لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الرابع عشر
بمجرد أن انتهى الأمر بينهما حتى سارعت رتيل ترفع الغطاء توارى نفسها وترفع نظرها لزوجها الذي يستلقي على ظهره بجانبها فوق السرير.. يتوسّد رأسه كفّيه وهو يرمق السقف بشرود وبملامح خالية من أي تعبير..
مرّ على هذا الحال دقائق قبل أن يقول لها دون أن ينظر لها وهو على وضعه
((لم أحب مظهرك وأنتِ تحاولين أن تكوني مغوية، تشعريني بأنك امرأة أخرى.. أخرى مثيرة للاشمئزاز لسنا متزوجان حديثا وتعرفين طباعي جيدا..))
اهتزت حدقتاها مما تسمعه منه وخفق فؤادها بألم.. إلا أن عيناها سرعان ما برقتا بقسوة وردت عليه بجفاء
((معك حق.. يفترض بي أن أعرف بعد ثمانية سنوات من الارتباط بك طباعك وتناقضاتك جيدا، أعتذر منك يا أستاذ مانع على تفكيري السخيف بأنك صرت أقل رجعية وتزمتا وبأنه لا خطأ في محاولة أن أبدو مثيرة وجميلة لزوجي حتى أسعده))
هتف بها بشيء من العدوانية وهو ينظر جهتها
((ومن طلب منك أن تكوني مثيرة أو تحاولي إسعادي؟ أنا سعيد دون محاولاتك هذه، لو لم أكن كذلك لما أبقيتك على ذمتي طوال هذه السنين))
اعتدلت رتيل جالسة وهي تحكم لف الغطاء من حولها ثم مال ثغرها في ابتسامة مريرة تناقض ألمها الذي غرس في كل خلية نابضة لما قاله الآن لتقول باستهزاء
((هل تهددني بالطلاق؟))
عقد حاجبيه يغمغم بخشونة
((لم أهددك بشيء، وإياك أن تنعتيني مرة أخرى بأستاذ مانع.. لن أكون متساهلا معك إذا قلتيها مجددا.. بسببك صار الولدين يكررانها عليّ أيضًا بانعدام احترام كلما أرفض لهما طلبا))
هتفت به بعنف وانفعال منفلت
((عندما تتوقف عن "منع" السعادة والهناء وراحة البال من الدخول لحياتنا سأتوقف عن نعتك بأستاذ مانع))
شدّ على أسنانه وضرب ظهر السرير بيده هاتفا
((تبا لك..))
تنهدت بعمقٍ تجلي حشرجةً بالية تدرك مصدرها ثم خفت انفعالها وهي تسأله بعتاب حزين
((أنا لم أنسَ كيف رفضتني في البداية بطريقة مهينة لأنوثتي وكرامتي، إياك أن تكررها))
زفر مُؤيد بوجومٍ وأشاح بعينيه جانبا وهو يبرر
((لم أقصد ذلك، أنا فقط كنت مصدوم ومتفاجئ مما كنت ترتدينه من قطع خليعة ترتديها الراقصات والنساء المبتذلات))
هتفت فيه باستنكار ونظراتها المتسائلة بتعجبٍ ترشقه
((ولكن أنا أرتدي هذه القطع الخليعة أمام زوجي!))
أغمض مُؤيد عينيه ويرد
((لا داعي للنقاش في هذا الموضوع أكثر، فقط لا ترتديها لأنها لا تناسبك))
صدر منها صوت مستهزئ قبل أن تسأله بمرارة
((ولماذا لا تناسبني؟))
فتح عينيه ينظر تجاهها يقول بجدية مؤكدا
((لأن تلك الملابس الكاشفة وزينة وجهك الجريئة تجعلك تبدين حقا كامرأة أخرى مبتذلة فيها))
تملكها شعور بالقهر والغيظ مما قاله فرفعت ذقنها بشموخ ثم استنكرت في عبوس حانق
((ليس هناك أحد مبتذل غيرك أنتَ لترفضني بعدما تجملت لك وحاولت أن أكون مثيرة أمامك))
غمر وجهه بكفيه يمسحه.. بدا أكثر إجهادا من أن يستمر في الخوض بهذا الجدال العقيم.. ثم رفع وجهه ليقول بهدوء قاتم
((بالنسبة لي، مناماتك العادية أكثر إثارة من تلك الملابس الخليعة!))
تطلعت له بنظرات متعجبة! ألهذا بعدما غيرت ملابسها اقترب منها؟ هل من المعقول أن منامتها العشوائية البسيطة أثارته أكثر من غلالة النوم الفاضحة التي بالكاد تخفي شيئا من جسدها؟
أخفضت عينيها بتفكير.. مزاج مُؤيد معها في العلاقة الزوجية غريب جدًّا.. جدًّا.. فهو لا يقترب منها إلا عندما يكون هو المبادر.. وتكون هي أمامه عفوية.. متمنعة.. خجولة.. وفي ذات الوقت أن تبدي استعدادًا.. تجاوبًا.. لكن بشكل غير مباشر..
لكن.. إذا كان الأمر هكذا.. لماذا يصر على التسكع وإبداء الإعجاب بالنساء المنفلتات اللاتي يقابلهن في المدينة بذريعة العمل!
تعانقت شفتاها وتشابكت رموشها فرسمت أمام عينيه لوحة شجن عذبة وهي تتمتم
((حسنا يا مُؤيد))
=============================
جلست سهر على السرير وفتحت إحدى المغلفات تخرج منها صورها ثم تطلعت لشيرين بوجه بلا ملامح
((سأسألك سؤالا لأختبر ذاكرتك فيه.. من هذا الشاب؟))
نظرت شيرين إلى حيث تشير سهر بإبهامها إلى أحد الوجوه في الصورة للحظات.. ثم شق ثغرها شبح ابتسامة متهكمة قاطعة الصمت أخيرًا وهي تقول
((إنه نائل.. كان زميلا لي أيام الجامعة.. لم تكن الضحكة تفارق شفتيه إلا ّوقت الامتحان))
تجهمت ملامح سهر الناظرة لها.. إلا أن شيرين ردت عليها بتسامح ونبرة عتب رقيق
((أكرر لك بأني أعذرك تماما حتى تسمعي ذات القصة من طرفين متناقضين.. تلك الرسائل التي كتبتها لزميلي في الجامعة لا تعد خيانة فقد كنت وقتها منفصلة عن وليد، وأي شيء قمت به خطأ في حقه كان ردود أفعال لمواقف وليد الغير مخلصة وغير المنصفة تجاهي))
خرج من شيرين نفس عميق قبل أن تنفرج ملامحها لأخرى ساكنة وتشرد عينيها في ظلال الماضي وتسرد ما حدث
((والدته كانت رافضة كليا زواجي منه.. فأصول والدي من خارج القرية.. وأمي حتى لو كانت عائلتها تنحدر من القرية إلا أن عائلتها بسيطة وميسورة الحال))
بدأت سهر تنظر لوجه صديقتها بتمعن أكبر.. تراقب ملامح وجهها وعينيها الشاردتين الحزينتين.. قبل أن تسألها بنفس تجهمها
((وهو خطبك رغما عنهم؟))
أومأت شيرين وهي تكمل
