد لا تتجاوز حدودك دعنا نفهم بالضبط ما حدث))

زعق مُؤيد الذي كانت أوداجه مشبعة بالغضب

((أبي وما الحاجة لشرح المزيد! هل أثر بكاؤها وهشاشة مشاعرها عليك أنتَ؟))

رفع يعقوب حاجبيه وهو يرى طريقة ابنه في التحدث معه.. لكن الآخر لم يأبه بل تجاوز حدوده أكثر هادرا

((لو أني أنا من تزوجتها لما كان سيحدث شيء مما حدث في السابق، لما كنت سأكون متساهلا معها هكذا!))

عضت زاهية على شفتها ثم حذرته

((مُؤيد اسكت، كيف تتحدث بهذا الشكل وقد أصبحت زوجة أخيك بالفعل!))

هتف مُؤيد دون أن يهزّ له جفن

((إنها مجرد فتاة لحقن الدماء لم نجلبها لنعاملها كزوجة فعلية لأخي يكون لها حقوق مثل أي زوجة طبيعية، ثم إذا لم تكونوا تريدون مني أن أتزوجها منذ البداية من أجل هذه..))

وأشار بذقنه لزوجته رتيل التي كانت مطرقة الرأس بذل وتجهم.. ثم أكمل

((فكنتم على الأقل جعلتموني أختار من يتزوجها.. ألم تجدوا غير مُصعب يتزوجها؟ ألا تعرفون ضعفه تجاه جنس النساء.. ألم تتعظوا من قصته مع ابنة عمي رشا؟))

فقد مصعب لجام التحمل والصبر.. فضرب الحائط بجواره بكفه بقوة أجفلت الجميع بينما يزمجر باحتدام بأخيه

((أغلق فمك أيها الوضيع، لا تفتعل مشكلة من لا شيء، قالت بأنها كانت ستغادر ما أن اقترب المزارعين.. وقبل أن تتذمر نعم أصدقها هي وأكذبك أنتَ ولسانك المتبرئ منك))

رفع مُؤيد إحدى حاجبيه يبصق كلماته بازدراء

((هذا لأنك بلا شرف))

كانت جملة مُؤيد الأخيرة هي ما صبت الزيت على النار المتقدة في الأصل بداخل مُصعب الذي يعرف أخيه وطبعه الأهوج.. يعرف بأنه لم يكن راضيا عن المصالحة التي حدثت كان يريد الدم بدلا من عروس الدم لموت يحيى..

ليس لأن يحيى عزيز عليه بل لمجرد الانتقام فقط..

لكن الآن وبعد أن أصبحت نورين زوجته لن يسمح له أن يتجرأ عليها بكلام كالذي قاله قبل قليل ويتعرض إليها! فاندفع إليه بخطواتٍ سريعة لم يمهله أي وقت وقد طارت قبضته لتلكمه بضربةٍ أوقعته أرضًا فيصرخ فيه

((اخرس أيها الحقير ولا تتمادي فأنا لا أتسامح بأمر كهذا))

شهق الجميع بصدمة إلا أن مُصعب عاد بهمجية ينحني نحو مُؤيد سريعًا يمسكه من تلابيب قميصه ليعاود لكمه..

تجمع والديهما حولهما وحاول يعقوب أن يُخلص مُؤيد من مُصعب الذي كان يضربه بوحشية..

لم تشعر رتيل بأي حمية أو خشية على زوجها الذي كان يُضرب من قبل أخيه الأصغر بل بالتشفي والانتصار لها..

هتف مُؤيد باحتدام وهو ما زال بين قبضتي أخيه

((إذا بقيت على حالك سيأتي اليوم الذي تمرغ فيه عروس الثأر سمعتك في التراب، ستلوث اسمنا بالعار كما فعلت من تسبقها بسبب تساهلك ولينك))

تدخلت هنا نورين مدافعة عن نفسها بصوتٍ جهوري

((أنا لا أسمح لك بالتحدث عني بهذا الشكل فأنتَ من لم تتلقى ساعة تربية في حياتك))

صدم الجميع من جرأة نورين وقبل أن يُعقب أحد منهم عن صدمته هتف مُصعب بها بحدقتين شرستين ونبرة خطيرة خشنة بينما يضغط على حروفه

((اخرسي أنتِ الأخرى واصعدي فوق..))

بهتت نورين أمام كلامه فاستنكرت

((هل تريد من أن أسكت على إهانته بحقي؟))

هتف مُصعب بها بصوتٍ أعلى آمرا

((عندما يتحدث الرجال أنتِ تصمتين..))

اعترضت باختناق

((لكن يا مُصعب..))

صرخ بها يحسم الجدال باحتدام بالغ

((قلت لك اصمتي وانصرفي))

تهكم مُؤيد منقطع الأنفاس

((هل هذه من تدافع عنها أمامنا))

عاد مُصعب يصوب أنظاره على مُؤيد هاتفا وهو يشدد من إمساك تلابيبه

((أنتَ الأخر اخرس.. اخرس.. لا تجلب سيرة زوجتي ولا ابنة عمنا على لسانك القذر، أيها المنحط، هل نسيت رسائلك التي كنت تكتبها وتستلمها من أستاذتك أيام الجامعة يا منبع الشرف؟ ركز على نفسك حتى لا تكون أنتَ السبب في تمريغ سمعتنا في الوحل))

لم ينتبه أي أحد لكلام مُصعب عن الأستاذة الجامعية إلا رتيل التي ضيقت عينيها بتفكير في خضم مشاعرها المضطربة داخلها..

لكن هنا فقط استطاع مُؤيد أن ينفض يدا أخاه عنه ويحرر قميصه منه ليسقط أرضًا متنفسًا بصعوبة..

اندفع يعقوب يمسك بمُصعب مكبلا ذراعيه حتى لا يفكر في الهجوم على أخيه مجددا..

