الفصل 109 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وسبعون 75 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
11
كلمة
7,978
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثالث والثلاثون

في إحدى المطاعم الراقية التي دعت تمارا ابنتها إليها سمعتها تكتم شهقة خافتة تقول بصوتٍ مرتجف

((أمي أشعر أن قلبي محطم، هل هكذا سنفسخ خطوبتنا وتنتهي علاقتنا للأبد؟))

ناولتها تمارا منديلا لتمسح دمعتها التي سقطت مغافلة لها وقالت

((نعم حبيبتي، وستتجاوزين الأمر سريعا عندما يتقدم لك رجل آخر ثري لا يعرف الكذب والخداع له طريقا))

تنهدت سهر بحُرقة قلب وقالت

((لكن أمي.. أخشى ألا أتمكن من نسيانه فقد أدمنت على وجوده، وهذا ما جعلني أتساهل في بقائه بالعمل معي في نفس المطعم))

أظهرت تمارا تعاطفا مزيفا وقالت

((إنه إدمان سيء، أضراره أكثر من فائدته، انسيه))

غمغمت سهر ببؤس ووهن

((أمي لا أظن أني أستطيع تجاوزه بسهوله، لماذا لا أعود له فقط بما أن الألم باقي لي في كلا الحالتين!))

اكتسبت نبرة تمارا الصرامة وهي تأخذ واجهة المرأة الحكيمة التي تستمد كلامها من خبرتها المكتسبة من الحياة

((تفكير خاطئ، حبك له كالتدخين، قد يظن المدخن أن استمراره في التدخين عذاب، وانقطاعه عنه عذاب آخر فتخفت إرادته ويستمر بالتدخين، غافلا أن العذاب الناتج عن انقطاع التدخين هو عذاب مؤقت ينتهي عند انتهاء آثار الانسحاب، وسرعان ما سيبدأ حياة صحية ونظيفة خالية من أذى التدخين))

لم يسبق وأن حظيت سهر في الماضي بأي نقاش جدي يخص أي موضوع مع أمها إذ أنها أكثر إنسانة في الحياة لا تهتم إلا بالمظاهر الخارجية والثروة أمام مجتمعها الراقي.. لكن الآن شعرت حقا أن كلامها مفيد جدًّا.. وقد بدأت إدراك ما ترمي له..

طبطبت تمارا بكفها فوق يدها بخفة وقالت مشددة إزرها

((فترة وستنسين ذاك الكاذب المنقب عن الذهب قصي وستسمحين للرجل الثري المناسب الدخول إلى حياتك..))

ثم استحالت ملامحها لأخرى مبتهجة وهي تردف بحماس

((علينا أن نتجهز للحفل الخيري الذي ستقيمه مدام روزانا، حتى يعلم كل من في مجتمعنا الراقي أنك على وشك فسخ خطبتك))

=============================

سجن النساء..

قامت الحارسة باقتياد شيرين إلى حيث ينتظرها أحد الزُوار..

احتلت الصدمة شيرين للزائر غير المتوقع ووجدت نفسها ترسم ابتسامة بينما تجلس مقابله

((معتز!؟ كيف حالك يا معتز؟ لم أتوقع زيارتك هذه))

رسم معتز ابتسامة شاحبة وقال بتوتر مرتبك

((أنا حقًا.. لم أتوقع أن ترغبي بمقابلتي بعدما حدث لك بسبب شهادتي ضدك))

تجلت عليها ملامح الرفق وطمأنته

((معتز أنتَ فقط أدليت بما رأيته، قلتَ فقط أن فائق ظلَ طوال فترة وقوع حادث السقوط بالكافتيريا جالس أمامك))

تفاقم توتره بينما يرفع رأسه قائلا بلهفة مؤكدا

((نعم أقسم بذلك، في ذلك اليوم كان يريد الصعود للقسم فمنعته وأخبرته أن الإدارة لم تسمح لأحد بدخول القسم بعد إغلاقه إلا لكِ يا شيرين ولطه، فالتزم بكلامي خانعا وجلس على طاولة أمامي مع رفاقه معطيا ظهره لي))

تجلت على وجه شرين الدهشة

((حقًا.. هذا غريب..))

لكن قاطعها معتز

((انتظري.. لكن ما حدث بعد ذلك أنه استغل انشغالي بالأكل وأعطى سترته المألوفة لصديقه ليرتديها ويجلس مكانه، لكي يموه وجوده في المكان))

هزَّت شيرين رأسها وقالت بعد أن أطلقت تنهيدة عميقة

((نعم أعرف، أخبرني قصي والمحامي أن طه سرد عليهم كل ما حدث بعدما استعاد شيئا من عافيته وأكد عليهم أن فائق من دفعه لأنه طلب منه المغادرة وعدم التدخين بالشرفة، وعندما رفض حصلت بينهما مناوشة ودفعه بغير قصد))

تقبضت يد معتز وعقب بغضب

((الأحمق كان عليه البوح بالحقيقة والاعتراف أنه هو من دفع طه بغير قصد، بدلا من الإنكار وإخفاء الأدلة، بل والتسلل لغرفة المراقبة مع رفاقه ملثمين والاعتداء على من فيها ثم إتلاف كل الكاميرات))

اكتنفت الجدية شيرين وقالت بنبرة قوية

((معك حق، بعد كل ما فعله من طمس الحقيقة وتوجيه أصابع الاتهام لي قصد انقاد نفسه فلا مفر من محاكمته هو ومن ساعده، أنا لا نية لدي للتنازل عن حقي، عليه أن يدفع ثمن زجّي في السجن بلا ذنب))

أثنى عليها معتز هادرا بقوة

((معك حق، لا تتنازلي أبدًا، لكن متى ستخرجين من هنا بما أن براءتك ظهرت؟))

تراخت جلسة شيرين وهي ترد عليه

((عليّ الانتظار حتى آخر جلسة للمحاكمة، لن يطول الأمر، أيام قليلة إن شاء الله))

أومأ لها معتز راجيا الله أن يفرج عنها قريبا مما جعلها تسأله بشيء من البشاشة

((إذن ما هي آخر أخبارك؟))

رد عليها وهو يضع يده خلف عنقه بإحراج

((لقد خطبت مؤخرا، ولم يبقَ الكثير على زفافنا، أنت مدعوة بالتأكيد))

ثم لبث أن علت ملامحه الامتعاض يخبرها بنقمة

((سنسافر أنا وخطيبتي للخارج بعد أن سنحت لكلانا فرصة عمل أفضل هناك، العمل في شركة القاني استغلال في استغلال، لن أضيع عمري فيها أكثر))

عبست ملامحها مدمدمه

((اللعنة على شركة القاني، وأصحابها الجشعين، يستغلون عدد الموظفين الهائل من المنتسبين لها))

نبهها معتز بنبرة ذات مغزى

((حاذري كلامك، فقد عرفتِ الآن من هو قُصي سامح!))

