لا تنسو التصويت ❤️❤️
دلفت نجوم للمطبخ لتسارع منال بأخذ يدها وسؤالها بفضول
((ماذا حدث بين مَازن وزوجته؟ شجار كالعادة؟ يبدو أنهما سيتطلقان قريبا))
أومأت لها نجوم لتشرد عينا منال بتفكير لبرهة ثم تناظر ابنتها بمقت وتقول
((بالنسبة لابن أختي فقد تحدثتُ معه هاتفيا لأجده أحقرَ ممَّا كنت أتصور، لقد افتخر أمامي أنَّه حفظ كلَّ شامة في جَسَدك، وأنَّه سيشعر بالقرَف منك لو تزوجك بعدما اعتدى عليك، بالطبع هددّته بأني قد أفضحه لو لم يستر عليك لكنه رفض ساخرًا من تهديدي بل والأنكى أخبرني عن استحالة فسخ خطبته بخطيبته البريئة والمحترمة والتي ليس لها أي تجارب سابِقة فهناك شرارةُ حب بَينهما وهو لا يتسلى بها؛ فإذا ما حصل شيء من قبلنا وأفْسد زواجه بها أو جعل أحد أفراد عائلتها يعرفون سيدمرنا!))
تجلى العذاب على ملامح نجوم وقالت بحسرة تندب حظّها
((هل رأيت يا أمي ظُلمًا أكثرَ مِن هذا؟ هل رأيتِ ذلًا أكبر مِن هذا الذلِّ؟ لماذا أنا من أتعرض لكل هذا؟ لقد حطمني.. انتهكني.. سلبني أغلى ما أملك، لن أستطيع الزواج بعد الآن))
لكزتها منال بقوة آلمتها وهي تقول بوحشية
((اسكتي.. سأدبر نقودا لتقومي بعملية تعيدك فتاة كما كنتي.. أفهمتِ؟))
انهارت نجوم على إحدى كراسي المطبخ وغمرت وجهها بيديها هادرة
((حتى لو قمت بهذه العملية وعدت كما أنا سأبقى محطَّمة وهو سيمضي في حياته دون أن ينسَ جسدي وما كان بي! سأعيش دائمًا هاجس الفَضيحة وسأتخيَّل أمورًا كثيرة مُمكن أن تحدث في المستقبل.. ماذا لو فضحني أمامَ عائلتك! ماذا لو غضب منِّي إنِ ارتبطتُ وفضحني أمام زوجي وعيَّره بما كان بيننا ولو دون وعي منه؟ ماذا لو صارح أمه أو أختَه أو خطيبته وتَطوَّر الأمر وفُضحت أنا؟))
انزعجت ملامح منال بقلق لكنها استنكرت
((يفضحك! مستحيل لن يقدر، ليس هناك مُغتصب يمكن أن يفضح نفسه))
رفعت نجوم وجهها قائلة بحرقة
((سيقول بأني انجررت له بمليء إرادتي، ولن يهتم برابطة الدم بيننا أبدًا.. أساسا أنا أتذكَّر أنه عندما تشاجَر مع أمِّه أخذ يتحدَّث عنها بالسوءِ أمامي وأخَذ يفضح كل أفعالها السيِّئة في لحظةِ غضَب فإن كان استطاع أن يتحدث هكذا عن أمه فماذا سيردعه مِن أن يتحدث هكذا عني؟ كما أنه يحب أن يتفاخَر كثيرًا بعَلاقاته النسائيَّة.. ألن يتفاخَر بعلاقته معي أمامَ خطيبته ويروي لها كل التفاصيل كما كان يَروي لي تفاصيلَه السابقة؟))
هنا رفعت منال كفيها المرتجفين تمسح بهما وجهها الشاحب.. هل يمكن أن يفعل ابن أختها الحقير ذلك؟
رغمًا عنها بدأ القلق يتحول إلى رعبٍ مجنون وعندها توجهت بلهفة لابنتها تمسك يديها تبوح لها بتلك الفكرة الشيطانية التي خطرت لها منذ مدة كحل ثاني
((نجوم عندي حل آخر، هل تعرفين كيف تزوجت ياسمين من مَازن؟))
كسى الاستغراب وجه نجوم لا تفهم ما ترمي له والدتها التي أكملت
((لقد أتهمته بأنه اعتدى عليها))
جحظت عينا نجوم وهتفت على الفور خاصة وأن لأمها سوابق كثيرة بالافتراء على الناس
((مستحيل، لا أصدق))
شددًّت منال بقوة على يديّ ابنتها التي تمسكهما وهي تقول بصوتٍ مقيت