((لا والده ولا والدته كانا قادرين على رفض ما يريده أو يرغب به، حتى لو عنى الأمر أن يتزوج ولدهما الوحيد من فتاة لا تليق به، فوافقوا على مضض بشرط ألا يعقد قراننا قبل أن ننهي نحن الاثنين دراستنا الجامعية، وهكذا مضت خطبتنا لسنوات نعيش فيها أجمل مشاعر الحب من بعيد لبعيد وكل ما بيننا اتصالات ورسائل وزيارات بحضور أفراد العائلة.. كانت أياما جميلة ونقية.. حتى حان موعد التخرج))
بدت تعابير شيرين لصديقتها غير مفهومة وهي تتعمق أكثر بالخوض في غمار ماضيها.. وكأنها ترى وجهها لأول مرة.. فتساءلت
((ماذا حدث بعد تخرجكما؟))
شبكت شيرين أناملها مجيبة
((وليد أنهى جامعته قبلي بسنة من فرط اجتهاده، وبدأ يتدرب في مكتب محاماة في حين كنت لا زلت أدرس في جامعتي.. وهنا بدأ يتغير تدريجيا معي حتى عدت لا أعرفه))
تساءلت سهر وهي تتبع نظراتها
((ما الذي تغير؟))
قست ملامح شيرين ولمع الألم في عينيها وهي تجيبها
((كانت هناك متدربة معه في نفس المكتب، لها أصول غربية من طرف أمها.. وبدا أنه مهتم بها بشكل كبير، عرفت بالأمر صدفة عندما فاجأته بقدومي مباغتة حيث يتدرب، وهناك عرفت سبب قلة اتصالاته وتغير أحواله وغيرته المفتعلة عليّ التي كان يتذرع بها ليخاصمني ويتوقف عن زيارتي، لقد كان كل هذا من أجل أن يقصيني ويزيحني عن طريقه معظم الوقت ليهنأ له الحال مع تلك المتدربة))
دون أن تشعر شيرين كانت تشد من إحكام كفيها المشتبكتين وهي تضيف
((كان ينكر اهتمامه بها ويدعي أن غيرتي غير مبررة.. لكن كان قد طفح الكيل معي فخيرته بين أن يترك تدريبه في مكتب المحاماة هذا وبين أن يتركني، وهو رد عليّ بغروره المتأصل به بأن ليس هو من يُلقى عليه الأوامر.. وهكذا تابع تجاهلي وزادت جرعة اهتمامه في تلك المتدربة التي بدأت تبادله هذا الاهتمام وقد كان سعيدا لأني تركته وأرحته من تذمري المستمر فهو كان يريد وجودي وفي نفس الوقت التسكع والتحدث مع تلك المتدربة دون أن يجد مني أي اعتراض))
عقدت سهر حاجبيها وتجعد جبينها باستنكار فوري وهي تتساءل
((فقررتِ أن تبادليه الخيانة وتتخذي لك صديق كما فعل هو؟))
هتفت شيرين على الفور بانفعال ودفاعية
((غير صحيح لم أفعل فلم نفسخ خطبتنا وقتها بعد، حتى جاءت والدته لمنزلنا وافتعلت شجارا معنا وأهانت أمي وقللت من عائلتها البسيطة فقامت بطردها من منزلنا، وبالطبع أخبرت ولدها الحبيب عن طرد والدتي لها وجاء هو عندنا يأمر والدتي أن تعتذر من أمه))
تمتمت سهر من بين أسنانها بغل شاتمة إياه
((المنحط، النذل))
أكملت لها شيرين وهي ترخي جفنيها نصف ارتخاء
((أمي كادت أن تجن عندما قال لها وليد بأنه سينهي كل علاقاته بي لو لم تعتذر وكانت مستعدة للركوع على قدميها وتوسله هو وأمه من أجلي، لكن أنا منعتها وأخبرتها عن أمر المتدربة وأن وليد فقط يريد سببا ليفسخ علاقته بي ويرتبط بها))
تساءلت سهر بازدراء
((فنفذ وليد وعده لك وفسخ خطبته؟))
زفرت شيرين نفسا ضائقا وهي تجيب
((نعم فعل ذلك وكان سعيدا، بل في قمة سعادته، وأذكر آنذاك بأني ذهبت مرة مع صديقاتي للتسوق ورأيته صدفة مع تلك المتدربة يتناولان الطعام في إحدى الكافيهات، أنهرت كثيرًا وقتها، ولم أستوعب كيف نسى كل ما بيننا من حب ومشاعر لأجل متدربة لم يكن يعرفها قبل شهور قليلة))
تساءلت سهر بفطنة
((إذن وقتها بدأت علاقتك مع ذاك الشاب؟))
تنهدت شيرين قبل أن تومئ برأسها إيجابا وتهدر
((نعم كنت قد فسخت خطبتي بشكل رسمي عن وليد وكل من في القرية يعرفون ذلك، ولم أكن قد رأيته وجها لوجه منذ أشهر.. وفي يوم تخرجي سألني أحد زملائي يُدعى نائل إذا ما كنت موافقة أن يأتي مع عائلته ليطلبني.. ولأنني كنت أعيش فراغا عاطفيا وافقت على الفور))
سألتها سهر باستغراب
((ووافقوا والديك؟))
لف الضيق صوت شيرين مجيبة
((نعم وافقوا من أجلي وقالوا بمجرد أن يستعد نائل ويكون نفسه سيشهرون خطبتنا في حفل عقد القران.. وأثناء ذلك كنت أكتب وأبادله الكثير من رسائل الحب وأخطط معه لمستقبلنا))
((وبعدها؟))
((أخبر نائل والدي بأنه يريد السفر للخارج لأنه فقد الأمل في إيجاد عمل هنا، ولن يقدر على عقد قراننا قبل أربع أو خمس سنوات فرفض والديّ أن يربطاني به كل هذه المدة وتم فسخ كل شيء بيننا، وأنا تلقائيا تركتُ نائل بعد أن عرفت بأنه ليس هناك أمل في علاقتنا.. حدث الأمر تزامنا مع شعور وليد بالضجر من تلك المتدربة ومعاودته التواصل معي))
ارتفع حاجبا سهر وهي تسألها باستهجان
((تركها هكذا بكل بساطة وعاد لك؟))
هزت شيرين كتفيها وهي تقول
((نعم فقد كان ما جذبه لها في البداية شخصيتها الغربية وجمالها وتعجبه من فكرة أنها لا تعيره أي اهتمام كباقي الفتيات من حوله، لكن بمجرد أن بادلته الاهتمام وبدأت تحبه وتتمنى قربه والاستحواذ على قلبه، حتى بات الأمر مملا بالنسبة له، فقرر تجنبها بما أن مدة التدريب كانت قد انتهت))
سألتها سهر بانزعاج واستنكار
((وأنتِ سامحته وعدتي له بمجرد أن طلب ذلك؟))
ضحكت شيرين ضحكة عجيبة وهي تجيب بصوت أجش ساخر
((نعم سامحته بكل بساطة بمجرد أن أخبرني بأنه لا يجب أن نسمح لمشاكل الكبار أن تؤثر علينا، وبأنه لم يكن راضيا أن تقلل والدتي من شأنها وقدرها وتعتذر من أمه، فعدت له، وبالتأكيد والديه مجددا لم يملكا أن يرفضا طلبه في العودة لي..))
