لا تنسو التصويت ❤️❤️
نزل مَالك خطوات الدرج الذي ينتصف الصالة يستعد للخروج مع أصدقائه للعب كرة القدم.. خرج من باب القصر ومر على حديقة منزله حيث يجلس والديه في العادة ليلقي السلام عليهما قبل مغادرته..
سار نحوهم ولحظات حتى تسرب التوجس لملامحه وهو يلاحظ بأن هناك امرأة تجلس مع والديه ومُؤيد..
اقترب أكثر منهم ليتبين له أن تلك المرأة ما هي إلا.. سمية..
اتسعت عيناه وتسمر مكانه يكاد لا يصدق بأنها هي فعلا وسرعان ما عاد الوعي له ليخطو بسرعة نحوهم.. توقف أمامهم بريبة ثم قال من بين أنفاسه اللاهثة قليلا ينبههم على وجوده
((السلام عليكم..))
انتبه كل من الحاجة زاهية والحاج يعقوب على ابنهم ونكست سمية التي جفلت على صوته وجهها أرضا..
دعاه مُؤيد ليجلس معهم وهو يشير لكرسي فارغ بينهم
((وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. تعال وانضم لنا في جلستنا يا مَالك ريثما تعد أم فهد الشاي))
بدا على زاهية الضيق لوجوده وكأنها لم تتمنى أن يعرف حتى بشأن هذا اللقاء..
قال مَالك بحذر وهو يسحب كرسيا ويجلس عليه
((بماذا تتحدثون مع سمية؟))
غزا الارتباك وجه سمية لتتشابك تلقائيا أصابع يدها بتوتر في حين قال يعقوب بوقار
((لا شيء مهم.. أحد الأشخاص قد سبق وطلب يد سمية مني لأن لا أحد من أقاربها هنا، فطلبت مني أن أمهلها وقتا للتفكير والآن طلبتها أمك لتسمع ما يجول في خاطرها بما أن الرجل يلح على تلقي الرد منها))
تخشب مَالك في جلسته لتتجمد ملامحه كسطحٍ رخامي باهت..
هل حقا ما يسمعه! والديه الاثنين يحاولان السعي في تزويجها ويسردان عليه الأمر بكل بساطة! والأنكى بأن الهانم لم ترفض بل طلبت وقتا للتفكير والسؤال عن العريس المحظوظ الذي تقدم منها! تمَالك نفسه وهو يزدرد ريقه ثم طالع سمية التي كانت رأسها تزداد انخفاضا وكأنه أمسكها متلبسة بخيانته!
ثم قال أخيرا بصوتٍ يبطنه الألم وهو يشمخ بذقنه
((والسيدة هنا ما هو ردها؟))
عقدت زاهية حاجبيها بتوجس ثم قالت بجفاء
((إنها موافقة..))
رفعت سمية وجهها الشاحب تفغر شفتيها تهم بالاعتراض فأكملت بصرامة
((لكن هناك بعض المخاوف الذي تداهمها لذلك نتحدث هنا معها حتى نبددها لها))
بدأت أصابع مُؤيد تطرق على يد الكرسي بترقب وتسلية لردة فعل أخيه!
أما سمية فتجرأت تقول بصوتها الواهن
((أنا لا اعرف ذلك الرجل الذي طلبني بشكل شخصي.. لهذا أظن بأن عليّ التريث قليلا))
طالعتها زاهية تقول بامتعاض
((ولماذا ليس عليك المضي قدما فيه؟ هل يعجبك الحال بأن تظلي هكذا؟ أنتِ تعيشين في مجتمع ذكوري فاسد الفطرة لا يؤمن بصلاح المرأة إلا وهي تحت جناح ذكر.. برأيي عليك أن تقبلي به حتى لو كان الرجل لا يعجبك، مهما كان فيه من صفات لا تروق لك تجاوزيها فهو المتاح الوحيد أمامك))
تعجب يعقوب من حال زوجته.. غضب ملامحها ونبرتها الصلبة المشحونة لم تكن في محلها..
في حين أخذ مَالك يتطلع لسمية بتدقيق مبالغ فيه أشعرها بعدم الارتياح لترد بارتباك جلل
((ولكن أنا حاليا لا أريد التركيز إلا في تربية ابني..))
ضاقت عينا زاهية وهي تقول منفعلة
((وهو لم يطلب منك التخلي عن يزيد للزواج منه!))
تطلع يعقوب بسمية يسألها بصراحة وتروي
((هل تفكرين في الزواج يوما ما يا سمية؟))
أجابت زاهية عنه بانفعال فشلت في خمده
((ولم قد لا تفكر؟ أليس من حقها كإنسانة أن تتزوج وتستقر حتى لو سبق لها الزواج قبلا؟))
شعرت سمية بكل ما حولها يطبق عليها حصارا خانقا لروحها.. فقال يعقوب بوقار ورزانة
((أنا من جهتي يا ابنتي أرى بأنه إذا جاءك ابن الحلال الذي تشعرين بأنه قد يرعاكِ ويرعى ابنك فلا تترددي أبدًا، أعطي نفسك فرصة للتعرف على الرجل الذي طلب يدك))
ضاقت عضلات جسد مَالك بل شعر بصدره ينقبض من شدة الانفعال وكفيه يتكوران بشدة.. ولم يستطع منع نفسه أن يقول بصلابة وقسوة الخضرة في عينيه تتعلقان بنظرها الهارب منه
((أبي ليس من المنطق أن تشجعاها على الزواج ولديها طفل صغير بحاجة لرعايتها!))
