الفصل 178 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس 6 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
11
كلمة
7,027
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثالث

سددت نورين نظرها لسمية وهي تضع المرهم فوق بشرة يديها الجافة المحمرة وفيها بعض من التقشير ثم تلفه بالضماد الأبيض فحاولت التطوع بود

((هل ألُفها عنكِ يا سمية؟))

هزت سمية رأسها برفض ثم ابتسمت ببشاشة وابتسامتها تشمل وجهها كله

((لا تقلقي لقد انتهيت))

عاد الشعور بالذنب يتجلى على وجه نورين معتذرة للمرة الألف

((أنا حقًا آسفة لأني سكبته عليكِ بغير قصد، قصدت أن أطيح به أرضًا، لم يكن عليّ التهور بهذا الشكل الطفولي))

عادت سمية تطمئنها بلطف

((لا تقلقي يا حبيبتي، لا أشعر بأي ألم، هو التهاب واحمرار طفيف.. ما زلت أستطيع القيام بكل النشاطات اليومية طالما أداوم على وضع المرهم))

أخذت نورين نفسًا عميقًا مشبعًا بالراحة.. كم تحب مجالسة سمية ذات الوجه البشوش المشرق وروحها النقية.. وكم هي ممتنة لأنها كانت في حياتها منذ زواجها وانتقالها لهذا المنزل..

تطلعت حولها في المنزل ثم تساءلت

((هل تحبين أن اقضي بعض الوقت مع يزيد قليلًا؟))

((لا داعي لا أريد إتعابك))

((لا على العكس.. أنا أعشق الأطفال جدًّا.. رتيل لا تقبل أن ألعب مع أولادها، وكذا الحال مع هدى التي تظل طويلًا في غرفة أمها.. فلا أجد غير يزيد))

أخبرتها سمية بصوتٍ رقيق

((أنه يحبك كثيرًا، ويحب نجوم، يستمتع برفقتكما أكثر مني))

أطلقت نورين ضحكات خافتة مرحة على كلام سمية ثم عادت تسألها بفضول

((إذن أين هو الآن؟ هل يلعب مع نجوم؟))

تقلصت ابتسامة سمية وأطرقت بوجهها قليلًا وهي تقول بشيء من الحرج

((لا.. مَالك تبرع بأخذه قليلًا.. إنه يحب أن يذهب معه لمباريات كرة القدم مع أصدقائه))

حاولت نورين ألا تظهر الاستغراب أو العجب وهي تقول

((لاحظت بأن مَالك يحبه كثيرًا ويحب أن يقضي الوقت معه))

ترددت أنفاس سمية داخل صدرها بشكل موجه لذكر نورين تعلق مَالك بيزيد.. إلا أنها حاولت أن تداري الأمر وهي تقول بارتباك

((صحيح.. معكِ حق.. إنه بالمجمل يحب الأطفال مثلك))

رفعت نورين حاجبيها بغير اقتناع.. فمَالك ليس هكذا مع أبناء إخوته.. هو هكذا مع يزيد فقط..

لكنها فضلت الاحتفاظ برأيها هذا لنفسها..

=============================

في غرفة مَالك..

كان متمددًا فوق سريره وخضرة عينيه شاردتين بنظراتٍ حزينة شاعرًا بالأسى على ما حدث لسمية.. ينقم على نفسه لعدم استطاعته طوال الأيام السابقة الاطمئنان عليها كما يجب..

وهي من جهة أخرى لا تخرج من بيتها الصغير إلا ما ندر بسب.. فقط لو توافق على طلبه وتعطيه حق حمايتها والدفاع لما كان سيحدث كل هذا.. إلا أنها عنيدة إلى حد اليأس.. أو أنها لا تحبه ولا ترى فيه رجلًا كافيًا لها بسبب ذلك الفرق اللعين بينهما..

أخفض عينيه ناظرًا للرسائل التي أرسلها لها دون ردٍ واحد منها.. هي في الأساس لا تجيب على رسائله أو اتصالاته أبدًا إلا عندما يتعلق الأمر بيزيد بإجابات رسمية ومتحفظة..

اعتدل جالسا على السرير يبدأ في تسجيل رسالة صوتيه بنبرةٍ عميقة جادة لها يهدر فيها

((مرحبًا سمية، أنا أريد فقط الاطمئنان من أنكِ لا تواجهين أي مشاكل ولا تحتاجين أي مساعدة، أرجوكِ أجيبِ أو سأضطر مرغمًا لإرسال نجوم أو أمها لكِ ليتفقدوا حالك.. وحينها لا تلومي أفعال وتدعي بأن أتعمد جلب الأقاويل لك))

كان صوته عبارة عن دوامة من الانفعالات الظاهرة من قلق وغضب وعتاب على جفائها بدون أن تطمئنه أو تخمد نيران قلقه عليها.. وكانت دقائق حتى وصله ردها كتابيًا ببرود مستشعر من بين حروفها

"أنا بألف خير.. نورين ونجوم يتفقدنني من وقت لآخر.. لو سمحت اترك يزيد ينام بجواري اليوم فإصابتي ستشفى قريبًا وسأعود للعمل في حديقة المنزل قريبا"

رغم كل شيء كلامها أثلج صدره وأراحه فكتب لها

"الحمدالله.. إذا ما شعرتي بأي ألم أرجوكِ لا تترددي في إخباري.. لكن دعي يزيد يضل معي طوال الفترة القادمة ولا تقلقي عليه فأنا أذاكر دروسه واعتني به أفضل منكِ بشهادته هو"

ترك الهاتف وهو موقن بأنها لن ترد عليه.. لكن حمدًا لله أن إصابة يدها لم يكن خطيرًا.. فبشرتها الصافية الملائكية الحساسة هي أكثر ما تثير المشاكل لها.. وهو كان أكثر من شاهد على ما تتعرض له من ألم وأوجاع والتغييرات عند تعرضها لشيء يهيّج حساسيتها..

