الفصل 172 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
15
كلمة
6,431
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل السادس

وصل مُصعب بسيارته عند مزرعتهم البعيدة ليركن السيارة جانب الطريق المُعَبَّد ثم يرتجل هو ونورين منها..

مضى يسير الطريق ونورين خلفه فوق بساط مزرعتهم الأخضر الممتد على مساحة شاسعة بينما الأشجار الخضراء متباينة الأطوال موزعة في كل مكان..

لامست نسمات الهواء النقية المنعشة بشرة نورين التي كانت توزع نظرها في الأرجاء وعينيها لا تتعبان من التحديق والتمتع بسحر هذه المزرعة..

توقف مُصعب عند مسافة بعيدة نسبيًا عند خلية نحل كبيرة مثبتة على شجرة بارتفاع ما يقارب خمسة أمتار عن الأرض.. فتساءلت نورين ونظرها مأخوذ للنحل

((هل خليات النحل هناك هي لكَ؟))

((نعم.. إنهم لي))

ثم أشار إلى صندوق من الخشب الرقائقي حوله شبكة وقال

((تلك هي المصيدة التي صنعتها لجذب سرب النحل))

تساءلت وهي تراه يحدق في خلية النحل

((العسل الشهي الذي نتناوله عادة مع خبز الفطور يأتي من هنا إذن، لكن متى سيحين موعد عملية جني العسل مرة أخرى؟))

((بعد أشهر.. سيكون العسل المخزن في الأقراص العسلية ناضج))

((هل ستبيع لاحقًا هذا العسل؟))

((اهتم بهذه الخلية هنا كشيء يصب في مصلحة الطبيعة والزراعة لا كهواية أو من أجل بيعهم، تربية النحل من الأساس لا تجلب الكثير من المال لما تحتاجه من الكثير من الوقت والجهد والمساحة))

همهمت له ثم أسرعت نورين خلفه عندما بدأ يسير للأمام.. وكلما سارا أكثر تبين لها في نهاية الطريق مَعلَم عبارة عن بركة ماء.. بركة ماء المزرعة.. فاقتربت أكثر من البركة بذهول يجتاحها ثم أخفضت نفسها لتغمر يدها في الماء المنعش.. قائلة وفي عينيها بريق خاص

((كان هناك بركة مشابهة لها في مزرعة جيراننا..))

ثم أكملت ساخرة بشيء من المرح

((لكن مساحة تلك البركة لم تكن تتجاوز أربعة متر مربع وكانت مبنية من الإسمنت وتصب فيها ماسورة ممتدة من أسفل الأرض تلتصق بجدرانها الطحالب الخضراء العالقة في القاع أيضًا))

ابتسم مُصعب الواقف خلفها ابتسامة جانبيه لما قالته لكنه لم يعقب.. بل سألها بعد دقيقة وهو يضع يديه بجيبي بنطاله بينما يقترب منها

((هل كنتِ تنزلين فيها؟))

حدَّقت نورين ببهجة في بريق الشمس المنعكس على سطح الماء كحبات اللؤلؤ من شدة صفاء الماء بمشهد يذهل العقول.. ثم انتبهت لسؤاله لتناظره وتخبره مبتسمة بشجن الماضي

((نعم كنت أنزل أنا وإخوتي، ولا حاجة لأخبرك أن صوت الآلة التي ترفع الماء فيها كان يصل إلى القرى الأخرى من شدة إزعاجه، لكن لم نكن ننزعج منه بل كنّا نستمتع به كأنّه لحن لموسيقى السعادة))

شيء ما فيما يتجلى على ملامحها جعله يطالعها باهتمام وتركيز أثناء حديثها.. يمعن النظر بعينيها البنيتين ذات البريق الخاص كيف تعود لتحدق بالماء وهي مستمرة بتمرير أناملها المغمورة في الماء.. فأنخفض جالسًا القرفصاء بجانبها ثم سألها

((هل ترتدين ملابس ساترة تحت عباءتك؟))

تطلعت له عاقدة الحاجبين تجيبه بصوتٍ مستغرب

((نعم ارتدي بنطالًا قطنيًا وقميصًا طويلًا))

أنزل سَحّاب قميصه مرددا

((يمكنك إذن خلع العباءة، لن يمر أي أحد هنا، لا تقلقي))

اتسعت عينيها بحيرة تسأله دون كلام فاسترسل بهدوء وهو يخلع حذاءه الذي ينتعله

((ألا تريدين النزول للماء؟ أرى الرغبة واضحة في عينيكِ))

مالت شفتاها في ابتسامة غير مصدقة تلقائيًا لتقول ببهجة عذبة

((نعم أرغب حقًا في السباحة رغم أني لا أجيدها))

وبمجرد أن رأته ينزل للبركة حتى تحررت من عباءتها دون حجابها.. ثم سارعت تغمر ساقيها داخل البركة.. وما إن رست بتوازن مختل على أرضها حتى قالت بسعادة تجتاحها

((كم تمنيت أن أخذ دورة سباحة..))

دمدم مُصعب وهو يغمر نفسه أكثر داخل البركة

((لديكِ أمنيات كثيرة..))

