الفصل 180 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع 4 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
19
كلمة
4,943
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 99%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثاني

أغلق مُصعب الباب خلفه وضاقت عيناه وهو ينظر لها تجلس على الأريكة المقابلة لسريرهم الزوجي متكومة على نفسها بتشنج..

ظل يراقب انهيار جدارها ونحيبها الممزق لنياط القلوب بعيون مظلمة تخفي التياعها خلف ستارتها الداكنة قبل أن يزفر نفسًا طويلًا ويدلف للداخل يأخذ حمامًا سريعًا ثم يغير ملابسه لمنامة مريحة..

كان يرفع غطاء السرير يهم للنوم عندما حانت نظرة منه عليها ليجدها على جلستها كما هي شاردة بنظرة خاوية..

لم يهتم فأطفأ الإنارة ثم تمدد على سريره مغمض العينين ومنهك الجسد.. ومرت دقائق فقط عندما دمدم بخشونة لها

((انهضي للنوم))

خرجت من شرودها لتنتبه أنه أطفأ الأنوار ومتمدد في سريره.. وكأنها كانت مغيبة قبل قليل في الفراغ الذي يتوحش في أعماقها كالصقيع البارد..

استجابت لما طلبه، فاعتدلت من مكانها بلا روح واتجهت نحو منضدة الزينة تزيل الحلي الذهبي وتبدل ملابسها بحركات بليدة ثم تمددت بجانبه..

دقيقة.. دقيتين.. ثلاث وكانت تقترب وتقلص المسافة بينهما وترفع أناملها تغمرهم في شعره لتشعر تلقائيًا بتصلبه وهو يهمس بها بصوتٍ خشن خفيض

((ابتعدي، أنا مرهق وأريد النوم من أجل عمل الغد))

استمرت تمشط شعره بأناملها وهي تقول ببراءة

((يمكنك النوم.. وما يمنعك؟))

أزاح رأسه عن مرمي أناملها ليقول بحدة

((أنتِ من تمنعيني))

أحزنها نفوره واعتصر الألم قلبها فسكن كل ما فيها في صمت بائس.. قبل أن تقرر بعد دقائق أن تعود لتقترب منه هامسة بصوتٍ مرتعش

((أرجوك خدني في أحضانك، ألم تكن تسمح لي بذلك في البداية؟))

وصلها صوته بفتور أجوف

((هذا كان فقط في البداية وحتى تعتادي على كل شيء.. انتهى وقت الدلال.. لو كنت غولًا يُفترض أن تكوني قد تكيفت عليّ))

اختلجت شفتيها ومذاق كالعلقم يلدغ طرف لسانها لتشعر بخيبة أمل كبيرة تظلل أفاقها.. لكنها همست له باختناق مكتوم متألم

((لا أحد يحبني هنا.. وأنا أتفهم وأعرف السبب.. ولكن ليس أنتَ أيضًا))

لم يجبها ولم تشعر بأي حركة صادرة منه.. لا زال كما هو متمددًا يعطيها ظهره.. فعادت تقترب منه مرة أخرى متوسلة بصوتٍ مرتعش

((أرجوكَ يا مُصعب))

شيء ما أمام رجائها وتوسلها الواهن تحرك فيه ليتبرم لها بنفاذ صبر

((خمس دقائق.. فقط خمس دقائق وبعدها أكرميني بتركي وشأني حتى أستطيع النوم براحة))

فتح مُصعب عينيه فجأة عندما شعر بها تنقض عليه معانقة إياه من الخلف تكبله تماما.. فتحيط جذعه بذراعيها وتعانق سيقانه بسيقانها..

رمش بعينيه توترًا وهو يراها تتشبث بها كغريقة لكن جاهد كي يحافظ على حياد وفتور ملامحه.. وتحامل على نفسه وقرر ألا يعترض ويتركها على حالها.. فقط هذه المرة..