بترت حديثها السابق وقد خانها صوتها وخنقتها العبرات لكنها تمَالكت نفسها وهي تكمل
((لا أدري كيف سامحته على خيانته لي لكن شعرت بلهفته حقا عند عودته وبأنه لا يستطيع أن يعيش من دوني وأن تلك المتدربة ما هي إلا انبهار مزيف ونزوة سرعان ما فاق منها، كما أنه توقف عن رؤيتها وقطع كل علاقاته ووسائل الاتصال معها فكانت تتصل بي منتحبة تهدد بالانتحار إن لم يعد لها.. كل هذا عزز غروري الأنثوي وشجعني على أن أعود له))
ترققت ملامح سهر تعاطفا معها فحاوطت كتفها بذراعها وهي تضمها بمواساة في حين أكملت شيرين بصوتٍ متحشرج
((وجاء يوم زفافنا الكبير حيث تم دعوة كل من في القرية وتم إقامة الولائم والذبائح من اجل هذه المناسبة.. كنت أتجهز للزواج منه في أسعد أيام حياتي كما ظننت في ذلك الوقت، قبل أن أفاجئ بنائل يرسل كل الرسائل والغراميات التي كتبتها له عندما كنت على علاقة معه لوليد وعائلته، كتب نائل أيضًا رسالة لوليد يخبره أني أحبه هو ولكني تركته من أجل مال وليد واتهم والديّ أيضا بأنهما ذليلان وعبدين للمال))
هتفت سهر من بين أسنانها بغضب مشتعل
((اللعين الكاذب.. أين هي أراضيه الآن؟))
أجابتها شيرين وهي ترفع أناملها وتمسح عبراتها المتساقطة على وجنتيها
((لقد سافر للخارج في نفس اليوم الذي قام بإرسال كل تلك الرسائل لوليد وأفسد حياتي، كان مصرا بأني تركته بعد أن عاد وليد لحياتي لا لأنه كان يريد ربطي به سنوات قبل عقد القران، وطبعا باقي القصة أنتِ تعرفينها.. وليد قرأ ما كتبته لنائل وسألني عن صحتها وعندما لم أنكر شيء يُصعب الإنكار شعر بجرح في كبريائه، وقام بتركي في نفس هذا اليوم وتزوج من فتاة أخرى على ذوق والده))
جرت تعابير القهر والشعور بالظلم على محيا شيرين كالسيول العارمة لتزيد من دموعها المنزلقة.. بينما غمغمت سهر بنبرة قوية شرسة وقد بدت الأمور بالنسبة لها ساطعة الوضوح وهي تضرب يدها فوق مسند السرير الخشبي
((الآن توضحت الصورة لي))
فجأة غمرت شيرين وجهها بكفيها وأخذت تجهش بالبكاء وتقول بصوتٍ متقطع
((وكأن ما فعلوه بي غير كافي، قامت والدته بنشر ما حدث وقذف سمعتي، قالت بأني كنت أواعد رجلين في نفس الوقت وأتلاعب بهما وتحت علم والديّ الاثنين.. بقيت لأيام أؤكد لنفسي بأن وليد حتى لو تركني فلن يسمح أن يفتري عليّ أحد وسيبوح بالحقيقة في كل أرجاء القرية، لقد اتكلت كثيرا على حب ظننته يسكنه كما يسكنني، تصورت بغباء أن كل المرارة التي تلبدت بغيومها الكريهة في سمائنا لن تمحو بشكل كامل حلاوة عاطفة مجنونة جمعتنا لسنوات.. لكنه لم يفعل))
أبعدت سهر وجهها تناولها منديلا لتمسح دموعها بينما تقول بهدوء جاد
((سأقتله بنفسي، وأخبره ألا يحلم بالاقتراب منك..))
أخذت شيرين نفسا عميقا ثم أطلقته ببطء لتقول بعينين باردتين عازمتين
((لا يا سهر بل سنكمل زواجنا، وسيكون بأقرب وقت ممكن، أنا لا أفعل هذا من أجل والدك وحسب، بل من أجلي أيضًا، لأسباب أخرى معقدة لن يفهمها أحد غيري))
ثم ذابت البرودة من عينيها دون أن تتلاشى العزيمة منهما بينما تهمس
((أريدك فقط أن تظلي بجانبي، ولا تخبري والديك عن تبرعه حتى لا تعشميهما فقد يكون يتلاعب بنا))
وما كان لسهر إلا أن تومئ بخضوع.. فقد كانت لهجتها باترة.. قاطعة.. لا تقبل النقاش..
=============================
عصرا.. في الحديقة الخلفية..
جلست سمية هي وطفلها تستظل تحت شجرة معمرة وراقة وبعض من أشعة الشمس تداعب وجنتيها بدلال بينما رائحة العشب الطبيعي تنعش رئتيها.. النسمات التي كانت تهفهف من حولها تتلاعب بحجابها الخفيف..
وبينما كانت مستغرقة في التفكير جفلت على صوت مَالك يلقي السلام وهو يقترب منهما.. فسارعت تعيد خصلات شعرها الثائرة بفعل الهواء العليل أسفل حجابها..
أما يزيد هتف ببهجة وهو يستقيم واقفا
((أبي هنا!))
خرجت من حالة الاسترخاء التي تعيشها لتهمس بجزع تؤنب ابنها
((يزيد! كيف تقولها هكذا! وبصوت عالي أيضًا!))
انكمشت ملامح يزيد بشعور بالذنب ليصلها صوت مَالك وهو يقترب منها واضعا يديه بجيبي بنطاله الجينز
((أنا من أخبرته بذلك، سأحسم الأمور قريبا وأضعها في نصابها الصحيح))
زمّ يزيد شفتيه وخطا نحو أبيه الذي وقف أمامه بطوله الفارع وهو يوجه نظراته الصلبة لسمية التي هدرت به بنبرةٍ متحشرجة تحمل اللوم والعتاب
((هل هذا أسلوب جديد من أساليبك لتضغط عليّ؟))
جلس مَالك بجانبها متربعا ومحافظا على مسافة جيدة بينهما ثم أجلس يزيد بحجره.. ارتسمت نظرة غامضة ضائقة بعينيه لا تحمل نفس المشاعر الودودة السابقة ثم هدر لها ببرود تام ((الأمر لا دخل به بزواجنا، إنه فقط متعلق بيزيد، أنا لن أتحمل جهل عائلتي بأني والد لطفل في السابعة من عمره أكثر من ذلك))
اتسعت عيناها لما قاله وبدا وكأن شحنات كهربائية مخيفة تنتقل بينهما.. لتقول بثورة
((أنتَ تمازحني صحيح؟))
أجابها بخشونة وجدية
((لا.. أبدًا))
تصاعد التوتر بينهما وأصبح مختلطًا بمشاعر كثيرة مشوشة لكن مستعرة ليطفو الغضب على السطح فتقول
((لكن هذا ضد ما اتفقنا عليه، إذا ما علم والديك أن يزيد ابنك ومن صلبك، فسيثوران عليّ بل سيحرمانني منه..))
رد عليها بغضب نبع وتفجر بتدفق من تراكماته تجاهها
((توقفي عن هذه الترهات والخيالات المَرَضية فقد تعبت في مجاراتك بها طوال السنين الماضية، طفح الكيل، أنا لن أصبر أكثر، لن أتحمل أن يتم معاملة ابني كدخيل من قبل أفراد عائلتي، ربما سيشعر أبي بشيء من السخط تجاهي لأني أخفيت هذه الحقيقة عنه لكن أمي ستعرف كيف تخمد غضبه، لن يهون عليها أن يبقى غاضبا مني.. قد يهون الجميع على أمي إلا أنا))
اختنقت داخل عينيها عبرة عجز لكنها امتصتها سريعا وهي تغلق جفنيها سريعا.. تشدقت ما فتحتهما
((أنت تتحدث بثقة كبيرة يا مَالك))
ازدرد مَالك ريقه وهو يعاند إحساسه القاتم بأن والديه لن يتقبلا أمر يزيد دون عقبات.. بل وأجبر مشاعره على الاستبشار خيرًا وتحقق كل ما يتمنى، ثم قال بواجهة ثابتة
((معرفة والديّ بحقيقة يزيد ستجعل عودتنا لبعضنا أسهل، ولن تجعلهما ينتزعانه منك كما يصور لك خيالك المريض.. الأمر أبسط مما تتوقعين..))