نظر يعقوب لابنه وابتسم ببطء ثم عقب
((لماذا؟ ما المانع من زواجها حتى لو كان عندها طفل؟ مطلقها الأول ووالد ابنها سبق وتزوجا وكل واحد منهما صنع له عائلة أخرى.. فلماذا لا تفعل هي نفس الشيء؟ أم لأنها امرأة فحقها مهضوم))
عقد مَالك حاجبيه يقول بثبات وشموخ رغم القهر الذي يتشعشع بروحه
((بل أن ابنها يزيد من حق والده لو تزوجت))
آخر جملة خرجت منه وهو يرفع إحدى حاجبيه بنبرة ذات مغزى أمام وجه سمية المتجهم الذاهل لحديثه.. وبين كبرياء رجولته وعشقه لها كانت هناك صرخة ألم يخفيها بعينيه المتحجرة بترفع..
كتف مَالك ذراعيه ثم قال مؤكدا على كلامه السابق يجيب على النظرات المستفهمة من حوله
((بديهي أن أي امرأة تتزوج تخسر حضانة ابنها لوالده.. فإذا قبلتي يا سمية الزواج حتى لو ترتب الأمر عليك خسارة ابنك الوحيد فأنتِ معدومة الأمومة))
رآها تنكمش على نفسها وأدرك أن كلامه أخافها.. لكن الغيرة في داخله وهو يسمعها تتحدث مع عائلته عن أمر ذاك الخاطب كان أشد وطأة عليه ولا يحتمل!
قال يعقوب معترضًا على كلامه
((لا يحق لك يا مَالك أن تتهم أي امرأة تفضل الزواج مرة أخرى بانعدام الأمومة.. إذا كان قد أحل الزواج لأي امرأة بعد الطلاق لأن فطرتها واحتياجاتها تستدعي ذلك فمن أنتَ لتقول هذا الكلام القاسي عنها؟))
كانت الحيرة تسكن وجه زاهية ويتعسر عليها فهم ابنها.. رغم أن كلامه الحالي يشير بأنه لا يفكر أبدًا في الزواج منها على عكس مخاوفها.. إلا أنها غمغمت تدعم كلام زوجها بغية تشجيع سمية على الزواج وإخماد نيران مخاوفها تماما
((حتى لو أعطت سمية حضانة ابنها لوالده فهذا لا ينقص من أمومتها شيء.. بالتأكيد لو كان بيدها الزواج والاحتفاظ بحضانة ابنها لما توانت عن فعله))
كان كل ما في سمية يرتجف ويثور في نفس الوقت وهي تسمع مَالك يقول صراحة عن نزع ابنها من أحضانها في حالة ما فكرت في الزواج ثانية.. بل فعليا للمرة الثالثة! فقالت بخفوت أمام عينيه الغاضبتين وقوة لا تستحضرها إلا في مواجهته هو
((أنا لن أتزوج أبدًا، وابني من المستحيل أن أتخلى عنه أو أسمح له أن يبتعد عني))
لم يختلج شيء في تقاسيم وجه مَالك بل كان باردا كقطعةٍ من جبلٍ جليدي وهو على حاله..
شعرت زاهية بالغيظ لأن سمية تراجعت، وكانت تريد التحدث إلا أن صوت رتيل التي جلبت صينية فوقها إبريق الشاي قطع حديثهم.. حيث أنها وضعت الصينية فوق الطاولة بقوة وإهمال شاعرة بالحنق وهي ترى نفسها من تقوم بالتخديم هنا.. حتى أن البستانية جالسة معهم تتجاذب الحديث في موضوع ما وهي من تقدم الشاي لها..
استدارت رتيل بهدوء ليصل لها صوت زوجها المستفز
((رتيل أحضري كأسًا لمَالك ليحتسي الشاي معنا))
تجمدت رتيل مكانها وأغمضت عينيها تتميز من الغيظ خاصة ووالدة مُؤيد تضيف على كلام ابنها
((واجلبي دلّة القهوة أيضًا لو سمحتي))
فتحت رتيل عينيها تقول بفتور
((أنا متعبة، اعتذر لك، اطلبي من غيري جلبها وجلب كأس لمَالك))
تدلى فك زاهية وعرفت رتيل أن ردها صدمهم جميعا دون أن تستدير وتراهم! لكنها لم تكن لتتراجع عما قالته أو تندم! فحتى والدة مُؤيد لا ترحمها بطلباتها..
وتطلب منها أن تعمل فوق طاقتها دون أن تهتم بكونها لا تنال أي قسط من الراحة! بل وأحيانا تتذمر وتتأفف إذا ما تأخرت بالاستجابة لطلباتها رغما عنها دون تقدير بأنها زوجة الابن الوحيدة التي تخدم في هذا القصر منذ أن طُرد العاملين فيه!
ماذا استفادت من كونها الكنة المطيعة الوحيدة هنا غير الإجهاد النفسي والجسدي؟ عليها أن تعيد حساباتها من جديد وتتغير معهم جميعا..