أنفاسه المنتظمة التي شعرت بها بعد دقائق جعلتها تهمس باسمه بصوتٍ خافت

((مُصعب.. مُصعب.. هل أنتَ مستيقظ؟))

وعندما لم تصلها أي إجابة أدركت بأنه أخيرًا قد خلد للنوم بعد أن هده إجهاد العمل في المستشفى.. فابتسمت تلك الابتسامة الشقية وهي تحرره وتبتعد عنه قليلًا حتى تقلب جسده الثقيل لجهتها قبل أن تعود مكانها وتضع رأسها على صدره.. تطلعت لوجهه النائم بعمق وتأملته قبل أن تضيع في أحضانه وتغرق هي الأخرى في نوم عميق..

.

.

فجرًا.. في ذلك الوقت المشبع بالسكون والتجلي.. تململ مُصعب في مكانه يفتح عينيه بتثاقل قبل أن تتسع عينيه وهو يجد وجهها أمام وجهه..

رفع أحد حاجبيه وهو يلاحظ أنها تكبله تماما من كل الجهات.. كالقردة..

فك وحرر نفسه منها مهمهمًا وهو يشعر بعظامه تئن ألمًا من نومها عليه بهذه الطريقة طوال ليلة الأمس..

اعتدل جالسا ثم زفر نفسا طويلًا وهو يناظرها نائمة متمددة ببراءة فوق السرير.. ولوهلة تجلت نظرات النفور في عينيه إزائها، إذ أنها لا تتوقف عن الالتصاق به بمجرد أن يعود للبيت.. لكن عادت نظرات عينيه ترق فهو لا يلومها كثيرًا.. إنها هنا وحيدة وخائفة ولا بد أن أهل بيته لا يوفرون أي جهد في جعل حياتها أكثر صعوبة..

كم يجاهد في تذكير نفسه بأنه ليس لها ذنب أو جريرة لما جرى ليحيى، ابن عمه وصديق روحه.. خاصة وهي تقرب قاتله بصلة قرابة بعيدة، وحتى لو كانت صلتها بالقاتل متينة فلا يظن نفسه قادرًا على أخذها بذنبه.. فمهما حاول سابقًا معاملتها بقسوة أو ازدراء إلا أنه يتراجع.. لا يستطيع.. رغمًا عنه.. هو من عشيرة رجالها لا تترك لها ثأرًا.. لكن في عرفه الثأر لا يُأخذ إلا من رجل مثله..

أخذ مُصعب نفسًا عميقًا بينما يمسح وجهه بكلتا يديه.. ثم غادر السرير.. وهي لم تستيقظ إلا قبل طلوع الشمس بقليل على جلبته الصباحية الروتينية التي افتعلها وهو يجهز نفسه للخروج لعمله في المشفى.. فنهضت بتثاقل تفتح إحدى عينيها وهي تقول بصوتٍ أجش ناعس

((هل أعد لك الفطور؟))

أجابها نزقا وهو يرتدي ساعته على عجل

((لا ليس هناك متسع من الوقت..))

انتصبت واقفة من مكانها ثم تجولت في الغرفة بتيه ريثما ينهي تجهيز نفسه.. وما إن وقف أمام مرآة منضدة الزينة يلقي نظرة أخيرة على مظهره قبل الخروج حتى حسمت أمرها مستجمعه قوتها ثم خطت بالقرب منه بتعابير مترددة هادرة

((مُصعب هناك أمر عليّ إخبارك به))

تخشب مكانه والتفت ينظر لها فسارعت تشيح بنظرها عنه كأنها لا تريد مواجهته..

حلت الجدية ملامح وجهه وضيق عنينه قائلًا بحزم

((ما هي المصيبة التي قمتي بها؟ وجهك لا يبشر بالخير))

رفعت وجهها تسارع هزه بالنفي هادرة

((لا لم أفعل أي شيء، بل كنت أريد إخبارك بأن زوجة أخيك مؤيد أخذت مفتاح جناحنا))

اتسعت عيناه باستهجان متقد بكل ما فيه وتساءل

((كيف أخذت مفتاح الجناح؟))

هزت كتفيها بوجوم وهي ترد ببساطة

((يعني أخذته.. قالت بأنها فعلت ذلك حتى تستطيع الدخول هنا صباحًا عندما لا استيقظ على طرقها للباب))

عقد حاجبيه يستفهم منها

((إذن مفتاح جناحي معها الآن؟))

ردت عليه ببراءة

((لا أدري، ربما أعطته لوالدتك))

رأته يومئ برأسه بتفكير وبدت عينيه متوعدتين وهو يتمتم لها بصوتٍ خافت

((حسنًا سأتفاهم مع أمي))

استدار للخلف لتعاود القول

((مُصعب هناك أمر آخر.. لا أريد أن انزل للأسفل.. فبعد ما حدث في الأمس.. أعني..))