وهنا حلقت ذاكرته إلى قبل سنوات طويلة.. إلى ما يقارب العِقد.. عندما كان هو في الثامنة عشر من عمره.. في حين كانت هي الخامسة والعشرين..

كان بعض من رجال القرية ووجهائها مجتمعون في مجلس أبيه الضخم الواسع.. وكانت سمية تقوم بانهماك بتنظيف الزاوية خارج باب المجلس الذي انسكب فيه نوع من الطعام صعب الإزالة..

لم يكن عملها ولم تكن ملزمة في التنظيف لكن كانت مدبرة المنزل نعمة ومنال يتسلطن عليها ويأمرنها بالمساعدة في تنظيف المنزل فقط لكونها ابنة بستانيين يعملان في مزارع عائلته ويسكُنّون في بيت صغير ملحق بحديقة منزلهم!

خرج هو من المجلس يقف أمام الباب يحدق بها وهي منهمكة في فرك الزاوية دون أن تشعر باقترابه أو وجوده..

فتطلع بها بهدوء ثم أخفض نظره ليدها ليلاحظ أنها لا ترتدي السوار الذي جلبه له..

إذ أنها سبق وأن اشترت له من دون أي مناسبة ساعة جعلته يطير من الفرح لقائها كطفل صغير وهو في المقابل جلب لها سوار بسيط حرص ألا يكون غالي الثمن حتى لا يكون سبب في رفضها.. فقبلتها على مضض ولم تقدر على الرفض كونها من بادرت بإهدائه..

اقترب مَالك منها يسألها بشيء من الانزعاج الممزوج بالعتاب

((لماذا لا ترتدين السوار الذي جلبته لكِ يا سمية؟ أنا لم أخلع ساعتك منذ أن أهديتها لي))

انتشلها صوته من شرودها مجفلة على وجوده وأخذ الأمر منها لحظات طويلة حتى تستوعب كلامه وتخفض نظرها إلى حيث ساعدها ثم تعاود النظر له مبتسمة ببعض الاعتذار

((لقد أحببت سوارك يا مَالك للغاية، لكن الحساسية تهاجم يدي هذه الأيام بسبب استخدام المنظفات.. والطبيب أخبرني أن أُحِدَّ من ارتداء الحلي))

كانت تتحدث ببعض الأسف فلفّ الحزن ملامحه الوسيمة وأومأ يتمتم بخفوت ((سلامتك..))

عادت تنهمك في عملها فظهر عليه الانزعاج والحنق من أجلها.. لا يصدق بأنها فعلًا وحتى هذه اللحظة تستمر في القيام بما هو ليس من واجبها خاصةً في استخدام المنظفات الكيميائية.. فقال بخشونة يداري بها ملامحه القلقة عليها

((عليكِ أن تستخدمي كلمة "لا" أكثر أمام نعمة.. فتلك العجوز المتعجرفة تظن نفسها مسؤولة عن كل من يدخل بيتنا ولا كبير لها))

رغم أن عينا سمية المطفأتان لمعتا ببريق عند كلامه إلا أنها حافظت على ابتسامتها وهي ترد

((لا بأس يا مَالك.. هي لا تجبرني على شيء وأنا أقوم بكل هذا عن طيب خاطر.. بل هو واجبي لقاء أفضال الحاج يعقوب على والديّ بعد الله))

أمرها بتسلط وحنق

((ارتدي إذن قفازات على الأقل))

دمدمت وهي تناظر يديها الحمراوان

((لن أستطيع فهما يحكاني))

عقد حاجبيه وهو ينتبه إلى أنها تسببت بجروح دامية في بشرة يدها التي هي في الأصل ناعمة وملائكية.. وشعر بثقل في قلبه وهو يفكر كم أن الأمر مؤلم بالنسبة لها..

انتبه لشيء من الارتباك يظهر عليها وهي تخبره بينما تعود لوضع الفرشاة في دلو الماء

((الآن أرجوكَ عد لداخل المجلس قبل أن يلحظ أحد طول فترة وقوفك هنا.. وقفتك هذه ستثير الأقاويل فأنتَ لم تعد صغيرًا.. بل تبارك الله لا أكاد أصل بطولي هذا إلى كتفك حتى))

لم يجبها ولم يبتعد بل ظل متخشبًا مكانه يناظر يديها وبدون أن يشعر أو يعي على نفسه وبغريزة ذكورية بحتة اقتربت كفه ببطء من إحدى يديها تبغي الطبطبة فوقها..

وما إن همّ بملامستها حتى جفلت شاهقة بصوت ونظرت له جاحظة العينين وبحركة تلقائية كانت ترفع يدها فوق وجهه بصفعة مدوية..

لم تصدق ما فعلته فتراجعت للخلف بينما تزايدت وتيرة أنفاسها..

حينما هلع الرجال في المجلس للخارج عنده ووقفوا أمامه ليستفهموا ما حدث ظل متجمدًا مكانه ينكس وجهه ذنبًا..

وزع والده الحاج يعقوب أنظاره تارة عليه وتارة على سمية التي كانت تناظره بفزع وحدقتين مرتعشتين مما فعلته بابنه..

ثم صرخ بسمية بصرامة

((كيف تجرأتِ على صفع ابني بهذا الشكل؟ كيف تجرأتِ!))