ضيّقت حدقتيها هادرة

((لا تقلق، فأنا وهو نكن نفس الكره اتجاهها))

خفت صوت معتز يتظارف

((إلى الآن لا أصدق أن عمه يكون فارس القاني صاحب شركات القاني، من الجيد أن قُصي كان يتصرف بنبل معنا مهما لاقى منا، ولم يفكر في التسبب بطردنا قط))

انطلقت من شيرين ضحكة خافتة لتقول

((لا تذكرني بتلك الأيام، كنت أفرغ جام غضبي في توبيخه وإنزال أقصى العقوبات عليه، متعجبة كيف لا يتم طرده مع كل مخالفاته وإهماله!))

تبادل الاثنين تلك الضحكات الخافتة المبحوحة بأنفس متصالحة رغم ثقل القلب وما يجثم فوقه..

=============================

في غرفة المعيشة..

ماطلت منال أثناء وجودها داخل غرفة المعيشة بحجة توضيب مائدة الطعام بين تصوب نظرها على مَازن الذي يدعي تجاهلها وعدم رؤيتها من الأصل..

تعمدت طلب مساعدة ابنتها نجوم معها رغم التعب والإعياء الظاهر على وجهها..

على ابن الكانز أن يعلم أن الأمر لم ينتهي بعد!

انتبه مَازن لدخول والده المفاجئ بل وجلوسه على أريكة مقابلة له.. ورغم توتره الجمّ إلا أنه حسم أمره وهتف بصوتٍ مسموع لابنته الجالسة في حجره أمام شاشة التلفاز

((هذا البرنامج الكرتوني يا هدهد كان المفضل لي بصغري لأني كنت أرى الشخصيات النسائية الكارتونية فيه فاتنة))

اتسعت عينا يعقوب وهو يناظر ما يلقن مَازن ابنته، حتى أن نظره تشتت بأرجاء الغرفة وانتبه لوجود نجوم بينما يكمل مَازن مُدعيًا البلاهة

((لقد كنت زير نساء في طفولتي، كنت أدخل إلى المحل المقابل لمدرستي لأن البائعة فيه امرأة جميلة، وقد أدعي المرض مرارًا وتكرارًا لأذهب إلى رؤية الطبيبة الجميلة التي تم تعيينها في مشفى القرية، فقط لتتصدق عليّ بابتسامتها الساحرة))

برقت عينا يعقوب بغضب وزجره موبخا

((اسكت يا ولد.. أتفتخر بقلة أدبك وتربيتك أمام ابنتك!))

ناظر مَازن والده واظهر ابتسامة متشنجة وهو يقول بسماجة

((أنا أمازحها فقط، وأحكي لها عن طفولتي الشقية!))

‏تنفس يعقوب بهدوء يجاهد نفسه ألا يرتكب جريمة بابنه أمام عائلته.. ثم تطلع لزوجته المُحرجة من تصرفات مَازن بغضب مكتوم قبل أن يوجه أنظاره إلى مَازن الذي رآه يحدث بنظرات ذات مغزى نحو نجوم.. فوجد نفسه يصرخ في منال بشيء من الحدّة

((لماذا نجوم ابنتك لا تزال تعمل هنا يا منال!))

بارحت نجوم المكان فورًا بخوف تاركة أمها أمام المدفع فارتبكت منال قبل أن تجيب بتلعثم

((أنا.. نحن.. لا نستطيع الاستغناء عن عملها في المطبخ ثم هي بحاجة للعمل لأن أجرتي بالكاد تكفيني وحدي))

انفلت أعصاب يعقوب ليهتف بها بغضب

((ألم أخبرك بأني سأتدبر لها عملا آخر خارج القصر؟))

تصاعد توتر منال أكثر لتتمتم وهي تتظاهر بالمسكنة

((ولكن يا حاج لن يرتاح قلبي إلا لو عملت ابنتي معي وتحت أنظاري))

لم يجد يعقوب بُدا من النقاش فتضايقت ملامحه أكثر وغادر المكان بخطوات نارية وقد ضاق ذرعا من تصرفات ابنه غير المحترمة وعدم إصغاء العاملين لأوامره في المنزل..

همس مَالك الذي دخل الغرفة وقد استمع للحديث، نحو توأمه بحنق لا يفهم غايته

((ما الذي تود الوصول له؟ هل تعمدت أن تنال هذا التوبيخ؟ ألا تهنأ أن يمضي يوما دون أن تنال تقريعا؟))

تنهد مَازن ببؤس ثم وضع يديه فوق أذني ابنته العابسة بطفولية تحدق لهما لا تفهم شيئا مِمَّا حدث.. هامسا

((تعمدت قول ذلك حتى يطردها والدي، أنا اعرف ما افعله))

=============================

تناول الحاج يعقوب سوارًا ذهبيًا من منال ونظراته تحوم حول بتدقيق.. الجحوظ في حدقتيه اللتين يحيطهما خطوط العمر من كل جانب وشى بصدمة اجتاحته كالطوفان الهادر قبل أن يغمغم

((من أين لك هذا السِوار يا منال؟))

غطت منال فمها بيدها تكتم شهقة خافتة ثم أجابت مدعية الظلم

((إنه من مَازن، أعطاه لنجوم وقد أرغمها على قبوله حتى لا تتعرض لأذيته لو رفضت))

عَبَس يعقوب بملامح مكفهرة متسائلا باحتدام

((ماذا يظن نفسه؟ ولماذا لم تخبريني في وقتها؟))

انقبض قلب منال خوفا من أن تبدو مدعية أمامه، لذا استطردت حتى تكون أكثر إقناعا

((خفنا ألا تصدقنا وتميل لابنك مهما كان، ونحن لا حول لنا ولا وقوة كما ترى.. فصمتنا على مضض منه))

زمّ يعقوب شفتاه يكبح غضبا مستعرا في داخله قبل أن يقول بشرود عينيه

((صدقًا لا أدري ما أقول.. أعتذر لك عن تصرف ابني النذل، لكن بما أنه أعطاه لها دعيها تحتفظ به، ستتوقف عن العمل هنا ولكن الى حين أن تتزوج ستظل تأخذ راتبها مني دون أن يختلف عليها شيء))

تملك الذهول من منال ولم تتوقع أن يصدقها دون جهد فسارعت تتمتم بكلمات الشكر وتثني معروفه

((بارك الله في مَالك وحفظك لعائلتك يا كبير قريتنا))

أغلقت منال باب المجلس خلفها مما جعل يعقوب يناظر زوجته شاحبة الوجه بخزي من أفعال ابنها هاتفا

((ها.. أرأيت ما حدث يا زاهية؟ أرأيت ما فعله مدللك))

لسعت العبرة بسياطها حدقتيّ زاهية ينما يتابع لومه

((ابنك المصون أخذ ثمن هذا السوار من مُعاذ، مدعيا أنه سيشتريه لزوجته من باب زيادة المودة بينهما، حتى أنه أراه لي وقال بأنه سيقدمه قريبا لها! ها أنتِ ترين نتائج تدليلك له وتجاوزكِ عن أخطائه مند صغره بلا عقاب..))