ارتبكت في آخر كلماتها فبترت حديثها وهي تراه يطالعها بوجه خالِ من التعابير.. تحرك حلقها وأخفضت وجهها.. إلا أنه قال بصوتٍ حيادي

((حسنًا فهمت سأتحدث أيضًا مع أمي بهذا الأمر))

ثم استدار مغادرًا نحو الباب فلحقته بلهفة متفاجئة مِمَّا قاله لتسأله بخشية

((ماذا ستخبر والدتك؟ هل ستغضب مني؟))

أبعد يديها التي أسمكت ذراعه بنزق ثم نظر لها يجيبها باقتضاب

((لن تغضب أمي))

وفي نهاية كلامه قام بإخراج أحد المفاتيح من سلسلته التي يضعها في محفظته.. فتناولته منه وهي تسمعه يقول بخشونة

((خذي مفتاحي وأغلقِ الباب خلفي ولا تفتحيه أبدًا وأنا سأقوم بأخذ المفتاح الآخر منها))

وقبل أن يخبئ محفظته قطب حاجبيه متسائلًا وهو يتفقد جيوب بنطاله

((لحظة.. هاتفي ليس هنا.. هل أخذتيه؟))

فغرت شفتيها شاهقة كمن تذكر شيء وهرولت للداخل ثم عادت خلال ثوان تناوله الهاتف هادرة

((ها هو لم ألمسه أبدًا منذ أن جئت من الأمس))

تسلَّم الهاتف منها بوجوم وفتح شاشته يقول وهو يرفع حاجبيه

((جيد.. لهذا شحنه كما هو من الأمس تقريبا))

عقدت يديها خلف ظهرها ورسمت له تلك الابتسامة المشاغبة المعتذرة عمّا تفعله أحيانًا وفي ذات الوقت لا تعده بالتوقف عن ذلك مستقبلًا..

فطالعها بامتعاض مضيّقًا عينيه قبل أن يقول بصوتٍ خفيض مقتضب وهو يفتح مقبض الباب

((ألا تملّين من تنزيل هذه الألعاب بعد كل مرة أحذفها؟ كم مرة عليّ أن أعيد عليكِ بأني لا أحبك أن تلمسي هاتفي؟ لا تجبريني على تغيير رمزه السري))

هزّت وجهها مبتسمة ببشاشة وفي عينيها الصافيتين وميض تحدٍ سافرٍ خفي بأنه لن يفعل ذلك.. لوحت بيديها له مودعة برقة

((إلى اللقاء يا زوجي العزيز))

تلاقت أعينهم بنظرة أخيرة فشعرت بأنها مستعدة للمشي فوق الزجاج المهشم كي يحبها.. لكنه غادر مصفقًا الباب خلفه..

وقف مصعب أمام غرفة والديه مترددًا في طرق الباب خاصة في هذا الوقت المبكر.. لكن اختصرت عليه والدته وهي تبادر بفتح الباب لتقول بدهشة وهي تراه واقفا أمامها

((ألم تذهب لعملك بعد يا مُصعب؟))

رد عليها بهدوء متأصل فيه

((صباح الخير يا أمي، نعم سأذهب الآن لعملي ولكن..))

رفعت زاهية حاجبيها تسأله

((هل هناك شيء ما؟))

تنحنح مُصعب يجلي صوته قبل أن يقول

((كنت أريد قبل ذلك الاستفسار منكِ بخصوص أخذ زوجة أخي مؤيد مفتاح جناحي من نورين))

بهدوء ووقار أومأت زاهية له وأجابت

((نعم بالفعل لقد أعطته لي، وقالت بأنها فعلت ذلك لأن زوجتك تتعمد صباحًا عدم فتح الباب لها))