ترنح مُصعب مكانه لكن ظل يطالع مُؤيد الذي اهتاج فيه ساخطا وهو يشير باشمئزاز لنورين

((هل تعتبرها زوجة لك حقا؟ بل وتقاتل أخيك الذي يكبرك عُمرا من أجلها هي من كانت عروسا للدم؟))

أطبق مُصعب على أسنانه محذرا بينما ينشد الهجوم عليه مجددا لولا قبضة والده الممسكة به بقوة رغم كبر سنه

((نهايتك اليوم ستكون على يدي أيها النذل))

حاول مؤيد الاعتدال واقفا لكن قبل أن يرد عليه كان مصعب ينجح بالانسلال بقوة من ذراعيّ أبيه والهجوم عليه ليلكمه مجددًا لكمة قوية جعلته يرتمي على الأريكة خلفه ثم يسقط ليرتطم أرضا..

لم يقلل هذا من غضب مُصعب شيئا تجاه أخيه الذي لا يفوت أي فرصة في أي وقت في حدج نورين بنظرة توعدية أو إلقاء كلمة جارحة نحوها من باب التقليل منها.. كأنه يريد الانتقام من عشيرتها فيها.. غير آبهٍ بأنها بالفعل صارت زوجته!

عند كل فكرة تطرق عقل مُصعب من تلك الأفكار كانت لكمة أخرى منه تهبط على مُؤيد.. على فكه.. عينه.. معدته.. وروحه التي تزأر وتفتك به تحركه تجعل منه أسد متوحش لا يبصر أمامه من استعار غضبه.. كأن غشاءً يحجب عن عينيه أي رؤية غيره..

وكل محاولات مؤيد للفكاك من قبضة أخيه كانت عبثا رغم أنه يماثله طولا ويفوقه جهامة..

انهالت عليه صرخات والديه كي يستفيق وبكاء أمه هادرة

((كفى يا مُصعب.. كفى..))

رمق مُصعب أمه بنظرةٍ نارية غاضبة لتسترسل

((والله لست راضية عما قاله لكن ستقتل أخاك في واحدة من تلك الضربات، توقف))

في هذه اللحظة تنازل أخيرا مَالك واستقام واقفا من مكانه ببرود كأن كل ما يحدث هو عرض مسرحي ممل اضطر لمشاهدته مع العائلة.. ثم اتجه نحو مُصعب يحيده عن مُؤيد بقوة رغما عنه، فأفلته مُصعب منقطع الأنفاس أخيرا وقد علم بأنه لن يستطيع مُجاراة مَالك خاصة أنه فقد كل طاقته..

سارعت زاهية الباكية تمسد وتتفحص آثار الضرب فوق رقبة ووجه مُؤيد..

التفت مُصعب يطالع الوجوه من حوله.. وآلمه رؤية ابنيّ أخيه مُؤيد يبكيان على ما شهداه الآن وهما ينكمشان رعبًا عند والدتهما.. فقال لاهثا لوالده وصدره يجرش متحشرجا

((لم تكن هذه أول مرة يتعرض بالكلام لزوجتي، سكتُ مرة ومرتين وعشرة لكن اكتفيتُ منه، سأغادر إلى شقتي الأخرى وأعيش منذ الآن فيها))

تجهم وجه يعقوب لكن لم يرد عليه فاستدار مُصعب لنورين التي كانت واقفة مكانها تبكي ويدها على فمها برعب والوشاح ملتف حول وجهها المبلل المحمر بعدم ثبات..

هذه أول مرة تراه بهذا الشكل العنيف الغير مألوف.. الشيطان المرعب الذي تلبسه قبل قليل لم يكن هو..

لطالما كان الهدوء متأصل فيه بثبات..

أبصرته يحدق بها بملامح مخيفة فزاد رعبها منه خاصة حينما صرخ فيها بوحشية

((اتبعيني..))

عندما لم تستجب له وازداد ارتجاف جسدها قبض على رسغها بخشونة يجرها خلفه للخارج دون أن تخرج منه كلمة إضافية..

تطلع يعقوب لابنه مُؤيد الذي كان جالسا على الأرض يلومه بحدة

((كيفما تزوجت تلك المرأة من أخيك فلا يهم طالما قد أصبحت الآن زوجته، لقد تجرأت في كلامك عنها وخضت بعدم احترام بكلام تقطع أعناق رجال بسببه))

نكس نظر مُؤيد أرضا وقد زادت حدقتيه قتامة في حين أردف والده موبخا

((هل صحّ أن تقول أمام أخيك ماذا كنت ستفعل بزوجته أو كيف ستعذبها بالأحرى لو كنت أنتَ أو غيرك من تزوج بها؟))

توسلت زاهية زوجها بصوتها الباكي

((يكفي يا حاج، ألا ترى ماذا فعل أخيه به! بالكاد يستطيع التنفس))

تجلى صوت يعقوب ليقول بصوتٍ يتلون بغضب ملتهب

((بل سأتكلم وأكثر من ذلك فقد أخطأ، أنا مستاء جدًّا منه وغير راضي عن تصرفاته رغم سكوتي عنها، هل أعجبك كيف دفع مُصعب أن يغادر إلى مكان آخر!))

تقدم فهد الصغير الذي كان وجهه ملطخا بالدموع نحوهم يهدر بصوتٍ متهدج

((جدي دعه يغادر هذا أفضل لنا جميعا، انظر كيف تعرض لأبي))

نهض مُؤيد من مكانه وهو يعدل ما يستطيع تعديله بهندامه الذي بعثره مُصعب يتجول بالغرفة بعينين زائغتين وهو يرى انعكاس منظر إهانته في أعين أهل بيته.. والديّه.. أخيه الأصغر.. ولديّه.. زوجته..

مما جعله يلجم كل تلك المشاعر في داخله ويندفع للخارج بعيدا..