استدارت رتيل نحوهم بوجه صلب لتقول
((أنا متعبة وبحاجة أن أعود الآن للراحة، ومن يرد شيئا فليذهب ليجلبه بنفسه))
همس مُؤيد المصدوم
((انظري لوقاحتك وأنتِ تتحدثين أمامنا بفجاجة))
حذرته والدته تحاول تخفيف حدة الموقف
((انتظر يا مُؤيد هي لا تقصد ذلك..))
قاطعتها رتيل قائلة بثبات وتصميم
((بل أقصد كل حرف مما قلته.. فأنا من الصباح للمساء كل ما افعله هو خدمتكم جميعا، أنا متأكدة من أني حتى لو كنت أتجرع المرض أو الموت لم يكن زوجي ليكلف خاطره ويفعل معي ربع هذه الأشياء التي افعلها الآن.. لذلك لن أتجرد من إنسانيتي من اجل عيناه وسأذهب لأريح نفسي..))
اجتاحت جسد مُؤيد فورة غضب لجرأة زوجته الوقحة فانتصب واقفا من مكانه بقوة حتى أن الكرسي الذي كان جالسا عليه اهتز ووقع خلفه.. ثم هتف بصوتٍ خطير وهو يحدجها بنظراته المهددة
((هل تتمردين يا رتيل؟))
أخذ الخوف كل مأخذ منها إلا أنها نجحت بإخفاء شيء من هذا الخوف وهي تردد على نفسها بأنه لن يستطيع أن يفعل شيئا أكثر من إغراقها في جحيم عتابه وجلده وتوبيخه.. فقالت أخيرا بصوتٍ مضطرب
((هذا ما عندي يا مُؤيد، لقد تعبت، لا دخل لي إلا بتنظيف جناحي، نحن بشر من لحم ودم، وقد أمرنا الله بأن لا يكلف الفرد نفسه فوق طاقتها))
ساد صمت قاتم بينهما للحظات اشتعلت فيه حرب تراشق الأعين.. الوعد من جهته.. والتحدي من جهتها.. أما الحاج يعقوب الذي شهد الموقف هذا ذاهلا ظل ثابتا رغم حنقه بمهارة عمره قبل أن يتدخل أخيرا
((ولماذا هي من تقوم بأعمال البيت؟ أين هي نعمة ومنال وغيرهن؟))
ردت رتيل عليه على الفور بتحفز
((ابنك الآخر مَالك قام بطردهم جميعا، ومُؤيد يرفض أن يحضر غيرهن ويريد مني وحيدة أن أقوم بعملهن))
تدخل مُؤيد يقول بخشونة
((لست وحيدة فنجوم تساعدك، لكن سأطردها قريبا لتتعلمي كيف تحترمين نفسك في المرة المقبلة))
كلماته كانت نصالًا حادة يصوبها إلى صدرها مستنزفًا نفسها المرهقة وآملًا في القضاء على الجزء المتبقي من كبريائها! فهتفت والقهر يتجلى على ملامحها
((لماذا تحب أن تهينني وتقلل من شأني أمام الجميع! لماذا تحب أن تحطمني؟ ولا تتواني عن تحقيري؟))
ازدادت ملامح الصدمة على مُؤيد لما قالته فعاد ذاك الخوف يدب في قلبها لكنها حثت نفسها على عدم التراجع.. وإلا ستمضي ما تبقى من عمرها هنا على هذا المنوال.. وستبقى هنا للخدمة والعمل والبذل والعطاء الذي لا تجد مقابلا لهم إلا الجحود والنكران والانتقاد والعتاب القاسي.. والويل لها من مُؤيد وكل الويل لو فكرت أن تعترض ولو مجرد تفكير! فاستطردت معقبة لحماها تثير استعطافه بما مرت به وهي تشكوه مُؤيد غير عابئة به
((لقد رفض العودة لعمله في المدينة حتى يراقبني ويتربص بي طوال فترة وجوده هنا، أشعر بأن عملي لهذا اليوم تسبب لي بأوجاع الظهر واحتكاك في عظام ركبتي وتشنجات في عضلات الرقبة واليدين))
تقارب حاجبا مُؤيد بغضب أشد يستعر في داخله.. وهم يقترب منها حتى أنها تراجعت خطوات للخلف.. لولا أن الحاج يعقوب وقف على الفور هاتفا بابنه بصرامة
((مُؤيد توقف مكانك واحترم وجودي))
تطلع مُؤيد لوالده يقول مستنكرا وهو يشير لزوجته
((ألا تراها كيف تتحدث معي بهذا الشكل؟ لو كان متواجدا أحد غريب هنا للامني أنا على قلة أدب واحترام زوجتي تجاهنا))
قبض الحاج يعقوب على غضبه والتفت لمَالك يتساءل بهدوء قاتم
((من سمح لك أن تطرد أحد هنا؟))
ازدرد مَالك ريقه إلا أنه أجاب بصلابة
((لأنهم لا يحترمونني أبدًا.. كما أن وجودهم وعدمه واحد فقد حولوا المطبخ لمجلس نميمة بدلا من العمل))
تغضن جبين يعقوب لمَالك وتطلع بتلقائية لسمية التي كانت غارقة في توتر رهيب.. ثم تطلع لزوجته بصرامة
((من الآن يا أم مُعاذ تطلبين من جميع من كان يعمل هنا العودة لعملهم، وادفعي لهم أجر الأيام الفائتة كما لو كانوا في عملهم، وسنتحدث فيما بعد بشأن إخفاء هذا الأمر عني، لقد خيبت ظني بك! كيف جعلتِ رتيل تقوم بكل شيء وحيدة هنا؟))
ترققت ملامح رتيل لدفاع حماها عنها في حين تدخل مَالك يقول بشيء من الحدة الغير مقصودة
((أبي لقد سبق وتخلينا عن خدماتهن فلماذا تريد عودتهم!))