تحرك رأسها قليلا بتشنج وشفتاها تشتدان كالوتر فتحاول الاعتراض
((ولكن يا مَالك..))
قاطعها بنبرة صلبة مغلفة بالجفاء
((سمية أنا لا آخذ مشورتك بل أُعلمك بالفعل بأني سأحدث والديّ في نهاية الأسبوع عن حقيقة يزيد، كوني مستعدة، الأمر ليس متعلقا بك فقط بل بابني، إذا كان لا يهمك كل ما يتعرض له وإذا كان قلبك ميتا تجاهه فأنا لن أظل مثلك))
استنكرت بعتاب عارم
((توقف عن الافتراء عليّ، أنا أكثر من يهتم بيزيد في هذا العالم، إنه كل ما أملكه في هذه الحياة))
رفع مَالك حاجبيه مصرا وهو يرمش بعينيه
((أنتِ تملكينني أيضًا، هذه حقيقة أخرى تصرين على إنكارها، أما بشأن يزيد فلو حقا كنت تهتمين بشأنه لكنت أنتِ من أصريت على عودتنا لبعضنا وإعلان زاجنا أمام كل من في القرية من أجله!))
زمّت شفتيها لدقيقة قبل أن تقول
((لماذا علينا العودة وإعلان زواجنا أمام من في القرية حتى يظهر يزيد للنور باعتباره ابنك أنتَ؟ لماذا تشعرني أنه جاء بطريقة غير شرعية؟ تستطيع أن تعلن بأنه ابنك دون الحاجة لنا أن نتزوج مرة أخرى))
أظلمت ملامحه حتى صارت خضراويه أكثر عمقًا.. وألمًا لا نهاية له.. يحدق في وجه امرأة أحبها بكل جوارحه.. وهي ترفضه بكل شراسة رغم اعترافها بحمل مشاعر له..
تحدث أخيرا بصوتٍ فاتر أجوف
((ما لا أستطيع مسامحة نفسي عليه حتى الآن أني سمحت لك بالضغط عليّ والتحكم بي مستغلة صغر سني وقلة خبرتي حتى أطلقك، لكن لن أسمح لك أن تتولي زمام أمورنا نحن الثلاثة بعد الآن))
بدا الجرح الذي تسببت به لخضراويه شاحبا.. لا تصدق أنها السبب بألمه! وبذات الوقت كانت لا تزال مصرة بأن تفعل ما تفعله لأجله.. ولأجلها هي.. فهي لن تتحمل الدخول في علاقة مستقبلها الفشل..
لم تجد أمامها إلا أن تبدأ بمهاجمته ووضع اللوم عليه.. فسارعت تقرب يزيد منها وتضع كلتا يديها فوق أذنيه تمنعه من الاستماع لكلامها وهي تقول بحدة مهاجمة
((عمرك كان يزيد عن العشرين عاما عندما تزوجنا، فلا تشعرني بأنك كنت قاصرا، أنا المسكينة والتي على الرغم من حكمتي ورزانتي وقعت تحت تأثير إغوائك فاستطعت استغلال تلك الفترة العصيبة التي كنت أمر بها بعد طلاقي من زوجي أقبح استغلال))
أختنق صوت مالك وفكه يتوتر بتصلب
((إغوائك! لماذا تصوريني الآن بأني شاب دنيء! ألم توافقي على مبادرتي في الزواج بكل قواك العقلية؟))
ظهر بسواد حدقتيها الحالك طيف ناري وهي تتحفز بكبريائها بينما تجيب
((نعم وافقت أن أتزوجك زواج صوري لأن أمي أقنعتني أني بحاجة لرجل يرافقني إلى حيث يقع ذلك المنتجع العلاجي في مدينة بعيدة عنا ولا أكثر من ذلك))
لم يعرف كيف تمكن من الابتسام الباهت المرير وهو يعقب بنبرة خافتة
((وأمك أخبرتني أن أتبع معك قاعدة "يتمنعن وهن راغبات"))
شعت عيناها غضبًا ووجهها ازداد احمرارًا من وقاحة مقصده فوجدت لسانها ينطلق بحنق
((كاذب كنت تعرف آنذاك بأني لا أحبك بل لا أراك أكثر من أخ وصديق، ومع ذلك استغللت ضعفي وزواجنا الشرعي وذهبت لتثبته في المحكمة قبل أن تبدأ في التسلل لغرفتي في الفندق، لا مرة أو مرتين، بل لأشهر))
قال بصوت خافت وأنفاسه يشعرها تخرج من فمه حارة
((لقد انصهرتِ بين ذراعيّ من أول ليلة اقتربت فيها منك، فكيف لي أن أعرف بأنك ترفضين ما يحصل؟ لم أكن أعرف أن العلاقة الجسدية بالنسبة لك شيء مختلف تماما عن الحب))
كان يرى ارتجاف جسدها بأُم عينيه لكنها تقاومه بينما تقاطعه بهدوء يشوبه الخجل
((اصمت يا مَالك وتوقف عن هذه الحركات الصبيانية))
يثير جنون ذاك النفور الذي تحاول إظهاره نحوه.. خاصة وهي تتحدث معه كأنه لا زال ذاك الشاب عديم الخبرة وصغير السن! ومن دون وعي ضربت الدماء بعقله فجأة ليقول بمنتهى الوقاحة
((لماذا أصمت؟ ما الخطأ الذي قلته؟ هل تحبين أن أذكركِ أكثر بتلك الليالي التي كنت تضيعين فيها تماما بين يدي هذا الشاب رغم أنك لم تكوني تحملين له شيء من الحب بل لم تكوني تعتبريه حتى رجلا بالنسبة لك! لا تنكري بأني كنت أعرف كيف أجعل عواطفك تتقد بداخلك فتنجرفين بأقصى ما لديك معي قبل أن أنالك كاملة دون أن أسمع منك همسا بكلمة اعتراض!))
اختض جسدها داخليا برعشة عند ذكره تلك التفاصيل العاطفية لتسارع بالوقوف على قدمين مرتجفتين بالغضب وتقول بنبرة جادة قاطعة
((اصمت ولا تتحدث بهذا الشكل فأنا لم أعد أحل لك وما تقوله هو منتهى الفجر، نحن لم نعد زوجين، لا تتخطى حدودك معي حتى بالكلام يا مَالك))
كانت خفقات قلبها تتصاعد بعنف قوي وهي عالقة بتلك التفاصيل العاطفية.. حتى أنها لم تعِ أنها أبعدت يديها اللتين كانتا تسدان أذني يزيد عنه وبدأ يصغي لما يسمعه..