((بل صدقي، سمعت بأذني الحاج والحاجة يتحدثون بهذا الموضوع، بل وأكد الحاج على زوجته أنه لم يحدث أي علاقة بينهما قبل الزواج وأن مَازن لم يلمسها، ونظرا لطريقة زواجهما المفاجئة والمريبة فلا شيء يفسره إلا أن ياسمين أتهمته باتهام مُشين لتجبره على الزواج منها رغم براءته))
بهُت وجه نجوم وهي تردد
((هل تريدين مني أن أتهم مَازن؟))
رفعت منال يدا تضرب كتف ابنتها بقوة وهي تهمس لها
((لا أقول اتهميه ولكن أغريه بالمكر والخداع حتى يتزوجك))
عادت الدموع تتجمع في عيني نجوم رافضة
((أمي لن أستطيع فعل هذا بمَازن، لن أستطيع الزواج منه في هكذا طريقة))
تفاقم الغضب الذي انتاب منال ورددت
((وماذا لو كان هو راغبا؟ أنا أرى انجذاب يكّنه نحوك وإيّاك أن تنكري ذلك))
رفضت نجوم بعذاب
((لن أوافق حتى لو كان هو الرّاغب، فكيف سأغفِر لنفسي أنَّه لم يكن أول من لمسني؟ كيف سأجعله أضحوكةً لابن خالتي إذا ما افتخر يومًا أمامه بأنه يثق بي ثِقة عمياءَ؟ سأشفق عليه مِن نظرات ابن خالتي وتفكيره))
قالت منال وهي تكاد تقتل نفسها من بلاهة ابنتها
((أيتها الغبية دعينا نفكر كيف نجعل مَازن يتزوجك ثم سنفكر بنظرات ابن خالتك له))
استبد القلق في هذه اللحظة على نحو مبهم بنجوم لتهز رأسها نافية وتقول بهذيان
((كم أتمنى لو أن الانتحار ليس حرامًا! كم أتمنى الموت! كل أحلامي بزوجٍ حنون وأطفال وبيت دافئ تلاشَت! لكن لن أفعل ما تريدينه.. لن أفعل.. لن افعل..))
=============================
في نفس الوقت..
وبعد أن ذهب حماتها وحماها لرؤية مَازن وزوجته غادرت سمية ومَالك الغرفة إلى غرفة يزيد..
همس الصغير متثائب يسترخي جسده بين ذراعي أمه، فاستلقت بجواره تهدهد له تهويدة النوم وتداعب شعره المموج الأسود حتى نام.. فأخذت تحدق في وجهه الحبيب.. النسخة المصغرة من مَالك.. ثم تمتمت بهمس مختنق
((سامحني يا صغيري، لم أرد أن أخفي وجودك عن عائلتك، ومعاملتهم لك كالغريب عنهم كان يقتلني، لكن أنا فقط كنت أفعل ما أظنه لن يحرمني من وجودي في حياتك وأثناء ذلك حاولت وبذلت أقصى جهدي لأعوضك، في النهاية ورغم كل شيء أتمنى أن تسامحني يوما وتتفهم ما فعلته))
عند هذه النقطة أجهشت سمية بالبكاء.. فماذا سيفيد يزيد اعتذارها الباهت بعد كل ما عاناه قبل أن تستطيع هي ومَالك الزواج اليوم!
تململ يزيد في سريره فسارعت تكتم صوتها وتمسح خديها وهي تتمَالك نفسها وتستعيد رباط جأشها قبل أن يغرق ابنها في سباته مرة أخرى..
ملأت عينيها بتقاطيعه عبر إنارة الغرفة الخافتة لمرة أخيرة قبل أن تهمس بشجن
((نومًا هنيئًا يا حبيبي))
نظر مَالك الواقف عند عتبه الباب لها تجلس على طرف السرير وكل ما فيه سعيد لأنه أخيرًا سيستطيع مشاركتها كل أحمالها ومتاعبها وتربية يزيد علانية كما كان يجدر به أن يفعل من البداية.. ثم همس لها بحذر وهدوء خوفا من استيقاظ يزيد
((هل خلد للنوم؟ هيا بنا إلى غرفتي))
ابتسمت سمية له قبل أن تدثر يزيد جيدا ومن ثم تذهب لغرفة أولاد عمه فهد وباسم لتطمئن أنهما نائمان.. فرتيل لم تعد من زيارة عائلتها بعد رغم طول مدتها ومن واجبها أن تهتم بهما كما كانت تفعل هي مع يزيد..
.
.
في غرفة مَالك..
