الفصل الأول
بعد مرور ثلاثة أشهر..
اخترق ضوء الشروق نافذة الغرفة فارِضًا الاستيقاظ على نورين التي فردت ذراعيها لتتيح المجال لقفصها الصدري استنشاق أكبر كم من نسيم الصباح المار من النافذة المفتوحة نسبيًا فوقها وتنعش رئتيها..
اعتدلت جالسة تفرك عينيها الناعستين ثم نظرت بجانبها لتجد نفسها وحيدة فوق السرير.. لابد أنها لم تشعر بمُصعب وهو يستيقظ بعد أذان الفجر بقليل للذهاب إلى عمله فاليوم موعد مناوبته في المشفى..
أجفلها صوت طرقات باب جناحها القوية التي تعلن عن نفاذ صاحبها.. والتي هي بلا شكَّ رتيل فهذا موعدها في معظم صباحات اليوم.. فالاستيقاظ مبكرًا في هذا المنزل ليس خيارًا.. صحيح أنه أمر جيد للصحة.. لكنه ليس بهذه الروعة أيضًا!
سارعت نورين فتح الباب ترد بصوتٍ أجش
((صباح الخير))
رمقتها رتيل الواقفة متخصرة بحنق قبل أن تقول بنبرة عصبية تعلن عن سخطها
((أي خير وقد جعلتني أطرق بابك لعشر دقائق مستمرة.. كل هذا نوم؟ أم تفعلين هذا عامدة متعمدة لجعلي انتظر طويلًا وأمِل فأتركك بحالك؟))
نظرت نورين إلى الساعة الجدارية المعلقة ثم نظرت لرتيل قائلة
((لا أرمي إلى ذلك، أنا فقط أحب النوم في الصباح واستشعر لذة فيه لهذا تأخرت قليلًا))
كلام نورين زاد من امتعاض رتيل وغضبها.. فقالت بنزق وهي تمد يدها وتفردها
((اعطيني مفتاح جناحك، لا أريد أن تغلقي الباب خاصة في الصباح حتى اقتحم المكان وأيقظك أسرع))
طالعتها نورين بشفاه منفرجة ونظرات مشدوهة.. هل تمازحها تلك الواقفة أمامها أم أصابها الجنون! فقالت مستهجنة
((هل أنتِ واعية لما تطلبينه مني؟))
تقدمت رتيل بضع خطوات للداخل وهي تقول بأنظارها الجليدية
((أنا لا امزح، اعطيني المفتاح هيا..))
بترت رتيل كلامها عند مرأى المفتاح الموضوع في فحة مقبض الباب فسحبته فورا لتهتف نورين معترضة
((أنتِ فعلًا مجنونة، أعيدي المفتاح مكانه))
تبسمت رتيل بنفس النظرات الجليدية وأجابتها بنبرةٍ ناعمة مستمتعة
((لا داعي لإغلاق الجناح.. لن يدخله أحد غيري في الصباح لأتأكد من إيقاظك بناءً على أوامر عمتي))
كظمت نورين غيظها وظلت صامتة فهو سلاحها الوحيد أمام تجبر وتسلط رتيل عندما تكون معها.. فهي الكنة المحبوبة هنا وحبيبة حماتها.. رغم أنها إمراه لا مثيل في عنجهيتها.. تحب أن تلقي الأوامر على كل من حولها بلا أي رفق.. ولا يستطيع أحد مجابهتها.. لكن عند عودة مُصعب ستخبره عمّا فعلته وتطلب منه التصرف معها..
قالت رتيل بصوتٍ متسلط
((هيا انزلي لتساعدي الخدم في إعداد الفطور))
همست نورين تجذب الحروف من بين أوتار حنجرتها عنوة
((سأفعل حالًا))
تنهدت ببؤس وتهدلّ كتفيها بخضوع وهي تطالع رتيل تعطيها ظهرها وتنزل الدرج الذي يتوسط صالة المنزل..
دخلت للحمام الموجود في جناحها تغتسل سريعًا ثم خرجت وغيرت منامتها الحريرية لثوب واسع طويل بلون الخشب الداكن وغطت شعرها بوشاح أسود أحاطته بشكل فضفاض حول رأسها.. ثم أسرعت تنزل خلف رتيل مستجيبة حتى لا تستجلب سخطها فمنذ دخولها هذا البيت منذ عدة أشهر كعروس لحل الثأر.. أو بالأحرى كخادمة وهي تحاول التأقلم بوضعها.. يمكنها القول بأنها عرفت طباع وأحوال أبناء هذا المنزل الخمسة..
الابن الأكبر مُعاذ أرمل منذ ثمانية سنوات وتبعًا لعمله كرائد يعيش في المدينة ولا يزور بيت العائلة هنا إلا كل عدة أشهر.. رغم أن ابنته الوحيدة دارين ابنة الثانية عشر سنة تعيش هنا..
الابن الثاني مُؤيد هو أسوأهم ومن يثير الذعر في كل خلية من جسدها كلما تلاقت الأعين بينهما.. وهو زوج تلك الحية الرقطاء رتيل، وهما والدين لصبيين.. لكن ما يهون الأمر عليها أنه الأخر يعمل في التجارة ويعيش في المدينة ولا يزور عائلته إلا في نهاية كل أسبوعين..
والأصغر من مُصعب هما التوأم مَالك ومَازن..
مَالك الذي يشابه مُصعب في طبيعته الساكنة والتي يترجمها البعض على أنها تعالٍ وعجرفة..
أما مَازن المغترب منذ قدومها لهنا فلا تعرف عنه شيء.. ولا حتى عن زوجته ياسمين التي تظل منزوية بغرفتها ولوحدها هي وابنتها هدى ولا تحب الاختلاط معهم.. حتى في أوقات الطعام..