انعقد حاجباه ولم يستطع منع نفسه من أن يظهر الضيق والاستياء وهو يقول

((أمي ليس من اللائق أن يكون مفتاح جناحي مع أحد آخر غيري، تعرفين أن المساس بخصوصيتي يثير حفيظتي.. حذّري أم فهد من عدم تكرارها مرة أخرى))

بالكاد استطاع مُصعب أن ينهي حديثه عند هذا الحد دون أن يفرط أو ينفعل على ما فعلته زوجة أخيه أكثر.. فالجميع يعرف هنا بأنه لا يحب أن يتجاوز أحد خصوصياته أو محظوراته الشحيحة.. وتفهمت والدته هذا الأمر جيدًا فأخبرته بهدوء وهي تهم بالاستدارة

((حسنًا، لا تقلق، سأجلب المفتاح لك))

عادت بالمفتاح ثم ناولته إياه ليقول لها بعد لحظات يعلمها

((أمي طلبت من نورين ألا تغادر جناحها اليوم))

أمعنت النظر في ملامح وجه ابنها تسأله باستغراب

((لماذا هل هي مريضة؟))

تطلع لها بثبات يجيبها

((لا أريدها أن تغادر جناحها اليوم ولا أي يوم آخر، القائمين على أعمال المنزل يستطيعون القيام بواجبهم تجاهه على أتم وجه دون الحاجة لها.. صحيح؟))

ظهر العجب على وجه زاهية وهي تقول باقتضاب

((أنتَ تقصد بأنك لا تريد منها أن تساعد في أعمال المنزل أو المطبخ؟))

قال مُصعب بتفسير لها

((نعم إسوة بزوجات إخوتي))

عبس وجهها وسألتها بحدة

((وأيضا ماذا تأمر يا مُصعب؟))

أبعد تواصل العينين وأجاب بنبرة ذات مغزى

((أريدها بكامل طاقتها في آخر الليل يا أمي لا وجهًا باهتًا وجسدًا منهكًا..))

تشتت نظر والدته بحرج بالغ وقالت متفهمة

((حسنًا.. لا تقلق))

انتظر للحظات ثم سألها

((سأذهب الآن.. هل تريدين شيء آخر؟))

باغتته أمه بسؤال متردد ما إن هم بالاستدارة

((هل هي حامل؟))

توقف مُصعب مكانه وأغمض عينيه بضيق ثم أجاب دون أن ينظر لها

((لا أمي ليس بعد..))

أومأت زاهية برأسها بخفوت وهي تدعو أن يرافقه الله بالسلامة فرد عليها السلام وغادر متابعًا الطريق أمامه خارج منزله..

في حين تشجعت رتيل التي كانت تراقبهم بنظرة ثاقبة من بعد أن تتقدم من حماتها متسائلة بفضول

((صباح الخير.. هل هناك شيء يا عمتي؟))

التفتت لها منتبهة على وجودها لتأمرها بهدوء وهي تغلق باب غرفة نومها خلفها

((لا أبدًا.. اصنعي القهوة الصباحية لي ريثما أتأكد من استيقاظ مَالك ليشاركنا إياها أنا والحاج))

ردت رتيل بابتسامة متكلفة

((من عيوني سأُعِدها الآن))

وقفت زاهية أمام غرفة مَالك تطرق بابه بهدوء.. عاطفة الأمومة الجياشة فيها لا تفرق بين أبنائها الخمسة، ولطالما اعتبرت أن لكل منهم ذات المحبة والمقدار.. لكن بحكم أن التؤام مَالك ومَازن كانوا أصغر أبنائها وأحوجهم للاهتمام والرعاية بصغرهم مال قلبها الى الآن لهم هم دونا عن إخوتهم..

ولأن مَازن ومنذ سنوات سافر مغتربًا عنهم ويُقصر في سؤاله معها لا يظل عندها إلا مَالك الذي تحب مجالسته في أوقات فراغه..

عندما لم تجد أي رد منه هتفت باستغراب وصوت أعلى

((مَالك.. هل أنتَ مستيقظ؟ مَالك!))