همهمت وهدرت له

((السباحة بالذات حاول أبي بصغري تعليمي إياها عندما كنا نزور البحر، أعطاني عدد وافر من الدروس بلا فائدة حتى يأس))

قال لها بتلقائية

((إذا كتب الله لي في الوقت القريب أن اذهب للبحر.. سأصحبك معي هناك وربما أنجح فيما فشل والدك به))

نظرت له فجأة بتعابير مندهشة غفل عنها لأنه لم يكن ينظر لها.. غير مصدقة أنه يعرض ذلك من تلقاء نفسه! وعند هذه النقطة بدأت تتقافز دقات قلبها بهياجٍ صاخب.. وبالكاد تماسكت وازدردت ريقها في محاولة منها لتتماسك وألا تعلق على جملته فتستفزه وتجعله يركز فيما يعرضه عليها ويتراجع..

تنهدت براحة وسعادة ثم رفعت وجهها للأعلى لتشعر بالسماء سقفا للبركة مرتكزة على أشجار النخيل المحيطة بها.. حتى تغريد الطيور يرافقهم وكأنهم مصريين على مشاركتهم المتعة والانسجام.. فقالت بمرح

((كان علينا جلب بعض الوجبات الخفيفة، بسكويت أو عصائر منعشة))

رفع مُصعب رفع ذقنه يطالع الأشجار قائلًا

((لم الوجبات الخفيفة؟ انظري لأشجار النخيل من حولك، سأجلب لكِ منها تمرًا لذيذًا))

زمّت شفتيها بعبوس ثم قالت له محتجة

((تقصد تمرًا غير مغسول يحوي آثار مناقير الطيور التي ذاقته قبلنا؟ لا شكرًا لستُ جائعة))

هز كتفيه بهدوء لها ثم جلس على بلاط البركة واتكأ بظهره لجدارها.. فقالت نورين محاولةً ألا تسمح للصمت أن يكون ثالثهما

((لو كنت لا زلت أعيش عند والدي في قريتنا لكان الآن قد حان موسم قطف اللوز الأخضر أو الكرز))

((هل تحبين موسم القطف؟))

((نعم استمتع به وكأنه نزهة، وعلى سيرة النزهة فلماذا لا نذهب بين الحين والآخر إلى هنا كرحلة؟ يتخللها حفلة شواء أو جلسات قراءة؟))

عقد حاجبيه ينظر لها مدمدمًا

((قراءة؟))

هزت رأسها بعفوية تقول وهي تسرح بشرود جميل

((نعم فما أمتع القراءة وأنتَ في أحضان الطبيعة، ليتني جلبت من بيت عائلتي كتاب تاريخ الأندلس لأكمله في وقت فراغي، الحقيقة معظم وقتي هنا هو وقت فراغ))

كان مُصعب يغمر نفسه بالماء أكثر فلا يظهر إلا رأسه وهو يخبرها بفتور

((استغلي أوقات فراغك في النوم، النوم أفضل شيء لتقضي على الملل والفراغ وتتعافي من المتاعب))

رفعت ذقنها له تخبره بشفة مزمومه

((شكرًا لاقتراحاتك الثرية، ولكن أنا أُفضِّل أن امضي وقتي في أمور أفضل من النوم كالحضور هنا، لكن لن أقدر المجيء هنا وحيدة))

نظر لها يسألها بوجوم

((ماذا كنتِ ستفعلين لو كنتِ تستطيعين الحضور؟))

تنهدت نورين وعيناها تجولان في المكان من حولها ثم تجيبه

((سأقرأ الكتب.. وأيضا سألتقط صورًا للطبيعة، وأتمشى بين أشجار النخيل))

قال لها بنفس ملامحه السابقة

((يمكنك فعل هذه الأمور في حديقة منزلنا..))

نظرت له عاقدة الحاجبين

((أحيانًا اشعر بأن والدتك لا تحب أن اخرج إلى بيت سمية فما بالك الجلوس في الحديقة لوحدي!))

اختلج شيء فيه بعدم رضا إلا أنه قال

((لربما تخشى من مرور أحد المزارعين أو العاملين في الحديقة عليكِ))

قالت نورين ببؤس

((معها حق في ذلك))

عاد الصمت ينتشر بينهما فقالت متسائلة بأي شيء على طرف لسانها لتقطعه

((هل تتذكر ما هي دراستي التي أخبرتك بها؟))

رفع مُصعب عينيه للأعلى في محاولة تذكر فشل بها قبل أن يعود لينظر لها متسائلًا

((ماذا سبق وأخبرتني بأنكِ درستِ؟))

لم تحزن لنسيانه الأمر كما ينسى معظم الأمور المتعلقة بها بل ابتسمت لقابليته للحوار معها الآن وعدم إظهاره أي صد..

فكم هي دافئة فكرة أن يكسر مُصعب إحدى قواعد الصمت لأجلها.. وكأنه يعتاد عليها أكثر مِمَّا سبق.. فتنهدت بشيء من السرور ثم أجابت

((أنهيت هندسة الجينات، وحصلت على درجة الماجستير فيها.. كان حلمي أن أترقى للدكتوراه، لكنها غير متاحة إلا في الخارج))

زمّت نورين شفتيها وهي تشرد بعينيها وتذكر بأنه سبق وتقدم ابن صديق والدها لها ووافقت عليه بلهفة بعدما أخبرها بنيته في السفر خارجًا لإكمال دراسته.. فكان هو فرصتها الذهبية لتكمل تعليمها غير المتاح هنا وقد نشأت في عائلة محافظة جدًّا لا تقبل سفرها وحيدة! حتى جاء ذاك المشهد المشؤوم الذي أخبرها والدها فيه بشكل صادم ومفاجئ بأنه قرر رفض طلب زواجه منها لأنه سأل عن الشاب واتضح بأنه غير مناسب لها.. فاستغربت من كلام والدها غير المنطقي وقد كان أكثر من شاد وأثنى على أخلاق ابن صديقه.. لكنها أدركت فورًا أن سبب رفضه له هو موافقته على جعلها عروسًا للثأر، عروسا لوقف النزاع بين عشيرتها وعشيرة الكانز..