دلفت نورين لمطبخ المنزل الضخم الذي كان لزامًا عليه أن يكون بهذا الحجم لأن العاملين فيه لا يقومون بصناعة وجبات عائلة الحاج يعقوب الكانز فقط.. بل يوفرون يوميًا ما لا يقل عن وجبتين طعام لعشرات الأشخاص العاملين في بساتين ومزارع الحاج وحديقة قصره الضخمة.. لهذا المطبخ شبه منفصل عن المنزل الضخم وعلى النساء عندما يدخلنه تغطية شعرهن فهو أكثر من مكان لتحضير الطعام وله عدة أبواب للخارج ويمكن غالبًا لأي أحد الدخول والخروج منه من العاملين.. كما هو مرتبط بالدور السفلي المخصص لنوم العاملين في المنزل ممن يزيد عددهم عن عدد أفراد عائلة الحاج يعقوب والقائمين بأغراض الطهي والتنظيف والاهتمام بشؤون أصحاب المنزل واحتياجاتهم..
كانت نورين قد بدأت في إعداد الخضراوات وتقشير البطاطا عندما فُتح باب المطبخ الذي يصل بالحديقة الخلفية من قِبَل سمية التي قالت لها بوجه بشوش بمجرد أن لمحتها
((هل استيقظتِ بالفعل يا نورين! صباح الخير.. كيف حالك؟))
بادلتها نورين الابتسامة وهي تشكو لها ازدراء الحال بمرح
((رتيل أيقظتني حتى قبل استيقاظ العاملين في المنزل لإعداد الفطور))
هزت سمية رأسها بيأس من تصرفات رتيل.. إلا أنها لم تعقب على الأمر بل قالت عارضة المساعدة
((اعطيني القفازات ودعيني أغسل الأطباق التي قمت باستخدامها))
لوحت نورين يدها برفض لهف
((لا داعي، عملك في الحديقة فقط وليس هنا))
إلا أن سمية توجهت إلى حيث القفازات معلقة وأخذتهم لتبدأ بارتدائهم قائلة
((قليل من المساعدة لكِ ريثما تستيقظ العاملات في المطبخ لن تضر، دعيني ألبس هذه القفازات المطاطية فقط لأن بشرة يدي حساسة بشكل بالغ لمواد التنظيف))
بدأت سمية بسكب الماء فوق الأواني قبل وضع بعضهم في جلاية الأطباق ليتناهى إلى سمعها صوت الأخرى
((أزهار الجوري الوردية والبيضاء التي زرعتيها على طول السياج منظرها خلاب، لا بد أنكِ استغرقت وقت وجهد طويل فيها))
قالت سمية ((نعم معكِ حق، منذ أن تعلمت العناية بالنباتات وحبها منذ صغري وأنا أحب أن اقضي ساعات طويلة في حديقة الحاج يعقوب))
أكملت كل منهما عملها وهما تثرثران بأحاديث ممتعة لا تخلوا من بعض الضحكات بين حين وأخر.. قبل أن يقاطعها صوت أقدام قادمة من الحديقة الخلفية حتى باب المطبخ..
انتبهتا لرجل يطرق الباب قبل فتحه مباشرة ليقف عند عتبته يرمق بنظراته الثاقبة سمية وهو يقول بلهجة منفرة
((صباح الخير))
رمقته سمية ببغض خفي ولم تجبه بل ظلت تنظر له متجهمة بانتظار أن يقول ما جاء من أجله في هذا الصباح الباكر..
ابتسم الرجل الذي بدا بأنه مزارع يعمل في الأراضي والمسؤول عن إحضار الطعام من المطبخ للبستان، فرسم تلك الابتسامة الثقيلة على قلبها وهو يقول بصوته البغيض
((أريد منكِ يا سمية أن تجهزي نوع معين من الفطور للعاملين في البساتين الآن))
نظرت سمية له بصوب عينيها بكل ما حملته من قوة وحزم
((يمكنك يا أخي أن تنتظر استيقاظ مدبرة المنزل السيدة نعمة وهي ستخبر من يعمل في المطبخ أن يحضر الفطور لهم ما تريده.. فهذا ليس عملي كما تعرف))
طالع الرجل ملامح وجه سمية الممتعضة بنظرات مستمتعة وهو يستمر بإطالة الحديث معها
((بحثت عن السيدة نعمة ولم أجدها لذا قومي بالعمل عنها إذا تكرمتي))
احتدت نظرات سمية أكثر مع استسهاله في الحديث معها خاصة وهي تتفهم ما يريده من خوضه جدال معها.. إنه يتبرص بها منذ وقت طويل دون رادع.. فهي في حسبته كمطلقة امرأة متلهفة.. لقمة سائغة.. وسهلة المنال..
تمَالكت سمية أعصابها وحافظت على هدوئها وهي تقول بنبرة باترة
((أستميحك عذرا لكن أنا مشغولة))
ضحكَ الرجل ضحكةً مستفزة وقال لها وهو يميل متكئًا على الحائط
((هل غضبتي يا سمية مني؟))
تمنت لو ترديه نظراتها صريعًا لأنه يستمر بنطق اسمها بلا تحفظ.. إلا أنها تجملت بالصبر والبرود قائلة
((لا.. لم أغضب.. لا تقلق يمكنك المغادرة الآن))
رفع الرجل حاجبيه البغيضين يستمر بمجادلتها
((لكن علامات الحنق ظاهرة على وجهك.. يبدو أن كلامي أزعجك..))
ظهرت ملامح الغضب ممزوجة بالاشمئزاز منه جلية على وجهها.. وكانت تريد التحدث بما يردعه ويبعده من هنا قبل أن يجفلوا الثلاثة على صوت رجولي ارتجت جدران المطبخ لشراسته
((ماذا تفعل هنا؟))
عقد الحرج لسان المزارع الذي اعتدل مستقيمًا في وقفته برزانة وقال متلعثمًا
((سيد مَالك.. صباح.. صباح الخير.. كنت أطلب من سمية أن تقوم بإعداد..))
قاطعه مَالك مرة أخرى بنبرة حادة ساخطة وعيناه لامعتان بشرر مريب
((وقالت لك بأنه ليس عملها.. فكم مرة عليها أن تعيد كلامها لتستوعب؟))
اعترض الرجل بوهن
((ولكن يا سيد مَالك أنا لا أجد واحدة من العاملات في المطبخ.. والعمال يريدون تغير الفطور اليوم..))
هتف مَالك بسخط وهو يتقدم تجاهه
((إذا تدبر أمرك وابحث عن نعمة بدلًا من الإسهاب في الحديث مع من لا يعنيها ذلك))
بهت وجه الرجل من غضب مَالك وارتد خطوتان إلى الخلف بقلق.. حاول الاعتراض مرة أخرى ((ولكن..))