فجأة شهق مَالك ورفع ذراعه التي لكزتها أمه بغل وهي تهتف به بعد أن كاد يصيبها بالتجمد من شدة بروده

((هل أعجبك ما كان يفعله مُصعب بأخيه الكبير يا مَالك؟ لماذا لم تدافع عنه وتتحرك من البداية بدل التحديق بهما كالأبله))

لف برود أشد وجه مَالك وهو يجيبها

((لو تحركتُ يا أمي لكنت كتفت مُؤيد حتى يوجه له مُصعب المزيد من الضربات، فكما قال أبي.. زواج دية أو لا.. تبقى تلك المرأة زوجة أخي ولا يصح ما فعله مُؤيد وقاله بحقها رغم أن حميته ليست على يحيى نفسه بل من أجل الانتقام فقط، من أجل ذاك الكبرياء الزائف تحقيقا لعادات بالية))

=============================

دلفت نورين لجناحها وهي لا تزال تبكي مرتجفة حتى أنها غطت وجهها بكفيها..

أغلق مُصعب الباب خلفه وهو يراقب بكائها العنيف بملامح قاتمة بينما صدره يعلو ويهبط من الانفعال..

فتحت عيناها على مهل ودموعها تجري على وجنتيها بينما تسمع صوت مُصعب كالرعد

((لا تلوميني عندما صرخت عليك في الأسفل، كنت تستحقين ذلك، الآن قومي بحزم أشياءك الضرورية فقط))

اندفع مُصعب نحو خزانته يبدأ برمي قطع من ملابسه..

لكنه توقف للحظة يختلس النظر بطارف عينه لها فيجدها لا زالت على حالها منكمشة على نفسها تبكي.. لم يتحكم بنفسه وهو يصرخ بها بنفاذ صبر وبصوت قوي صارم أفزعها

((قلت لك احزمي أغراضك الآن..))

رفعت وجهها الشاحب ببطء تتساءل بخفوت وحذر وهيئته الغاضبة هذه نادرة الظهور ترعبها

((إلى.. إلى أين سنذهب؟))

أجابها بنبرة مبهمة

((إلى شقة قديمة أمتلكها هنا في القرية))

زمّت شفتيها وهي تقوم من مكانها وتفعل ما طلبه منها دون أن تتفوه بكلمة إضافية.. كانت ترتجف بالمعني الحرفي مكانها أما صوت أنفاس الآخر الثقيلة كانت مسموعة لها بينما تشعر به يراقبها بين الحين والآخر بحزم واقتضاب حتى أنهت حزم أغراضها..

ما إن أغلقت سحاب الحقيبة حتى تناول الحقيبة منها بخشونة يحملها ويندفع لخارج جناحهما..

أغلقت الباب بالمفتاح واحتفظت به وهي تتبعه بخضوع منكسة الرأس..

غادرا القصر بهدوء وخفة خطوات.. حتى طوال الطريق كان مُصعب يقود السيارة بهدوء شديد لا يسمع إلا أصوات أنفاسهما وهدير سيارته.. بمجرد أن ركن السيارة بجانب الشارع حتى ارتجل منه.. ففعلت نورين نفس الشيء وهي تراه يتناول حقائب أمتعتهم قبل أن يغلق السيارة..

انتشل مُصعب مفتاحا من حلقة المفاتيح الملازمة له ليفتح باب الشقة.. التي لم تكن تعلم أنه يمتلكها من الأساس ويرافقه مفتاحها أينما ذهب!

بمجرد أن دلف للداخل حتى تبعته ببطء شاعرة برهبة وقد أخذت عيناها تدوران في المكان بتدقيق.. وسرعان ما علمت بإدراك متأخر أن هذه الشقة كانت لمُصعب وابنة عمه رشا.. زوجته السابقة..

عضت شفتها السفلى المرتجفة والمنبئة ببكاء مرير آخر.. لكنها تمَالكت نفسها ألا تنفجر بالبكاء بشق الأنفس وهتفت مكانها

((مُصعب أريد المغادرة من هنا والعودة لقصر والدك))

وصلها صوت مُصعب الذي كان يتفقد صنابير مياه المنزل وإمدادات الكهرباء في الشقة باردا

((لن نعود لذا أفرغي الحقائب))

هتفت نورين بلوعة

((لن أفعل، لن أنام إلا على سريري في جناحنا هناك))

سمعت وقع أقدامه تتجه إلى حيث تقف ليصرخ بها بذهول يشوبه الغضب

((نورين.. توقفي.. أشعر بالصداع ولا مزاج لي لتحمل حركاتك الطفولية.. سنعيش هنا لباقي حياتنا))

استجمعت قوتها لتقاوم ألمها وهي ترد عليه بكبرياء

((أين تريد مني النوم؟))

ضيق حاجبيه بحيرة وبدا أنه لم يفهم قصدها تماما فقال وهو يتأمل المكان

((لا تقلقي سنتساعد وننظف غرفة النوم على الأقل لننام فيها، وغدا سأحاول جلب مدبرة منزل لتنفض المنزل كاملًا))

ضربت الأرض بقدميها لتنثر الغبار من حولها وهي تصرخ به بإصرار

((كيف تريد مني النوم فوق سرير تشاركت به مع غيري؟ أنام في الشارع أهون بالنسبة لي))

ازدادت الحيرة الجلية على وجهه لتصمت قبل أن تضيف إهانة جديدة لكن بشكل ضمني

((أنا لن أجلس في مكان سبق وكان بيتا لك مع رشا، تلك التي تزوجتها رغما عنها فتحررت منك رغما عنك))

أخذ اسم "رشا" الذي نطقته يتردد في ذهنه بصخب قاتل.. في نفس الوقت تجمدت حدقتاه إلا من اختلاجة غير إرادية في شفتيه ليطرق رأسه للحظات.. ثم قال أخيرا بصوتٍ جاهد ألا يخرج مخنوقا

((أولًا وكما سبق وأخبرتك عندما كنا في البركة فهي لم تخرج من البلاد إلا قبل أن تنتهي عدتها لا كما يُشاع بأنها هربت مني وحصلت عليه رغما عني هناك في الغرب.. ثانيا لم تطأ قدم رشا هذا البيت من قبل، وأنا من اشتريت كل قطعة به بنفسي))

فغرت شفتيها قليلا بصدمة فأكمل معاتبا

((وهل كنت لأجعلك تنامين على سرير سبق ونامت عليه امرأة قبلك؟))