غمغم يعقوب بخشونة
((استهدي بالله يا مَالك))
ثم أتبع قوله بما لا يقبل النقاش
((من كانوا يعملون هنا سيعودن وإياك أن تفكر بطرد أحد مجددا))
قست عينا مَالك كشظيتين من الجليد الأخضر المؤذي.. أما وجهه فسكن دون أي تعبير..
طال الصمت بينهما إلى أن قال أخيرا
((ماذا يعني هذا يا أبي؟ أليس لي اعتبار هنا كابن للحاج يعقوب الكانز؟))
رفع يعقوب حاجبيه يقول بحكمة
((بالطبع أنتَ ابني ولك كل الاعتبار هنا.. ولكن بحدود المعقول))
أطبقت شفتا مَالك في خطٍ قاسٍ وكأن ما تناهى لمسامعه لم يكن الجواب الذي ينتظر سماعه منه.. حتى سقط قناع البرود عن وجهه وحل محله تعبير الدهشة والاستنكار وهو يقول بانفعال طفيف
((أي معقول هذا وأنت تنسف الأوامر التي أصدرتها))
قال يعقوب بصرامة وحدة دون أن يتخلى عن وقاره
((اخفض صوتك يا مَالك فأنت تتحدث مع والدك، عندما أموت يمكنك أنت وأخوتك أن تتحكموا بمسألة التوظيف هنا.. لكن طالما أنا على قيد الحياة فأنا من أقرر))
تمهل مَالك قبل أن ينظر إلى عينيه قائلا بصوت يشوبه الذنب
((فليبعد الله عنك أي شر وليحفظك لنا.. أنا سبق وقلت للجميع بأننا سنستغني عن خدماتهم هنا، إذا كنت مصرا على رأيك يا أبتي فأنا من سأغادر المكان))
وكان مَالك يهم أن يستدير مغادرًا إلا أن والده هتف باسمه بحزم يمنعه.. فتسمر مكانه بثبات..
اقترب الحاج يعقوب منه أكثر يقول بغضبٍ مفاجئ
((لا تصغر نفسك أمام من يعمل عندك.. فأنت كبير يا مَالك))
أشاح مَالك بوجهه وهو يزفر بمشاعرٍ محتدمة ثم قال في النهاية ببرودٍ دون أن يرف له جفن
((قلت ما عندي يا أبي.. إذا أصررت على عودة من قمت أنا بصرفهم فسأجد مكانا آخر لأنتقل له))
ما حدث وآخر كلام مَالك جعل قلب سمية ينسحق ببطء مؤلم ودوى صاخب.. وكم تمنت أن تتشبث به وتمنعه من هذا العناد الأحمق دون أن تعرف السبب! ربما لأنها لن تتحمل أن يكون بعيدا عن يزيد؟
كان مَالك قد بدأ يسير مبتعدا عندما هتف والده باسمه مجددا ((مَالك.. انتظر))
اقترب يعقوب منه ثم وقف أمامه دون أن تلين ملامحه أو تتجلى أي من مشاعر تفهم لما فعله.. بل ظل وجهه جامدا كقناع قاسي وهو يقول له بصوتٍ رزين
((لا تستقوى بنفسك على الضعيف ولا تكن سببا في قطع رزق أحد فيتعلق رزقك فيما تحب))
نكس مَالك بوجهه أرضا يتدبر بكلام والده فيما التفت الحاج يعقوب لابنه الأخر آمرا إياه بخشونة
((اتبعني للمجلس لنتحدث بشأنك أنتَ يا مُؤيد))
رمش مُؤيد بعينيه وارتبكت ملامحه للحظة إلا أنه عزم أمره وتبع والده وما إن تجاوز رتيل حتى رماها بنظرة نارية أخيرة محملة بالتهديد والوعيد..
.
.