بتر كلامه وهو يضرب كفا بكف ثم يكمل بصدمة تتملكه

((لا حول ولا قوة إلا بالله... بدلا من أن يشب كإخوته ويجعل مني أبا فخورا به وبصلاح أخلاقه أضحى زرعا فاسدًا يحني رأسي في آخر عمري))

نشجت زاهية بألم حارق والحزن يفترش مقلتيها

((اهدأ يا حاج، دعني أفهم من مَازن كيف أعطى السوار لنجـ..))

قاطعها يعقوب بحدة

((لا تسأليه ولا تتحدثي معه فلا أمل منه، أنفقت عليه أموالا طائلة من نفقات جامعة ومعيشة مقابل أن يؤسس حياته هناك وينجح ولكن أبى إلا أن يعود هو وقلة أخلاقه ومروءته.. بالمختصر لا أريد أي عاملة شابة أن تعمل في هذا القصر، خاصة نجوم.. مفهوم يا أم مُعاذ؟))

ردت زاهية بنبرة مكسورة

((مفهوم يا حاج، سوف آخذ هذه المرة كلامك على محمل الجد، وأحثها على المغادرة))

ثم شبكت أصابعها ببعضها مردفه بصوتٍ متهدج ممتعض

((مسكين ولدي، رضخت لفكرة أن يتزوج صغيرا حتى يعقل.. لكن حظه العاثر أوقعه بياسمين))

زمجر يعقوب بسخط خرج عن عقاله

((بنات الناس لسنَّ مركز إعادة تأهيل للشبان من أمثال ابنك، ولسنّ مسؤولات عن إصلاحه أو تربيته))

كادت أن تقول زاهية وهي تمسك بذراعه

((لكن..))

بتر اعتراضها بحسم وهو يدفع يدها عنه

((لا يغير الله ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. وكفى))

.

.

في المطبخ..

حيث تجلس نجوم بوجه فاقد لحيوية الحياة تستمع الى نفس الموال البغيض على قلبها الذي تردده والدتها مرارا وتكرارا

((يا حظ سمية البستانية! من كان يتخيل أن تتزوج من ابن الكانز! لا أحد..))

تمتمت نجوم تعقب ما حفظته

((.. إلا أن وجود ابن من صلب مَالك قلب الموازين، وتزوجها رغما عن الجميع))

شردت نجوم في وهن الحمل والفضيحة وكل ما تكالب عليها لتقول أمها بعدائية

((أردتك أن تفعلي مثلها وتتزوجي من توأمه مستغلة الجنين في أحشائك بهذه الطريقة لكنك فشلت.. الآن لا خيار أمامنا إلا أن أذهب بك لبيت أختي الأخرى، هي الوحيدة التي تعرف بمصيبتك، سأستعطفها كي تمكثي عندها مقابل مساعدتها في الحقل الذي تعمل به))

أومأت نجوم لأمها بهدوء نابع من صقيع قلبها المتقرح، وجرح روحها لا يندمل مطلقا ثم قامت بخطوات متثاقلة من مكانها لتجهز أغراضها للرحيل من هذا القصر..

أما منال فتوهجت مقلتاها بالجمر واضعة يدها أسفل ذقنها بتفكير، تحيك خططا من الوسواس الخناس، عليها أن تشتري ثيابا فضفاضة لابنتها حتى تستطيع أن تخفي الحمل، وبمجرد أن تضعه ستأخذه منها وتتركه أمام أحد مساجد قرية بعيدة عنهم وتخبرها أنها قد أنجبته ميتا..

=============================

دلف مَازن جناحه تزامنا مع إنهاء ياسمين مكالمة هاتفية مما جعله يتساءل

((مع من كنت تتحدثين؟))

ردت عليه ياسمين بصوتٍ يغزوه الحزن

((مع زوجة أخيك مُؤيد! وقبل أن ترمي لي إحدى تعليقاتك الظريفة نعم بت مؤخرا أتحدث على الهاتف معها أكثر مما كنت أفعل عندما كانت هنا))

أومأ مَازن بصمت دون أن يعقب مما جعل ياسمين تقطب حاجبيها.. فكيف يمرر مَازن أي شيء دون أن يرميها بإحدى ردوده السخيفة الساخرة أو التي تحمل معانٍ حميمية صريحة! هل ذهنه مشغول بأمر ما!

لكنها لم تقف عند الأمر مطولًا وعادت تمسك مشغولات الخياطة تكمل تطريز قطعة القماش في يدها قبل أن تشعر به يتمدد على السرير بجانبها ويمد يده يلامس خصلات شعرها المستريحة على كتفها..

نهرته مُصطنعة العبوس

((اترك شعري يا قمر الدين))

ابتسم بشحوب على حنقها منه خاصة وهي تدعوه "قمر الدين"!

فكر بما أنه نجح فعلا في إبعاد نجوم عن عملها هنا وإيقاف منال عند حدها، عليه أن يتوقف عن القلق ويركز أكثر في زوجته صعبة المنال والاسترضاء.. فدنا منها أكثر يدفن وجهه في شعرها ليقول بصوتٍ مبحوح

((أحب لون شعرك البُني وملمسه الكثيف وعطره الفواح))

أبعدته ياسمين عنها بانزعاج ظاهري ثم قالت بعفوية

((أتعلم.. كنت أتحدث مع رتيل عن شعري! قالت بأنه جميل وكثيف إلا أنَّ طوله غير مناسب على وجهي النحيف! بصراحة هي ليست أول من ينبهني على هذا!))

اندفع رأس مَازن مبتعدا عنها يهدر بخشونة

((ماذا ترمين!؟))

ترققت ملامحها وهدرت ببراءة

((ماذا؟ ما الأمر؟ كأنني قلت شيئا خاطئا))

ازداد انعقاد حاجبيه وقال وهو يعتدل جالسا

((إياكِ أن تفكري بقصه! هل فهمتِ؟))

فغرت ياسمين شفتيها قليلا وقد فاجأتها ثورته الصغيرة لمجرد اقتراح قص شعرها! إن مَازن هذا مهووس بشعرها.. حتى بأوقاتهم الخاصة له طقوس خاصة في تعامله معه فيحب أن يلمسه ويمسده ويسحبه..