تمتمت بتلعثم

((ولكن.. ولكن الأثاث قديم.. وأيضا.. وأيضا يبدو أنه تم شرائه منذ سنوات طويلة.. الغبار يعلوه))

بهدوء عاد يؤكد عليها

((اشتريت الشقة بعد زواجي منها لنسكن أنا وهي فيها، إلا أنها لم تتشارك معي في اختيار الأثاث بل رفضت حتى أن تلقي نظرة على الشقة من الخارج أو الداخل على حد سواء، كانت مُصّرة بقوة على السكن في جناحنا في منزل عائلتي))

نكست رأسها وهي تتمتم بخفوت

((إذن أنا أول امرأة تدخل هنا رغم أنك اشتريت هذه الشقة وما فيها لزوجتك السابقة؟))

تنهد مُصعب قبل أن يجيب

((نعم.. حرفيا أنتِ أول امرأة تدخل هذا المكان، أمي نفسها رفضت المجيء هنا لرفضها استقلالي عنهم))

رفعت نورين رأسها تناظره بدهشة ليتابع الحديث

((منذ أسبوعين تقريبا جئت إلى هنا لأتأكد من تمديدات المياه والكهرباء، لأني كنت أفكر بالانتقال بكل الأحوال فأنا إنسان أقدس خصوصيتي، لطالما أردت الاستقلال مع زوجتي عن باقي أفراد العائلة حتى لو ترتب عليّ الأمر أن أعيش في كوخ صغير لا يضاهي قصر والدي في شيء))

سألته بفطنة واستدراك

((إذن انتقالنا إلى هنا كان مسألة وقت وحسب، وشجار اليوم مع أخيك ما هو إلا حجة لتعجيل هذه الخطوة..))

أومأ برأسه إيجابيا وهو يقول بشيء من عدم الرضا

((بالضبط، وعلى ذكر مسألة الشجار فالموضوع لم ينتهي معك أنتِ، لم أنسَ بعد ما قلتيه، سأحاسبك لاحقا عليه))

انفجرت به صارخة باستنكار

((ماذا قلت لأستحق المحاسبة!))

لمعت عينيه بصرامة وهو يقول بفحيح صوته بينما يقترب منها

((لقد أسأتِ لوالديّ عندما ذممتِ تربيته بدل أن تذميه لشخصه هو.. وبالمناسبة نحن الاثنين من نفس الأب وألام وتلقينا نفس التربية التي لا تعجبك..))

سألته بصوتٍ متحشرج

((ألم تسمع ما اتهمني بي؟))

قطب حاجبيه قائلًا

((نعم سمعت وقمت بالرد عليه وأرجعت لك حقك، اذكري لي مرة واحدة سمحت لأحد منهم أن يتعدى عليّك دون أن أردعه حتى لو كانت أمي! حينها فقط سأعذر تجاوزك الحدود اليوم!))

أخذت نفسا طويلًا مرتجفا ثم تمتمت

((لقد أخطأتُ بما قلته من كلام غير متعمد خرج مني في لحظة غضب، سأعتذر لوالديك عندما أراهما مرة أخرى))

خطت نحو حقيبتها وقالت بخفوت وهي تحملها

((سأذهب إلى النوم فكما كنت تقول لي سابقا.. "يتعافى المرء بسرير نومه"))

هتف بها بعفوية وهو يشير الي عكس المكان الذي تتجه نحوه

((غرفة نومنا ليست من هنا))

تابعت السير نحو الغرفة الأخرى وهي تصحح بصوتٍ جليدي (("غرفة نومي" أنا من هنا))

تشتت نظر مُصعب وبدا كأنه تائه وهو يتخلل شعره بأصابع كفيه بتوتر قبل أن يقول بصوتٍ أجوف بما جعلها تتوقف مكانها

((إذا كان من أجل الأثاث فكما سبق وأخبرتك لم يدخل غرفة النوم بل المكان كله امرأة غيرك! لكن يمكنني لاحقا إذا أردتِ أن أشتري غيره.. ربما خلال الشهر القادم مع موعد مرتبي؟))

أجابته بصوتٍ مغلول دون أن تلتفت له

((الأمر متعلق بك أنتَ لا بالأثاث الآن، لا أريد أن أبقى بقربك، لم أنسَ الحديث الذي دار بيننا في الصباح بعد اتصال رشا))

أغلقت باب الغرفة خلفها تنسحب من أمامه دون أن تنطق بحرف آخر..

تطلع في أثرها بعيون ساهمة... بعذاب.. وأطياف الذكريات المسمومة له مع رشا التي قفزت بين عيناه تجلد روحه..

لكن أكد على نفسه بأنه سيحل الأمر بينهما دون أن يتطرق لحقيقة ما حدث في الماضي بينه وبين رشا حتى لا يخلف وعده لها!

أما في داخل الغرفة التي اتخذتها نورين غرفة نوم لها فبدأت تنظف ومسح الغبار عن الأثاث والرفوف والأرض بدأب.. تشغل نفسها حتى لا تسرح بفكرها لكن عبثًا تحاول.. لا تزال لا تصدق كل ما حدث اليوم من أحداث ثقيلة تقلبها في رأسها..

=============================

كان القلق لا يزال مستبد على نحو مبهم بيعقوب وهو يلح على ابنه متسائلا

((المهم هل مَازن بخير الآن؟))

ابتسم مُعاذ ببشاشة وهو يجيب والده مطمئنا

((للمرة المئة هو بخير، تواصلت مع المشفى القابع به وأكدوا عليّ أن كسر قدمه لا يستدعي أي قلق إضافي))

تنهد يعقوب قبل أن يتمتم بشعور أبوي

((الحمدالله.. لا تتصور الرعب الذي عشته عندما أخبرتني بأن حادث سيارة وقع له))

أكد له مُعاذ ((أنا لم أقل لك ما قلته إلا بعدما تأكدت من المشفى بأن حاله بأفضل خير، أرسلت له نقودا لأضمن أنه لن يحتاج شيء فهو يرفض كليا الرد عليّ وبدلا من ذلك يعطي هاتفه لأي ممرض أو طبيب بجانبه))

تجهم يعقوب استياءً وغمغم بعدم رضا

((الأحمق لا يتكلم معي أنا أيضًا))

فرد مُعاذ يديه يقول باستسلام

((لا تقلق يا أبي سيعقل، مسيره أن يعقل في النهاية))

ردد يعقوب بيأس

((تتحدث كأنه لا زال على عتبة المراهقة لا شابا ناضجا يزيد عمره عن الثمانية والعشرين..))