رمشت بعينيها وهي تحاول التخلص من تلك الغصة المسننة التي اعترضت حلقها بينما سمعته يقول

((لقد أخطئتِ اختيار التخصص، فالرغبة وحدها ليست معيارا كافيا للدراسة، كان عليكِ أن تتحري سوق عمل التخصص أيضًا))

((لو أكملت الدكتوراه لكنت استطعت التدريس في الجامعة.. وأظنه عمل جيد للمرأة))

((صحيح))

أخفضت نورين جسدها المغمور تحت الماء أكثر مثل مُصعب شاعرة بالانتعاش والحيوية ووجدت نفسها تقول له بنظرات متلكئة

((كانت النساء عند أمك يتحدثن عن زوجتك السابقة، ابنة عمك، وبأنكما لم تنجبا خلال فترة زواجكما))

ضاقت عيني مُصعب قليلًا دون أن يفقد رباطة جأش

((صحيح.. فرشا لم تكن تريد الإنجاب في بداية زواجنا، وأنا احترمت رغبتها، ثم حصل الطلاق بيننا بعد سبعة أشهر..))

ظهر شيء من الذهول عليها وهي تتطلع عليه رغم أنه كان يتجنب تواصل النظر بينهما.. وبدا أمر تسامحه بشأن الإنجاب مع رشا مثيرًا للريبة.. خاصة وأن مسألة زواجه منها برمتها حدثت بعرف النهوة ورغمًا عنها!

تحرك حلقها عندما لاحت في عينيه الجميلتين آثار الغبن والقهر.. والغضب أيضًا.. وبصوت خافت لا يخلو من اهتمام وفضول شديد لم تنجح في لجمه

((لماذا تزوجت من ابنة عمك بعرف النهوة رغمًا عنها وعن الرجل الذي كانت مخطوبة له؟ هل كنت تهيم بها عشقًا وتخشى أن تذهب لغيرك؟ أم كانت غايتك الانتقام من والدها كما يروجون في الإشاعات عنكَ؟))

تصلَّب وجه مُصعب بغضب للموضوع الذي فتحته الآن ليقول صارمًا بلا تردد

((لا أحب الحديث عن موضوع ابنة عمي، لقد تطلقنا منذ زمن وهي تعيش بجانب والدتها في إحدى الدول الأوروبية.. وصدقي أو لا لكن لم أحبها يومًا.. لا قبل الزواج.. ولا أثناءه حتى.. بسببها مررت بالكثير من الأمور التي لا أحب تذكرها))

برقت عيناها باستنكار.. ثم قالت بحيادية تواجهه بشجاعة

((بسببها؟ ولكن أنتَ من حجرت عليها وجعلتها تفترق عن خطيبها الذي تحبه ويحبها، هربها منكَ لم يكن صحيح ولكنه ردة فعل متوقعة على زواجك منها رغمًا عنها))

ازدرد مُصعب ريقه ببطء.. وكان كلامها بمثابة طعنة طائشة فوق صدره.. طعنة غير عادلة.. وكأنها حرفيًّا شقّت صدره وأصابت موضع نزفه وأوغرت فيه.. قبل أن يسمعها تقول بخشية وشيء من التردد

((هل غضبت مني؟ أنا أسفه.. انسَ كل ما تحدثت به))

قال مُصعب بهدوء قاتم بوقع الألم به

((أنتِ محقة في كل ما قلتيه، لقد أخطأت في الزواج منها بهذا الشكل.. ولكن كانت لدي أسبابي، وإلا لم أكن لارتكب ذنب عظيم بتفريقها عن رجل مخطوب منها!))

لفها مزيد من الذهول! وعرفت رشا ليست امرأة عادية في حياته! لكنها غمغمت بنعومة وعاطفة صادقة وهي تمد أصابعها ببطء فوق كتفه

((أنا أصدقك..))

جفل عند لمستها وهو يبعد كتفه عنها لكنه التفت ينظر لها بهدوء يشوبه بعض العبوس.. ثم قال برباطة جأش

((حتى لو كنتِ لا تصدقيني/ فأنا بالفعل دفعتُ ثمن حجري عليها، يكفي نظرات احتقار كل من في القرية لي لأني تزوجتها بهذا الشكل.. يكفي شماتتهم بي عندما تسللت هاربة رغم أن الطلاق وقع بيننا قبل ذلك على عكس ما يشاع.. لقد قررت آنذاك ألا أتزوج بعدها ما حييت، لكن قبل الزواج منكِ بأشهر غيرت رأيي مع إلحاح والدتي التي كانت تخطط لتزويجي من نجلاء..))

تحرك حلقها وهي تحاول التغلب على الغصة المؤلمة التي سدته فجأة.. ثم سألته بصوتٍ مضطرب ومختنق

((ولماذا لم يُتَمم الزواج؟ بسببي أنا؟))

((لا ليس بسببك.. لم يكن ليحدث الزواج في أي حال من الأحوال))

هزت رأسها وكأنها تحلل ما سمعته منه ثم همست

((قالت رتيل بأن والدها لم يكن موافقًا على زواجك منها قبل أن تنهي جامعتها وتعليمها..))