كانت تهم بفتح الباب والدخول لإيقاظه لولا أن وصلها صوته الأجش

((نعم أمي.. لحظات.. أنا قادم))

وفتح الباب عليها يطل عليها بشعره الأشعث البُني المائل للأحمر الغامق الذي ورثه منها

((صباح الخير، لقد عدت للنوم قليلا بعد الفجر.. هل هناك شيء؟))

رق قلبها على مظهره الناعس فقالت له مبتسمة بحنان

((كنت أريد أن التأكد من استيقاظك خشية أن يفوتك وقت العمل))

رفع مَالك يده اليسرى ينظر إلى ساعته ليقول مستغربًا

((حقًا؟ الأمر فقط أن الوقت مبكر قليلًا))

زادت ابتسامتها الوقورة اتساعًا وهي تقول

((أريد أن تشرب القهوة معي أنا ووالدك في غرفتنا))

رفع أنامله يمسد جبينه وهو يقول مغمض العينين

((أشعر بصداع حاد.. لذا القهوة فكرة جيدة.. دعيني أغير ملابسي وأنزل))

.

.

كان يعقوب جالسًا أمام المنضدة الفاخرة الخشبية حينما قامت زوجته الجالسة مقابله برفع دلّة القهوة تصب السائل البني شهي الرائحة في القدحين الموضوعين على المنضدة..

تصاعد صوت طرقات على الباب لتلتفت زاهية سامحة

((تفضل يا مَالك))

فتح مَالك الباب يدلف للداخل قائلًا وهو يمسك بيده كف يزيد الصغير

((سيدخل يزيد معي، صباح الخير يا أبي))

توقفت زاهية عما تفعله وتطلعت بعجب لابنها تسأله

((ماذا؟ لم جاء معك؟))

أجاب مَالك دون أن تنحسر ابتسامته رغم توتره من الوجوم الذي حل على وجهي والديّه

((لقد نام في غرفتي الأمس يا أمي، هل نسيتِ ما حدث لسمية؟))

قالت بتجهم وهي تتابع مَالك يتقدم منهم ويزيح كرسي ليُجلس يزيد عليه ثم ينضم هو معهم

((ولكن.. ولكن ظننت بأنه نائم في غرفة باسم وفهد.. هل كان هناك في الداخل عندما كنت عندك قبل قليل؟))

استشعر مَالك بيد يزيد الصغيرة تقبض على قميصه ارتعاشه.. لا بد أنه ورغم صغر سنه الذي لا يتجاوز الست سنوات إلا أنه يدرك أن والديه لا يحبانه ولا يحبذان وجوده من الأساس هنا في هذا القصر.. وهذا الأمر آلمه بعمق.. فنظر مَالك لوالدته يجيبها

((نعم أمي، لقد رتبت له فراشًا في الأمس وأيقظته قبل قليل))

انعقد حاجبا الحاج يعقوب الذي كان لا يقل سخطًا عن زوجته وهو يسأل ابنه مستنكرًا

((أنتَ تظل يا مَالك رجل غريب عنه، كيف جعلته ينام عندك؟ كان الأجدر بك أن تدعه ينام في غرفة أولاد أخيك إذا كانت أمه عاجزة عن الاهتمام به))

نظر مَالك لأبيه يجيبه بعبوس

((أبي كان يزيد في الأمس مريضًا وخائفًا على أمه وكان بحاجة لوجودي معه حتى يهدأ وينام بطمأنينة))

انعقد حاجبا زاهية قليلًا وهي تسأله بخفوت مقتضب

((من أين جلبت له ملابسه؟))

هنا لم يتحمل يزيد الصغير نظرات العجوزان له ووجد نفسه يقوم من مكانه ويقف عند مَالك يدفن وجهه في قميصه فأحاطت ذراع مَالك ظهر الصغير يهدئه بينما يُجيب أبيه

((في الأمس أحضرت لي نجوم من غرفته منامته الليلة، وملابس وحقيبة مدرسته لأجهزه في الصباح للمدرسة))

غمغم يعقوب بغير رضا وازدراء

((تبارك الرحمن قمت بنفسك بمساعدته بالاغتسال وارتداء ملابس مدرسته وحتى تمشيط شعره!))