شبك مُعاذ يديه ببعضهما واكتفى بإيماءة من رأسه بينما يقول

((على كل حال يا أبي إياك أن تجلب سيرة لأمي، أنا سعيد أن مَازن لا يتحدث معها حتى لا يخبرها ما حل به.. عليّ أن أعود للمدينة الليلة من أجل عملي غدا، فعندما جاءني اتصاله كنت في العمل وطلبت مغادرة فورية حتى دون أن ألتزم بالإجراءات الرسمية))

ارتسمت ابتسامة خاصة على فم يعقوب وهو يغمغم

((وفقك الله يا بني..))

كان يهم مُعاذ قائما من مكانه قبل أن يمد والده يده بغيه أن يعود للجلوس..

ابتسم مُعاذ في وجهه ليحثه على الإكمال ففعل الحاج يعقوب بعرفان

((كم أحمد الله على نعمة وجودك في هذه الحياة فأنتَ صديق لي أكثر من ابن، كنت ولا زلت سندًا لي في مواجهة تحديات ومتطلبات الحياة، تتشارك معي أنا وأمك حتى مسؤولية تنشئة ورعاية أشقائك الأصغر منك..))

ازدادت ابتسامة مُعاذ اتساعا ليرد بامتنان

((لا تتصور كم تسعدني هذه الكلمات))

استرسل يعقوب بنبرة رخيمة لا تخلو من وقاره

((أنا لا أفرق بينكم أنتم أولادي الخمسة، لكن إحقاقا للحق فمجيئك لدنياي أنتَ كان له فرحة لا توصف ولا تماثلها فرحة.. أنتَ كنت أوّل هدية وأوّل فرحة، وأوّل بسمة طفل، وأوّل خطوة.. ابتهل الله دائما حتى نفرح بك مجددا))

عندما لف الاقتضاب وجه مُعاذ وتشتت نظره سارع يعقوب مضيفا بحزم

((لا تتجاهل الموضوع يا مُعاذ.. الحي أبقى من الميت.. كم شهر أو بالأحرى كم سنة مضى على قولك لي بأنك اتفقت على الزواج من امرأة جيدة؟ أنا حتى الآن أنتظر أن تعاود فتح الموضوع أمامي))

تنحنح مُعاذ قبل أن يقول بهدوء

((أبي أنا لست مستاء من ذكرك هذا الموضوع بل أنا فعلا أفكر في الزواج فقد تعبت من العزوبية وبالتأكيد أتمنى أن أحظى بأولاد لي يكونون إخوة لابنتي، أنا أشعر بأن ذنب إهمالي تجاه ابنتي قد يقل قليلا لو أحضرتها للمدينة لتعيش معي ولا سبيل لذلك إلا من خلالي زواجي وجلب امرأة تهتم بها.. لكن أريد تأجيله قليلا، فأنا مشغول جدًّا هذه الأيام بأمور العمل))

أومأ يعقوب لابنه قبل أن يقول متسائلا

((هل باركت لابن عمك بزواجه؟ لا يصح يا مُعاذ أنتَ ابن الأصول أن تتجاهل المباركة له، ألا يكفي تفويتك حفل زفافه؟))

امتقع فجأة وجه مُعاذ ليرد بانزعاج لم يخفيه

((كيف حال وليد مع العروس الجديدة؟ هل زارتكم؟))

أجاب يعقوب بهدوء وسلاسة

((لا أبدًا، لم يسبق وأن زار وليد أحد أقاربه معها ولم يعرفنا عليها))

ارتسم شبح ابتسامة على مُعاذ معقبا

((لسنا بحاجة للتعرف عليها فقد سبق وكان مخطوبا منها في الماضي..))

تنهد يعقوب بعمق قبل أن يقول

((لأصارحك أنا مستغرب أنها عادت له بعد كل ما فعله بها بالماضي، لكن ربما يكون السبب هو توجيه ضربة لكل المشككين فيها.. فلو لم يكن ما انتشر عنها محض أكاذيب لما قبل وليد العودة لها))

أصر مُعاذ باقتضاب

((ليس من المنطقي أن تعود له من أجل هكذا سبب، فمعظم أهل القرية يعرفون الحقيقة ثم هي تعمل بوظيفة مرموقة وحسنة المظهر، لا بد أن هناك الكثير من زملائها في الشركة أو من جيرانها حاولوا التودد لها والتقدم لزواجها وهي من أبت أن تختار أحد غيره..))

قاطع حديثهما صوت زاهية التي دلفت للمكان بعد أن كانت قد غادرت لفترة قصيرة تتأكد من تجهيز الطعام..

جلست بجانب زوجها ثم سألت بكرها تجس نبضه

((ها يا مُعاذ ماذا توصلت مع والدك؟ وما هو رأيك باختيار أخيك المبهج؟))

تنحنح مُعاذ وبدا مشتتا قبل أن يقول

((أي اختيار؟ عن أي أخ لي تتحدثين؟ لقد كنت في صدد التحدث مع مُؤيد بشأن فعلة كلامه المخزي مع زوجة مُصعب))

قاطعته والدته متجهمة

((مَالك يا مُعاذ.. مَالك هو من أتحدث عنه، لم يعد هناك متسع من الوقت لإقناعه بأن يسترد عقله قبل أن يقدم على الزواج من تلك البستانية))

رفع مُعاذ حاجبيه يتيقظ لكلام أمه ثم هز كتفيه يجيبها

((أوه صحيح تذكرت.. أمي بالنسبة لمَالك صحيح بأنه من الأفضل أن يكون الرجل أكبر من زوجته لكن لا ينبغي أن نحدد الفارق بسن معين.. ثم إن سبع سنوات بينهما ليس فرقا كبيرا، ولن يكون مشكلة إذا كان بينهما الحب وجسر من التفاهم))

اتسعت عينا زاهية وقالت بصدمة ممزوجة بخيبة أمل

((إذن أنتَ موافق يا مُعاذ على زواجه منها؟))

قطب مُعاذ حاجبيه يقول مستنكرا

((يا أمي وما دخلي أنا لأوافق أو لا.. مَالك من سيتزوجها وهو من يقرر!))