أما مَالك فقد فاتسعت ابتسامته وهو يمعن النظر بخديها المُحمرين ونظراتها الغاضبة التي ترمقه بها.. قبل أن ينحسر المزاح عن وجهه وهو يسمعها تردف بجدية
((دعنا نعود للموضوع الأول، مسألة إخبار والديك عن يزيد ليست بسيطة كما تظن، ليس من السهل إيجاد طريقة تخبرهم من خلالها عن زواجنا في الماضي وإنجابنا له دون أن تتسبب بذبحة صدرية لأحدهما، عليك أن تتروى في مسألة إعلامهم بأمر كهذا.. من أجلهما))
استقام من مكانه واقفا مقابلها يقول حانقا نافذ الصبر
((لا تحاولي ثنيي عن الأمر، أنا سأخبرهم ولن أتراجع عن قراري، وبكل الأحوال فالحقيقة هذه لن تبقَ مستترة طويلة.. كل من درس يزيد من معلميه ومدير مدرسته يعرفون بأنه ابني والله أعلم إن أخفوا السر أم أفشوه لآخرين، بالمناسبة.. أنتِ لا فكرة لديك عن نظراتهم المشمئزة والمُحقرة التي يوجهونها لي كلما نظرت في وجه أحدهم، يظنون بأني من أريد إخفاء هذه الحقيقة وأظلمك وأظلم ابني معي))
رق وجه سمية قليلًا شاعرة بالذنب والغضب من نفسها..
لكنها تمَالكت نفسها وقالت برفق
((مَالك.. أنا أتفهمك ولكن.. لن أستطيع أن أغامر بخسارة ابني لمحض توقعات فقط، أنا لن أستطيع خسارته، لن أتحمل أن أسمح لهم أن يأخذوه وأقتات أنا على رؤيته فقط من حين لآخر، لو تنتظر أكثر حتى يكبر ويعي على نفسه بحيث لو حاول والديك انتزاعه مني يكون هو لهم بالمرصاد))
ثم بدأت شفتاها ترتعشان وهي تبتسم قائلة بصوت مبحوح يفيض توسلًا رقيقًا لا يقاوم
((أما علاقتي بك فهي مستحيلة قبل أن تبدأ مجددا، لذا عليك التفكير بنفسك ومستقبلك، وصدقني بعد زواجك من فتاة أخرى تناسبك ستكون ممتنا لأني منعتك من الانجرار نحو نزوة متهورة!))
خنقه وجيب قلبه وهو يقول لها بثبات
((أنا لن أستطيع الاقتراب أو الزواج من غيرك، خاصة بأنه سبق وتزوجنا وتذوقت نعيم قربك.. لو لم نتزوج.. ولو لم أقترب منك.. لكان الأمر.. ربما أقل وطئا..))
ازدردت سمية ريقها وقلبها يخفق بـ..
هل هو توتر أم انتشاء ما يجعل قلبها يخفق هكذا؟
تمَالكت نفسها لتقول بخفوت تستمر بوضع الحواجز بينهما
((ليس وكأننا تزوجنا زواجا طبيعيا، استمر الأمر لأشهر فقط، لا تضخم من الأمر))
انقبضت يدا مَالك وتصلبت ملامحه وبدت خضراويه بئرين من جحيم يطفو من صدره المستعر ليرد بتحشرج
((لا فكرة لديك ما هو الشعور الهائل بالفراغ الذي ينتابُني حينما اعتدت أنك من حقي في هذه الشهور ثم انتزع مني هذا الحق فجأة))
ظلت سمية على صمتها.. وهي تشعر بالتشتت من حولها يزداد..
استدار مَالك على عقبيه يعطيها ظهره ليقول
((أنا سأذهب فلدي الكثير من أوراق الامتحانات التي عليّ أن أفرغها على دفتر العلامات ثم الحاسوب.. هل تريدين شيئا مني؟))
دس كفيه في جيبي بنطاله عندما رفعت وجهها تناظر ظهره وتسأله وهي تزم شفتيها ببراءة
((ابعث لي الأوراق لأفرغ العلامات عوضا عنك، أعرف أن هذا أكثر ما تكرهه في مسألة التدريس))
التف نصف استدارة لها يقول بجدية مصطنعة وقد تخلى عن الوجوم فعلا
((أساسا كنت سأرسلهم لك لتفرغيهم بالفعل، فأنا لا أثق بأحد غيرك في نقل العلامات بحذر وحيطة شديدة دون أن يظلم أحد طلابي))
ابتسمت له بود ليعود هو وينظر أمامه ماضيا بخطوات ثابته نحو الباب الخارجي للمطبخ وضحكته الخافتة تصلها فتتلاعب بقلبها.. بشكل مؤلم..
أطلقت تنهيدة بائسة وسعت الكون ثم ناظرت يزيد بملامحه الحائرة وفي عقلها مائة سؤال وسؤال عن مستقبلها معه!
.
.
أغلق مَالك باب المطبخ خلفه ليشهق جافلا
((أم فهد؟ ماذا تفعلين هنا؟))
كتفت رتيل ذراعيها ثم قالت بنظرات متسليه
((لا تقلق لا أحد في المطبخ إلا أنا ونجوم.. كنا ننظر لك أنتَ وسمية من هذا الباب بمواربة منذ أن جئت وجلست عندها))
سألها بتوجس وهو يميل برأسه
((هل سمعتما أي شيء من حديثنا؟))
رفعت حاجبيها بتعجب من توتره لكنها أجابته بمنطقية
((كيف سنسمع شيئا من هنا؟))
تجهمت ملامح مَالك وهو يقول
((ليس وكأنني خائف من أن يسمع أحد شيء.. لكن..))
تنحنح في نهاية حديثه يجلي صوته للحظات قبل أن يكمل
((على كل حال يا زوجة أخي، سأتزوج قريبا أنا وسمية، لذا أرجوك لا تفتعلي أي إشاعات قبل أن أتحدث مع والديّ بهذا الخصوص))
لف الفضول وجه رتيل متسائلة
((ومتى ستتحدث؟))
رد مَالك عليها بنبرة فاضت حزما
((في أقرب فرصة، لا طاقة لي لأتحمل الانتظار أكثر..))
لوت رتيل فاهها قبل تتشدق بما يشبه الدعابة
((كل من في المنزل يعرف بك أيها العاشق، لا أدرى ماذا كنت تنتظر قبل أن تتخذ هذه الخطوة؟))
تنهد مَالك قبل أن يجيب
((فعلا كان عليّ أن أعمل على الموضوع بشكل أسرع))
رفعت رتيل حاجبها تحاول مجاراة جديته لتقول دون أن تنحسر ابتسامتها
((على كل حال، الأيام القادمة ستكون في غاية الإثارة، فوالدتك لن تكون لينة معك بموضوع كهذا، إنها حتى تكره يزيد المسكين الذي لا ذنب له إلا أن ابنها المفضل يحب أمه))
رفع مَالك عينيه المتمردتين إليها يقول بصرامة
((أنا لست شابا في بداية عمره، بل في الثامنة والعشرين ولست أنا من ينتظر أحد والديه أن يزوجوه))
ضحكت رتيل ثم همست مصفرة بصوتٍ حار قبل أن تغادر المطبخ
((أيها الخطير! لكن لن أستخف بك وسأرى كيف ستقنع والدتك))
رغم الخوف الذي تسلل لداخله ولا يشعر مصدره لمعت حدقتيه بشيء من الأمل.. عليه ألا يتشاءم فقد اقترب أخيرا من أن يحصل على سعادته واستقراره مع سمية ويزيد.. ذاك الحلم الذي داعب خياله الأبوي وقلبه لسنوات..