ارتعشت مكانها وفغرت شفتيها إلا أنها عجزت عن النطق بشيء تدافع فيه عن نفسها أمام نظراته الساخطة.. وكان والده يهم بطردها عندما سأل أحد الرجال مَالك الذي لا زال منكسًا وجهه للأسفل

((لماذا قامت بصفعك يا مَالك؟ ماذا فعلت لها؟))

احتقر مَالك نفسه في هذه اللحظة لما ورطها به أمامهم جميعًا.. لقد أساء لها.. إلا أنه حافظ على جمود وجهه وهو يقول بصوتٍ ثابت

((لقد أمسكت يدها فقامت بصفعي))

اتسعت عينا الحاج يعقوب وشعر بالخزي من أنظار الرجال من حوله المستنكرين فعلة ابنه وأحدهم سأله عن السبب ليجيب مالك بنفس هيئه

((لقد كانت هناك جروح على يدها))

سارع الحاج يعقوب يصرخ عليه موبخًا

((كيف تمسك امرأة لا تحل لك يا مَالك؟ هل تظن نفسك لا زلت صغيرًا؟ صفعها لك أقل ما تستحقه.. بل أنا من عليّ أن اكسر يدك))

همهم الرجال باتفاق مع كلام الحاج يعقوب.. أما سمية فهدأت دقات قلبها وخف ارتعاش جسدها واستطاعت كبح عبراتها المتجمعة في عينيها لاعترافه بما حدث وقد ارتعبت من غضب وسخط الحاج عليها وما قد يترتب عليه من عواقب لوالديها الذي يتنعمون ويمكثون في خيرات مزارعه! لكنها شعرت بالشفقة على مَالك وما يتلقاه من نظرات وكلام الرجال من حوله استنكارًا لِما فعله..

ناظر أحد الرجال الحاج يعقوب قائلًا

((أليست هذه الفتاة مخطوبة لذلك الحرفي الذي قام بدّهن وطلاء ديوانية القرية.. ما هو اسمه؟))

رد رجل آخر بتلقائية

((اسمه كامل))

فعاد الرجل الأول يتابع

((نعم اسمه كامل.. أليس مخطوبًا منها؟ لقد طالت خطبتهم لسنين طويلة بسبب انتظارها له حتى يُكوِّن نفسه.. العمر يجرب بها.. فلماذا لا تساعد خطيبها ماديًّا يا حاج وتكمل على نفقتك الشخصية تكاليف زواجهما وتبعياته؟))

وعلى الفور رد يعقوب وهو يمد يده على صدره معطيًّا كلمته ووعده

((وهذا ما سيحدث.. زواجها من ذاك الحِرَفي المحترم سأحرص على أن يتم قبل نهاية الشهر الجاري))

=============================

بينما كانت رتيل تعد الشاي لزوجها بشرود امتلأ الكأس وخرج الماء الساخن منه على الرخام.. وعندما شعرت بقطراته تلسع يدها أجفلت شاهقة بألم طفيف، وسارعت تجفف الرخام سريعًا ثم أنقصت من الكأس..

وقبل أن تحمل الصينية تخشبت مكانها وهي تذكر حادثة سكب الشاي المغلي على يد سمية والتي حدثت فعليًا بسببها هي..

هل هي حقًا امرأة جافة المشاعر وباردة القلب تحاول مداواة آلامها بأذية غيرها؟

ظهر الندم والحزن جليًا على وجهها مما فعلته بها.. خاصةً وسمية غائبة عن العمل في الحديقة ولا تدخل من وقتها المطبخ..

أرادت رتيل الذهاب لبيت سمية الصغير الملحق والقابع بجانب منزلهم لكن كبرياءها منعها..

التفتت بعد دقائق تسأل منال التي كانت تحرك الطعام فوق الموقد

((أين هي ابنتك نجوم؟ ألا تزال عند سمية؟))

تطلعت منال لها بتعابير ممتعضة

((مقصوفة الرقبة بمجرد أن تأتي من بيت سمية سأريها.. الحاجة زاهية لا تدفع لها راتب شهري وتسكنها في الدور الأرضي مقابل الاهتمام بتلك البستانية سمية!))

اضطربت ملامح رتيل إلا أنها قالت بلامبالاة ظاهرية

((دعيها هناك تهتم بها، تكسب أجر فيها))

تمتمت منال متذمرة

((ألا يكفي سمية هانم أن نورين تظل عندها منذ ساعات))

لف الذهول وجه رتيل ثم سرعان ما قالت مستنكرة

((لحظة.. لحظة.. منذ ساعات عندها؟ ماذا تفعل هناك؟ هل تستغل انشغالي في فعل ما يحلو لها؟ كم أكره المتمردات أمثالها))

قالت نعمة المرأة الكبيرة التي كانت تتواجد في المطبخ

((لقد أخبرتنا الحاجة زاهية ألا نطلب منها القيام بأي شيء هنا))

أتعست عينا رتيل واستنكرت

((عمتي قالت هذا؟ ولكن لماذا؟))

أجابتها نعمة بهدوء

((بناءً على أوامر السيد مُصعب))

شعرت رتيل بقلبها ينازع في صدرها غلًّا.. فقالت ببرود وتعابير متجهمة

((حسنًا جيد.. فهي لا تنفع في شيء أساسًا))

ثم غادرت المطبخ كله وهي تحمل صينية الشاي وتفكر بأن تلك الخرقاء التي تم تزويجها لمُصعب كفصيلة استطاعت في ظرف أشهر أن تجعله خاتمًا في إصبعها.. في حين هي عاجزة عن كسب أو استمالة زوجها الذي تزوجته من سبع سنوات.. مهما فعلت وبذلت جهدها لا تنجح.. فهو لا يسمح لها في الاقتراب منه بأي وسيلة أو طريقة.. حتى ملّت منه وكرهته..

=============================

في منزل وليد الكانز..

أقام وليد دعوة لعمه يعقوب وأولاده.. وكما سبق وتوقع تعذّر كل واحد وتحجج بشيء حتى لا يلبي الدعوة ولم يأت إلا الحاج يعقوب ومُؤيد.. فلا هو يطيق أحدًا منهم وكذا الأمر من جهتهم..