مدت يديها تقول بشيء من الانفعال

((لكن إذا وافقت أنتَ فكيف سيوافق المجتمع الذي من حولنا..))

كانت لهجة مُعاذ لينة وهو يقول لأمه

((أمي ما تقولينه يستند في الغالب إلى موروث ثقافي خاطئ، هذه الأمور قابلة للتغيير، بل تغيرت فعلا وأصبح من المألوف أو المعتاد زواج الرجل بمن تكبره في السن طالما اجتمعا على التفاهم الفكري والروحي وربطهما الحب المقدس))

قالت زاهية بتثاقل لكن دون استسلام

((الأمر ليس متعلقا بالمجتمع وابني وحسب.. أنا أيضًا أقول هذا من أجل مصلحة سمية.. هي عليها أن تتزوج من رجل آخر يماثل سنها.. فالمرأة تحتاج الى من يستمع لها وإلى من تستشيره في أكثر أمورها لن يكون ذلك إلا وهي إلى جانب رجل أكبر منها سنًا وأعلم منها في تدارك الأمور خاصة إذا كانت ربة بيت))

طالع مُعاذ وجه أمه شديد التجهم والقلق.. والأسى ثم قال

((أنتِ تبالغين يا أمي.. كثيرًا..))

علا صوت زاهية العصبي برفض

((لا أبالغ))

تصاعد رنين هاتف معاذ المعلق بحزامه هادئا ملحا.. فانتشل معاذ هاتفه متأكدا من أنه اتصال متعلق بالملازم الأول حمد..

متى سيعرف كيف يضع لذاك الأهوج المدلل حدا!

استقام واقفا من مكانه يغمغم

((يبدو أن عليّ المغادرة الآن للمدينة))

في هذه اللحظة دلف مُؤيد للداخل متسائلا

((ألن تتناول الغداء معنا يا مُعاذ؟))

بدا على مُعاذ علامات التفكير العميق في هذه اللحظة لكنه أعار انتباهه لأخيه أمامه ثم قال على عجلة لا تخلو من التحذير وهو يغادر الغرفة

((عندي حديث مطول معك أنتَ يا مُؤيد لكن سأذخره لوقت لاحق بسبب انشغالي))

في هذه اللحظة هرولت دارين نحوه تقول بحزن معترضة

((أبي هل ستغادر الآن؟ لكن لم أراك جيدا))

قال مُعاذ لابنته بضيق

((لاحقا يا حبيبتي لاحقا))

لكنها تشبثت بملابسه ورفعت وجهها تقول برجاء ملح

((أبي رفض عمي مُؤيد أن ينزهنا أنا وهدى كما يفعل بالعادة كلما مكث هنا، أقنعه أن يذهب بنا الآن))

تنهد مُعاذ بتعب ثم رقق ملامحه وهو يخبرها

((نادي هدى وأنا سأذهب بكما لأحد أماكنكم المفضلة قبل أن أغادر))

صفقت دارين بحرارة وحماس ثم استدارت مهرولة لتتجهز.. فابتسم مُعاذ بحنو على طفلته الجميلة التي كلما تكبر تتجلى ملامح أمها على وجهها بوضوح أكبر لتصبح نسخة مصغرة عنها..

أما مؤيد فوجد نفسه تلقائيا يغادر ليتابع عمل والده في المزرعة الذي بات يحل محله فيه بعد أن قرر أن يظل في القرية لعدة أسابيع..

فدبت خطواته أرض المزرعة بحذائه هو يهتف في بعض عمال المزرعة الأوامر بسلطة رجولية فطرية وبصوت جهوري خشن يبعث الرعشة في قلوب أعتى الرجال رغم بعض آثار الضرب التي بدت واضحة على وجهه!

=============================

دلف وليد إلى غرفة النوم ليجد صينية العشاء التي أحضرها قبل ساعة ووضعها على المنضدة الملاصقة للسرير لم تُمس..

لفّ شيء من الامتعاض وجهه وهو يقول بينما يقترب من شيرين المتمددة على السرير كما حالها معظم الوقت

((لم تأكلي شيئا من الذي أعددته الآن أيضًا يا كحيلة العينين؟ هل إضراب الطعام هو محاولة للانتحار؟))

فتحت شيرين عينيها بوهن وقد شعرت الآن بوجوده لترد بصوتٍ منهك

((لسوء حظك لست بذاك الضعف أو الهشاشة، لكن لم أعد أرغب بأكل شيء قمت بصنعه أنتَ))

اهتزت حدقتيها وأظلمت بالمشاعر السوداوية عندما جلس على طرف السرير بجانبها هادرا بجمود

((لا أحب كثرة الكلام في نقاش عقيم لا طائل له، لا قدرة لك أنتِ الآن على الحركة وصنع شيء يؤكل لذا كلي طعامك أو سأقيدك وأطعمك إياه بنفسي))

شعت مقلتاها كطلق ناري وردت من بين أسنانها بغل

((عدنا للغطرسة والاستبداد!))