شرد نظره أمامه وهو يرد

((يمكنك اعتبار هذا أحد الأسباب، المهم الآن نورين..))

بتر كلامه للحظات يحاول التحكم في غضبه الذي تأجج في داخله ثم طلب منها بلهجة آمرة ونبرة خافتة

((أحب أن أتجاهل الماضي بكل ما فيه من أمور حدثت لي، لننهي هذا الموضوع لأني لن أتحمل أن يلاحقني الماضي حتى الآن ويفرض نفسه بمنتهى التسلط عليّ))

قطبت حاجبيها تقول بصوتٍ واجم

((أي ماضي؟ من تقصد؟ ابنة عمك أم نجلاء؟))

قال بصوتٍ أجش غاضب رغم هدوءه

((نورين، لقد قلتُ لكِ بأني لا أحب الحديث بأي شيء متعلق بماضيَّ، لذا فلنتوقف إلى هنا))

شعرت بشيء من الضيق.. فهي تكره الغموض الذي يلف مُصعب.. لا والأنكى بأن هذا الغموض زاد أكثر بعد حديثهما هذا.. فتمتمت باقتضاب

((حسنًا سنتوقف))

لم تنل ملامحها راحة مُصعب فقال بحزم ولهجة شديدة

((أنا جاد.. لا أحب الحديث في أي شيء متعلق بالماضي.. خاصة زواجي السابق بابنة عمي.. لو سمحتي لا تفتحيه أبدًا.. أبدًا.. فكل شيء بيننا انتهى..))

تطلعت له حانقة وقالت له بنزق

((حسنًا لا داعي لتكرر، لقد فهمت..))

استنكر ما قالته فهتف عاليًا معترضًا

((لستُ غاضبًا))

بالكاد منعت دمعة حارة من الانزلاق على خدها وهي تقول بحاجبين معقودين

((بل أنتَ كذلك))

انفلتت أعصابه بشيء من الانفعال وهو يزجرها

((قلتُ لكِ بأني لستُ غاضبًا))

كانت صرخته عليها كفيلة أن تجعلها تزم شفتيها بقهر وتنكِّس نظرها..

اتسعت عيناه قليلًا وهو يدرك حاله، ليغمض عينيه ويزفر نفسًا ضائقًا.. أما هي فأحتلها صمت حزين واعتراها الشرود وهي تغمر جسدها أكثر تحت ماء البركة..

مرت دقائق عليها قبل أن تجفل على مُصعب يمسك يدها ويقول بهدوء واسترخاء نجح في استعادته

((أنا آسف، لم أقصد الصراخ عليكِ، لكن أي شيء يتعلق برشا يثير غضبي رغمًا عني، فلا تذكري سيرتها أبدًا أمامي..))

تطلعت بذهول ليده الممسكة بكفها تحت الماء وقالت بتسامح

((حسنًا لن أفكر بالأمر حتى، أساسًا لا يحق لي أبدًا التدخل في علاقتكما السابقة بما أنها انتهت..))

أفلت يدها قائلا بشيء من العرفان بينما يحرر كفها

((شكرًا لكِ..))

وسرعان ما تألق ثغرها ببسمة لطيفة.. إنه يهتم ألا يكون سبب حزنها..

ازدادت ابتسامتها وهي تمعن النظر بجانب وجهه.. مُصعب.. غامض.. غامض جدًّا.. لغز كبير.. محكم الإغلاق.. يلفه شيء من التناقض.. ورغمًا عنها يأكلها الفضول بشأن ماضي علاقته مع ابنة عمه..

لماذا تزوجها؟ ومن خلال النهوة؟ ولماذا هربت من البلاد إذا كان قد حررها منه بالفعل؟

لقد عاشرت مُصعب أشهر طويلة وهي لا تصدق بأن شخصًا يتمتع بدماثة خلقه مثله يمكن أن يقدم على شيء كهذا!

فماذا حدث في الماضي؟ وماذا كان في ابنة العم تلك لتجعله يقدم على ما فعله ويخرج عن رزانته المألوفة عنه!

هل فعل ما فعله لأنه كان يحبها ولا يتحمل أن يمتلكها غيرها؟ أم كان فقط يريد الانتقام من عمه فيها كما سبق وسمعت؟ هي لا تنكر أن ما فعله خطأ لا يمكن التسامح به.. إلا ولأنها لا تعرف دوافعه التي تحدت عنها بشيء من المقت قررت أن تعذره.. فعلى الأقل استردت ضحية ما فعله بعض من حقوقها في التحرر منه والسفر بعيدًا..

كان غروب الشمس قد بدأ بمشهد خلاب فوقف مُصعب من مكانه بحذر.. يخرج نفسه من البركة بثيابه المثقلة بالماء..

عرفت نورين بأنه اكتفى من البقاء ويريد العودة فخرجت منها هي الأخرى ثم وقفت فوق الأرض الصلبة تعصر طرف قميصها وبنطالها المبللين بالماء بقدر استطاعتها..