ثم تمتم بصوتٍ خافت مقتضب كمن يحدث نفسه

((والله لو قيل لي أن أفعل كل هذا لأحد أبنائي في صغرهم أو أحفادي لما فعلت، وأنتَ تفعله لشخص لا يقربك ولا يربطك به أي صلة))

استقام مَالك من مكانه وهو يحمل يزيد، ثم رفع بيده الأخرى وجهه المنكس يسأله باهتمام

((هل أنتَ جائع يا يزيد؟))

رد الصغير بخفوت ((لا أبدًا..))

علا صوت زاهية وهي تقول بصوتٍ مغتاظ

((الفطور نجهزه في العادة بعد أن يستيقظ كل أهل البيت.. تكون قد ذهبت للمدرسة التي تعمل فيها يا مَالك))

عانق يزيد بيديه رقبة مَالك ودفن وجهه في كتفه فناظر مَالك والدته بعتاب بينما يخبر الصغير

((تعال لأعد لك شيئًا سريعًا، ثم أوصلك لمدرستك))

لقد حرص مَالك الصغير يزيد يرافقه على أمل التخلص من كل الانفعالات القاتمة التي سيطرت عليه في الأمس ولم يكن يريد من أحد حتى لو كان والديه أن يتسببا بأذيته نفسيا.. فغادر الغرفة مغلقًا الباب خلفه دون أن يشارك والديه القهوة.. مِمَّا جعل يعقوب يشعر بنفور حقيقي.. عليه أن يجعل ابنه يدرك بأنه ليس من اللائق لرجل مثله أن يصحب معه طفلًا صغيرًا لا يقربه بل وينام معه في نفس الغرفة!

فناظر زوجته قائلًا بحدة وضراوة

((لا يعجبني حاله أبدًا، متى ينوي ابنك التزوج؟ هل ستتركينه طويلًا على راحته؟))

تنهدت زاهية بحزن ثم طالعته تقول بروية

((على رسلك يا حاج.. ما زال في السابعة والعشرين من عمره، الرائج للشباب هذه الأيام الزواج بعد سن الثلاثين..))

قاطعها يعقوب يقول بتزمت

((وما لنا في الرائج! أخوته الأربعة.. بل حتى تؤامه متزوج وابنته بعمر ذاك الطفل يزيد.. فلماذا لا يفعل مثلهم؟ دعيه يتزوج وينجب وينشغل مع أطفاله بدلًا من أطفال العالم))

أيدته زاهية الرأي قائلة بقلة حيلة ((معك حق))

=============================

أمسكت رتيل إحدى زجاجات العطر ورشت منه فوق ملابسها بإفراط ثم أغمضت عينيها تستنشق عنق الزجاجة بعمق تملأ رئتيها من رائحته الزكية.. لقد قررت بأن تعتبر نفسها لم تسمع شيئًا من محادثة زوجها وأخيه المتعلقة بشأن صفات امرأة أحلامه، ونفضت عنها ذاك الضعف المتخاذل البغيض وها هي تقرر أن تكمل عيش حياتها كما تريد وتستمتع بالخيارات المحدودة أمامها..

لم تلحظ دخول زوجها الغرفة ولم تشعر بخطواته وهو يقول بينما يتطلع لها بوجوم ((لماذا تتعطرين؟))

أجابته وهي تنظر لانعكاس شكلها في المرآة ومبتسمة بثقة وكبرياء شامخ

((ستزورنا بعض النسوة من صديقات وجارات أمك))

وقف مُؤيد مكانه يتأمل ثوبها الضيق وقدها الرشيق بنظراتٍ صامتة طويلة.. يكاد أن يلتهمها بعينيه فقط بملامح لا تعبير لها.. عندما انتبهت رتيل على نظراته قال بجفاء

((هل ستخرجين لهم بهذه الملابس؟))

استدارت رتيل له بتوجس هادرة وقد بدأ الخوف يدب بقلبها من نظراته

((نعم فهي ستكون جلسة نساء فقط))

ضاقت عيناه وهو يقترب أكثر منها قائلًا بتهديد واضح

((حتى لو كانت الجلسة فقط للنساء أنا لا اقبل عليكِ ارتداء مثل هذا الثوب الضيق والقصير.. غيريه حالًا))

عقدت حاجبيها تقول متبرمة

((ليس ضيقًا ولا قصيرا يا مُؤيد، لا تبالغ..))