الجمود في ملامحه ازداد قساوة وهو يهدر بينما يعدل من هيئتها بخشونة لتجلس على السرير

((هيا كلي شيئا من الطعام الذي جلبته لك، لا تجبريني على استخدام العنف حتى بإطعامك))

عقدت حاجبيها وهي تعكف فمها بوجوم

((هل هذا هو ما كنت تعدني بالتعويض عنه عندما انتهكتني بوحشية، لأن ما أراه الآن هو امتداد للإذلال والامتهان))

تجلد وجهه بالصرامة ليغمغم بحزم رغم الابتسامة الجانبية التي شقت ثغره

((أنا أحاول جاهدا تعويضك بما يبدي لك أسفي وندمي على ما حدث لكنك لا تتعاونين معي، سأعاملك كملكة سأكون الحضن الدافئ والملاذ الآمن لك فقط لو جعلتي رغباتي وأوامري سيف على رقبتك لا نقاش فيهم.. الآن هيا كلي شيئا))

وضع الملعقة في يدها المتصلبة لتحيد بعينيها عنه وتهمس بروح مكلومة وصوت بحت نبراته فخرج ممزقا ومجروحا

((ابتعد من هنا وسآكل.. ابتعد عني فقط.. لا أطيق حتى التنفس بنفس الهواء الذي تتنفس منه))

تحجرت عيناه وهو يثبت ذقنها بأصابعه ليديرها كي تنظر رغما عنها في وجهه الرخامي

((لن أبتعد وستأكلين الآن أمامي لأتأكد من أنكِ لن تُبقِ حبة أرز واحدة))

شعرت بالألم ينهش قلبها أكثر وازداد نفورها منه وهي تراه بهذا القرب فظلت على رفضها

((لا أريد منك أي شيء.. كل ما تعرضه لي من أمور باهتة مردودة لك))

أومأ بملامح متسلطة وهو يميل لها وعينيه تحدجان خضرة عينيها بهيمنة ذكورية بحتة وبصوت جمد الدماء في عروقها

((هل عليّ الاقتراب مجددا ورغما عنك لتعرفي بأنك كلك ملكي ولي الحق بأن أفعل ما أريده بك!))

ابتسم بقسوة وهو يلاحظ انكماشها.. كأن خوفها يسليه.. فتشدق بعنجهية.. أما هي فرغم أن القشعريرة اجتاحتها من صوته الخشن الصارم إلا أنها عندما لمحت سخريته هتفت به بغل

((ملكك؟ تتحدث كأني سلعة يمكنك أن تشتريها! لا والأنكى بأني لو كنت سلعة فأنا لم أقبض شيئا منك.. لقد ابتعتني بالمجان ولم تتبرع لوالد سهر))

لم يهتز وليد للنيران التي خرجت شرارتها بمقلتيها بل برقت عيناه بالمزيد من التسلية لعنفوانها الباهت بينما تكمل بانفعال وقهر

((لقد خدعتني.. لقد اشترطت عليّك ألا يحدث شيء بيننا قبل أن تتبرع لوالد سهر.. كيف كان لك قلب أن تفعل هذا بي؟))

قرب وجهه منها يقول بصوت خافت فاقم من رعشة الخوف في أوصالها

((نعم خدعتك، لكن فعلت ذلك لأني أريدك، والغاية تبرر الوسيلة..))

ثم مال وجهه يلامس بشفتيه وجنتها متابعا

((أمهليني القليل وأعدك بأني سأعيد إيقاد حبي في قلبك.. أعرف أن مراتنا السابقة القليلة لم تكن ممتعة بالنسبة لك، لكن الأمور ستتحسن، سلمي لي نفسك راضية بحب.. بعدها فعيب لي أن أطلق على نفسي رجل إن خرجت خائبة من هذا السرير، لن تقوِ على البعاد عني وسأسري في عروقك مسرى الدم..))

خرجت آخر كلماته بصوتٍ أجش من الرغبة.. بل كانت رغبته وحبه لها على حد سواء قد أضنتاه وجعلانه كالمدمن ينتظر جرعته.. فشيرين كالإكسير الذي لا يشفيه لكنه يجعله مدمن عليه فلا يفكّر بشيء سوى تعاطيه لتطفئ نيرانه المشتعلة في قلبه..

شدت على أسنانها وأعلنت عيناها الحرب عليه ووعد بالانتقام هامسة

((أقسم لك بأنه لن يحدث وأنا سأتحرر منك))

امتعض وليد مما يسمعه منها فزادت رغبته السافرة في كسر شوكتها.. مال إلى أذنها يهمس لها بما يقهرها

((حتى لو تحررتِ مني فلا تحلمي أن أتركك قبل أن تصبحي غير صالحة لأي شيء بعدي..))

استسلمت بعيون تتألق بالدموع وهي تشعر بها سينتهكها مجددا للمرة الثالثة وقد سبق وأدركت بأنها غير قادرة على تحدي هذا الشخص الذي دمر حياتها وكان يوما ما في الماضي كل حياتها.. فهي لا تقوَ حتى على النهوض وهو يفوقها قوة فماذا بيدها لتفعل!

أما وليد فانتبه على استسلامها وتوقف فجأة! كان حقا يريد أن يجتاحها مرة أخرى ويتخلل خلاياها قطرة.. قطرة.. لكن شعر بشيء يمنعه بصلابة.. فربما وبعد أن صارت ملكه عليه أن يكون لينا قليلا معها.. لقد أعاد تأديبها وأخضعها له تماما دون أن يحنو عليها وكسر شوكتها إلى الحد الذي لم تعد فيه تتجرأ على الاعتراض ولو بكلمة.. الآن حان الوقت ليريها أن ما يكنه لها ليس رغبة وشهوة وتملك فحسب.. بل عشق جارف متأصل فيه..

تنهد وليد وقرر ألا يقترب منها مكتفيا بالتمدد بجانبها وضمها لصدره..

شعر بكل خلية فيها تنتفض ضعفا وعجزا من عناقه فشدده..

قريبا سيعلمها كيف تنطق اسمه بكل لوعة ويذيقها مرار ما تجرعه منها عندما رفضته بقسوة مرة تلو الأخرى بعدما تنازل وعاد إليها هو.. وليد الكانز.. من يرهب قلوب الرجال ويهز بهيبته كياناتهم..