لكن تصاعدت نبرة صوت مَالك هاتفا بنفاذ صبر
((غادر من المطبخ ولا تدخل له إلا كمجرد معبر الى جناح العاملين أو للحديقة الخلفية))
تنحنح الرجل مما سمعه وكسى الإحراج وجهه وكان يريد التبرير إلا أن صوت مَالك الحازم علا هاتفًا
((قلت لك غادر من هنا))
لم يكن يريد أن يجادله أكثر فهو يعرف أن مَالك بارد الأعصاب والمحافظ على هدوئه في مختلف المواقف يصبح على النقيض تمامًا عندما يغضبه أحد.. فتمتم الرجل بخفوت قبل أن يغادر المطبخ نحو الحديقة متعثر الخطوات
((حسنًا يا سيد مَالك))
استدار مَالك نصف استدارة يرمي بنظراته الحادة لنورين ثم سمية..
تراجعت نورين المشدوهة بنظراتها للخلف ولوهلة تلبسها خوف من مظهره ومما ظهر عليه بشكل يخالف طبعه الهادئ والمسالم حتى يظن المرء أنه لا يمكن لأحد أن يجعله يقلق أو يضطرب..
في حين بقيت سمية ثابتة وهي تبصر ذلك اللهيب المتوقد بعينيه المصوبتين نحوها بينما يهتف فيها آمرًا بتسلط
((عندما تكونين هنا لا تفتحي مجال لأيًّا كان في الحديث معكِ من البداية))
تصلبت ملامح وجه سمية وحاولت مقاطعته إلا أن الدم تدافع بعروقه النافرة وهو يردف بحدة
((خاصة ذلك الوقح الذي كان هنا، لا تعجبني نظراته ولا طريقة حديثه))
حانت من سمية نظرة لنورين التي بدت متشنجة بملامح يلفها الحذر والريبة مِمَّا فعله مَالك قبل قليل.. فهي تعيش في نفس هذا القصر منذ أشهر ولا بد أنها الآن تتساءل بقلق عن سبب هذا الانفعال المبالغ به والغريب على مَالك الذي يصعب استفزازه! بل والأنكى أنه لو تواجد أحد أخر من العاملين هنا وشهد ما فعله مَالك كان ليكثُر القيل والقال وتتوالى التكهنات والتساؤلات عليها هي..
أعادت سمية نظرها لمَالك بتأنيب شرس.. لكن ولأنها لم تكن تريد فتح مجال للأخذ والعطاء بينهما أمام نورين.. آثرت أن تكتفي أن تقول بصوتٍ هادئ المغلف بالبرود
((شكرا لك يا مَالك لكن لا داعي لتكرار ما فعلته، فأنا أكثر من قادرة على ردعه هو وأمثاله.. لست ضعيفة ولا عاجزة))
استغربت نورين طريقة حديث سمية مع مَالك البعيدة كل البعد عن الرسمية.. بل وحتى لأنها لم تناديه بـ"سيد" قبل اسمه كما هي معتادة مع الجميع هنا.. حتى معها هي قبل أن تمنعها برجاء..
قاطع حوارهم صوت طفولي يدخل من باب المطبخ الخارجي مهرولًا نحو سمية يحتضن خصرها
((صباح الخير يا أمي))
انحنت سمية لولدها الذي انتشلها من هذا الجو الملبد بالتوتر لتقبل رأسه مهمهمه ببشاشة
((صباح الخير أيها الشقي.. لقد استيقظت اليوم مبكرًا دون الحاجة لأي عملية مداهمة من قِبَلي))
أجابها الطفل الصغير بفخر
((نعم وارتديت زي المدرسة أيضًا))
تطلع يزيد الصغير ابن الست سنوات خلفه لمَالك الذي تبدد الحنق والشدة من على ملامحه وقال بصوتٍ مفعم بالحماس
((هذا لأن عم مَالك قال بأنه سيوصلني اليوم للمدرسة))
ترك يزيد أمه متجهًا نحو مَالك الذي رفعه وداعب بحنان خصلات شعره السوداء قائلًا بابتسامة
((نعم سأفعل ولكن عليكِ أن تنهي إفطارك بسرعة حتى لا تؤخرني يا يزيد))
داعبت ابتسامة فاه نورين وهي تقول متطوعة
((لقد جهزت الفطور لك يا يزيد))
كسى البرود صوت ووجه سمية وهي تقول معترضة
((اذهب يا مَالك لوحدك فيزيد يأخذ وقتًا طويلًا أثناء تناوله للفطور))
اعترض يزيد بإحباط وهو ينزل أرضًا
((إذن لن آكل شيء يا أمي حتى لا أؤخر عم مَالك))
نظرت سمية لابنها بحزم هادرة
((اسمع الكلام يا يزيد ولا تثير المتاعب))
سحبت نورين يزيد لتطبطب فوق رأسه تراضيه
((ستذهب في يومٍ آخر مع عمك مَالك))
إلا أن يزيد هز رأسه رافضًا مغمغمًا
((لا أريد أن آكل.. منذ زمن لم أذهب مع عم مَالك))
رشق مَالك سمية المتزمتة على رأيها بضيق.. لكن دلفت رتيل للمطبخ التي أحست بالجلبة فيه وشعرت بتواجد مَالك وهي تعدل من وشاحها المرخي حول رأسها ثم هدرت
((إذا اصطحبت يزيد معك من سيذهب برفقة أولادي للمدرسة يا مَالك؟ أنتَ تعرف بأنهم يخافون الذهاب للمدرسة بدونه.. انتظر أن ينهو فطورهم وخذهم جميعًا معك بدلا من السائق))
تجلت ملامح التجهم على وجه مالك فرد على زوجة أخيه بصوتٍ فاتر
((غيرت رأيي.. سأذهب لوحدي حتى لا أتأخر عن عملي في المدرسة، لست سائق حافلة الحضانة))
غادر مَالك المطبخ وبعد لحظات تردد لحقته سمية..