شعرت به فجأة يحيط بكفيه عظام خدها الدقيقة ويقول بجدية تامّة تحتله

((عديني يا ياسو أنك لن تمسي شعرك هذا أبدًا بالمقص! يمكنك فقط قص أطرافه لكن لا تعبثي بأكثر من ذلك!))

أشاحت ياسمين نظرها بتوتر عن مرمى عينيه وغمغمت ((حسنا))

تألقت ابتسامة جذابة محياه وهو يقول بحماس بينما يمرر أصابعه بشعرها

((إذن دعيني أسرحه لك))

ودون أن يأخذ موافقة منها كان يقفز من السرير ويعود سريعا ومعه مشطها.. يجلس خلفها ويبدأ بتسريح شعرها.. فيشعرها أنها ابنته.. كما هدى تماما.. حتى أنه يواظب يوميا على روتين تجديل خصلاتها الطويلة وقد صارت أكثر تساهلا معه بأمر شعرها!

وصلها همسه هادئا

((عديني أنك لن تغدري بي وتقصيه..))

تنهدت بضيق مزيف وقالت بنزق

((حسنا لن أفعل، لكن سأذهب للصالون لأقوم بتمليسه مجددا فقد بدأ شعري يعود لسجيته المجعدة))

انفرجت عنه ضحكة خافتة قبل أن يمازحها برقة

((ولم لا! اتركيه على طبيعته، شعر هدى المجعد هو ما يزيدها جمالا))

ردت عليه بتهكم حانق وهي تبعد مشغولات الخياطة وتضعها على المنضدة الصغيرة الملاصقة للسرير

((ألم تكن تعايرها بشعرها المجعد وتتباهى أمامي بنعومة شعور عائلتكم!))

أجابها مَازن بتلقائية

((ابنتي جميلة وستبقى جميلة مهما كان سجية شعرها))

صمتت ياسمين للحظات بينما هو مستمر بتمشيط شعرها الكثيف بسلاسة، التفتت إليه فجأة برأسها تواجه عيناه

((لقد بدأت هدى تتعلق بك وتحبك))

أرجعت تعطيه ظهرها يكمل تسريح شعرها وتكمل

((يذهلني ما تفعله معها، لكن عليك ألا تفرط بتدليلها فقد باتت لا تصغي لي كالمعتاد))

أخرج مَازن نفسا عميقا ثم قال بعاطفة

((ابنتي وأريد أن أشبعها دلالا، أريد أن أكون لها الأب الذي افتقدته وأعوضها عما فاتها، أريد أن تكون علاقتها بي أفضل من علاقتي بوالدي بمائة مرة))

شاب ملامحها انزعاج وهي تسأله

((لم تشعر بالضيق حيال علاقتك بوالدك؟ أما يكفيك حب أمك المبالغ لك وشقيقك مَالك؟))

ردَّ مَازن بصوتٍ أجش وهو يترك المشط جانبا ويبدأ بتجديل شعرها ببطء ومهارة

((نعم علاقتي بأمي قوية، لكن للأب دور مهم ولا يمكن أن تحل أمي محله، لطالما أردت أن أخبرها عن ظروف زواجنا لكن لم أستطع.. لأنها أضعف من أن تتحمل))

بمجرد أن انتهى مَازن من تجديل شعرها حتى اجتذبها نحوه لتريح رأسها على صدره ويبدأ هو بتمسيد فروة رأسها بأصابعه بحركة تساعد على استرخائها فاستكانت له بطواعية وأغمضت عينيها لتقول

((أنا لم أكن قريبة يوما من أبي أو أمي، وهما أيضا لم يحاولا التقرب مني أنا وأخي والإصغاء لما نريده أو نحتاجه، رغم ذلك لم يؤثر الأمر بي، أعنى ما المهم في أن تكون صديقا لوالديك!))

عقب مَازن مازحا

((ألم أقل لك أنك عبارة عن لوح ثلج!))

ابتسمت ياسمين على كلامه دون أن يراها بينما تسمعه يتساءل ببحة

((لكن برأيك يا ياسو الفتيات الصغار مثل هدى بمن يكُنَّ متعلقات أكثر بالأب أو الأم؟))

اختلجت شفتا ياسمين واستغرق الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تجيبه بتحشرج وهي تمسح بظهر يدها دمعة فارة من عينها

((يتعلقن أكثر بمن يكون لهُنَّ السند والظهر والأمان))

=============================

قصر فارس القاني..

كتَّف قُصي ذراعيه وحرك ساقه بعصبية متوترة بينما يقول لأمه بغطرسة

((إذن هل أخيرا أقنعتي زوجك أن يسترجع عقله ويعيدني للعمل في الشركة في منصب يليق بي؟))

تزامنا مع كلام قُصي دلف للداخل فارس القاني بحضوره المهيب المباغت الذي أربك قصي مما دفعة أن يتحفز في وضعيته.. تنحنحت روزانا ثم ابتسمت بتكلف له

((قُصي لا تتحدث بهذا الشكل مع عمك، فقد قرر أن يسامحك عن إهانتك بحقه، والأكثر من ذلك أن يعطيك هدية باهظة))

أطبق قُصي شفتيه بصمت وانزعاج.. بينما تكمل روزانا

((هل تذكر الفيلا الصيفية التي كنا نقضي فيها إجازتنا مع والدك رحمه الله؟ لقد صارت ملكك))

صوب قُصي نظره على عمه الواقف مكانه بينما يتمتم بنظرات تشتعل حقدا

((هدية!؟ هي في الأساس ملكنا قبل أن يستولي عليها ويسجلها باسمه كما سلب باقي أملاكنا))

قطبت روزانا حاجبيها وعقبت

((قصي دعنا نركز بالحاضر.. هذه الفيلا الصيفية بما فيها الآن ملكك، بقي فقط أن تبحث عن عمل وستكون أمورك جاهزة للزواج))

تأمل فارس ابن أخيه بعيون غامضة تعصف بغضب يلجمه بمهارة ثم أكمل عن زوجته حسب اتفاقهما المسبق

((هذا بالنسبة لك، وسأكتب فيلا أخرى باسم أخيك الشقيق وهكذا تنتهي مسؤوليتي أمامكما وأمام الله وأنام قرير العين أني أديت واجبي تجاه أبناء أخي المرحوم على أكمل وجه.. يمكنك العودة إلى هنا وسننقل ملكية الفيلا الصيفية في الغد باسمك))

التمعت مقلتي قصي بالقهر من سخرية عمها! يتحدث بثقة.. كأنه ليس هو نفسه سبب الظلم الذي يعافر به.. فقال بصوتٍ جامد

((بقيت مسألة الوظيفة، بما أنك تنصَّلت من مسؤولية دعمي ماليا أنا بحاجة لوظيفة تدر عليّ دخلا جيدا تبقيني على نفس المستوى المعيشي الذي اعتدت العيش فيه، ولن أجد مثل هذه الوظيفة إلا في شركة القاني بعد أن أُنَصب في منصب كبير..))