أغلق مُؤيد باب المجلس خلفه وجلس قريبا من والده على كرسيه الأثير في زاوية الغرفة العطرة ببخورها الدائم.. نكس وجهه قليلا بتخبط وقبل أن يبدأ والده في الحديث قال بتسرع متهور
((أعرف يا والدي بأنك تريد لومي على وقاحة زوجتي قبل قليل في الخارج، وأنا لا أقول بأني لست مخطئ.. على العكس أنا المُلام فلو كنت رجلا صارما معها وشديدا لما تجرأت على قول ما قالته، الخطأ عليّ فأنا من دللتها حتى صارت تريد أن تكون امرأة مهملة ومقصرة في حق عائلتها وغير مقدرة للنعم من حولها، لكن صدقني ودون الحاجة لتوبيخي الآن سأحاسبها على ما قالته ولن تكرره مجددا))
استنكرت ملامح يعقوب كل ما يقوله ابنه بصمت وما إن انتهى حتى أخذ نفسا عميقا يحث نفسه على الصبر في الحديث ثم قال له بروية
((أنا جلبتك هنا للتعقيب على ما تفعله أنتَ لا زوجتك))
اعترض مؤيد ((هل تقصد يا أبي بأنك ستوبخني لأني لم أسمح لأمي أن تحضر عاملات بدلا من اللاتي طردن؟ ولكن يا أبي من البداية لماذا جلبناهم وعندنا نساء في القصر؟ لماذا نتزوج إذا كان واجبا علينا أن نحضر خدم للقصر ولإعداد وجبات طعام المزارعين؟ أبي في الماضي هل جلبت لأمي ولو خادمة واحدة تساعدها؟ نساء هذا الزمان مدللات أما أمي فكانت تقوم بتربيتنا والاعتناء بشؤون البيت في الداخل، وتحطب وتساعدك في المزرعة بلا كلل أو ملل.. حتى في فترات حملها))
نظر يعقوب بذهول غاضب لولده ليهدر
((لست عادلا يا مُؤيد بمقارنتك العشوائية هذه.. فهذا الذي نعيش فيه هو قصر لا منزل صغير كالذي امتلكته مع أمك في الماضي))
ثم بسط يديه المجعدتين أمامه يستطرد بتصميم أكبر
((في شبابي كنت ليل نهار أعمل في الزراعة وأحرث الأراضي واسحب الماء من الآبار وأخصب الثمار، في البرد، وتحت أشعة الشمس الحارقة.. كنا نعاني من شح المعيشة آنذاك وقلة المال))
كانت الدهشة مرتسمة على ملامح مُؤيد رغم أن كلام والده هذا لم يكن أول مرة يسمعه منه! هم بالتحديث لكن والده أكمل بملامح مكفهرة ((إذا كنت تقارن زوجتك بأمك.. فقارن نفسك بي.. هل حياتك مشابهة لحياتي أنا عندما كنت بسنك؟ أنتَ تملك بجانب عملك المكتبي في المدينة شقة مرفهة واسعة، تظل خلف مكتبك جالسا براحة واسترخاء وأمامك على الطاولة كوب قهوة ترتشف منه بينما تتصفح دفتر الحسابات.. هل من المنطقي أن تقضي أنتَ الرجل ذو الجسد الصلب يومك بالترف وتطلب من زوجتك أن تقوم لوحدها بعمل عدة نساء من عمل منزلي شاق ومضني في هذا القصر؟))
تفشى الضيق في وجه مُؤيد لمنطقية كلام أبيه ونكس وجهه أرضا بينما يكرر والده عليه
((أجب يا مُؤيد))
تمتم مؤيد بوهن وضعف حجة
((بالطبع لا يا أبي.. ولكن..))
((لو كنت تعمل يا مُؤيد ممرض كمُصعب أو معلم كمَالك حيث يقف كل واحد منهما في عمله طوال النهار على قدمه.. لما لمتك بشدة.. لكن أنتَ بالذات لا يحق لك الاعتراض فبعد تخرجك مباشرة أعطيتك رأس مال لتبدأ في مشروعك ووفرت لك أكثر من خبير في مجالك ليشور عليك، وعندما كسرت تجارتك في احدى المواسم دعمتك ماليا حتى استطعت في النهاية أن تثبت نفسك في السوق! صحيح يا مُؤيد؟))
ازداد المقت المتجلي على وجهه لما قاله أبيه الذي أتبع سؤاله
((ثم أنا من أدفع أجر كل موظف يعمل في المزارع والقصر يا مُؤيد.. هل سبق وطلبت منك أو أحد إخوتك أي مساعدة في دفع الأجور؟))
اتسعت عينا مُؤيد وهو يرفع رأسه ويدافع عن نفسه
((حاشا أن يكون هذا قصدي يا أبي، أساسا القصة ليست في أجور العاملين..))
قاطعه والده ببطء وروية
((أنا أفهمك يا مُؤيد وعلى كل حال حتى لو قامت زوجتك بالأعمال المنزلية فهي تقوم بها تكرما منها وليس لأنها خادمتك التي أحضرتها لها والدتك))
مسح مُؤيد وجهه بكفه زافرًا بعمق قاتم ليقول أبيه
((لا أنكر أنه على سيدات هذا المنزل الاهتمام بشؤون المنزل، ولكن كما للبيت عليها حق، فأولادك ونفسها عليها حق أيضًا فهي بحاجة إلى جسد معافى لا تهرمه أعمال البيت والمطبخ))
استوي الحاج يعقوب من مكانه فتبعه مُؤيد.. ثم فتح يعقوب الباب ليجد رتيل تستند برأسها على إطار باب مقابل له قبل أن تجفل على خروجهما.. تواصلت عينا يعقوب في عيني رتيل الواقفة بترقب قلق فطمأنها بابتسامة مراعية وغمغم بقرب أذن مُؤيد
((الآن اذهب لزوجتك واعتذر منها بوردة وأخبرها بأن كل شيء سيعود لسابق عهده.. هيا يا مُؤيد))
اشمأزت ملامح مُؤيد إلا أنه قال طائعا على مضض
((سأفعل أبي، لكن لاحقا))
ثم أشاح بوجهه ليسير بسرعة نحو الخارج وكاد أن يصطدم بمُصعب الذي كان يدخل المكان.. وقبل أن يزعق به جاءه سؤال مُصعب
((مُؤيد هل أنتَ من أخذت دراجتي النارية؟))
رفع مُؤيد إحدى حاجبيه باستعلاء ورد
((وما حاجتي لدراجتك وانا أمتلك أفضل وأحدث منها بمراحل))
ظل مُصعب متغضن الجبين وهو يردد بحيرة
((ومَالك أيضًا قال بأنه لم يأخذها، من يا ترى اقتحم أرضنا وأخذها، إنها مفقودة!))