في حين وجهت رتيل نظراتها لنورين التي كانت تمسك يزيد لتقول بصوتٍ قاسي لها
((لماذا أنتِ وحدك مستيقظة؟ أين الباقي؟))
هزت نورين كتفيها تقول ببساطة
((أيقظي أنتِ الباقيين))
زفرت رتيل نفسًا طويلًا قبل أن تمتم متذمرة
((عليّ أن أخبر عمتي بأن نعمة لم تعد مدبرة منزل صارمة كالسابق، لا اصدق بأننا نحن أصحاب المنزل نستيقظ قبل من يعملون به))
ضيّقت رتيل عينيها وهي ترى نورين مشغولة بإطعام يزيد حزين الملامح لتقول باحتدام
((أنا لم أوقظك من النوم لإطعام ابن البستانية سمية!))
أجابتها نورين ببرود بدون أن تنظر لها
((أنا أرى أن تتابعي ما كنتي تفعلينه بدون أن تركزي عليّ))
رمقتها رتيل بسخط ثم استدارت تعود لإيقاظ ولديها الصغيرين..
.
.
توقف مَالك على صوت سمية المنادي له ليلتفت لها هادرًا بتجهم ((ماذا هناك؟))
توقفت سمية مكانها تحافظ على مسافة جيدة بينهما.. ثم قالت بنبرة حاولت جاهدة أن تخرج ثابتة
((مَالك إياك أن يتكرر شيء مِمَّا حدث قبل قليل، ماذا لو كان أحد ما معنا غير زوجة أخيك؟ ما تفعله سيثير أقاويل أنا في غنى عنها))
رفع حاجبية ثم تساؤل بوجه خالِ من أي تعابير
((وماذا فعلتُ قبل قليل لأجلب الأقاويل لكِ؟))
كتّفت ذراعيها تنظر إليه بصرامة هادرة
((أنا أستطيع جيدًا الدفاع عن نفسي والتصدي لمن يحاول تجاوز حدوده معي.. فلا تتدخل أرجوك))
اقترب مَالك منها خطوتين بلامبالاة ثم كست الجدية نبرته وهو يقول بما لا يقبل النقاش
((بمجرد عمل أي امرأة لصالح عائلتي فهي من مسؤوليتي.. وخاصة أنتِ.. سواء تواجدتِ في المطبخ أو الحديقة))
ثم أعطاها ظهره مغادرًا المكان كله لعمله..
=============================
وقف مُؤيد أمام منضدة الزينة يجفف شعره عقب أن أخذ حمامًا دافئًا منعشًا.. لكن صدح صوت زوجته المتذمر عاليًا وهي تشير لزجاجة العطر فوق السرير التي استعملها مُؤيد ورماها
((هذا العطر غالي كن حذرًا أثناء استخدامه))
تناولت الزجاجة لتضعها فوق المنضدة بعنف فعقب مُؤيد واقتضاب عاقدًا حاجبيه
((على رسلك، ستحطمينه))
ظلت رتيل على ملامحها المتجهمة وهي تجلس بقوة فوق السرير تكتف ذراعيها..
فهم مُؤيد أنها تريد منه أن يسألها عن سبب غضبها المتقد.. لكنه سألها عوضًا عن ذلك وهو يرمي المنشفة أرضًا
((هل الفطور جاهز؟))
زفرت أنفاسها ثم قالت بجفاء وهي ترفع ذقنها
((لا تقلق لقد أيقظت زوجة أخيك مبكرًا حتى قبل العاملين لتعده))
رفع عينيه إليها ثم لم يلبث أن ضحك ضحكة خشنة وهو يقول بصوتٍ خفيض
((أحسنتِ، أنا مطمئن أنكِ تقومين بواجبك على أكمل وجه في جعل حياتها كالجحيم.. فأي فتاة من أمثالها يجب عليها أن تتحول إلى خادمة في بيت عائلة زوجها))
سمع صوتها من خلفه يتمتم ببرود
((لا تقلق من هذه الناحية))
أخيرًا تنازل مُؤيد ليسألها وهو يستدير ناحيتها
((ما سر تجهمك منذ عودتك من الخارج؟))
استقامت من مكانها واقفة وأطلقت تنهيدةً لم تبشره بالخير قبل أن تبدأ شكواها المتذمرة
((لا يعجبني أخيك مَالك.. إنه يعير يزيد ابن تلك البستانية اهتمام أكثر من ابنيك أنت! دائمًا ما يعرض أن يقوم بتوصيله للمدرسة ولا يسأل عن باسم وفهد.. وحتى عندما يخرج مع أصدقائه للعب كرة القدم يصطحب يزيد معه بدلًا منهما))
انفرجت شفتي مُؤيد بابتسامة متهكمة وهو يقول مستنكرًا
((فليصحب من يشاء معه وماذا سيؤثر عليّ!))
ردت رتيل بانفعال
((لن يؤثر عليك شيء، ففهد وباسم هم فقط المتأثران.. ولداي المسكينان لا يجدان من يهتم بهما.. عمهم ينشغل عنهم بابن البستانية ووالدهما لا يراهما إلا في نهاية كل أسبوعين.. ورغم ذلك ينشغل فيها بغمر بنات إخوته بحنانه واهتمامه بدلًا منهما))
ذهل مُؤيد وهو يحدق في زوجته التي كانت تتحدث مراقبًا تلك الانفعالات المبالغة بها على ملامحها.. حتى عقدت حاجبيها تسأله
((لماذا تحدق بي كأني بلهاء؟))
نظر من حوله يحاول أن يتمَالك صبره قبل أن يقول هادرًا باستياء
((لا حول ولا قوة إلا بالله.. هل هذا وقت نكدك يا امرأة! لست متفرغًا لسماع هذه الترهات منكِ))
اتسعت عيناها قليلًا لكنها تمَالكت نفسها وسيطرت على خيبة الأمل التي اجتاحتها بسبب عدم أخذه كلامها على محمل الجدية.. فقررت أن تتجنب الخوض في هذا الموضوع لتقول ببرود مغيرة الموضوع
((هيا أخبرني متى سأذهب لعائلتي؟ لقد اشتقت لهم وأريد زيارتهم؟))
انعقد حاجباه في شدة من طريقة حديثها وجلبها سيرة زيارة عائلتها وكأنها تتعمد إفساد إجازته التي يقضيها هنا فهتف صارخًا
((حتى باليومين الوحيدين الذين أعود فيهم للمنزل تصرين على إفسادهم لي.. سأريحك من وجهي وأضل غائبّا عن هنا لأشهر حتى لا تريني ولا تسمعيني أسطوانتك التي لا تنتهي))
رفعت ذقنها قليلًا ثم همست من بين أسنانها بغيظ
((لماذا تصرخ يا مُؤيد؟ أنا أتحدث معك وأتحاور بالهدوء))
وجهه الذي أصبح مكفهرًا غاضبًا جعلها تتراجع مبتعدة عنه قدر الإمكان ثم أردفت بصوتٍ متوتر
((كل هذا لأني طلبت منك زيارة عائلتي؟ ولكن مضى أكثر من شهر على آخر زيارة لي لهم))
رد عليها بسخط
((وما المشكلة؟ كثير من النساء لا يذهبن لأهلهن لعدة شهور.. انظري لعروس الثأر تلك.. لم تخطوا قدمها قرية عائلتها منذ زواجها من أخي))
قالت مستنكرة بغضب
((وهل تقارنني بامرأة اتخذوها قربان ليوقفوا حربًا كانت لتحصل بين عشيرتين!))