أغمض عينيه وهو ينفِّث نفسًا مكتومًا حانقًا ثم قال آمرًا بتسلط

((اذهبي واستبدلي الثوب بآخر محتشم))

رفرفت بعينيها في محاولة عقيمة للنقاش معه

((ولكن يا مُؤيد الجلسة فقط للنساء))

هتف بها بحسم بنظرات حادة

((حتى أمامي لا ترتدي مثل هذه الملابس، يكفي نقاشًا إلى هنا))

تحرك حلقها وهي تبتلع غصة مسننة ثم قالت مستنكرة بصوتٍ أجش

((إذا لم ارتدي هذا الثوب أمامك أو أمام النساء في مجلس أمك.. لمن سأرتديه إذن؟))

أجابها بصوتٍ فاتر

((لا ترتديه أبدًا، اتلفي هذه القطعة أو ألقيها))

لم تعلم من أين جاءت شجاعتها وقد اندلع غضب حرمانها لتثور عليه

((هل تعرف كم ثمنها يا مُؤيد لتطلب مني إتلاف القطعة؟))

إلا أنه رد عليها بهدوء وفتور جاف

((ليست مشكلتي، ولم يكن عليكِ الإقدام على شرائها وأنتِ تعرفين رأيي سابقًا بهذا النوع من الملابس))

ثم استرسل كلامه وهو يشير لوجهها

((وزينة وجهك أزيلها))

رفعت أناملها لثغرها تقول باقتضاب

((لا أضع إلا حمرة شفاه))

أخبرها بنفس تسلطه المستبد

((لونها فاقع، لا أحب أن تضعي أي شيء على وجهك أمامي فكيف تريدين مني أن اسمح لكِ الخروج لهم بهذه الهيئة!))

ثم دلف للداخل تاركًا إياها بكل حنق العالم فقامت بإمساك زجاجة العطر وقذفها أسفل قدميها لتتكسر لشظايا متنافرة متمتمه بغيظ وهي تتهاوى جالسة على سريرها

((لن أخرج لهم إذن وسأظل في غرفتي هنا))

ما إن عاد مُؤيد نظر أرضًا للشظايا الزجاجية ثم طالع ملامحها الممتعضة بنظرة عدائية يقول

((نحن متزوجان منذ سبع سنوات ولسنا حديثي الزواج حتى تتصرفي وكأنك مصدومة من طباعي! زوجتي أنا لم أتزوجها لتبهر وتعجب الآخرين.. حتى لو كانوا نساء))

وبدون مبالاة داس بحذائه المنزلي الصلب من الأسفل فوق صرير الزجاج ليعود للداخل.. في حين هي تراجعت لتستند بجسدها على ظهر السرير تفكر بامتعاض.. بأنها لا تفهم زوجها.. أليس هو رجل حاله كحال الرجال؟ إذن لماذا لا يحب.. بل لا يقبل أن تظهر أن تتزين ولو كانا وحيدان! ألا يحب أن يمتلك زوجة مبهرة وجميلة ولو لنفسه؟

اجتاحت العدوانية عينيها.. فلم قد يهتم بامتلاك زوجة مبهرة إذا كان يتلاقى مع نساء أخريات متبرجات وسافرات يعوضونه عن هذا الأمر!

يقول الأحمق بأن كل ما بينه وبين النساء هي علاقات عمل؟

وهل يظنها ابنة الأمس لتصدقه!

لم تنتبه رتيل جراء شرودها من الطرقات فوق بابها التي كانت تتزايد.. حتى فُتح الباب بحذر وطلت من فتحته دارين تتساءل بخفوت

((زوجة عمي رتيل أين أنتِ؟))

فتحت دارين الباب أكثر باستغراب وهي تراها تجلس على السرير وتضم ركبتيها لصدرها ونظراتها الشاردة غارقة بعيدًا عن كل ما حولها..