=============================
قال قصي يوجه سهر التي كانت تقود السيارة
((ركزي يا باربي أثناء القيادة وانظري فقط أمامك))
نظرت إلى عينيه بابتسامة وقالت
((أنا آسفه لكن هذه السيارة.. إنها فقط تسرق الأنفاس.. مذهلة.. لا أصدق أني أقودها بهذه السلاسة))
صارحها قصي وهو يكتف ذراعيه
((لقد كنت أحاول منذ مدة الحصول على سيارة مماثلة لها))
انطلقت كلماتها بإعجاب حقيقي غير مألوف لها
((لست شغوفة بالسيارات، لكنها تبدو رائعة، مبارك يا قصي.. أنا سعيدة لأنك جعلتني أقود غاليتك هذه، فأنا أعرف بأنك تعتبر أسطول سياراتك مثل أبنائك))
تمتم قصي ببساطة
((إنها لك..))
لاحظ تغير تعابيرها إلى الدلال والغنج اللطيف وهي تقول
((بالتأكيد فكل شيء يملكه زوجي المستقبلي هو لي، وكل ما أملكه أنا حتى قلبي فهو له))
مالت زاوية شفتاه بابتسامة جانبية ليقول بلمعة تفاخر
((أنا أتحدث بجدية، هذه السيارة اشتريتها لك))
تغيرت ملامحها للتجهم وهي تناظره لتتساءل
((ماذا؟ كيف؟))
كانت سهر تحاول إيقاف السيارة حتى تستطيع التحدث معه فأجابها
((عرفت بأنك لم تغيري سيارتك.. منذ.. أو بالأحرى لم تغيريها أبدا.. شعرت بالعار من فكرة امتلاكي لعدد من سيارات وتغيريهم بشكل منتظم في حين أني لم أفكر ولو لمرة بتجديد سيارتك))
أوقفت سهر سيارتها فجأة فاختض جسديهما للأمام قليلا ولولا حزام الأمان الذي كان يحاوط كل منهما لكان اصطدما في زجاج السيارة الأمامي.. لم تهتم سهر لذعرها وهي تسأله بلهفة
((هل أنتَ بخير؟))
ابتسم لها وهو يقول مطمئنا بينما صدره يتنفس بقوة
((نعم.. لا تقلقي.. فقط اركني السيارة على جانب الطريق..))
شغلت السيارة لتركنها حيث أشار بينما تقول بمشاعر مرتبكة
((قصي.. الأمر ليس أنني لا أملك ثمن سيارة جديدة، لكن سيارتي لطالما كانت تفي بالغرض.. أنا لن أستطيع أن اقبل كل هدية باهظة تهديني إياها))
هدر قصي بشقاوة تشوب ي نبرته
((هراء.. لقد اشتريتها لك وهذا أمر غير قابل للنقاش))
حاولت الاعتراض بوهن
((أنا أعرف بأن لا شيء يجعلك تشعر بالسعادة أكثر من الحصول على سيارة جديدة لذا لا أظن بأن عليّ قبولها))
صحح لها وهو يفتح مقبض بابه
((بل رؤيتك تقودينها ببهجة سيجعلني أكثر سعادة))
دار قصي حول السيارة نحو سهر يفتح بابها يساعدها في الارتجال منها لتهدر
((قصي أنا حقا لا أعرف كيف أشكرك! أنتَ رجل المفاجآت حقا))
لم يرد عليها قصي بل سحب مفتاح السيارة وناولها لأحد الموظفين ليهتموا بركن السيارة.. ثم تشابكت كفه بكف سهر وهو يقول ونظره مصوب نحو واجهة مطعم فخم وراقي
((مطعم جديد تم افتتاحه حديثا، أحببت حقا أن أذهب له معك))
.
.
غادر النادل بعد أن أخذ طلباتهما الاثنين.. فبدأ قصي بتجاذب الحديث معها متسائلا بفضول حقيقي
((إذن هل ستتزوج هذه المرة صديقتك شيرين حقا؟))
خرجت سهر من شرودها على سؤاله وهي تومئ له
((نعم.. ستتزوج.. وهذه المرة إياك أن تعتذر، عليك أن تحضر معي وترافقني لحفل زفافها؟))
ازدرد قصي ريقه بارتباك ثم همس معترضا بصوت واهٍ
((باربي ولكن.. أقصد..))
تنهدت قبل أن تقول بجدية غير مألوفة بها
((قصي لا تعتذر أرجوك.. هل أنت مستاء منها لأنها لم تحضر حفل عقد قراننا قبل سنتين ونصف من بدايته؟ أخبرتك وقتها بأنها لم تستطع أخذ إجازة من عملها!))
سارع قصي ينفي ما تظنه سهر هادرا بشيء من التوتر
((الأمر ليس كذلك، أنا لست طفوليا بهذا الشكل!! الأمر فقط أني أيضا قد أكون مشغولا في عملي..))
قاطعته سهر بمنطقية واحتدام
((قصي هي مجرد موظفة في شركة لا ترحم فعذرها كان مقبولا.. أما أنت فتدير شركة عائلتك ولن يحاسبك أحد لو أخذت إجازة أو ساعات مغادرة.. أنا لن أقبل إلا أن تحضر يا قصي.. أو سأحزن منك فعلا))
قال متلمسا تفهمها
((لا يا باربي، لا يهون عليّ أن أكون سببا في حزنك، سأحاول أن آتي لحفل زفاف شيرين.. لكن لن أعدك))
تمتمت سهر بضيق وهي تشيح بعينيها جانبا
((معنى هذه الجملة أنك لن تأتي، حسنا فهمت))
ضيق قصي عينيه بتدقيق عليها.. سهر مؤخرا لا تبدو طبيعية معه! باتت تشح في مكالمتها ورسائلها له وتتعمد قدر الإمكان إخفاء شوقها ولهفتها عنه.. وبلا شك أمها هي السبب في ذلك! حتى أن فرحتها قبل قليل كانت مصطنعة وكأنه لم يهن عليها ألا تجامله مقابل ما تكبده في إحضار هديته الباهظة لها!
خرج قصي من دوامة أفكاره على صوت سهر متذمرة بينما ترفع الفرو الأبيض الفاره على كتفيها حينما شعرت بنسمات الهواء تتحرك
((بأحب قضاء الوقت هنا ولكن الجو بارد قليلا، لماذا لم تزرني في بيتي كما اقترحت عليك قبل الخروج؟))
مد قصي يديه يسحب كفها الناعمة ثم أحاطها وهو ويضغط عليها برفق متأسفا بدفء
((لأني أريد الخصوصية معك، أنتِ تعرفين بأن أمك وصديقتك تبقيان أيام العطل في منزلكم.. ولم أجد من اللائق دعوتك لشقتي وحيدة حتى لو كان بيننا عقد قران..))
تنهدت سهر بإجهاد ثم سألته ببرود بنبرة ذات مغزى
((وماذا فيها لو دخلت منزلنا أثناء وجود أمي؟ هل تخشى أن تجلب لك سيرة تعجيل حفل زفافنا؟))
تكدرت ملامح قصي ليقول بصراحة مطلقة
((نعم.. معك حق.. صرت أخشى من هذا الموضوع.. ومن كلامها الفج واتهاماتها المجحفة الصريحة بأني أماطل بلا داعي وأخدعك))
ارتشفت سهر القليل من مشروبها الدافئ بغير شهية ثم قالت ببرود
((ليست اتهامات مجحفة، أنت حقا تتصرف كما لو أنك تتهرب من الزواج مني، كل شيء فيك حالم ورائع حتى يحين موعد تحديد الزفاف، وقتها تنقلب هيأتك تماما وتبدي الاستياء لي وتبدأ بالتهرب من الإجابة))
رفع قصي نظراته المتفاجئة لها ليقول معترضًا بقوة ومتفاجئا من مسار تفكيرها الذي بدأت تتخذه
((سهر، الأمر ليس كذلك، أنا فقط لا زلت بحاجة للمزيد من الوقت قبل أن أدخر المال لشراء الفيلا وإقامة الزفاف الأسطوري الذي تحلم به والدتك من أجلك، أنت تعرفين بأنها لن تقبل أقل من ذلك..))