=============================

عاد مؤيد إلى القصر ثم دلف إلى جناحه فوجد رتيل متمددة على السرير تشاهد التلفاز بنظر شارد.. فانتشلها منه متسائلا

((هل العشاء جاهز؟))

تطلعت رتيل متجهمة له ثم تمتمت باقتضاب وبوجه واجم لازمها الأيام الأخيرة

((عندما مررت بغرفة المعيشة تناهى الي سمعي حديث أمك وهي تخبر معاذ عن المشاجرة الأخيرة التي حدثت بينك وبين مُصعب، هل وبخك أخيك؟))

رفع مُؤيد سبابته أمام عيناها محذرا بوعيد

((رتيل اسكتي ولا تفتحي تلك السيرة))

أغلقت التلفاز واعتدلت جالسة تهتف باستنكار لاذع

((ماذا قلت لتطلب مني الصمت؟ أنا فقط أتساءل! خاصة وان والديك لم يناقشانك بعد فيما حصل))

انفلتت أعصابه وهو يزعق بها بغضب متقد ((رتيل لا تستنزف ما فيّ من صبر فهو قليل وأنا سهل الاستفزاز، لا تجبريني على أن أقدم على ما قد أندم عليه))

تخصرت يدا رتيل متشدقه بمرارة

((هل أنتَ راضي عما قلته في ذاك اليوم؟ إذا كان بقي القليل من الكرامة لدي أمام عائلتك فأنت نسفتها نسفا بما قلته آخر مرة! أنا متأكدة بأن والدك وأخيك لو لم يقفا ضدك لما كنتَ سمحت لأحد غيرك أن يتزوج ابنة عشرة الهنادل..))

انتفض مُؤيد بها يقول بتأكيد

((طبعا ما كنت لأسمح لأحد أن يتزوجها غيري، فإذا كانت هي الشيء الوحيد الذي يمكنني الانتقام به لمقتل ابن عمي فلكنت أبدعت في إذاقتها أصناف العذاب وأخذتها بذنب عشيرتها كاملا دون أن يرف لي جفن، وإلا كيف سيرتاح يحيى بقبره))

لاكت شفتيها ثم تهكمت

((فجأة عندما توفي ابن عمك يحيى أضحى غاليا عليك! لقد كنت تمقته وتحث باقي أخوتك على قطع صلتهم به بعد هرب أخته رشا من مُصعب!))

امتقع وجه مُؤيد من لهجتها الحادة.. معه... هو..

فهي تحدثه بلا حذر واحترام غير آبهة للغضب الذي يلفه ويشير بأنه على شفا حفر من الانقضاض على من يقف أمامه.. بل تتابع بتشديد على كلماتها

((لا ألوم أخيك على رحيله.. لا بد أنه لا يأمن على زوجته.. عرضه.. أن تتواجد في نفس المكان مع شخص معدوم الشرف مثلك))

جحظت عيناه بصدمة مما قالته وهتف بها بنبرة مخيفة

((رتيـــــــــل))

اعترضت ببرود

((ماذا؟ ألا يقال للرجل الذي لا يمل من إبداء الحسرة بين كل حين وآخر لأنه لم يتزوج من المرأة التي هي على ذمة أخيه في هذه اللحظة..))

قاطعها بانفعال يدافع عن نفسه

((أنا أقول ما أقوله بقصد أخذها بذنب القاتل ابن عشيرتها ولا أقولها من باب قلة الدين والأصل والاعتداء على عرض أخي))

أشاح بوجهه بعيدا عن عينها ما إن شعر بعينيه تحمر كالجمرة.. ثم استرسل بحزم قاسي

((ولو عاد الزمن بي وأتيح لي أن أتزوجها لما ترددت، طالما تم اختيارها أن تكون الفدية فعليها أن تتحمل))

تمتمت رتيل من بين أسنانها المطبقة بغل وحقد

((تصر على قولها هكذا بكل صراحة أمامي دون أي اهتمام بمشاعري))

رد عليها دون أن ينظر باتجاهها

((لطالما كنت صريحا وشفافا لا أحب المجاملات ولن أتغير..))

أطلقت العنان لكلامها المكتوم في داخلها

((إذن دعني أقولها بكل صراحة لك دون تجميل، أنا أكرهك وأتمنى لو لم أتزوجك يا مُؤيد))

أعمى الغضب النابض بعيني رتيل من التركيز في قسمات وجهه والانتباه لانقباضها بانكسار واضح..

لم يكن مُؤيد من الذين اهتموا يوما بالحب أو حقيقة ما تُكن تلك المرأة التي اختارها زوجة وأم لأولاده له..

لكن الآن وفي هذه اللحظة فرباه كم بدا وقع تلك الكلمة من شفتيها قاسيا عليه.. قد شعر بكل حرف نطقته كأنه نصل خنجر يطعنه.. لكن لماذا؟ ما الذي تغير مؤخرا بعلاقتهما إلى الحد الذي يجعله يتأثر بتعبيرها عن كرهها له؟ في وقت سابق كان ليوبخها ويتهمها بانعدام الحياء والاحترام.. لكن الآن فاكتفى القول بإباء

((هل ترين أني قد أهتم لحبك أو كرهك؟ ليس مُؤيد الكانز من يهتم بذاك الشيء الرخيص المدعو بالحب.. فقط امرأة وقحة مثلك هي التي تتحدث مع زوجها بهذه الطريقة))

ردت عليه بخفوت وثبات

((قل لنفسك هذا الكلام فأنا أعاملك مثل ما تعاملني..))

تصلب فكه بينما يهدر فيها محذرا كي لا تزيد في الحديث

((غادري من هنا قبل أن يحتدم النقاش ووقتها لا أضمن لك ردة فعلي فأنتِ مؤخرا طال لسانك عليّ وأنا لا أمرر لك إلا بمزاجي لكن لن أظل هكذا طويلا))

أطاعته رتيل وانسحبت من المكان حتى لا تزيد الأمر سوءً..

سحب مُؤيد أنفاسه عميقا وقد انقلب حاله للأسوأ فلم يجد أمامه إلا أن يتجه لمنضدة قريبة منه ويرفعها قبل أن يهمشها على الأرض بقوة..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...