جهزت جُمان زوجة وليد لعمه العديد من الأصناف والأطباق الشهية والأكلات الشعبية التي تستمد مكوناتها من بيئتهم الزراعية.. وقد حرصت في إعداد وترتيب الطاولة ما يعبر عن ذوقها الراقي في العطاء وما يميزها عن سواها..

بمجرد أن أنهى الحاج يعقوب طبقه حتى غمغم يحمد الله على نعمه ثم قال داعيًا لوليد بصدق

((أسال الله العظيم أن يرزقك الذرية الصالحة، أنا احلم يا بني أن أحمل أولادك اليوم قبل الغد))

حاول وليد أن يرسم ابتسامة مجاملة وهو يقول لعمه الوحيد على قيد الحياة

((الأمر كله بيد الله.. وأنا راضي بحالنا كيفما كان والحمد الله))

قوّس الحاج يعقوب حاجبيه هادرًا بصوته الوقور

((الحمدالله دائمًا وأبدًا لكن لِم التشاؤم يا وليد؟ زوجتك تتعالج وبإذن الله سيجبر الله خاطركم))

تدخلت جُمان على الفور وهي تقول مزينة ثغرها بابتسامة صغيرة

((لقد توقفت عن العلاج يا عمي))

طالعها يعقوب بملامح غير مقروءة ثم تساءل بتروي

((لماذا؟ هل توقفك أمر مؤقت؟))

أومأت نافية ثم قالت دون أن تنحسر ابتسامتها الهادئة

((لا بل توقفت بشكل نهائي عن العلاج وقررت أن أرضى بنصيبي وقدري))

سكت الحاج يعقوب لحظات يستوعب ما تقوله جُمان ثم هتف بدهشة غاضبة

((وما علاقة رضاكِ بالقدر في الأخذ بالأسباب؟ لم توقفتِ عن أخذ العلاج؟))

أجابته جُمان بصوتٍ أجش

((الأعراض الجانبية والتغيرات التي تحدث في جسدي بسبب العلاج الذي أخوضه من أجل الحمل أكبر من طاقتي على التحمل))

تغضن جبين يعقوب وهو يستمع مدهوشًا غير راضي عن عذرها.. ثم قال بصوت مقتضب

((وهل هذه الأعراض خطيرة إلى حد توقفك عن العلاج؟))

ارتبكت قليلًا لكنها أجابت بوضوح

((ليست خطيرة فقط ولكن مرهقة بالنسبة لي.. لم تبقَ أي خلية في جسدي قادرة على تحمل الآثار الجانبية للعلاج، ولا الألم والأرق والتغيرات في الحالة المزاجية من الضغط العصبي والاكتئاب))

اضطربت ملامح الحاج يعقوب مما قالته وتجلّى شيء من التأثر بكلامها في داخله.. لكن ظل يرى في كلامها مبالغة نسائية ودلال أنثوي.. فتساءل بخفوت وهو يطالع بتجهم وليد

((إذن زوجتك لن تكمل المضي في رحلة علاجها؟ وماذا بعد؟))

هز وليد كتفيه وهو يقول ببساطة

((خيار إكمال العلاج من التوقف يعود لها، فلست أنا من أمر بكل هذا الألم والإنهاك في سبيل الحصول على طفل.. ثم يا عمي صدقني الحياة بدون أطفال ليست مظلمة كما تظن))

استنكر يعقوب سلبيته ولامبالاته باستياء ثم تساءل

((إذن هل تخطط زوجتك لأن تكمل حياتك هكذا؟))

اندثرت الابتسامة المجاملة التي كانت ترسمها جُمان لترد

((نعم أخطط لذلك))

نظر يعقوب بوجهه الوقور المتجهم لجُمان مستنكرا فكرة أن يظل ابن أخيه بلا ذرية أو سند

((هل نسيتِ أنه في بلادنا نعتبر الأولاد عزوة وعائلة للرجل؟ أتريدين أن تحرمي زوجك من هذه الأمور؟ زوجك سبق وكان وحيد والديه فهل تريدينه الآن بلا ذرية أو نسل من بعده؟))

تساءلت جُمان ببرود يكتنف صوتها

((وهل أنا أحرمه بإرادتي؟ هل أنا سعيدة بعدم قدرتي على الإنجاب وتجربة شعور الأمومة؟))

قال الحاج يعقوب بضيق

((ولكنكِ لا تبذلين جهدًا كافيًا للعلاج بل توقفتِ واستسلمتِ ببساطة عنه))

فهمت جُمان بأن عم زوجها لا يرى كل ما قالته قبل قليل سببًا حتى تتوقف عن تعذيب نفسها في رحلة العلاج.. فزمت شفتيها والعبوس يداعب حاجبيها قبل أن تخبره بضيق

((في آخر زيارة لي.. أكد عليّ الطبيب بأني لو أكملت العلاج وحملت سأتعرض لمضاعفات خطيرة قد تودي بحياتي.. وأخبرني أن الخيارات المتاحة لي هي أن أنجب طفلًا يتيمًا في هذه الدنيا.. أو أن أرضى بنصيبي))

انتبه وليد على ملامح زوجته الضائعة بالألم فربت على كتفها قائلًا بدعم

((لا بأس حبيبتي.. صحتك بالدنيا كلها، لا تحزني))

تطلعت جُمان تنظر له شامخة بذقنها

((لم أحزن يومًا على عدم إنجابي فالنعم كثيرة من حولي.. والله خلق الخلق وقسم لهم أرزاق كل شيء بما فيها رزق الذرية.. كنت أحاول جاهدة في السنين الماضية الإنجاب فقط من أجلك أنتَ، لكن خرج الأمر عن يدي الآن وبات فوق طاقتي))

والسبب الآخر الذي لم تعلن عنه جُمان هو بأنها تأمل أن تنجب فقط عندما يكون بمقدور رحمها أن يحتوي نطفة رجل تحبه ويحبها.. وهذا ما لن يحدث..