التفتت من حولها وسألت بشيء من التوجس

((مُصعب.. هل هناك حمامات قريبة؟))

رمقها مصعب بتسلية صامتة ثم قال

((الحقيقة هي مرات معدودة نزلت لهذه البركة في طفولتي وكنت أسير بثيابي المبللة طوال الطريق مشيًا إلى المنزل الذي نقطن به واترك مهمة تجفيفي إلى التيارات الهوائية الآتية من جميع الاتجاهات))

ارتفع حاجباها استخفافًا مع ابتسامتها الساخرة وهي تتجاوزه بينما تقول بما يشبه الدعابة

((تمر غير مغسول.. وتترك نفسك مبللًا لساعات؟ لهذا أنتَ معتل الصحة))

ثم التفتت له تكمل بحماس ورقة

((لكن فكرة السير للمنزل ستكون جميلة))

مرت عينا مُصعب على تفاصيل جسدها والملابس المبللة الملتصقة به أمامه لتنطبق شفتاه بقوة ثم قال بهدوء

((ليست فكرة جيدة، سنعود بالسيارة، لكن ضعي عباءتك فوق مقعدك ومقعدي في سيارتي الغالية حتى لا نفسدها كثيرا))

اعترى العبوس ملامحها فقالت

((إذن لنجلس هنا أكثر قبل أن نعود))

حدجها بنظرات متجهمة بمعنى الرفض لكنها لم تبالِ به بل استلقت فوق العشب تغمض عينيها وهي تمد ذراعيها في الهواء كما لو كانت تسبح وتضرب العشب الطويل بكلتا يديّها كالسابح في الماء..

أطلق زامور السيارة عدة مرات لها لتأتي ففتحت عينيها تتنهد باستسلام إذ أنها لا تريد مبارحة المكان وكأنها طفلة..

انتصبت واقفة من مكانها متجهة نحو سيارته حافية القدمين فوق العشب الغض.. ثم استقلت السيارة ورغم عدم رغبتها بالعودة لذاك القصر الكئيب إلا أنها كانت فرحة ومبتهجة للوقت الذي قضته هنا.. ومعه..

ركن مُصعب سيارة عند مصف عائلته وارتجلا من السيارة بخفوت متجهين نحو باب المطبخ.. الذي فتحه ودلف للداخل مطرق الرأس فتراخى فك منال التي كانت متواجدة في المطبخ للأسفل وهي ترى مُصعب ونورين يدلفان للداخل متسللين بمظهر أشعث رث..

تجاوزاها وبمجرد أن وصلا جناح مُصعب حتى أغلق الباب خلفهما لتنفجر ضحكات نورين المكتومة وهي تقول

((لا بد أنه مصدومة من أشكالنا للآن))

ردّ والغيظ يسكن صوته

((هل رأيتِ كيف تسببت لنا أفكارك المجنونة بالإحراج!))

تطلعت له بابتسامة مشرقة على الرغم من الفوضى التي تلطخ وجهها وملابسها

((كان اليوم من أجمل أيامي منذ أن دخلت لحياتك الكئيبة الروتينية المملة))

مال بشفتيه بابتسامة متهكمة يرد وهو يخلع قميصه

((ارحميني، لا تشعريني بأنكِ كنتِ تعيشين مغامرات في كل يوم من حياتك قبل دخولي لها))

.

.

أنهت نورين تجفيف شعرها بعد أن اغتسلت هي الأخرى ثم أطفأت إنارة الغرفة وقفزت فوق السرير ليقول هو على الفور بينما يرشقها بنظرات صارمة

((ظهري حرفيًا محطم فلا داعي لثرثرتك الليلية أرجوكِ واسمحي لي بالنوم باكرًا))

كانت بالفعل قد قررت ألا تتحدث معه الليلة.. فرجل كمُصعب عديم الإحساس بالعاطفة ويتميز بالغموض ويفضل الصمت دائمًا عن الإفصاح عن مشاعره.. لا أفضل من مكافأة تمحنها له على خروجه معها ألا أن تتركه يتنعم بصمتها.. فرفعت يدها بجانب رأسها تلقي تحية عسكرية هادرة بمرح

((عُلم يا باشا))

رمقها بغيظ ثم أسدل جفنيه.. لكن تناهي لسمعه صوت نورين وهي تقول

((قبل أن أقول طابت ليلتك، أريد أن اطلب منكَ متى ما تجد وقتًا أن تشتري لي أحد الكتب التي سبق وقرأتها وأعجبتك))

فتح إحدى عينيه مغمغمًا

((لستُ مولعًا بالقراءة، ربما آخر كتاب قراته كان قبل أشهر))

ابتسمت لعينيه وهمست وأنفاسها تمتزج بأنفاسه

((لا بأس، المهم أن تكون قد قرأته لعلي أفهم قليلًا عن شخصيتك من الكتب التي تقرأها))

تبدلت أنفاس مصعب وابتعد ليدمدم باضطراب مكتوم

((ظريفة جدًّا!))