برقت عينا مُؤيد بتوجس قبل أن يقول بريبة وشراسة
((تعال معي لنتأكد من المصف والأرض مجددا، من هذا الذي تجرأ على الدخول لأراضينا وسرقتها!))
ثم لمعت عيناه بشراسة وهو يكمل من بين أسنانه
((لقد بات الجميع يستهين بنا.. ولا ألومهم فنحن من سمحنا لأحد أبناء الهنادل التعدي على أراضينا والغدر بابن عمنا يحيى الذي لم نثأر له بل وقبلنا بالصلح دون أخذ دم محل دمه))
امتعض مُصعب من ذكر مُؤيد الموضوع بهذا الشكل المبتذل! أخيه ومن أتفه سبب يعيد ذكر سيرة الثأر والدم!
تجاهله وهو يعود للأرض يحاول أن يبحث ويسأل عن دراجته مرة أخرى ومُؤيد خلفه ينادي عليه.. أما المنزوية رتيل هناك فقد انسحب الدم من وجهها عندما عرفت بفقدان مصعب لدراجته!
وعلى الفور اندفعت رتيل لجناحها تطلب رقم غنوة وما إن جاءها الرد حتى سألتها بترقب واضطراب
((هل أنتِ من سرقتي دراجة مُصعب يا غنوة؟))
كانت غنوة تثائب قبل أن تسألها مدعية الجهل
((من هو مُصعب؟))
هدرت فيها بغيظ ونفاذ صبر
((مُصعب شقيق زوجي يا غنوة، سبق وسألتني عن مكانها ولمحتي لي بأنك ستأخذينها.. كيف فعلتيها وقمت بسرقتها!))
أقرت غنوة ببرود بالحقيقة
((دفعت لرجل أعرفه حتى يقوم بسرقتها بعد أن أخبرته بالضبط متى وأين يجدها، كانت مرمية في بيت إسمنت بسيط دون حماية أو مراقبة وسط المزرعة الكبيرة.. لا تقلقي ليس هناك أي كاميرات مراقبة أو ما شابه ذلك))
كادت رتيل أن تولول لما سمعته وهي تمسد جبينها بأصابعها بخوف من القادم قبل أن تقول بتخوف
((يا إلهي لم يكن عليّ إعلامك عن مكانها، هكذا أصبحت مشاركة في السرقة معك.. ماذا أفعل يا إلهي!))
حاولت غنوة أن تبسط لها أمر السرقة وتهدئها لكن رتيل ظلت تهمس بقهر وخوف
((لقد جعلتي مني سارقة يا غنوة.. هل يعجبك هذا؟))
اعترضت غنوة ((لست سارقة فالدراجة النارية ملك شقيق زوجك أي ملك زوجك أي ملكك أنتِ))
أطرقت رتيل رأسها تمسح جبينها بصدر مختنق تتأوه بعمق ثم تمتمت بقلة حيلة
((أنتِ تجعليني أكره نفسي هكذا بما فعلتيه))
ردت غنوة بأسلوب مستفز يميل الى سخرية مبطنة
((اعتبريها استعارة لا سرقة يا حبيبتي.. سنستمتع بها أنا وأنتِ لبعض الوقت وسأعلمك ركوبها عندما تزوريني بشقتي ثم سنعيدها له))
ازدردت رتيل ريقها وهي تتمتم بشيء من مخاوفها
((أنا متأكدة بأنه أمر الحارس أن يتيقظ بحراسة بيت الإسمنت، لن تستطيعي إرجاع الدراجة لاحقا دون أن يتم إمساك أحد فينا متلبسا))
قالت غنوة بلامبالاة وبرود
((إذن فلن نعيدها..))
ضربت رتيل راحة كفها فوق ساقها وقالت
((ولكن هكذا صار ما فعلتيه يُسمى "سرقة" لا استعارة))
تلاعبت غنوة بها وهي تزين لها فعلتها
((أوه رتيل أنتِ فعلا تعقدين الأمور! انتظري فقط أن تحضري عندي وسأعلمك قيادتها كما كنت تحلمين))
تنهدت رتيل مستسلمة لها بعجز
((تبا لك يا غنوة.. لن أسامحك على ما فعلتيه.. وأيضا..))
بترت رتيل كلماتها واتسعت عيناها بفزع ما إن شعرت بخطوات قادمة نحوها فسارعت تغلق الهاتف وتخفيه تحت الوسادة..
عادت تجلس مكانها تخفي ارتعاش جسدها اللاإرادي لتتظاهر أمام مُؤيد الذي فتح الباب متجهما بأنها لم تكن تتحدث على الهاتف..