لم يجد الحاج يعقوب إلا أن يزرع فمه ابتسامة على مضض ويقول

((ليكتب الله لكما الخير))

اعتدلت جُمان واقفة من مكانها تقول برزانة

((استسمحوني عذرًا لدقائق))

غادرت المكان في حين أغمض وليد عينيه يعيد رأسه ويستند إلى ظهر كرسيه.. فجسده يريد أن يغنم بعض النوم لعله يريحه من بعض مشقة أيامه السابقة.. مشقة قلبه الملتاع.. وروحه التائهة.. ولم ينتشله من عالمه الآخر إلا هدير ابن عمه مُؤيد الذي قال بنبرة ذات مغزى

((هناك بعض الإشاعات يا ابن عمي.. فقط مجرد إشاعات مفادها أن العيب منك لا من زوجتك والا لكنت تزوجت على الفور.. فأنتَ رفضت الزواج من عروس الثأر ابنة الهنادل حتى لو ترتب أن تغرق العشيرتين ببحر من الدماء))

التفت وليد لمُؤيد وأظلمت عيناه بسوادٍ عميق بل وتحرك حلقه يدرك بمحاولة ابن عمه أن يجرحٍ رجولته وكرامته خاصةً وهو يتحدث بتلك النبرة الشامتة التي لا يخطأ فيها..

لكن ليس هو من سيسمح لأحد أن ينال منه أو ينال من المرأة التي هي على اسمه.. فرد عليه بصوتٍ حيادي

((لن أنكر ولن أؤكد هذه الإشاعة، فهذا الأمر يخصني أنا وزوجتي.. ثم أن إجابتي لن تفيدك في شيء وإنما سترضي فضولك وأنا أحب أن تقتل نفسك بهذا الفضول وعادة التلصص على أسرار الآخرين))

سكت وليد وعم التوتر في الأجواء فشعر الحاج يعقوب بأن عليه التدخل لأنه لو استمرت هذه الردود في التقاذف بينهما فلن ينتهي الأمر قبل أن تندلع مشاجرة كبيرة فسارع يهدئ وليد

((لم يقصد مُؤيد شيء، فلا تأخذ على خاطرك))

أمعن وليد النظر في عمه المهيب والوقور إلى درجة أنه لا يتخيله إلا ثابتًا بتلك الرزانة على اختلاف ابنه مُؤيد.. ثم رفع إحدى حاجبيه يقول بتلك النبرة اللاذعة التي يبرع فيها

((العفو عماه.. ولكن ابنك الغارق حد الثمالة في فتنة الأولاد أنا متأكد بأنه لا يفقه شيء في تربيتهم، ولكنه يمشي على مبدأ العجائز "العدد في الليمون".. ربي أولادك يا مُؤيد ودعك مني فأنا سعيد بوضعي..))

كاد مؤيد فعلا أن يقوم من مكانه ويشرع في شجار معه إلا أنه والده وضع يده فوق كفه من تحت الطاولة يرجوه بصمت أن يلجم غضبه ويمنع انفلاته.. قبل أن يعقب قائلًا

((تبالغ يا وليد.. مُؤيد لم يقصد هذا، ما قاله كان بحسن نية))

قام وليد من مكانه يقول بوجه شديد الجدية حد التجهم

((أنا اقبل يا عماه تعاطف الناس بشكل لائق ومُحب بل ويسعدني ذلك.. على عكس من يوزعون رحمات باردة وشفيقات كاوية))

وجّه وليد كلامه لمُؤيد الذي كان يصر على أسنانه بغيظ من كلامه في نهاية حديثه وهو يضع عينيه في عيني الأخر.. ثم غادر المكان كله تاركًا ضيوفه بعدم تهذيب في إشارة أن وجودهم لم يعد مرحبًا به..

فتنهد الحاج يعقوب عدة أنفاس كانت تجيش في صدره إلا أنه لم يغضب من تصرف وليد فهو الأعلم بطباعه من البشر ولم يكن أمر كهذا جديد عليه.. بل وعذره لأن ابنه مُؤيد من حاول خدش رجولته..

.

.

مساءً..

دلفت جُمان لغرفة نومها.. وضعت مرطبها الليلي وشددت من إغلاق مئزرها ثم رفعت الغطاء ونظرت جانبها لزوجها المتمدد بجانبها شارد العينين والذهن.. قبل أن يلتفت منتبها لها فتعرف بأنها أطالت السرحان فيه.. فأشاحت بوجهها جانبًا تقول ببرود

((سبق وأخبرتك بأني أريد فقط بعض الوقت حتى أُهيئ لوالدي مسألة طلاقي منك وأنظم أموري لكن لم دافعت عني أمام عمك؟ تعرف أن الحياة باتت مستحيلة بيننا بشكل قاطع.. وحجة عقمي كانت لتكون أفضل سبب عندك لتتحرر مني وتتزوج ممن تريد))

أظلمت ملامح وليد للحظة لكنه قال بصوتٍ صارم

((عندما أريد التحرر منكِ والزواج بمن أريد فآخر ما قد أتحجج به مسألة عقمك!))