ثم علت نبرته واكتسبت العدوانية وهو يكمل محذرا

((وإياك أن تذكر تلك الحادثة، فقد تعاقدتم بفضل الله مع موقع إلكتروني آخر وتم إعادة جميع الموظفين المسرحين للعمل في شركة))

انزلقت شبه ابتسامة بوجه فارس ثم قال والخبث يفوح من كلماته

((أود أن أنبهك يا قُصي.. أنا لست المَالك الوحيد لأسهم الشركة، الشركاء الآخرين، وبالإجماع قرروا عدم السماح لشخص مستهتر مثلك بالعمل في هذه الشركة العريقة التي لم يقصر أحد على مدار السنوات السابقة في صناعة اسمها ورفعه، خطؤك كموظف بسيط فيها ترتب عنه أمورا كارثية فماذا لو توليت منصبا كبيرا!))

تقبضت يدا قصي وعمه يردف

((بالمختصر.. لا تحلم أن تعمل في شركة القاني ولو كعامل نظافة))

لم يرد قصي الذي كان يشتعل من الغضب عليه وظل فارس واقفًا يتأمله بصمتٍ تام قبل أن يرفع أحد حاجبيه باستمتاع يتحداه أن يعترض

((ها.. ألديك ما تقوله؟))

وعندما واجهه بالصمت المتحفز أدرك أنه أصابه في مقتل وروضه فلمعت عيناه بانتصار ثعلب والتفت عنهما مغادرا بهدوء..

شعرت روزانا بتحفز ابنها يهم بالشجار معه فسارعت تجلس بجانبه محاولة تهدئته

((قُصي حبيبي دعنا نفكر في زواجك، الآن وقد صار لديك فيلا باسمك ما عليك سوى أن تحدد موعدا لزفافك وتعرفني تلك الفتاة التي خطبتها))

ضغط قصي على أسنانه بشراسة بينما تنطلق مرارة ضحكة منه ليقول بصوتٍ سقيم

((أمي مشكلتي ليست بالبيت وإلَّا لاستطعت تجميع ثمنه في السنوات الماضية، مشكلتي أني أريد وظيفة ثابتة ومرموقة تدر عليّ راتبا عاليا، هذا كان شرط والد خطيبتي، ولقد طالت خطبتنا دون أن أنفذ هذا الشرط))

كان منفعلا جدًّا فحاولت مجددا تهدئته وهي تمسك بذراعه وتتوسل إليه هامسة

((عمك لن يسمح لك أبدًا بالعمل في الشركة، حتى أخاك رغم اجتهاده في العمل إلا أنه يرفض ترقيته بسرعة، فقط ذاك المدمن يوسف هو المحبوب عنده))

تغضن جبين قصي وقال رافضا

((مدمن!؟ ألن تتوقفي عن نشر تلك الإشاعات عن يوسف!؟ لن تنجحي بإزاحته عن منصبه بتلك الإشاعة المبتذلة عن إدمانه))

شردت روزانا بنظرها وهي تقول بعزم متوعدة

((بل هو مدمن وقريبا سيعرف جميع أصحاب الأسهم الشركاء في الشركة بذلك ويطلبوا تنحيته))

=============================

في الصباح الباكر..

وفي فترة راحة مُعاذ توجه إلى قسم الزنازين المنفردة الفارغة من النزيلات إلا من شيرين وبعض دوريات الحراسة..

سمع صوت جلبة من هناك فتنحنح بخفة وقد طبعت على وجهه ملامح الصرامة، تقدم أكثر من بهو القسم بثقة ليتوقف أمام الضابطة التي سارعت تلقي عليه التحية العسكرية قبل أن يسألها بهدوء

((ما الذي يحدث هنا؟))

حانت نظرة من الحارسة تجاه شيرين التي كانت تجلس خلف باب الزنزانة وتطالعها ببراءة ثم قالت

((سيادة الرائد إنها نزيلة مزعجة وأعرف أن الانفرادي هو الحل لها، لكنها لا تكف عن تحريك القفل وإصدار صوت قرقعة منذ منتصف الليل))

جال مُعاذ أمام الحارسة بعينيه في زنزانة شيرين.. قبل أن يقول بحدة

((شيرين كُفي عن تحريك القفل وإصدار صوت يزعج دوريات الحرس هنا))

اجتاحت شيرين في هذه اللحظة رغبة ملحة في الابتسام على صرامته فزمّت شفتيها تكبح هذه الرغبة ثم تقول

((أقوم بذلك من باب التنفيس عن شعوري بالوحدة، كنزيلات أليس لنا الحق في فعل ما شئنا هنا من صراخ وغناء وضحك صاخب.. أو حتى تحريك القفل))

ردَّ مُعاذ عليها لحظات بتعابيره الجامدة

((هكذا إذن.. يبدو أن عليّ اللجوء لصلاحياتي وزيادة أيام إضافية في الحبس الانفرادي..))

قاطعته الحارسة معترضة وقد طلت بعينيها أطياف التعاطف على حال شيرين لأنها النزيلة الوحيدة في الزنزانة الانفرادية

((لا، لا أظن يا سيادة الرائد أن الأمر يستدعي الأمر لزيادة أيام حبسها الانفرادي خاصة وأن سبب وجودها هنا ليس لخطأ قامت به))

زجرها مُعاذ بخشونة أجفلتها

((قراراتي ليست موضوعا للنقاش))

حانت من مُعاذ نظرة سريعة لشيرين ثم غادر المكان بوقع فيه هيبة.. فتألقت الابتسامة التي كتمتها على شفتيها بتأثر.. لقد استجاب لرغبتها التي قالتها بشكل غير مباشر عن عدم حماسها للعودة للعنبر المشترك في أيامها الأخيرة هنا، وتفضيلها البقاء في الانفرادي أكثر..