أغلق مُؤيد الباب خلفه وأخذ الأمر منها ثوانٍ وهي تحدق في وجهه الذي يزداد تجهما حتى اتسعت عيناها بسرعة وهي تتذكر ما أنستها محادثة غنوة أنها فعلته..
لقد صرخت عليه وأحرجته قبل قليل أمام والده وباقي عائلته ولا بدّ أنه جاء الآن للانتقام منها فقد توعدها بشده..
اكتسحها الرعب لكنها تداركت نفسها وهي تقفز من مكانها تبتعد عنه مهرولة لتنجو بحياتها.. لكن استطاع مُؤيد اللحاق بها وإيقافها مكانها حينما أمسكت أنامله بشعرها الأسود المنسدل..
أغمضت عينيها بخوف وسمحت له أن يجتذبها نحوه من شعرها برفق ثم يوقفها أمامه..
تنحنح مُؤيد بخشونة قبل أن يرفع الوردة التي يمكسها بيده الحرة ويرميها بخشونة في منتصف وجهها..
والده الحاج يعقوب قال له أن يجلب وردة لها كاعتذار.. وحسب.. ثم تسربت خصلاتها الناعمة من بين أنامل يده الأخرى وهو يحرره مبتعدا بغيظ عنها لأن أمره ورغبته اليوم لم ينفذا كما هو معتاد..
فتحت رتيل عينيها اللتين كانت تشد عليهما تدريجيا ببطء بمجرد أن أحست به يبتعد عنها.. ثم رفرفت بأهدابها مستغربة وهي تنخفض لتلتقط الوردة التي رماها بها..
ترققت ملامحها بتعجب وشعرت بها بادرة لطيفة منه رغم أنه بدا متعمدا في اختيار أذبل وأقبح وردة من حوض الأزهار في حديقة القصر!
=============================
في شركة القاني..
وفي القسم والدور الذي تعمل فيه شيرين.. كانت منهمكة أمام حاسوبها في العمل.. لقد ذهبت سهر مع خطيبها ووالديها وسافروا للاستجمام ورغم إلحاح سهر عليها أن تأتي معهم إلا أنها رفضت بإصرار..
فعدا عن أن الضغط المنصب على قسمهم في هذه الأيام لا يتحمل تغيب أحد.. إلا أنه أيضًا لم يكن من المعقول أن تسافر معهم وتكون دخيلة عليها هي وخطيبها..
ألا يكفي أنهم غادروا وبقيت هي في منزلهم تتصرف فيه وكأنها صاحبته!
تنهدت شيرين في بؤس وهي تردد على نفسها المتعبة والمنهكة بأنها ستكافئها برحلة سفر في الأيام المقبلة إذا أتيح لها أخذ إجازة من العمل! سيكون السفر إلى إحدى الأماكن التي تتحملها ميزانيتها فرغم شغورها هنا في شركة القاني في منصب مرموق إلا أن راتبها لن يتحمل تكاليف أي تذكرة إلى الأماكن الذي تزورها سهر!
ابتسمت شيرين وهي تتمنى حقا من صميم قلبها أن تحظى سهر بوقت ممتع فهي تستحق ذلك فدوما كانت المبادرة للمساعدة والمعطاءة بلا حدود..
عادت شيرين للواقع وهي تنظر باتجاه الباب حيث يطرق معتز الذي يشغر منصب "قائد فريق"..
دلف معتز للداخل بوجه محتقن بالغضب فعرفت شيرين على الفور سر غضبه.. فمعتز لا يأتي إلى مكتبها إلا إذا كانت لديه شكوى ضد أحد الموظفين في فريقه..
وهذا الموظف لن يكون أحدا غير ذاك المدعو بـ "قصي سامح".. قطبت حاجبيها بتوجس ثم تساءلت عابسة
((ماذا فعل قصي سامح هذه المرة يا معتز؟))
أخذ معتز نفسا عميقا مرتجفا من شدة حنقه وغيظه تجاه قصي ثم قال من بين أسنانه المطبقة بغيظ
((لم يحضر في موعد نوبته في العمل هذا اليوم.. وعندما اتصلت به أطلب منه أن يستعجل فهناك ضغط كامن على الجميع ولن يتحمل فريقي غياب أي أحد.. أرسل صورة له أمام البحر يخبرني أنه لن يستطيع القدوم فقد أعطى لنفسه إجازة قد تمتد لأسبوعين.. هل تصدقين ذلك يا شيرين؟))
رفرفت برموشها غير قادرة على استيعاب ما تفوه به معتز! من المستحيل أن يمتلك موظف في هذه الكرة الأرضية هذا الكم الهائل من الاستهتار ليقوم بمثل هذا الأمر! حتى لو قرر أن يستقيل من الشركة فهو ملزم بإعطائهم شهر إنذار قبل أن يقدم الاستقالة!