دلفت للداخل تقترب منها هي وابنة عمها هدى الصغيرة لتقول بصوتٍ جهوري

((امرأة عمي ماذا تفعلين؟))

جفلت رتيل وانتبهت على وجود دارين لتنتفض مكانها قائلة باعتراض

((كيف دخلتي هنا بلا أخذ الإذن؟))

هزّت دارين كتفيها ببرود وقالت

((جدتي تنادي عليكِ وتقول لكِ أسرعي))

تنحنحت رتيل تجلي حنجرتها قبل أن تقول وهي تخفض قدميها أرضًا

((حسنا أنا قادمة، سأرتدي أي شيء من الخرق البالية التي امتلكها واخرج))

أومأت دارين بهدوء وهي تكتف ذراعيها وتراقبها تنهض من مكانها ثم تقوم بتكنيس الأرض.. وعندما انتهت رتيل من التنظيف وطالت مدة الصمت.. حدجت دارين بنظراتها الواجمة بانتظار مغادرتها.. فظهر التردد على صوت دارين وهي تسألها

((هل غادر أبي؟))

أجابتها رتيل ببساطة

((نعم غادر، لقد انتهت عطلته))

رمشت دارين بعينيها الدامعتين وقالت بحزن

((أي عطلة هذه، وهو لا يأتي لهنا إلا كل عدة أشهر))

رق قلب رتيل قليلا لابنة الإثني عشر عامًا الحزينة أمامها فقالت لها بتعاطف حاولت عدم إظهاره

((إن والدك رائد من الطبيعي ألا يكون متفرغًا لكِ بشكل دائم))

حدجتها دارين بضيق وهي تقول بامتعاض

((نعم بالتأكيد لن يكون متفرغًا لي بشكل دائم ولا حتى بشكل نادر.. سينسى أساسًا ملامح وجهي من قلة رؤيته لي..))

كانت رتيل تعرف أن دارين تبالغ بحكم صغر سنها فوالدها معاذ يحرص كل أسبوع على الأقل لأخذها من هنا إلى زيارة قبر والدتها برفقته! لكن ما أن يتخلف عن موعد واحد عن تثور عليه وتتهمه بالإهمال تجاهها!

حانت نظرة من دارين إلى عمها يخرج من الحمام بينما يجفف شعره المبلل لتهتف له بحماس

((عمي مُؤيد، كيف حالك؟))

ضحكت هدى الأخرى بطفولية وهي تهرول باتجاه عمها الذي حملها فتعلقت بعنقه واحتضنته متمتمه

((اشتقت لك يا عمي))

ابتعدت هدى عنه ترى وجهه ليسألها بابتسامة بشوشة

((كيف حالها أميرتي هدى؟))

عضت رتيل شفتيها بغيظ وهي تراقب المشهد أمامها بتعابير متجهمة بشدّة تعلن عن شجار زوجي على وشك الاندلاع بينهما! فهو لا يهتم بولديه الاثنين بمقدار ما يهتم بابنتيّ أخوته..

مسدت هدى جديلتها وهي تشعر بعدم ارتياح بسبب تلك الأربطة الوردية التي تُصر والدتها على تزينها بهم بينما تتساءل

((عمي هل أنتَ متفرغ الآن؟))

أخفضها مُؤيد أرضًا وهو يقول لها

((لماذا؟ هل تريدين أن اذهب بكِ أنتِ ودارين لشراء بعض المثلجات؟))

قفزت هدى موافقة بفرح في حين أبدت دارين الحماس وهي تقول قبل أن تغادر مهرولة

((نعم سأحب ذلك، سأذهب لأغير ملابسي))

بمجرد أن غادرت دارين وهدى للتجهز حتى وقفت رتيل من مكانها هاتفة بزوجها

((انتظر يا مُؤيد لأنادي على باسم وفهد ليأتيا معكم))

طالعها مؤيد بتجهم قائلًا

((لا تناديهما، لا أحب اصطحابهما لمكان فهما مشاكسان، سأقوم بأخذ الفتاتين فقط))

اتسعت عيناها ثم استنكرت

((مشاغبان! انهم مسكينان.. أرجوك يا مُؤيد دعني أناديهما لتأخذهما، أو سيحزنان لو عرفا بأنك أخذت ابنتا أخويك ولم تأخذهما مجددًا))

تمتم لها وهو يغادر جناحها متجاهلًا رجاءها

((اسكتي يا امرأة))

تقبضت يدا رتيل غضبًا ودمدمت بغل بعد أن رحل

((تبًّا لك يا مُؤيد))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...