في السابق كان بقاءها وحيدة هنا يرهقها نفسيا ويشعرها بالملل لكن بعد أن عادت تخرج للتريض والقيام بأنشطتها كما باقي النزيلات باتت تفضل البقاء هنا.. على الأقل ظروف هذه الزنزانة أفضل بجانب قيامها بكل ما تريد بخصوصية.. واهم شيء هو إنه لن تتوقف زيارات مُعاذ لها.. فهي ستغادر السجن قريبا وبحاجة أن تشبع نظراته منه.. ودون أن تشعر كانت تحوم حولها مشاعر وردية قبل أن تنتفض مكانها على صوت الحارسة تصرخ بها بغضب يغلي كالمرجل من أعماقها

((على ماذا تضحكين؟ على خيبتك!؟ تستحقين هذه الزيادة، هيا خبئي تلك الكتب تحت البطانية جيدا، لو رآها سيادة الرائد لم يكنن ليمرر اليوم على خير لأحد هنا، أنا أبقيها معك فقط لأن أم محمود تحملت المسؤولية))

هرعت شيرين تخفي كتبها وقلمها تحت الوسادة مطيعة للحارسة التي كانت تتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة وهي تنصرف مبتعدة..

تنهدت تفكر في أمر الضباط والحرس، ليسوا جميعا سيئين ومؤذيين.. بل هناك منهم من على قدر عالي من الأخلاق.. وأحيانا لا تلوم صرامتهم فسوء أخلاق بعض النزيلات هنا غير مقبول.. عدا أن بعض قوانين العمل وواجباته تفرض نفسها على الجميع.. وهي ولولا رعاية الله ثم وجود مُعاذ الذي تجاوز عن الكثير من القوانين السجن لأجلها لما استطاعت النجاة من هذا المكان الموحش..

أخرجت شيرين مصحفها الصغير لتبدأ في تلاوة بعض آياته لكن بغتة سرحت في أمر نحلة طنانة تجوب المكان بشكل عشوائي.. علمت أنها دخلت للمكان الخطأ لذلك هي تحاول أن تجد المخرج..

ارتسمت ابتسامة ذابلة على شفتيها عندما نجحت النحلة أخيرا في المرور من النافذة بفتحتها الصغيرة والطيران عاليا خارج أسوار السجن..

رباه.. ليتها مثل هذه النحلة.. ليتها تستطيع التحليق عاليا إلى عالم الحرية خارج هذا المكان المغلق..

لكن عاد شيء من الضيق ينتابها لفكرة أن الحرية تعني الحرمان والابتعاد عن مُعاذ..

=============================

في شقة مُؤيد الصغيرة..

شعرت رتيل التي تتوسد بجسدها الفراش على أرضية الغرفة أن الدنيا بهمومها قابعة على كتفيها وغصة بحلقها تخنقها بشدة.. نهضت تقف أمام المرآة تلاحظ انعكاس ندوبها الداخلية على مظهرها الخارجي فيظهر كم تغيرت.. شحوب وجهها، ذبول ملامحها، اندثار بريق عيناها، ووهن جسدها..

لقد كانت سابقا في بيت أهلها تمني نفسها أن ما تعيشه هو غمامة سوداء لابد أن تزول ومُؤيد سيردها عاجلا أم آجلا.. وبالفعل ردها في النهاية.. لكن زوجة مع قيد التنفيذ.. إذ أنه أرجعها من أجل ابنيهما وسرعان ما سيتزوج من ابنة أبي أحمد.. حتى أنه منعها من دخول غرفة نومه وأمرها أن تنام مع الولدين أو في الغرفة الصغيرة الأخرى.. المهم أن تكون بمنأى عنه..

إنه جدي بمسألة الانفصال مع بقاء زواجهما قائما!

أخرجت رتيل صوتا ساخرا بائسا..

ليس وكأنها باقية هنا لأنها تموت حبًا فيه.. فهي لم تكن يوما تلك المرأة العاطفية التي تحب رجلا يسيء لها ولا يحترمها.. لكن ما يجعلها أمام مُؤيد مكسورة متهاوية هو ضعف حيلتها وقسوة المعاملة في عائلتها التي تمنعها من العودة لهم مطلقة وإلا ستعيش معهم جحيما لا يطاق من الذل والرقابة الشديدة عليها ومنعها من الحياة..

أغمضت عينيها بحرقة.. تكويها عبراتها بلهيبها الدامع الموجع.. وفؤادها يتآكل بالحسرة..

لم عليها أن تكون مضطرة أن تعيش هذا النوع من الحياة!

مسحت وجهها بكفيها تجر خطوات متثاقلة مستسلمة من الغرفة نحو المطبخ..

خرج مُؤيد هو الآخر من غرفته وهو يتكئ على عكازه ثم جلس على أريكة مقابل التلفاز.. أمسك جهاز التحكم عن بعد يشغل التلفاز ثم مدد قدميه الطويلتين فوق الطاولة وقال بجفاء

((حضري لي الفطور الآن))

كان يأمرها دون أن يكلف نفسه إزاحة نظره عن التلفاز فأجابته بجمود دون أن تبعد تركيزها عن الثلاجة التي فتحتها ((لن أفعل))

استغرق الأمر من مُؤيد عدة ثواني حتى استوعب أن الكلمات التي خرجت منها لم تكن ضمن قاموس كلمات الطاعة..

جلست رتيل على أريكة مقابلة له ومعها كيس من الخبز وعلبة جبن فهتف بها بصوتٍ أجوف

((الفطور الذي أعنيه وجبة كاملة، لا شطيرة جبن!))

بدأت تدهن الجبن الكريمي فوق قطعة الخبز وهي تجيب ببرود استفزه

((ومن قال أنى أعد هذه الشطائر لك! إنها لفهد وباسم، إذا كنت جائع فأنت تعرف طريق المطبخ، إنه ليس وعرا))

ضيَّق مُؤيد عيناه بتحذير مبطن وقد التقط شيئًا من التمرد في كلماتها.. توجس مِمَّا تخطط له بينما تكمل

((أنا أتحدث بجدية يا مُؤيد، لا فطور لك.. ولا غداء ولا عشاء، لا اليوم ولا بعده، أنا هنا من أجل الاهتمام بولديّ، لأن علاقتنا مقتصرة عليهما فقط))

طحن أسنانه بينما يهس من بينهم بضراوة

((رتيل كُفي عن استفزازي، فصبري لم يعد كالسابق عليّك وعقلي لم يبقَ فيه إلا عدة أسلاك سليمة، حافظي عليهم لأجل سلامتك))

أغمضت رتيل عينيها للحظات لتتمَالك أعصابها ثم بدأت تدهن الخبز بعنف بين يديها قائلة

((أنا لا أتحاذق، بما أن زواجنا صوري، فلست ملزمة بخدمتك، أنا هنا من أجل الولدين وفقط، هذا كلامك أنتَ))

كان لايزال ينظر لها بغير تصديق فأردفت وكأنها تتذكر شيئًا

((آه.. على فكرة.. قررت أن أطلب الطلاق أنا هذه المرة ما إن تتزوج من ابنة أبي أحمد طبعا بعد أن أتأكد من أنها ستكون زوجة أب جيدة للولدين ولن تسيء معاملتهما.. لكن حتى ذلك الحين فأنا لن أقوم بأي خدمات زوجية أبدًا من غسيل وكي وإعداد الطعام..))