صدح صوته صارخًا في المكان يرج الجدران
((ألن نتوقف عن هذه السيرة؟ لا أريدك أن تزوري عائلتك لا اليوم ولا الشهر القادم حتى، أنا الرجل هنا وأُسيِّر حياتي وزوجتي وبيتي كما أريد.. ومتى ما أردت سأجعلك تزورينهم بدون أي نقاشات سابقة أو حوارات لا أحبها))
بدأ صدرها يرتفع وينخفض سريعًا فهو الآن سيكمل وصلة صراخه ككل مرة تحاول مناقشته بشيء غير آبِه لمن يسمعهم.. العيش مع رجل كمُؤيد غاضب وعصبي المزاج كالعيش بالقرب من فوهة بركان.. كل مرة يأتي من إجازة عمله تضل هي وولديها في حالة قلق دائم وتوتر فهو قد ينفجر ويثور في أي لحظة ولأي سبب مهما كان تافهًا فيفسد أجواء المنزل ليوم كامل أو حتى لأيام عدة..
رمشت رتيل بعينيها وهي تحاول التخلص من تلك الغصة التي اعترضت حلقها ثم قالت بصوتٍ أجش خشن
((مُؤيد أخفض صوتك العالي، سيسمعنا من في الخارج))
عندما هم مُؤيد أن يفتح فاهه مجددًا قاطعهما صوت طرقات الحاجة زاهية فوق الباب..
أغمض مُؤيد عينيه يسمح لأمه بالدخول لتفعل وتغلق الباب خلفها هامسة بصرامة
((اخفض صوتك العالي يا مُؤيد، هل تظن نفسك تعيش هنا وحيدًا؟))
توترت ملامح رتيل عند كلام زاهية والتفتت بارتباك نحو مُؤيد الذي قال ممتعضًا
((سأفعل بعد أن تتعلم كنتك التوقف عن صب نكدها عليّ))
صمتت زاهية للحظات ثم قالت بحزم
((لقد جهزوا طعام الفطور تعال لتشاركنا يا مُؤيد))
غادر مُؤيد للخارج مهمهمًا بكلمات خافتة غاضبة.. لتنظر زاهية نحو رتيل بتجهم.. فسارعت الأخرى الدفاع عن نفسها
((لم افعل شيء يا عمتي، كل هذا لأني طلبت منه أن أزور عائلتي الذين لم أراهم منذ شهر!))
رقت ملامح زاهية وهي تدرك أن الحق مع كنتها فتنهدت قبل أن تقول لها بصوتٍ هادئ
((يبدو أنكِ قلتيها لمُؤيد بطريقة تسببت في إغضابه، أنتِ تعرفين بأنه سريع العصبية حتى لأسباب تافهة))
قالت رتيل بصوتٍ مشبع بالقهر
((نعم أعلم ذلك، حتى يظهر رجولته وتفوقه عليّ في الطباع الحادة))
قالت الحاجة زاهية ((لا تتخلي يا رتيل عن الأمل في التحكم بعصبيته، إن للمرأة قوة عاطفية كبيرة تمكنها التحكم بكثير من الأشياء المتعلقة بزوجها))
ثم استدارت للخارج مسترسلة بخفوت
((تعالي لتناول الطعام وتجهيز ولديك للمدرسة يا رتيل))
.
.
اجتمعت العائلة جميعها حول سفرة الفطور التي يرأسها الحاج يعقوب..
بدأت رتيل توزع أرغفة الخبز عليهم.. تناول مُعاذ حصته منها ثم التفت لوالده متسائلًا بابتسامة
((أين هي زوجة أخي مُصعب؟ هذه أول مرة آخذ إجازة من عملي وأبيت هنا ولم أراها حتى الآن))
جاءه الرد من زاهية التي قالت بجفاء
((إنها لا تفضل الجلوس معنا إلا مع وجود زوجها.. وأنت تعرف أنه هو ومَالك يذهبان لعملهما في وقت مبكر))
عقد مُعاذ حاجبيه بتساؤل
((لماذا لا تجلس معكم إلا بحضور زوجها؟))
تدخلت دارين ابنة الثانية عشرة وأجابت والدها بنبرة ذات مغزى
((إنها تخاف من امرأة عمي رتيل فهي تسيء معاملتها))
ضيّقت رتيل عينيها بتوعد وهي ترمق دارين تلك الصغيرة المدللة التي تضل تتربص بها.. في حين تصلبت ملامح مُعاذ وهو يزجر ابنته
((دارين تكلمي باحترام عن زوجة عمك فهي بمثابة أم ثانية لكِ))
انتشر الحنق على ملامحها لطريقة تحدث أبيها معها وهي ترى ابتسامة الانتصار على وجه رتيل.. فاستقامت واقفة من مكانها تقول بصوتٍ متحشرج
((لم أخطئ بشيء يا أبي.. أنتَ سألت وانا أجبت باختصار))
انخفضت تحمل حقيبة كتفها المدرسية ثم غمغمت قبل أن تغادر
((لقد شبعت.. سأذهب الآن لمدرستي))
لم تهتم دارين لصوت جدتها التي طلبت منها أن تكمل طعامها أولًا.. بل عجّلت خطواتها لتغادر المنزل..