كانت لا تزال شيرين تستوعب أنه حقا سافر وقرر أن يأخذ إجازة بلا إذن أو حتى بدون أن يعلمهم سابقا بينما يتابع معتز وهو يكاد يتميز غيظا وقهرا
((عندما طلبت منه أن يعود حالا من سفره قال مستهزئا بأنه فات الأوان ووصل فعلا إلى جزر الواق واق! لم يراعِ الوقت الحرج الذي نعيشه وأن غيابه سيحيل ضغط أكبر على باقي زملائه.. أناني جدًّا))
تمتمت شيرين بإصرار وقد انفلتت أخيرا أعصابها
((هل تعرف شيئا يا معتز؟ بدأت أشعر بأنه يتحدانا.. إنه يتعمد أن يستفزنا لأنه متأكد بأننا مراعين أكثر من أن نستطيع طرده! لذا ولأول مرة في تاريخ حياتي المهنية سأكون سببا في فصل موظف وسأرسل الآن رسالة إلكترونية للقسم المعني بمخالفاته وتغيبه الغير مبرر حتى يتم أمر فصله))
كانت شيرين قد بدأت في الكتابة على جهاز الحاسوب شكوى بحقه بينما يشجعها معتز قائلا بامتعاض
((لستِ السبب في فصله بل هو السبب في فصل نفسه بلامبالاته وإهماله وعدم إحساسه بالغير))
كانت شيرين منهمكة في كتابة كل مخالفات قصي وهي تنوي فعلا طرده بلا رحمة أو هوادة..
دائما في تعاملها مع الموظفين في شركة القاني تراعي الله فيهم وتتذكر أن كل واحد منهم يعمل تحت إمرتها خلفه عائلة يطعمها أو مريض متكفل بعلاجه أو أنه سند لأطفال صغار يرجونه بعد الله.. فلم تفكر يوما لو حتى مجرد تفكير أن ترفع شكوى ضد موظف مهما كانت فداحة خطأه.. حتى لا تزيد حياتهم قسوة فكل واحد يحظى بما فيه الكفاية بنصيبه من الحزن والفقد والإنهاك ولا ينقصه المزيد.. فهي سبق وعاشت هذه المآسي ولا يوجد أقبح من أن يعود أحد لبيته بجلباب الحزن والانكسار!
لو كان عند قصي ظرف قاهر وأخبرها لتفهمت وساعدته مهما ترتب الأمر عليها من متاعب!
لكن لا.. هو حقا مهمل بشكل فظيع ويستحق الفصل!
=============================
جلس مُصعب على مقعده خلف المقود.. وما إن مال ليفتح باب السيارة لنورين التي كانت تسير نحوه حتى ضيق عينيه ينتبه إلى وجود ظرف أبيض موضوع على المقعد بجانبه..
رفع عينيه لزجاج النافذة لينتبه بأنه عندما ركن سيارته آخر مرة في مصف سيارات العائلة لم يغلق النافذة كلها فظل هناك مجالا لأحدهم أن يمرر من خلال الفراغ المتبقي هذا الظرف..
بتوجس مد يده يمسك الظرف ويفتحه وسرعان ما ارتفع حاجبيه بريبة لمرآ النقود فانتشلها قبل أن يقرأ الرسالة الموضوعة داخلها..
في هذه الأثناء طرقت نورين بيدها فوق الزجاج بحنق لمُصعب الذي لم يفتح لها باب السيارة بعد! فجفل مُصعب على صوت طرقاتها ثم سارع يفتح مقبض الباب من الداخل لها لتستقل جالسة بجانبه وهي تقول باستغراب
((ما هذا الظرف بيدك؟))
تمتم مجيبا وهو يعدُّ النقود
((ظرف فيه مبلغ تقريبي لثمن دراجتي النارية، مع اعتذار صادق لسرقتها مني، وعدم إظهار أي نية لإرجاعها مستقبلا))
تشدقت بتهكم ممزوج بالاستغراب
((السارق يعرف الحلال والحرام، مذهل))
قال مُصعب شارد العينين بتفكير وهو يلوح بالظرف الأبيض
((السارق اللطيف الذي قام بطباعة هذه الرسالة ووضع المال في الظرف لا بد أنه يعيش في القصر كونه يمتلك صلاحية الدخول إلى مصف سيارات العائلة))
سألته ذاهلة من استنتاجه
((هل تقصد أن السارق من القصر؟))
صحح لها بتلقائية
((لا أقول السارق، بل الذي وضع الظرف هنا هو من القصر))
هز كتفيه في نهاية حديثه لتسأله نورين بتوجس
((ماذا ستفعل بهذا المال؟))
مط شفتيه ثم قال ببساطة
((سأشتري به دراجة أخرى بدل تلك التي سُرقت، لا داعي لأن يعرف أحد بشأن هذا الظرف.. سأتجاوز عن تعرضي للسرقة))
قطبت حاجبيها لا تجد مشتبها به يمكن أن تشك به في هذا القصر.. قبل أن تنتبه لابتسامة مُصعب الجذابة قائلا
((هل ترافقيني الآن لتختاري الدراجة التي سأقتنيها؟))
لمعت عينيها ببريق اللهفة وهي تقول بحماس عارم
((حقا سنشتريها الآن؟ ولكن أنا لا افهم بالدراجات))
قال وهو يشغل محرك السيارة
((ساعديني فقط في اختيار مظهرها الخارجي، وبعدها سنجرب ركوبها سويا في مزرعة البركة البعيدة))
=============================
بعد مرور ستة أشهر..
ارتدت شيرين سترتها تستعد للخروج من البيت مساء لتقوم برياضة المشي التي تدأب على ممارستها في أيام إجازتها.. اقتربت من الباب للخروج وعندما صدح رنين الجرس طالعت العين السحرية فاتسعت عيناها وهي تجد الطارق ما هو إلا.. وليد..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!