صدح صوت مُؤيد بجنون بينما يحدق بها بعينين ناريتين

((هل جننت يا رتيل؟ هل تختبرين حلمي وصبري؟ أتظنين أن كسر قدمي قد يمنعني من قتلك؟))

عكفت فاهها بسخرية مما جعله يمسك عكازه وينتفض واقفا ثائرا.. انتفضت كل خلية بجسدها تاركة ما بيديها على الطاولة تفر بهلع إلى غرفتها وتوصد الباب..

ضرب مُؤيد باب غرفتها بعكازه بعنف كحبة فشار تتقافز في وعاء ساخن صارخا بصوت أفزعها

((افتحي الباب.. لماذا أغلقته؟ افتحي الباب لأعلمك كيف تجيبيني برد لائق.. ألا يكفي أني رددتك بعد فعلتك الدنيئة.. يا خائنة الثقة..))

أطلقت رتيل في داخل الغرفة تنهيدة حارة وهي تضع يدها على صدرها.. ثم قامت بفتح الباب دون فتح سقاطة قفل المزلاج لتظهر رأسها متوارية خلفه ثم تقول بقنوط

((أنتَ أيضًا خنتني أيها المنافق، فلا تحاسبني على خطأي الذي لا يضاهي خطأك بشيء؟))

انفلتت زمام أعصاب مُؤيد وهو يراها تضع عينيها بعينيه مباشرة دون أن يستطيع التهجم عليها، والسلسلة المتينة الصلبي تمنعه من فتح الباب مهما فكر في دفعه فصرخ فيها هائجا بعلو صوته

((افتحي الباب وحسب، افتحي الباب أيتها الجبانة))

ابتسمت بزهو متشفية بعجزه فنبضت شرايينه الزرقاء النافرة في صدغه.. وحاول دفع الباب بكتفه ففشل وقد وقعت عكازه واختل توازنه.. ليصرخ فيها باهتياج

((خطأي أني أشفقتُ عليك وعلى هذان المسكينان وكتمت أسرارك في الوقت الذي فضحتني فيه، وأرجعتك لي، وبدلا من أن تقبلي يديّ تردين المعروف بهذا الشكل؟))

تراجعت للخلف تصدر صوتا معترضا قبل أن تنتقصه

((أقبل يديك؟ ابتعد أيها الثور من هنا وإيَّاك التحدث عن معروفك المزعوم هذا، لن تلوي ذراعي لأنك تكتم سر ذهابي عند تلك اللعينة غنوة لأني ببساطة سأنكره))

توقف مُؤيد عما يفعله وصاح بها باستنكار

((وهل تستطيعين إنكار ذهابك إلى هناك!))

ردت عليه بقوة عزيمة ممزوجة بالخبث بينما تتسع حدقتيه بالنيران الغاضبة

((طبعا سأنكر.. فعائلتي تعرف بأنك لا تدعني أزورهم إلا بمرافقتك بل لا تسمح لي أن أخطو خطوة خارج البيت إلا بأمرك.. سيكذبونك))

شدّ على نواجذه شاعرا أن وجهه المحمر الغاضب يحترق من كلامها.. فرماها بسهام نظراته المجنونة صارخا بهستيرية

((هل تظنين حقا أنهم سيصدقونك ويكذبونني أنا؟ هل هو أمر صعب أن أريهم صورك في بيت غنوة وأثبت أنك كنت تخرجين شبه أسبوعيا بذريعة زيارتهم؟))

كتفت ذراعيها ببرود لا يناسب الموقف وهي تراوغه

((سأقول بأن هذه الصور ملفقة أو فوتوشوب.. سأكذب كلامك حتى نفسي الأخير..))

اضطربت ملامحه ليهتف بتلقائية مؤكدا

((لن يصدقك أخواك الأخرقان، بل سيهدران دمك))

رسمت رتيل ابتسامة جانبية تناوره بحنكة وعقلية امرأة تسعى للخروج من صفقة خاسرة بأقل الخسائر

((إذن سأتخلص من هذه الحياة الكئيبة دون أسف، لكن سأشفق على فهد وباسم، هما من سيتملكهما العار من تلاسن الألسنة عليهم، سيقول الناس لم يكن أخويها ليقتلاها إلا لو كانت خائنة ولطخت شرف زوجها))

احتَّد لون عينيه متفكرا بكلامها بينما تكمل بما يتلف ما تبقى من أعصاب فيه

((أما البعض منهم قد يستنكرون الإشاعات ويقولون "لم نشهد من أم فهد إلا كل خير" وهكذا سيظنون بأنك من أطلقت إشاعات شنعاء عني لغاية في نفسك.. ربما من أجل امرأة أخرى تلاعبت بك.. أولهم والدك الذي يعرف بأمر تلك الرسائل المخزية.. وسترى وقتها من سيزوجك ابنته يا أستاذ شرف! وفي كل الأحوال ستكون سمعة عائلتك ستكون على المحك))

ابتلع مُؤيد ريقه بصعوبة شاعرا بخوف خانق يهاجمه.. ثم غمغم باضطراب

((أنتِ لست رتيل التي أعرفها.. أنت شيطانة..))

ردت عليه من بين أسنانها بغضب مكتوم

((أنتَ الشيطان من تحلل لنفسك وتحرم عليَّ ما تريد))

استشاط غاضبا عليها كالبركان الثائر لنعتها له فعاد لدفع الباب عليها فرسمت تعابير مستمتعة برؤية عجزه عن الانقضاض عليها ثم دمدمت

((أنتَ من تستقوي عليَّ لأني امرأة ضعيفة لا سند لي وتمارس ذكوريتك في تعنيفي.. ابتعد عني وإن شاء الله تبقى معتمدا على عكازك مدة أطول حتى لا اشعر بالخطر منك!))

أوجعه دعائها القاسي عليه لكن ما نال منه هو تمنيها أن يطول عجز قدمه خوفا من أن يعنفها جسديا! رغم أنه لم يسبق خلال سنوات زواجه بها أن رفع يده على امرأة أو طفل، وهي تعرف ذلك جيدا رغم أي تهديد أرعن يطلقه!