نظرت إليه بصمتٍ فاقترب منها يحيط كتفيها بذراعه متسائلًا بهدوء قاتم

((لماذا لم تخبريني بالمال الذي تعطيه لوالدك من حين لآخر؟ أكان عليّ أن اعرف مصادفة بأمر كهذا تفعلينه منذ زواجنا؟))

أجابته بخفوت وبطء وعينيها بعينيه

((لم أحبذ أن تعرف بأني أساعد أبي من راتبي الخاص بعملي حتى لا تستنقص أو تتعالى عليه، رغم أني اشهد بأنك كنت طيبًا ومتعاونًا معي.. ولكن والدي هو ما تبقى لي في هذه الدنيا ولا أقبل أن يمسه أذى نفسي من أحد ولو بمقدار ضئيل))

تمعن وليد النظر في زوجته التي تظهر أمامه أنثى مغرورة مرفوعة الهامة عالية الكبرياء كما هي منذ بداية زواجهما..

فهز رأسه ببطء.. ثم أشاح بعينيه جانبًا يعود ليتمدد مكانه..

يفكر بأمره الآخر.. فعلاقته مع جُمان مسألة وقت قبل أن تنتهي.. ويتزوج من شيرين.. لكن بالتأكيد لن يخبر شيرين أنه بحكم المطلق ولن يتنازل عن تعذيبها قبل أن يسمح لها بالراحة..

زفر نفسًا بطيئًا من بين شفتيه وكأنه يتنفس الصعداء ثم وضع رأسه فوق الوسادة يغمض عينيه..

=============================

قالت تمارا بوجه ممتعض بعد أن أنهت تصفيف شعر ابنتها الفاتح بخصله الذهبية

((حسنًا سأدلف للداخل، وأنتِ أيضًا اظهري النزق أثناء جلوسك مع خطيبك لعله يُعجِّل بمسألة الزفاف والتجهيزات التي طلبتها للحفل أو الفيلا.. لقد أخطأت عندما وافقت على عقد قرانكم قبل أن يجهز كل هذا!))

آخر جملة غمغمتها بصوتٍ خافت كمن تحدث نفسها.. أما سهر فارتدت سهر فوق كتفها معطف خفيف من الفرو.. ثم أمسكت حقيبتها الجلدية الباهظة وهي تقول لوالدتها بتعجل

((سأقترح عليه ذلك يا أمي.. وداعًا الآن))

وقفت تمارا عند البوابة الخارجة لمنزلهم تطالع قصي يركن سيارته على جانب الطريق، ويخرج من مقعده في سيارته الفارهة السوداء.. يستقبل يد سهر الرقيقة في سلام لهف ثم يتقدم منها يلقي سلامًا سريعًا بابتسامته الخلابة كعادته.. إذ أنه كَيّس وخلوق للغاية مع من يكبره..

قام قصي بشد المقعد لابنتها وفتح الباب وظل ممسكًا به حتى ولجت.. إنه يعاملها كما تستحق وترغب أن تعامل..

جلست سهر على المقعد الجلدي المريح وهي تسأله بلهفة كأنها لم تراه أو تتحدث معه منذ شهور لا فقط منذ ساعتين

((كيف حالك يا قصي؟))

جلس خلف مقود السيارة وشغّل المحرك وبدأ القيادة بينما يجيبها ناظرًا لها بانشداه

((أنا بخير.. وهل أنتِ يا باربي بخير؟))

أومأت له ببسمتها الساحرة.. ثم بدأت تتأمله يضع يده على المقود بأناقة ويقود سيارته مرتاحًا ويمر بسلاسة وسط زحمة السير الخانقة.. قبل أن تنظر من حولها داخل السيارة تسأله بعفوية

((هل هذه سيارة جديدة؟))

أجابها بينما يضع يده على مؤشر تغيير السرعات

((لا في الحقيقة إنها لعمي، لقد اشترى لنفسه سيارة جديدة وأعطاني هذه))

رفعت سهر حاجبيها بذهول تقول له

((إذن فقد أصبحت ملكك.. هنيئًا لكَ.. لم أرى أحد يحب شراء السيارات بقدرك.. لو كان متاح لكَ لكنت غيرتهم كل يوم كما تغير بدلاتك))

قهقه على كلامها ثم تمتم موافقًا

((معكِ حق))

سألته باهتمام وتلقائية

((كأن صوتك فيه بحة قوية.. هل أنتَ مريض؟))

لفّه شيء من الارتباك إلا أنه قال بينما يرفع يده الأخرى ويمسد مؤخرة رقبته

((لا يا باربي، كنت أتحدث كثيرًا في عملي لفترات طويلة دون راحة وحسب.. ربما هناك احتقان أو التهاب في أحبالي الصوتية لكني لست مريض))

شابت نظرات عينيها القلق وهي تخبره

((عليكَ مراجعة للطبيب))

أخذ قصي نفسًا عميقًا ثم قال بصوتٍ أجش

((الصوت ليس المشكلة.. المشكلة الحقيقية هي فقرات رقبتي والخشونة في عضلات ظهري..))

كانت عضلات قصي حقا تئن ألما وأحباله الصوتية تكزه عند التحدث فهذا ما يحدث لمن يعمل في شركة القاني في وظيفة بموقعه لساعات طويلة!

أما سهر فرغم قلقها مِمَّا تسمعه إلا إنها شعرت بالامتنان له فهو على الرغم من إرهاقه في العمل إلا أنه يجد لها وقتًا بالساعات يوميًا ليقضيه معها.. ولا يتوقف عن إشعارها بأنها محور حياته وكل ما يهمه في هذا العالم وليس له حياة خاصة لا تضمن وجودها هي..

فزمّت شفتيها المكتنزتين ثم قالت بحزن عليه وهي ترفع يديها لكتفه

((حبيبي المسكين.. كل هذا بسبب الجلوس فترات طويلة.. أخبرني قليلًا عن عملك في شركة عائلتك؟))

تطلع قصي لها لوهلة قبل أن ينظر في الطريق أمامه متسائلًا

((ماذا لم أفهم!))