عند عتبة الباب التفتت للخلف تسمع هتاف ياسمين زوجة عمها مازن مناديه عليها.. لتقول وهي تحمل ابنتها وتحاول اللحاق بها
((هدى جاهزة خديها معكِ للمدرسة ليوصلكما السائق معًا))
ربتت ياسمين فوق شعر دارين قبل أن تبتعد مودعة إياهم..
فتنهدت بضجر وهي تمسك يد ابنة عمها الصغيرة متجهة نحو السيارة التي تقلهما إلى مدرسة البنات في القرية..
=============================
فتحت سهر إحدى عينيها الناعستين وقد استيقظت على صوت أنين صديقتها شيرين أثناء نومها في نفس الغرفة معها.. أضاءت المصباح ذو الضوء الخافت تتفقدها فشعرت بالقلق وهي ترى جسدها متشنج وملامحها متغضنة بالألم والعرق يتصبب من وجهها بكثرة.. وكأنها تعاني من كابوس فظيع.. أبعدت الغطاء عنها واقتربت منها تهزها بلطف هادرة
((شيري حبيبتي استيقظي.. أنتِ بخير؟ أيًّا كان ما ترينه فهو مجرد كابوس سيزول فورّا.. شيري استيقظي))
وكانت هزّات سهر الرقيقة هي ما جعلت شيرين تفيق من نومها بشهقة قوية وتعتدل فجأة جالسة.. فرفعت سهر منديلًا إليها تمسح عنها قطرات العرق الذي يتصبب عن جبينها متسائلة بهمس
((هل أنتِ مريضة يا شيري؟))
أجابتها شيرين من بين لهاثها القوي بينما تريح جسدها على ظهر السرير
((لا تقلقي أنا بخير))
تلفتت للظلام النسبي حولها إلا من إضاءة خافتة لتعي أنها كانت نائمة في غرفة سهر.. كما تفعل منذ شهر بعد إنهائها عقد إيجار منزلها..
أغمضت عينيها وهي تكرر بينها وبين نفسها بأن ما كانت تعيشه قبل دقائق هو مجرد كابوس.. ثم مسحت وجهها بيديها تأخذ نفسًا عميقًا محاولة أن تسترخي..
هل عاد ذلك الكابوس لديها من جديد بسبب عودة تواصل وليد معها؟ ولكن ألا يُفترض أنها سبق وتعالجت وتعافت وصار ما فعله بها مجرد ذكرى سيئة من الماضي رغم نتائجها التي تأكلها وتحرقها حتى هذه اللحظة؟
وكأن سهر شعرت بما تفكير صديقتها غارق فسألتها وهي تربت على شعرها الطويل الأسود
((هل كنتِ تحلمين بشيء يتعلق بوليد بسبب تواصله معكِ مؤخرًا؟))
أومأت شيرين لها ثم قالت بصوتٍ مضطرب متألم
((نعم، لقد تبرع ذلك الوضيع وليد ليكون محامي الطرف الآخر، ومجانًا، فعادوا لرفع قضية أخرى عليّ بشأن حادث ابنهم))
شتمت سهر وليد بغل بصوتٍ خافت فقد كانت أكثر من شهد على ما فعله بها في عدة مواقف متفرقة في الماضي.. إنه لا يتركها بحالها..
ازدردت شيرين ريقها لتتابع بصوتها المنهك
((بعد حادث السيارة الذي حصل قبل ثلاث سنوات صارت حالة الطفل الذي اصطدمت به عادية ولم يعد يحتاج للعلاج.. خسر أهله أخر قضية رفعوها ضدي فلم تكن التقارير الطبية التي يمتلكونها مهمة أو تثبت كلامهم.. ولكن بفضل ذاك المحامي الماكر وليد عادوا مجددًا لرفعها))
قالت سهر بنبرة ملأتها بكل ما تستطيع من احتقار
((أناس دنيئين وبلا ضمير، لا أصدق كيف لحب المال أن يجعل الإنسان يصر على ادعاء الإصابة))
إحساس بالقهر ملأ روح شيرين وهي تغمغم
((معكِ حق فما يقومون به هو استغلال غير طبيعي وتكسب غير منطقي، حتى الوقود يطلبون مني دفع ثمنه مبالغًا وأضعافًا في كل مرة يذهبون للمشفى بالسيارة))
أخذت شيرين نفسًا طويلًا لعلها تهدئ ما يعتمل في صدرها من إحساس بالظلم لتردف
((لا أقول ذلك لأن الأمر متعلق بي ولكن أنا وأبي رحمه الله لم نقصر تجاه الطفل الذي صدمته.. ذهبنا به للمشفى وذهبت لأثبت راضية مرضية حق الطفل ودون تحقيق بأسباب الحادث رغم أنه من رمى بنفسه عليّ))
بحزن عادت ذاكرت شيرين لتلك الليلة قبل ثلاث سنوات..
عندما كانت تقود سيارتها في وقت متأخر عائدة هي ووالدها إلى المنزل.. فكانت تقود مسرعة لخلو الشارع من السيارات قبل أن يظهر أمامها ودون سابق انتظار طفل صغير.. وكأنه كان ينتظرها..
كان الحادث بسيطًا فقد حاولت بكل طاقتها وسيطرتها أن تتفاداه قدر الإمكان.. لكن لأنها ووالدها لم يجدا حولهم إلا الجبال والتلال على جانبي الطريق فقد كانت منطقة غير مأهولة.. حملا الصبي وذهبا به لأقرب مستشفى.. وقام فريق الطوارئ بإسعاف إصابته التي لم تتجاوز إلا بعض الرضوض.. ثم أخبرهم الصبي عن مكان بيته وقام والدها في الاتصال بعائلته الذين أخرجوه مع تقرير للطبيب يفيد بلزوم زيارة الطفل لاحقًا للمستشفى لمزيد من الاطمئنان..
ومن هنا بدأت تفاصيل مأساتها التي لا تزال تعيشها حتى الآن.. وبدأت تفاصيل العلاج وحكاية استنزافها من جديد..