قالت له بعفوية مغلفة بالمرح

((لا أنا جادة، من الأساس أنا أريد كتبًا حتى اقرأها وأقلل من الملل الذي أعيشه هنا.. ولا هاتف لدي لأقرأ الكتب الإلكترونية.. فاشتري لي بعض الكتب))

سألها بصوتٍ باهت وملامح منزعجة

((أحقًا لا تجدين شيء تفعليه هنا؟))

ارتسم الأسى على ملامحها الجميلة، وهمست بشحوب رغم ابتسامتها ونظرها شارد

((أبدًا.. فزوجات إخوتك لا يحباني، وسمية مشغولة بعملها في الحديقة وأشعر بأني أشغلها عنه))

احتدت مقلتاه بضيق شديد، وبدا أنه ضيق من نفسه، ثم قال لها

((أنا مقدر لوضعك وليت بإمكاني فعل أي شيء آخر لكِ))

أجلت حنجرتها التي حلت بها غصة لتقول بامتنان صادق

((أنا لا أريد أكثر من هذا منك.. طابت ليلتك))

تقارب حاجبي مصعب وعقب

((وأنتِ أيضًا))

بمجرد أن نام حتى خرجت من سريرها بخفة وذهبت للثلاجة تخرج كل علب مشروبه الغازي الذي يستمر بإحضاره وتركت له علبتين فقط.. ثم خبأت الباقي حتى تتخلص منهم لاحقًا.. ثم عادت تضجع عليه وأسدلت جفنيها وضلت تتقلب في سريرها لدقائق طويلة دون جدوى.. لم تقدر على النوم من فرط البهجة التي كانت غمرت قلبها اليوم.. فتطلعت لجانبها إلى مُصعب حيث كان هذه المرة لا يعطيها ظهره أثناء نومه..

تنفسه المنتظم دل على عمق نومه.. فمدت يدها الناعمة تلامس خصلاته البنية تنظر لوجهه عن قرب مبتسمة..

لكن بعد دقائق ابتلعت ريقها بصعوبة وفكره خبيثة تراودها بدفن نفسها في أحضانه كعادتها.. هل سيستيقظ لو فعلت؟

وبالفعل اقتربت وأحاطته بأوصالها لتتسلل راحة رهيبة لروحها وتغمض عينيها.. وبعض الرضا يتسلل إليها فيملأ فراغ ورقة مشاعرها..

=============================

أنهت رتيل تصفيف شعرها بأناقة أمام منضدة زينتها ثم عادت تمسك هاتفها وتتمدد على سريرها وهي تسمع غنوة تخبرها بتوق

((لقد اشتقتُ لكِ يا رتيل، متى ستأتين لزيارتي؟))

تجلّى الإحباط فوق ملامح وجهها كما نبرة صوتها وهي تقول

((لا أدري يا غنوتي، عاد مُؤيد بالأمس للبيت كما عادته كل أسبوعين، الآن انتظري فقط حتى أستطيع إقناعه بأني مشتاقة حقًا لزيارة أمي حتى يوافق على خروجي))

خرجت تنهيدة فاقدة الصبر من غنوة

((من وجهة نظري يا رتيل، بما أنه لديكِ شهادة، أقنعيه بحاجتك للعمل، ووقتها نستطيع الالتقاء ببعضنا دون الحاجة لاختلاق الحجج والانتظار كثيرًا في كل مرة))

عبست ملامح رتيل لتجيبها

((مستحيل، أنا أعرف مُؤيد لن يقبل، وحتى لو قبل فعائلته ستكون له بالمرصاد، فغير مسموح عندهم للمرأة العمل لأن عليها أن تجلس معززة مكرمة وكل احتياجاتها وما تريده يصلها إلى عقر بيتها))

قالت لها غنوة بإصرار

((اقنعيهم أن حاجتك تكمن في العمل والخروج والتعامل مع البشر بدلًا من دفنك داخل الجدران))

انعكف فم رتيل بمرارة لتقول

((مستحيل، فعقلهم راسخ بأن خروج نسائهم للعمل إهانة لها ولهم ويعني أن لا رجال بعائلتها ينفقون عليها.. ألم أخبرك قصة أخيه الأكبر الذي لم توافق عائلته على زواجه من زميلة له في الجامعة إلا بشرط أن تعيش معهم في هذا القصر وألا تعمل أبدًا، أشك بأن سبب وفاتها هو غمها من هذه العائلة لا مضاعفات ما بعد الولادة))

وصلت الصورة كاملة لغنوة فقالت بصوتٍ ممتعض مائع

((حياتك هذه تشعرني بالاختناق!))

اعترى العبوس ملامحها رتيل وقالت

((اصبري يا غنوتي عليّ قليلًا، أعدك بأني سأحاول أن اخذ موافقته.. عليكِ أن تشكري الله بأن عائلتي تسكن في قرية أخرى لا هنا، حتى أستطيع أثناء زيارتك المكوث عندك دون أن يلاحظ أحد))

همهمت لها غنوة ثم عادت تقترح بمكر

((هل فكرت قبلا في الطلاق مثلي وكسب حريتك والتخلص من سجنه الذهبي؟))

شيء من الضيق اكتسح رتيل فاعترضت على الفور وقد تكدرت ملامحها

((لا.. لا أريد..))

سألتها غنوة باستنكار وكأن رتيل تنطق بالعجب ((لماذا؟))

للحظات لم تعرف رتيل ماذا تجيبها وتجولت بنظرها في أرجاء غرفة نومها.. حتى قالت أخيرًا بصوتٍ لا يحمل شيء من روح كلماته

((أحيانًا أشعر باني أحبه))

خرجت من غنوة شهقة مستهجنة طويلة ثم قالت

((ماذا قلتِ؟ تحبينه؟ "الأستاذ مانع"؟ ولكن أنتِ هكذا تنسفين كل ما سبق وقلتيه عنه!))