سألته باهتمام وهي تمعن النظر في ملامحه

((أقصد ما هو طبيعة عملك كمدير في شركة عائلتك؟ قالت لي صديقتي بأنه لا يصح أن يكون محور حديثنا طوال الوقت عن اللهو والاستمتاع وبأنه يجب عليّ أن اصغي لكلامك عن العمل ومشاكلك))

شد قصي على يديه الممسكتان بالمقوض يمنع اضطرابهما ثم سألها بصوتٍ محايد

((هل هي شيرين من قالت لكِ هذا؟))

أومأت سهر برأسها تقول ببساطة

((نعم شيرين، أعرف بأنكَ لم تراها إلا بحفل عقد قراننا قبل سنتين ولكن..))

قاطعها وهو يعود للابتسام مداريًا التوتر الذي يجتاحه عند ذكر سيرة شيرين

((لا على العكس أنا اذكر شكلها جيدًا.. أنا جيد في حفظ الوجوه.. لكن دعكِ يا سهر من كلامها رجاءً.. ولا داعي لنغير محور أحاديثنا أو طريقة تقضيتنا للوقت.. لتبقي كما أنتِ))

لاحظت ذكره اسمها "سهر" الذي ينطقه فقط عندما يكون تكتنفه الجدية فقط! لكنها لم تقف عند الأمر طويلا بل تغيرت تعابيرها إلى الدلال والغنج اللطيف وهي تسأله باهتمام

((إذن قصي هل حقًا أنتَ لا تعتقد بأني امرأة تافهة لا تفكر سوى في الاستمتاع بوقتها أكثر مِمَّا ينبغي؟))

تطلع قصي جانبًا لها كيف تسأله بدلال يليق بجمالها الذي يشبه حرفيًا لعبه "الباربي".. ثم أجابها بمرح

((لا طبعًا، على العكس مرحة.. تزوجتك وأنا متأكد بأني لن أشعر يومًا بعد زواجنا بالملل))

بمجرد أن وصلا الاثنين إلى إحدى المطاعم الفخمة حتى جلسا متقابلان حول طاولة صغيرة..

كان قصي يُطلعها على صور الفِلل ويتناقش معها عن شكل منزلهما الزوجي في المستقبل وكانت سهر مندمجة معه إلا أنها في لحظة ما ظهر الضيق عليه فقالت تخبره

((علينا أن نفكر أولًا في حفل الزفاف متى سيكون قبل التفكير بشكل منزلنا بعد الزواج يا قصي!))

وكعادته عندما يبدأ أحد في التحدث معه عن الزفاف أظهر التوتر وهو يقول

((لقد شعرت بالسعادة أن أمك لن تخرج معنا الآن حتى لا تذكر سيرة تحديد موعد زفافنا.. فلا تبادري أنتِ الخوض بهذا الموضوع))

ظهر الاستياء واضحًا على سهر وهي تقول بجدية

((قصي الموضوع لا دخل له بأمي.. لكن ألا ترى بأنه تم تأجيل إقامة حفل زواجنا بما فيه الكفاية؟ ألا تكفي سنتين خطبة وعقد قران؟))

فتح زرين من أعلى قميصه متنهدًا رغمًا عنه ثم قال

((سهر أرجوكِ لا تضغطي عليّ في موضوع تحديد يوم الزفاف.. متى ما صرت جاهزًا سأقيم حفل زواج أسطوري ضخم وفيلا فارهة لا تتوقف صديقات أمك الراقيات عن التحدث عنه لسنوات قادمة))

أنهى قصي حديثه تزامنًا مع إبعاده طبق الطعام أمامه بضيق يعلن عن انتهاء رغبته في الأكل.. فسألته سهر متغضنة الملامح

((ما بك؟))

أجابها باقتضاب

((لقد شبعت))

وضعت الشوكة والسكين من يديها على الطاولة ثم قالت

((قصي بدأت أصدق كلام أمي عنكَ.. انظر كيف تغضب وتنفعل كلما جلب لكَ أحدًا سيرة تعجيل الزفاف!))

رفع إحدى حاجبيه متسائلًا

((إلى ماذا تلمحين يا سهر؟))

غمغمت له عابسة

((فجأة أشعر بأنك يا قصي رجل كتوم رغم أني أمضى معكَ مجمل وقتي، هناك غموض يحيط بك يجعلني غير قادرة على فهمك أحيانًا))

أحنى رأسه ومد كفيه يحيط بيديها فوق الطاولة ثم قال ضارعًا

((سهر أنا آسف لحنقي الغير مقصود، لكن أنا قلت لكِ سابقًا بأني المسؤول عن شركة العائلة.. صدقيني سأحاول قدر استطاعتي أن أرتب أموري لنتزوج ونقيم زفافا ونشتري فيلا تناسب معايير أمك))

قاطعته سهر تقول بصوتٍ غريب

((وما لكَ بأمي! أنا مستعدة للزواج منكَ بدون إقامة حفل حتى بل ومستعدة أن أعيش معكَ في كوخ صغير فأرجوكَ لا تؤجله بغية جمع مالًا أكثر من أجل زفافنا والمنزل.. فالنقود لن تجلب لنا السعادة))

صمت قصي وهو يمعن النظر بوجهها بحيرة ويتشرب ملامحها ثم سألها بخفوت أقرب للشك

((حقًا يا سهر؟))

ردت عليه بتلقائية وعلى الفور

((نعم.. النقود وحدها لا تجلب السعادة.. هذه حقيقة))

صحح لها قصده

((أقصد حقا هل كنتِ لتقبلي الزواج بي مهما كان وضعي ومهما كنت أملك رصيد في حسابي البنكي؟))

أخفضت عينيها إلى كفه الممسكة بيدها بقوة ثم طالعته تقول بحيرة

((قصي.. وهل تشك بذلك؟ هل تظن بأنك لو كنت فقيرًا لا تملك شيئًا لم أكن لأقبل فيك؟))

زارت ابتسامة شفتيه الحزينة ورد بغموض

((نعم هذا ما أعتقده))

سألته باقتضاب وغضب طفولي

((قصي هل حقًا تسئ الظن بي بهذا الشكل الفظيع؟))

رد عليها ببساطة وكأن الأمر مسلم به

((أنا أتحدث بواقعية يا سهر.. حتى أن أمك لا..))