سلم مَالك عن يمينه ثم يساره ينهي صلاة ركعتين ومن خلفه سمية ليبارك لهما الله هذا الزواج..
خلعت سمية ثوب الصلاة عنها بينما تتطلع لمَالك بحب متدفق.. لهذا الذي أهداها حبه.. قلبه.. عقله وفكره.. جعلها المرتبة الأولى في حياته.. في منزلة لم يصلها سواها..
انتبهت له يخلع قميصه ويرميه أرضا لتبرز عضلات صدره بينما يتمتم بصوت خشن مصرحا بأفكاره
((أخيرًا أنا وأنتِ تحت سقف غرفة واحدة مغلقة علينا))
نكست سمية رأسها فوقف مَالك أمامها قبل أن يلامس ذقنها بأصابعه ويرفعها.. ثم يهدر بعاطفة
((من الآن فصاعدًا لا تصعبي الأمور عليّ.. أمسكي بيدي وكوني معي.. عانقيني واهنئي بحبي لأهنأ في المقابل بحبك.. لا تجعلي أيَّ همّ يسيطر عليك فأنتِ أقوى من ذلك.. وأنا أملي بك كبير))
رسمت ابتسامة تبث فيها وعدها له قبل أن تسأله
((هل أنتَ سعيد حقا؟))
طوقها حتى أصبحت بين ذراعيه ثم حملها بينما تشهق عاليا بدهشة.. ليقول بعنف عاطفته التي توقّدت به على نحو كبير
((كيف لا أكون سعيدا وقد سقطت النجمة التي لطالما أحببتها في حجري وعرف العالم كله أنها باتت ملكي!))
ضحكت سمية بخفوت وهي تحيط رقبته بيديها ولا تزال بين يديه.. شاعرة بأنها تريده أن يضمها طويلا.. تريد تلك العواطف الأثيرة التي يضرمها فيها.. في أن يحتل روحها ويصهرها في روحه.. فما ألذه من شعور أن تكون في حماية رجل حقيقي تستند عليه..
توجه بها نحو السرير ليضعها فوقه بهدوء..
تأوه بصوت شديد الخشونة وهو يغمر وجهه فيها مجنونا منهارا بذاك الشعور الذي سكنه وراوده لسنوات..
هي حقا هنا.. بين يديه.. له.. به.. منه.. إليه..
قُرع الباب في هذه اللحظة فرفع مَالك وجهه بلهاث متقطع يحدق فيها بنظرة شعت بالوله والعشق.. كاد قلبها أن يشق صدرها لتعانق نظراتهما لكنها تمتمت بصوتٍ واهن
((الباب يا مَالك))
أَمَال جبينه لجبينها ليهمس بأنفاس تتسارع على نحو جنوني
((دعك من الطارق سيمل ويذهب.. رائحتك جميلة جدًّا..))
شعرت بالإطراء لكنها عادت تتوسل له هامسة
((هناك من يطرق الباب بإلحاح قد يكون أمر مهم))
عاد يغمر وجهه في شعرها هادرا
((لا شيء مهم بالنسبة لي في هذه اللحظة سواكِ))
استمرت طرقات الباب عاليا، وتواصلت توسلاتها التي تذيب قلبه فرفع مَالك وجهه يوقف سيل عاطفته ثم يغمغم بضيق استبد به
((سأذهب لأرى هذا الشخص المزعج))
بمجرد أن ابتعد حتى اعتدلت سمية واقفة وهمست على استحياء
((سأذهب للحمام ولن أتأخر ريثما تجيب الطارق))
اشتد وهج عينيه ضراوة لمرآها تفر من أمامه.. ثم استدار للباب يقول باستياء
((حسنا ها أنا قادم.. من هادم اللذات هذا.. أمي!))
اتسعت عينا مَالك بحرج وخجل بمجرد أن فتح الباب ليردف باعتذار
((مرحبا يا أمي.. أعني.. أنا آسف.. لم أعرف))
.
.
تجّلت علامات الضيق على سمية عندما تناهى إلى سمعها صوت والدة مَالك.. كان عليها أن تصر أكثر أن يفتح الباب عند أول الطرقات..
حاولت تجاهل ما حدث وأسرعت نحو الحقائب التي جهزتها وبدأت تبحث عن الثوب الحريري، بلونه النبيذي الذي تتداخل عبره لمعة ذهبية براقة..
تريد حقا أن تعوضه قليلا عن سنوات انفصالهم المليئة بالرفض والحرمان..