قاطعته سهر بعبوس مقترحة وداخلها يجيش معترضا
((لا داعي لكل هذا، يمكننا أن نكتفي بزفاف وشراء منزل بسيط يصح أن يكون في الحد الأدنى المقبول في سلم مجتمع والدتي الراقي، المهم أن نتزوج))
قلب قصي عينيه للأعلى بضجر مثيرا استفزازها قبل أن يردد
((سهر.. أقسم لك بأني متلهف أكثر منك لإتمام زواجنا وأكاد أموت توقا لأجعلك امرأتي قولا وفعلا ولكن، ولأصارحك.. فأنا حقا لا أملك سيولة تخولني حتى أن أشتري لك منزلا أو أقيم زفافا يناسب معايير الحد الأدنى لمجتمع والداك الراقي))
كزّت سهر أسنانها وهي تراه يتحدث معها عن هذا الموضوع كما عادته مستريحًا مسترخيًا لا مهتما كما يدعي.. فاستنهضت كل عزيمتها وهي توبخه
((والسيارة التي أهديتها لي قبل قليل؟ بدون أن أعرف ثمنها بالضبط أقدر أنها كلفتك ثروة صغيرة، هذا باستثناء طبعا رحلتك القصيرة الأسبوع الماضي مع أصدقائك الى مدريد لمدة يومين والتي كانت ستطول لو أنك استطعت أخذ إجازة أطول من شركتك! توقف فقط عن الإنفاق بهذا الترف والبذخ على سفرياتك وسياراتك، وخلال فترة معقولة ستوفر المبلغ المطلوب..))
كبح قصي لجام غضبه الذي تولد في هذه اللحظة وهو يغمض عينيه ويسبلهما.. يحاول اكتساب أكبر قدر مُمكن من الحُلمَ والصبر.. لم يفقد ولا مرة طوال فترة تعرفه عليها أعصابه.. لم يفلت أمامها شيء من غضبه..
لم ترَ منه إلا وجه العاشق المتفهم الذي لا يبحث عن شيء إلا إسعادها.. ولن يفعل الآن عكس ذلك.. فزفر نفسًا كان يكتمه ببطء.. ثم قال ببرود واعتراض
((لا أستطيع يا سهر، هذا هو أسلوب حياتي المعتاد عليه منذ أن ولدت، لا أستطيع تغييره ولو ليوم واحد، لذا أتمنى أن تستمري على تفهمك ولا..))
قاطعته سهر بثبات انفعالي دون أن تظهر المشاعر التي تخفيها رغم أن عيناها تفضحانها كما رعشة كفيها
((حسنا.. ممتاز.. لقد وصلتني الفكرة، أمي محقة تماما.. أنت لا تراني إلا صديقة وحبيبة تحب قضاء وقتك معها للمتعة فقط، ولا تريد أن ينتهي الأمر بنا للزواج والمسؤوليات، لكن أنا آسفة لأني مضطرة أن أنهي كل شيء بيننا لأني لا أملك وقت لأضيعه أكثر مع أمثالك))
تناولت سهر حقيبتها الجلدية الباهظة واستقامت واقفة من مكانها تنوي المغادرة.. فاتسعت عينا قصي لردة فعلها غير المتوقعة وسارع يتشبث بذراعها مغمغما
((سهر لحظة.. توقفي..))
قاطعته بصلف متعجل لتختصر وهي تنفض ذراعها عن يده
((لا تثر جلبة من حولنا، أنا حقا بحاجة أن أختلي بنفسي والتفكير بشكل أعمق في علاقتنا، لا تتصل بي الفترة المقبلة لو سمحت لأني لن أرد عليك))
كانت سهر تغلي غليانًا وهي تحث الخطى للخارج.. تقف على الشارع العام وتطلب سيارة أجرة.. في حين تهالك قصي على كرسي يعاود الجلوس.. يبدو أنه أخفق في حساباته وظنونه.. سهر التي لم يبدُ عليها يوما اهتماما بتسريع زواجهما بدأت الآن أفكارها تأخذ منحى مختلف..
تقبضت يده وضرب بها المنضدة غير آبها لنظرات من حوله التي جذبها له.. تبا لكل شيء وللعجز الذي يحاوطه.. صدقا لو كان الأمر بيده لتزوجها منذ أول مرة وقعت عيناه عليها..
تفاقم الإجهاد المتجلي على وجهه.. عمه يماطل في تحقيق وعده له وهو بالمقابل يماطل في إتمام زواجه من سهر.. متى سيصل إلى مرحلة يقتنع فيها أن عمه الذي يكره وجوده لن يحقق شيئا مما وعده له وبالمقابل فليس أمامه إلا البوح بحقيقته لسهر ويأمل منها التفهم حتى لا يخسرها!
أساسا مع وجود شيرين في نفس مكان الشركة والقسم ففرصة كشف كذبه وخدعه ستكون كبيرة! لذا عليه أن يكون حذقا ويفصح هو بالحقيقة لسهر قبل أن يشي أحد به وتعرفها من غيره!
=============================
في منزل والد جمان..
في المطبخ تعد قالب الكعك وتزينه برفقة الصبية ريمة التي تواظب على زيارتها بين حين وآخر قبل أن تقول فجأة بحنق طفولي واقتضاب
((أنا قررت يا سيدة جُمان بأني لن أتزوج، فإذا كان حدث ما حدث معك فكيف بي أنا؟))
ابتسمت جُمان بخفة لاحتقان الصبية أمامها قبل أن ترد
((لا تقولي يا ريمة هذا! أنتِ لا زلت مراهقة وفي مقتبل عمرك على هذا التفكير السلبي))
استنكرت ريمة بانفعال طفيف
((ليس تفكيرا سلبيا بل إدراك للواقع، الحب لا يأتي منه إلا الألم.. وأساسا لا فائدة منه))
هزت جُمان رأسها نافية قبل أن تقول بروية شديدة
((هذا غير صحيح، فالحب والمشاعر والعواطف أمور مهمة جدا لي ولك ولكل البشر، وبدونهم تصبح الحياة قاسية وبلا مذاق ممتع لها مهما أنجزنا ونجحنا في حياتنا العملية والدراسية، ولكن الحب على رونقه وجماله يحتمل الفراق ويحتمل حرية طرفيه ويحتمل ألوانا من المشاعر المختلفة داخل العلاقة نفسها.. غضب.. ألم.. مسافات تقترب وتبتعد..))