فالعائلة لم تقبل أن يكمل ولدها علاجه إلا بأفضل المشافي الخاصة وباهظة الثمن.. وفي جلسات المحكمة التي لا نهاية لها يلزمونها في كل جلسة بدفع التقارير والفحوصات المخصصة للصبي..
شعرت سهر بصديقتها تصارع بين أحاسيس مختلطة باليأس والإنهاك والقهر.. فقالت له مبتسمة بتعاطف
((صدقيني ستكون الأمور أفضل مستقبلًا))
إلا أن شيرين أومأت برأسها قائلة بصوتٍ يقطر همًا وبؤسًا
((ما أعانيه ليس سهلًا يا سهر، فأنا موظفة كما تعلمين وكل يوم أغيب فيه عن عملي أتعرض للحسم من راتبي.. منذ ثلاث سنوات والقضايا التي يتم رفعها عليّ من قبلهم واستمرارهم بزيارة المشافي والأطباء بلا داعي يلتهم معظم راتبي.. إنهم يستنزفوني ماديًا ومعنويًا بلا رحمة))
اعتدلت سهر واقفة لتقول بهدوء يكتنف صوتها
((سأذهب لأعد كوبين من الشاي الدافئ حتى يزول الأرق وتستطيعي النوم لعملك في الغد.. فلا يصح أن تتأخري عليه بعد الترقية التي حصلتي عليها يا شيري))
ابتسمت شيرين لكلام صديقتها بينما تراها تغادر الغرفة..
في حين ذهبت سهر للمطبخ.. أشعلت الإضاءة ثم الموقد وبدأت بإعداد الشاي قبل أن تشعر بصوت خطوات من خلفها وتشهق مكانها بفزع هاتفة
((أمــــــــــي.. ماذا تفعلين؟))
كتفت تمارا والدة سهر ذراعيها التي كانت ترتدي مئزرًا حريرًا مخصصّا للنوم ثم قالت بينما ترمق ابنتها بوجوم
((عمّا كنتما تتحدثان أنتِ وشيرين؟))
أشاحت سهر بوجهها جانبًا تتنهد بانزعاج ثم عادت تنظر لأمها قائلة بعتاب
((أمــــــــــــي.. هل كنتِ تسترقين السمع علينا؟ هل يصح أن يخرج هذا التصرف من سيدة مجتمع راقية مثلك؟))
كان آخر كلام سهر متهكمًا فعقدت تمارا حاجبيها تقول بامتعاض
((أنا لم أكن أتنصت.. كنت أريد طرق الباب المفتوح عليكما عندما مررت على غرفتك وشعرت بأنكما لا زلتما مستيقظتان.. وصدفة سمعت حديث شيرين.. هل تعاني ضائقة مالية؟))
أعادت سهر شعرها للخف وعادت تكمل صنع الشاي وهي تقول لأمها
((لا يا أمي.. كانت فقط تتكلم عن حادثة الاصطدام بالطفل التي حصلت قبل عدة سنوات))
رفعت تمارا إحدى حاجبيها تقول مستفسرة بلا مواربة
((هل كانت تقصد أن تطلب منكِ مثلًا قرضًا أو ما شبه فهي تملك فكرة واضحة عن ثروة والدك؟ ألا يكفي بأننا نأويها في منزلنا..))
استدارت سهر باقتضاب نحو أمها قائلة
((إلى ماذا تلمحين يا أمي؟ هل سبق وطلبت شرين مني مالًا طوال سنوات صداقتنا لتطلب الآن؟))
نظرات سهر المقتضبة المصوبة نحو أمها كانت تحذرها حتى من الظن السيء بشيرين.. إلا أن تمارا تجاهلتها وهي تجيب بشيء من الامتعاض
((لا ولكن لم يبقَ لها أحد يساعدها ماديًا أو معنويًا غيرك))
عقبت سهر بتقرير
((أمي إنها لا تحتاج أحدًا.. فالراتب الذي تتقاضاه من عملها وخاصة بعد ترقّيها يغنيها عن منية إنسان.. هي قررت أن تنهي عقد إيجار منزلها والمكوث عندنا لأنها تخاف الوحدة والبقاء بمفردها فيه منذ وفاة والدها))
ثم تخصرت يدي سهر وهي تكمل مردفه بحزم
((ثم وماذا لو احتاجت مالًا؟ كل ما املكه هو فداءً لها))
عوجت تمارا فاهها ثم قالت
((أرأيتِ يا سهر كيف يسهل استغلالك من قبل الأشخاص الذين يحاوطونك؟))
أطفأت سهر الموقد بعد غليان الشاي ثم ضيّقت عينيها وهي تصحح لأمها
((أمي بل هي من يتم استغلالها من طرفي.. فهل كنت أجد في الماضي غيرها من يأويني في بيتهم ويطعمني ويشربني بدون أن يتذمر عندما تطرديني من البيت؟))
وقبل أن تخرج سهر من المطبخ هرولت شيرين إلى غرفة النوم بخفة على رؤوس أصابعها حتى لا يشعر أحد بها..
أغلقت الباب خلفها وعادت لتتمدد فوق سريرها..
ما سمعته قبل قليل من والدة سهر التي تعرف أنها لم تحبها يومًا جعلها تشعر بالكآبة تتسلل لداخلها أكثر مما سبق..
خاصة وأن الحقيقة هي أنها قررت أن تنهي عقد إيجار بيتها وتعيش في منزل عائلة سهر حتى توفر من مرتبها قدر الإمكان بعد نفاد مدخراتها لمواجهة الأيام المقبلة.. فمع عودة وليد لحياتها لن يكون أبدًا سهل ما ينتظرها..
أرجعت راسها للخلف وهي تأخذ نفسًا عميقًا.. مرهقة هي بكل ما لتلك الكلمة العميقة من معنى.. مرهقة من جبروت رجل سبق ودمر حياتها في الماضي ولا يمل بين حين وآخر أن يظهر مجددًا ليمتع نفسه في إذلالها.. بالرغم من بقايا حب غابر بداخلها له كلما تواجهت معه..