قاطعته تقول بملامح تلفها الجدية

((دعك من أمي.. صدقني حتى لو كنت تملك كل أموال الدنيا.. لم أكن لأقبل بكَ إن لم تعجبني.. لأنه لا يهمني بالشخص الذي سأتزوجه إلا شخصيته وكيف سيعاملني.. أنتَ تعرف بأني أنهيت علاقتي مع خطيبي الأول فقط لأنه كان رجلًا سِكّير رغم أن عائلته ذات صيت.. وفررت هاربة من خطيبي الثاني ابن شريك والدي في تجارته لأن أسلوب حياته لا يناسبني.. ولم أكن لأقبل خطبتك لو لم تكن تعجني))

لم يتحدث بكلمة بل حرر يديه لتعقد حاجبيها بشك متسائلة

((لماذا أشعر بأنك لا تصدقني؟))

نظر في عينيها يقول بصراحة

((حتى لو قبلتِ فأمك سبق وقالت بأنها من المستحيل أن تقبل يومًا بتزويج ابنتها من رجل مستواه المادي أقل من مستوى والدك.. لذا..))

قاطعته باستياء واضح

((هذا لأن أمي متعصبة ومتزمتة من الناس الأقل وضعًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا منّا، أنتَ تعرفها..))

قال ببسمةٍ رزينة

((لستِ بحاجة لقول هذا.. فهذا واضع عن أمك))

الحقيقة هي لم تقلق يومًا عليه وعلى الطريقة التي يتعامل بها مع أمها فهو يتصرف دائمًا بطريقة رجولية معها فلا تضطر لتوجيهه طوال الوقت.. لكنها الآن شعرت بكمية الضغط التي تطاله بسب أمها.. فحاولت أن تكون محايدة وهي تقول

((لكن هي نوعًا ما محقة.. هي لا تقصد أن تبحث مليونير ليتزوجني.. لكن على الأقل يجب أن يكون هناك تكافؤ لمن سأتزوجه))

تمتم بكلمات خافتة مفادها بأنها محقة فعادت تسترسل سهر

((لذلك يا قصي صدقني لن يقل أو يزيد حبي لكَ لو صرت أكثر ثراءً.. فتوقف عن إرهاق نفسك في العمل وجمع المال الذي يؤخر من ارتباطنا.. ما كانت أمي لتحلم بصهر بثرائك طوال حياتها صدقني.. دعنا نقم الزفاف سريعًا ونشتري أي فيلا ونعش بقية حياتنا في سعادة))

رفع منديلًا يمسح فيه العرق الذي نضح على جبهته هامسًا بابتسامة متوترة

((لا تقلقي.. أنا أحاول فعل ذلك))

ثم اخرج من جيب قميصه تذكرتان يضعهما أمام سهر مبتسمًا.. فتطلعت له بحيرة ثم رفعت التذاكر تناظرهم قبل أن تتسع عينيها بدهشة وهي تقول

((إنها تذكرتي مروحية لتجوب بنا فضاء مدينة!))

لهفتها وذهولها بما قدمه لها جعل أساريرها تنفرج ليكمل بصوته الأجش

((وصدقيني أحاول أن أدبر إجازة من عملي لنذهب لجولة بحرية إلى إحدى الجزر المعروفة.. طبعًا هناك تذكار لوالديكِ أيضًا.. أتمنى أن تعجب أمك هذه الهدية))

تهلل الفرح في عينيها وهي تقول له ببهجة

((هل أنتَ مجنون؟ ولم قد لا تعجبها مثل هذه المفاجأة المذهلة؟))

ثم أخفضت نظرها للتذاكر تستطرد كلامها بصوتٍ متأثر

((هل تعرف لماذا أحبك يا قصي؟ لأن حياتي صارت رائعة ومميزة من اليوم الذي دخلتها.. صارت مليئة بالانطلاق والانشراح.. معكَ فقط أشعر بأني حية أُرزق))

رفع حاجبيه مستمتعًا بردة فعله لتكمل له بحماس مبتهج

((حبنا للسفر شيء متبادل بيننا الإثنين، إنه الجرعة التي تجلب السعادة))

نبض قلبه بجمالها الذي يشبه لعبة "الباربي" والذي قريبًا سيصير له هو عندما يتزوجها.. ثم قال لها بصدق مشاعره

((أنا لا أذكر بأني كنت أظل في مكان أكثر من ثلاث أشهر من كثرة أسفاري في الماضي.. لكن فترة الوحدة والركود المعنوي التي حدثت لي في نهاية العشرينات لم أخرج منها إلا بعد أن تعرفت عليك وخطبتك.. لطالما حلمت طوال حياتي أن ارتبط بامرأة مميزة مثلك محاطة بالحياة من كل الجهات وتتشارك معي هوايتي في السفر والتنزه واكتشاف ملذات الحياة))

توردت وجنتيها وهي ترخي أجفانها بينما قلبها ينبض خجلًا فازدادت ابتسامته هو الآخر حتى صارت ضحكة خافتة فتحشرجت الكلمات وهو ينقل بصره بين عينيها المظللة وشفتيها الوردية المكتنزة

((أنا صادق يا سهر، لطالما حلمت بامرأة مثلك أعيش معها حياة مختلفة عن حياة والديّ مع بعضهما))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...