تأففت رتيل من سخرية صديقتها فردت باستخفاف

((حسنًا أنا لا أحبه بل أخاف أن أفقد كل ما حصلت عليه من حريات شحيحة بعد زواجي منه))

لم تفهم غنوة عليها فسألتها

((ماذا تعنين؟))

هدرت رتيل بجدية وهي تتخلل شعرها بأناملها

((نعم يا غنوة أخاف أن أخسر كل ما لديَّ لو تحررت منه.. ألا تعرفين كيف هي الحياة في عائلتي؟ هل تظنين بأن شقيقاي سيتركانني بحالي عند طلاقي؟ بل سأترحم على الأيام التي كنت أعيشها هنا، فأفراد عائلتي المتخلفين أصحاب عقليات متحجرة، أكثر من مُؤيد))

بدا الإحباط جليًا في نبرة صوت غنوة

((إذن ابذلي جهدًا في إقناعه بالخروج في أقرب وقت ممكن، الجئي لتلك الحيل الأنثوية في إقناعه))

قالت رتيل بقنوط وحسرة

((وهل تظنين أن مُؤيد قد يتأثر بتلك الحيل الأنثوية مثل باقي الرجال؟ إنه من الأساس يصر دائما على وضع حاجز نفسي بيني وبينه، فيظل متجهمًا معي ولا يبتسم على عكس ما يظهره من أريحية وضحكات عندما يكون مع عائلته أصدقائه))

صمتت رتيل ومشهد قديم لمُؤيد مع شقيقه مُعاذ عندما كانا في السطح يعود ليحتل المشهد أمام بصرها الآن..

اعترف مُؤيد فيه بلسانه بأنه لا يسمح لها بتجاوز تلك المسافة أو الحاجز بينما لأنه لا يحبها وليست فتاة أحلامه..

وتزوجها فقط ليثبت للآخرين أنه رجل صالح مطيع لعائلته ومتزوج من أمرأه تليق بإنجاب أبناء لهم..

نفضت رتيل رأسها تخرج تلك الكلمات من عقلها ثم قالت بصوتٍ حزين لغنوة وهي تعتدل جالسة

((سأقفل الآن فقد ينهي مُؤيد حمامه ويخرج الآن.. هل تريدين أي شيء مني يا..))

بترت رتيل كلامها وهي تنتفض بذعرٍ للخلف.. التصقت بظهر السرير بتيهٍ بينما تشاهد زوجها يرتدي مئزره ويتقدم منها بوجه غير مقروء الملامح..

اقترب مُؤيد الذي كانت تتساقط قطرات المياه من شعره المبلل منها وبصلابة سحب منها الهاتف الذي تمسكه وضغط على مكبر الصوت ليصله عاليًا الصوت الأنثوي

((رتيل.. رتيل.. أين أنتِ يا رتيل؟ حسنًا لا أريد شيئا إلا سلامتك.. وأعانك الله على أستاذ مانع.. إلى اللقاء))

ما إن أُغلق الخط من الجهة الأخرى.. حتى همس مُؤيد بصوتٍ جليدي متشنج

((مع من كنتِ تتحدثين ولماذا كنتِ تريدين أن تقفلي قبل مجيئي؟ ما هو الشيء الذي لا أعرف عنه هنا))

كان مُؤيد يغلي من الغضب الكامن بداخله من الظنون التي تكالبت فوق رأسه في هذه اللحظة رغم أن شيء طفيف في داخله هدأ لان الصوت كان لأنثى لا رجل..

نبش الرعب مخالبه على خافق رتيل لأن مؤيد قد سمع أخر ما تحدثت به مع غنوة.. ورغم أنها شعرت بحلقها جاف إلا أنها قالت بصوتٍ يرتجف خوفًا

((إنها صديقتي، صديقتي أقسم لك))

سألها بصوتٍ أجوف

((من هذا "الأستاذ مانع" الذي تحدثت عنه معكِ؟))

تمتمت رتيل بصوتٍ خافت لا يكاد يسمع ووجهها يزداد شحوبًا

((ما.. ماذا!))

هدر مُؤيد بجنونٍ مطبق ووقد اسودت الرؤية أمام عينيه من الاحتمالات في رأسه

((أجيبي من هو الأستاذ مانع؟))

انكمشت على نفسها وأغمضت عينيها تخبره بخوف جلي

((إنه.. إنه.. أنتَ))

انفرجت ملامحه فجأة لتتبدل بأخرى مصدومة وهو يسألها ببلاهة

((ما.. ماذا! أنا.. لماذا دعتني أنا بـ "الأستاذ مانع"؟))

فتحت رتيل عينيها تسترق النظر لوجهه وأمارات عدم الفهم المتجلية عليه تجيبه بتلعثم

((لأنه.. لأنه..))

كرر عليها بعصبية

((لأنه ماذا؟ هيا أجيبي؟))

اختلجت شفتا رتيل وهي تجيبه باختناق

((لأنكَ من وجهة نظرها رجل نكدي و"تمنع" عن عائلتك كل شيء له علاقة بالسعادة))

نظر لها ببلاهة لا يستوعب

((ماذا تقولين؟))

رمقته رتيل بنظرةٍ قوية غير آسفة ثم كررت

((نعم يا مُؤيد أنتَ "مانع" للسعادة، واسم مانع مناسب لكَ أكثر من مُؤيد.. حتى أنه يبدأ بنفس حرفك الأول))

ما إن أدرك مقصدها حتى هتف بها بعينين غاضبتين وهو يلوح بالهاتف الذي يمسكه

((ما اسم هذه الصديقة؟ أخبريني اسمها))

ازدردت رتيل لعابها بصعوبةٍ بينما تجيبه

((إنها غنوة..))