أنتشلها صوت سهر التي فتحت الباب ودلفت للداخل من جب أفكارها وهي تقول متسائلة
((لم تنامي بعد يا شيرين؟))
أخذت شيرين كوب الشاي منها بامتنان هادرة
((بدأ النعاس يسيطر عليّ الحقيقة..))
ارتشفت من الكوب الذي تمسكه قليلًا قبل أن تستطرد
((ما رأيك أن تزوريني في عملي غدًا أو بعد الغد لتلقي نظرة على مكتبي الذي تم نقله للقسم في المبنى الجديد الذي سأكون مشرفة عليه؟))
صدر صوت وصول رسالة لهاتف سهر فأمسكته بلهفة تقرأ ما وصل لها وقد رسم على وجهها ابتسامة حالمة.. بدأت سهر تضغط فوق شاشة الهاتف على أناملها ترد عليها بينما تجيب شيرين بغير انتباه أو تركيز
((حسنًا سأرى.. ربما سأذهب صباحًا لكِ في زيارة قصيرة.. فأنا اتفقت في الغد أن ألتقي بقصي في النادي مع والديّ))
كتّفت شيرين يدها وقالت وهي تزم شفتيها
((لا اقصد أن أبدو غيورة وأعرف أن خطيبك ثري لكن ألا يبدو أحيانًا أن لا عمل له إلا ملاقاتك والحديث معكِ؟ كيف يجد وقتًا لإدارة شركته وهو يبقى على تواصل تام معكِ.. إنه حتى يرافق عائلتكِ عند السفر للخارج لأيام طويلة))
رفعت سهر وجهها متغضنة الملامح لها ثم أجابت مدافعة عنه
((يعرف كيف ينظم وقته ويهتم بعمله وبي في نفس الوقت.. لا أفهم لماذا تستغربين أفعاله وأنتِ حتى لم تتعاملي معه أو تريه إلا مرات شحيحة!))
أنهت شيرين تجرع آخر ما تبقى في كوبها ووضعته فوق المنضدة الملاصقة لسريرها وقالت وهي تدفن نفسها تحت الغطاء
((لا استغرب أفعاله بل أفعالك أنتِ.. متى ستتزوجان على كل حال يا سهر؟))
قلبت سهر عينيها وهي تقول بضجر
((يا إلهي كم أكره هذا السؤال.. ألا يكفي تساؤلات أمي التي تقرع فيها رأس قصي لتعجيل موعد زفافنا! والآن أنتِ!))
هدرت لها شيرين بجدية
((أمك محقة.. أنتما مخطوبان منذ سنتين.. وكلاكما في الثانية والثلاثين.. فماذا تنتظران أكثر؟))
زفرت سهر نفسًا حانقًا وهي تغلق هاتفها ثم تدخل جسدها تحت غطائها قائلة باعتراض
((لا أمي ليست محقة.. فقد سبق ووضح قصي لها ولأبي عندما خطبني بأنه لن يقدر على الزواج بي مباشرة.. فجل وقته وماله يستثمره في عمله في شركة عائلته، وهو حتى الآن ليس جاهز للزواج على شروط وطلبات أمي الباهظة من حفل أسطوري وفيلا ضخمة))
عقدت شيرين حاجبيها وهي تسألها
((ماذا قلتِ لي اسم شركته تلك وكيف يديرها من هنا إذا كان مقرها في الخارج؟))
ظهر التيه على وجه سهر وتغضنت ملامحها الناعمة لتقول بتردد
((إنها شركة إلكترونيات.. مممم بصراحة أظل أنسى اسمها لأنه عبارة عن رموز.. أما عن طريقة إدارته للشركة فما أدراني))
كانت ملامح وجه شيرين جامدة وهي تقول بنبرة جادة أقرب لتوعيها
((مخطوبة لقصي منذ سنتين ولا تدرين تلك الأمور البديهية؟ ألم يحاول أبيكِ سؤاله من قبل عن عمله وما شابه بهذه الأمور؟))
أجابت سهر بصوتٍ خافت
((بالطبع يسأله وقصي يجيبه.. ولكن لا اصغي أنا لهذا النوع من الأحاديث))
ظهر الاستهجان على ملامح شيرين وهي تقول لها بوجوم
((إذن ماذا تفعلان طوال فترة لقاؤكما؟ أنتِ لا تفعلين شيء في حياتك إلا الخروج معه! وإذا ما عدتِ للبيت تضلين تتحدثين معه صوتًا وصورةً على الهاتف.. فبماذا تتحدثان إذن؟))
حركة خفيفة من رأس سهر وصمتها جعل شيرين تفهم لتسترسل بصوتٍ دافئ وعينين تفضيان بالاهتمام الصادق
((أنا لا أهتم إذا ما فكرتي بأني غيورة منكِ لأني لا أملك ما تملكين رغم تقارب أعمارنا.. لكن هذا لا يعني ألا أحاول أن أنصحك.. عليكِ أن تكوني يا سهر أكثر من واجهة جميل بالنسبة لخطيبك قصي.. حاولي أن تكون إنسانة مثقفة وتحدثا سويًا عن مستقبلكما معًا والعائلة التي تنويان إنشائها وعمله ومواعيده.. بدلًا من تضييع كل وقتكما بالتسلية والسفر))
تحرك حلق سهر وهي تهمس بصوتٍ لا يكاد يُسمع وهي تتمدد على سريرها بغية إنهاء الحديث ((حسنًا يا شيري))
شعرت شيرين بأنها ضايقت صديقتها بلا داعي.. رغم أنها لم ترد إلا مصلحتها وإدخال كلام والدتها الذي لا تصغي إليه لرأسها.. فتمتمت بخفوت
((طابت ليلتك))
ردت سهر عليها بينما أطفأت شيرين ضوء المصباح الخافت بجانبها فوق المنضدة..
لينتشر الظلام في أرجاء الغرفة في حين تنهدت سهر بضيق ووضعت رأسها فوق وسادتها.. تعلقت عينيها بالسقف لدقائق وعقلها لا يفكر إلا بآخر ما قالته شيرين عن زواجها هي وقصي.. لربما هي محقة.. عليها التحدث معه في هذا الأمر وتعجيل الزواج..
=============================
لا تنسو التصويت يا قمرات
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!