فهاج عليها صارخا باستنكار يواري حقيقة ألمه المبرح

((أيتها اللئيمة، تدعين عليّ؟ تدعين هكذا على والد ولديك!))

ردت عليه بمرارة وحرقة

((الآن صرت والد ولديَّ؟ وأنا ألست أم ولديك! من الآن جهز نفسك لرتيل أخرى لن تسمعك إلا كل ما يؤلمك))

بعد مرور لحظات من صمت مشحون سمعته يقول بصوتٍ لا حياة فيه

((لقد كانت أمي محقة بدفعي للزواج، كانت أدرى بحالي، سأتزوج من بنت أبي أحمد لا لشيء سوى نكاية فيك يا جاحدة))

حدَّقت رتيل بصدمة بوجهه الجامد القاسي.. حتى أنها فتحت قفل سلسلة الباب دون خشية منه.. لتتأكد مما سمعته..

هل هو صوت قلبها يتهشم؟ أم أن روحها هي من تئن شاكيةً الظلم لله وهو لا زال يصر على مسألة الزواج!

تبادلا النظرات بثبات لكن اختلجت شفتاها وشعرت أنها على شفا حفرة من الإجهاش بالبكاء.. فقالت أخيرا بصوتٍ متهدج

((لا تظن أنك ستنجو بما فعلته بي يا مُؤيد.. أبدًا.. سأدعو الله أن تقوم تلك الزوجة الجديدة بدهس عاطفتك وهدم قلبك وتمزيق كيانك ثأرا لي))

قطع مُؤيد نظراتهما فأكملت بنفس الغل

((أما أنا فسأدعو بعد طلاقي منك أن يرزقني الله برجل يظللني بظِلالِ الاحترام، والموَدَّة، ويعاملني بالمعروف، ويراعي إنسانيتي واستقلال شخصيَّتي ويشاركني في إدارة شؤون أسرتنا))

اتسعت عينا مُؤيد بذهول احتلها وهتف بها بصدمة

((ماذا! ماذا قلتي؟ تتزوجين!))

أمعنت النظر بعينيه الصلبتين لتجد رجل مطعون برجولته.. ملامحه الجامدة.. الميتة.. كأنه تلقى صفعة في منتصف روحه المجروحة.. فشعرت بانتشاء لإنه من بادر بطعن أنوثتها.. ثم رفعت ذقنها له

((كما سمعت..))

انتفضت عضلة في فك مُؤيد وعينيه تنحدر أرضا للحظات طويلة.. ليسألها بنبرةٍ مضطربة

((ما الذي تريدينه الآن يا رتيل؟))

رفعت رتيل حاجبها مجيبة

((لم أعد أريد منك شيئا.. اتركني وشأني.. أنا هنا فقط من أجل باسم وفهد))

عكف مُؤيد فمه باستهزاء ثم قال برعونة وهو يميل بوجهه من وجهها لافحا إياها بغوغائية أنفاسه الحارة

((اعلمي أني سأحرمك منهما عندما تتزوجين وسيبقيان في حضانتي فأنا لن أسمح لهما أن يعيشا بعيدا عني، فلا أراهم إلا ساعتين كل أسبوع أو أثنين))

جزت رتيل على أسنانها لصلف كلامه ثم هزئت به

((لا بد أن الزهايمر بدأ يزحف لعقلك، منذ أن تزوجنا كنت تعيش في هذه الشقة وحيدا ولا تأتي للقرية لرؤية ولديك إلا كل أسبوعين كالضيف، فما الذي اختلف الآن لتقرر عند طلاقنا أن تتحول إلى هذا الأب حنون!))

تمتم بعذاب وغصة تستحكم حلقه ولا تفارق صدره

((توقفي عن ذكر سيرة الطلاق في كل ثانية))

أطبقت رتيل فمها بحنق ثم فتحته لتهمس في وجهه

((بل سأذكره فهذا ما سيحدث قريبا، في كل الأحوال كل ما بيننا انتهى، وطلاقي أفضل من بقائي متزوجة هكذا بالاسم فقط..))

ازداد تنفس مُؤيد بصمت صاخب وهو يحدق بوجهها.. ثم أغمض عينيه لدقيقة فبرمت رتيل شفتيها قبل أن تقول بلهجة متحفظة

((تعبت من هذا النقاش العقيم، ابتعد ودعني أجهز شطائر الأولاد وأوقظهم بنفسي هذا إذا لم يكونوا قد استيقظوا بالفعل على صراخنا))

خطت من أمامه تحاول تجاوزه لكنها شهقت بصدمة حين امتدت يده لتقبض على معصمها بقسوة جعلتها تحدق في مقلتيه المتأججتين بخوف سرعان ما انحسر شيء منه وهي تقول بعدائية

((دع يدي يا مُؤيد))

قست ملامحه وتحجرت عينيه هامسا بفحيح مخيف

((وإن لم أفعل!))

شمخت بذقنها هاتفة بضراوة

((لا تعجل طلاقنا... ودعني أحضر الإفطار للأولاد))

خرج فهد يدعك عيناه ويتثاءب

((أمي... أبي.. ما لذي يحدث؟ ها.. لقد سمعت صراخكما))

قال مُؤيد بحنق وقبضته تتراخى فتحررها رتيل منه

((اذهب الى غرفتك))

رمقته رتيل بغضب ثم حانت بوجهها بأمومة

((فهد، أيقظ باسم واغسلا وجهيكما لتتناولا فطوركما))

أطلق مُؤيد نفسا مرتجفا قبل أن يلقي عليها نظرة اشمئزاز ثم يتركها مبتعدا نحو غرفته.. وهناك فقط سمح لنفسه بالانهيار فوق سريره والألم يعتصر ملامح وجهه الكالحة.. أما رتيل فلم تندم على شيء مِمَّا فعلته أو قالته.. عليه أن يعلم أن ما تقدمه هي من خدمات في بيته له، هي مقابل احترامه، وأنه عندما لا يحترمها فهي أيضا قادرة على منع كل شيء عنه، فهي ذات إرادة مستقلة وليست خادمة اشتراها مع أثاث بيته..

لُقنت في صغرها أنها كامرأة بلا رجل لا قيمة لها، وأن إهانته لها وكسر إرادتها ومحو شخصيتها شيء طبيعي قد يفعله وعليها أن تتلقى منه القهر والإهانة تلو الأخرى برضا وقبول، بل وامتنان، تحت مبررات أخلاقية واهية.. لكن كل هذا سيتلاشى من الآن وصاعدا.. لن تسمح له باستغلال زواجهما كمظلّة يرتكب تحتها الإساءات لها.. =============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...