نظر مُؤيد للهاتف يطالع اسم غنوة على المكالمة ثم استفسر وهو يرفع إحدى حاجبيه

((غنوة؟ لم اسمع باسمها سابقًا أثناء حديثك))

حادت رتيل نظرها عنه وهي تهدر له بصوتٍ باهت

((أنا أتحدث معها بشكل يومي يمكنك حتى تفقد سجلات هاتفي))

وضع مُؤيد إحدى يديه على خصره بخشونة يرمي لها بوابل أسئلته

((ومنذ متى عندك صديقات؟ أخبريني من هي عائلتها؟ أين تسكن؟ ما هو اسم زوجها وعمله واسم عائلته؟))

قالت له بتروي بينما تحبك كذبها

((إنها جارتي في بيت عائلتي.. أعرفها منذ زمن.. عندما تأتي لبيت عائلتي يمكنك التعرف على زوجها والسؤال..))

مال مُؤيد ثغره بامتعاض ثم أمرها وهو يرمي هاتفها على السرير

((لا أريد التعرف على شيء متعلق بها، من الآن احذفي رقمها من عندك، ولا تتحدثي معها مرة أخرى))

هتفت له ساخطة وهي تشعر بالظلم

((ولكن لماذا؟ بماذا أخطأت لكي تطلب مني بكل تعسف أن احذف رقمها؟ أكل هذا لأنها تلقبك بـ "أستاذ مانع"؟))

أشاح بيده وهو يقول من بين شفتين غاضبتين متصلبتين

((ليست هي بل أنتِ المخطئة هنا وأنتِ تسمحين لها أن تستهزئ بزوجك بكل بساطة وتجارينها بدلًا من أن تزجريها وتتوقفي من تلقاء نفسك عن الحديث معها! كيف سمحتي لها بتسميتي "أستاذ مانع"؟))

قالت رتيل بنبرة قوية مغلولة

((ليست هي الوحيدة، بل كل من يعرف حياتي التي أحياها معك يوافق تسميتك ب"مانع" يا مُؤيد، أنتَ تمنع السعادة عنا))

اتسعت عينا مُؤيد مصدومًا منها.. الناس؟ هل حقًا يدعوه هكذا من خلف ظهره؟ زوجته الموقرة تقوم باطلاع الناس على طباعه الصارمة وطريقة معاملته لهم هنا! هتف بها متوعدًا

((إذن أنتِ تُخرِجين أسرار البيت للخارج ولا تحافظين على ما يحدث هنا، سأريكِ من الآن وصاعدًا وجهًا آخر وأعلمك كيف تحافظ الزوجة الصالحة على أسرار بيتها وزوجها))

شارت رتيل بيديها وهي تسأله بدهشة

((لا تبالغ يا مُؤيد، أنا لا أنشر أي من أسرارنا للناس، لا تبالغ بغضبك لمجرد دعوة صديقتي لكَ "أستاذ مانع"))

لكن بدل أن يهدأ همس بها من بين أسنانه وهو يضغط عليهم بشراسةٍ

((وترفعين صوتك عليّ ولا تحترميني! ما بوادر التمرد هذه! وضعك لا يُسكت عليه.. أبدًا.. ستتغير معاملتي معكِ ولن أظل على تساهلي، وسأحرمك من الامتيازات التي كنتُ أعطيها لكِ))

رمقته رتيل بغل.. ولم تشعر بأي خوف من كلامه.. فلطالما ألقى بها بهذه التهديدات الكلامية لإخافتها بدون أن يفعل شيء.. وحتى لو كان حقيقيًا فلِمَ قد تخاف من تغيير معاملته!

فليغيرها ولن يختلف شيء معها.. فسألته ببراءة باطنها خبث

((أي امتيازات ستحرمني منها؟))

فتح فمه يهم بالإجابة بغضب إلا أن الأمر انتهى به متلعثمًا والحيرة تسكن وجهه

((سأحرمك من الكثير منها.. مثل.. مثل.. مثل..))

رفع يده يحك مؤخرة عنقه ببلاهةٍ لا يعرف ما يكمل به تهديده ووعيده.. فأكملت عنه رتيل بسخرية ممزوجة بالحسرة

((هيا قل من ماذا ستحرمني؟ من السفر؟ من هداياك الثمينة؟ من مبادراتك الرومانسية؟ من كلامك المعسول وغزلك؟ من بثي كلمات العشق والغرام؟ أي حقوق.. أقصد امتيازات من التي سبق وسردتها ستحرمني منها؟))

اتسعت عيناه من تهكمها وقال لها باشمئزاز وكأن فعل هذه الأمور تنقص أو تجرح رجولته وشرقيته

((ما هذه الترهات التي تتحدثين عنها؟ هذاما ينقصني أن أقوم به من أجلك.. كلام عشق وغرام! مبادرات رومانسية! هل نحن مراهقان؟))

تطلعت له بحزن خالص وهي تهتف به بسخط

((ولماذا لا تفعله؟ بماذا ستنقص منك؟ أليس هذا ما يفعله الرجال لزوجاتهم؟))

رشقها بنظرات حانقة ثم ابتعد عنها يتجه لخزانة الملابس ليخرج منشفة يجفف فيها شعره.. في حين هي تنهدت ببؤس وهي تلتقط هاتفها وتقوم بإلغاء رقم والدتها لتضع عوضا عنه رقم غنوة.. على كل حال أمها دائمًا ما تحدثها من رقم أخيها..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...