اهتز فؤاد جُمان فجأة بينما تستطرد بصوتٍ أجش
((أنا حقا أتألم وأتجرع لوعة الفراق والفقد، ولكني مؤمنة بأني بعد فترة طالت أو قصرت أستطيع إكمال مشوار حياتي))
أخذت ريمة عدة أنفاس كأنها تستعد لقتال الضواري ثم كتفت ذراعيها تقول بغضب موقود تكتمه
((أنا أتمنى أن يُجازى على ما فعله بك، ويرد له في أكثر شيء يحبه ويتمناه في عمره هذا، فدخوله العابث في مسار حياتك، وتركك بهذا الشكل القاسي هو شيء دنيء))
أطلقت جُمان تنهيدة قبل أن تقول بصوتٍ دافئ
((ريمة حبيبتي لا تتحدثي بهذا الشكل ولا تتمني السوء له))
اتسعت عينا ريمة تستنكر باهتياج
((هل أنتِ من تقولين هذا؟))
ابتسمت جُمان قليلا وهي تطرق بوجهها ثم هدرت بصوتٍ ناعم
((نعم أنا من أقولها، فعندما تنتهي علاقتي بأحد أكره أن أضره أو أمسه بشيء، حتى لو كان من خلال الكلام أو الدعاء عليه))
نفخت ريمة وجنتيها وهي تتمتم بحنق
((أنتِ طيبة جدًّا))
أحنت جُمان رأسها قليلا تغالب طعنات الألم وهي ترد بحشرجة
((لزام عليّ أن أكون كذلك، فنحن بين رحلة حضور وغياب، فلماذا قد أتسبب بسرقة فرحة أحد، أو قهر قلبه!))
لم تمتلك ريمة إلا أن تشيد بجمال روحها رغم عدم رضاها
((أنتَ يا سيدة جُمان لا تعوضين، ولا تتكررين.. وبعد أن يتزوج من تلك الأخرى، سيندم ويبكي ويرجو الله أن يعيد الزمن إلى الوراء حتى لا يترك امرأة رائعة مثلك، أما تلك المرأة التي سيتزوجها فـ..))
رفعت جُمان حاجبها باعتراض تبتر كلمات ريمة
((توقفي يا ريمة.. وما ذنب تلك المرأة التي سيتزوج منها في الأمر؟ مشاعر وليد نحوها تخصه وحده.. هي لم تجبره.. ولم تكن بينها وبينه علاقة حسب ما أظن عندما كنا متزوجين.. لذا..))
أومأت ريمة طائعة بحنق ثم قالت
((حسنا، ولكن يقال بأن المرأة التي سيتزوج منها السيد وليد هي نفس المرأة التي كان خاطبا منها قبل سنوات.. لكن.. لا أفهم سبب عودته لها.. هل سحرته؟))
تجمدت ملامح جُمان للحظة لكنها سرعان ما تجاوزت ردة فعلها وهي تتمتم بينما تهز كتفيها
((إنه فقط لا زال يحبها.. فهل الحب يحتاج لسبب؟))
عادت جُمان تركز في تزيين قالب الحلوى لاهية عن عذابات روحها التي تيقظت.. في حين أسبلت ريمة أهدابها للأسفل بعقل شريد لدقائق قبل أن يصدح رنين هاتفها لتشهق متنبهة بأن الوقت طال دون أن تشعر به.. وتقول بعجلة
((لقد تأخرت على أمي.. سأذهب.. إلى اللقاء))
ابتسمت لها جُمان وهي ترافقها حتى الباب
((رافقتك السلام يا ريمة))
أوصدت جُمان الباب خلف ريمة ثم عادت للمطبخ تكمل إعداد قالب الحلوى بملامح شاردة حزينة... حتى شعرت بأحد يدخل المطبخ ويقف ليراقبها طويلًا بصمت.. عرفت بأنه والدها الذي كان يجلس في الصالة يصغي لمعظم حديثهما.. فلم تكن قادرة على الالتفات إليه.. لم يكن لديها الطاقة حتى كسر والدها هذا الصمت هادرا بسؤال طال كتمانه في داخله
((وأنتِ لماذا استسلمت هكذا وانسحبت من حياته بهذه البساطة؟))
((لقد كنا متزوجين لأكثر من عشر سنوات، وعلى ما يبدو لم أستطع جعله يحبني، ولا حتى بمقدار يسير من حبه لها.. كما بات وجوده معي في البيت واقعًا باهتًا لا يحمل في نفسي شيئًا من الحب))
اعترض والده
((لكن لا يمكنك أن تسمحي لها..))
توقفت جُمان عما تفعله وقالت مقاطعة والدها بتهذيب
((أرجوك أبي.. يكفي..))
همس اسمها بألم
((جُمان..))
استمرت بمتابعة ما تفعله وهي تقول بصوتٍ مختنق
((صدقني يا أبي ليس بيدك كسب قلوب الناس ولو بذلت ما بذلت مِن جهدٍ، وليس من اليسير استمالة قلب زوجٍ آثَر غيري، الاستمرار في العيش في هذا العذاب من أجل أمل كاذب هو أكبر عذاب))
تابعت جُمان عملها حتى سمعت صوته المتحشرج يهمس
((ما الذي يجعلك يا ابنتي تقولين هذا الكلام؟ كل من حولنا يستطيع أن يرى بوضوح الشمس أن وليد كان يحبك، لو لم يكن يحبك لما حرص كل الحرص على الحفاظ على كرامتك ولما صبر على عدم إنجابك))
ردت عليه مباشرة وبتلقائية
((أبي أنا امرأة ولي حدسي، وليد كان يفعل كل تلك الأمور أثناء زواجه مني لأنه كان يشعر تجاهي بالشفقة والمسؤولية))
بترت جُمان كلماتها وهي تبتلع غصة في حلقها ببطء..
تُقدر حزن والدها عليها لكن كيف يريد منها أن تبقى بحياة وليد وتقتنع بأنها المرأة التي بلا طعم ولا لون في حياته، وترضى العيش في البقعة الباهتة الصامتة من حياته.. فهو لا زال واقعا في حب خطيبته القديمة.. التي لا تفوقها جمالا ولا أدبا ولا أخلاقا.. ولكنها هي المرأة التي أحبها..
اعترض والدها بعد دقيقة صمت
((لكن كل هذا هو معنى من معاني الحب))
تمتمت متهكمة بخفوت
((نعم حب الصداقة أو حب الأخوة مثلا؟))
لفت جدية أكبر صوت والدها وهو يقول
((جمان.. لا توجد صداقة أو أخوة بين رجل وامرأة))
تمتمت له وهي تهز رأسها
((معك حق، لهذا أعود للنقطة الأولى وهي بأنه لم يكن يبادلني الحب))
تركت جُمان ملعقة الزينة من يدها وهي ترفع وجهها له هادرة بعينين بارقتين
((وحين يكون الحب من طرف واحد فهو ليس حبا وإنما استنزافا للمشاعر، فالحب حتى يصبح حبا يحتاج لأن تكون المشاعر والاحتياج لها متبادلان بين الشخصين هما لا غيرهما))
أومأ والدها بنفس الانطباع..
هي مدركة بأنه يشعر بمأساتها.. قلبها الجريح.. آهاتها الصامتة.. حزنها العميق.. فكل الأشياء من حولها تدعوها ِلتبكي إلا أنها لا تزال تظهر واجهة الصلابة..
فقال أخيرا بصوتٍ حنون ودافئ
((ولكن يا ابنتي لا تنسي بأنه من حقك أن تشعري بألم الفراق والانفصال عمن كنت تشاركينه حياتك ولا بأس من التعبير عن مشاعرك بين الحين والآخر، فالمثالية الزائدة عمل لا إنساني، لا يوجد كائن بشري قادر على ضبط مشاعره في كل وقت إلا المُتصنع))
بادلته بسمة صافية لتظهر معها إشراقة وجه نفض عنه التعب والإرهاق في هذه اللحظة ورددت
((سأفعل يا أبتي، لكن باعتدال، ودون أن أحاول دفع مشاعري لتبقى طوال الوقت حاضرة، ففي النهاية عليّ أن أمضي قدما في حياتي))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!