صففت شعرها وتركته مُنسدلا، فيما وضعت مشبكا صغيرا لامعا عليه.. ولم تنسَ وضع زينة خفيفة بعد أن تزينت ببعض الحُلي الذهبي العصري والرقيق الذي كانت تدخر ثمنه بأجرتها من عملها..
أخذت وقتها كاملا في الداخل وهي تعد نفسها ومَالك تركها على راحتها حتى تستعد جيدا..
وبمجرد أن خرجت حتى استنشقت رائحة فطائر شهية وطعام ساخن.. اقتربت من المنضدة التي كان عليها أشهى أصناف الطعام والحلوى.. وهنا رفع مَالك عينيه نحوها لتتجلى بوضوح الدّهشة عليه..
شعرت بنظراته المعجبة تتفحصها.. كمن كان ممتنا على تجملها له.. فتحررت من هواجسها السلبية التي تشعرها بأنها أقل منه ولا تناسبه.. لقد أشعرها براحة متناهية.. وشحذ همتها للتواصل معه بثقة وحرية.. فسألته وهي تدنو منه
((هل أمك من أحضرته؟))
استمر مَالك في التحديق بها دون أن يركز فيما قالت قبل أن يهز رأسها يقلل من تأثيرها ويجيب
((نعم لقد جلبته أمي، هل نأكل الآن؟))
ابتسمت له مجيبة بنعومة
((كما تحب وترغب))
حدق فيها لثوانٍ أخرى بلهاث لا يظهر كأنه يستوعب ما يراه ثم أزاح خصلاتها الداكنة الكثيفة خلف أذنها وهمس يداعبها
((أنا أحبك أنتِ وأرغب بك أنتِ))
بصعوبة كتمت ضحكة خافتة منها بينما يجتذبها منه ليطعمها فامتنعت برقة
((لا بأس يا مَالك سآكل بنفسي))
قبض على يدها يمنها من الرفض وقرب الشوكة لها هادرا بصوتِ أجش
((أنتِ الليلة عروس ومن واجبي أن أطعمك بنفسي))
لمعت عيناها وتحولت ابتسامتها لتجاوب شغوف.. انتظرها حتى انتهت لقمتها الأولى فأطعمها أخرى مضختها بهدوء مما جعله يقول بتملق مبتسمًا
((أمي من تكّبدت بصنع كل هذه الأطعمة مع منال، لذا حتى لو لم تظهر القبول في حديثها معك لكنها بالتأكيد تودّك))
ابتلعت اللقمة لتقول هربًا من مغازلة عينيه اللطيفة
((نعم أشعر أنها تقبلتني، لطالما كنت أنتَ وتوأمك المفضلان عند أمك، إنها تتوقع مني الآن أن أدللك كما كانت تفعل هي))
قضم مَالك قطعة من مقرمشات مملحة وعقب وعينيه تحتويها بحنان
((لا الوضع الآن مختلف بعد أن تزوجتك فقد كبرتُ على التدليل وحان الوقت لأضع على عاتقي مهمة تدليلك))
ثم أردف بصراحة
((كنت أريد حقا تجهيز نفسي جيدا لهذه الليلة لكن كل شيء حصل بشكل مفاجئ ولا أشعر بالرضا من رؤية أنك الوحيدة من تبذلين جهدًا لي))
ابتسمت بامتنان له وشردت بعينيها قليلا ليتذمر وهو يدس لقمه كبيرة في فمها
((كلي جيدا يا سمية.. هل أنتِ محرجة مني؟))
مضغت اللقمة وقالت قبل أن يحشر لقمة أخرى بفمها
((هذه هي طبيعة أكلي يا مَالك فتوقف))
أصرّ على أن يملأ فمها بلقيمات كبيرة كمن هو في مهمة جديّة قائلا
((هيا تغذي جيدا..))
أجابت بصوتٍ مكتوم وبالكاد يخرج مفهوما
((أنا أفعل ألا ترى! لكني شبعت فيكفي))
عقب وهو يعد لقمة أخرى لها
((أكلك ليس جيدا.. هناك الكثير من المجهود الذي عليك فعله بعد قليل))
صمتت وقد لف الخجل من كلماته ملامحها المتوردة وبدأت تمضغ لقمة تلو الأخرى.. ما إن تنهي واحدة حتى يزج بالتالية في فمها رغم شبعها التام.. استجدته
((يكفي يا مَالك.. أرجوك.. أقسم لك لم يعد هناك مساحة في معدتي))
تجاهلها كأنه أصم لا يسمع واستمر في حشوها بالطعام فتابعت وهي تمضغ
((أرجوكَ يكفي.. لقد شعبت))
لم تجد هنا نفسها إلا أن تنسل منه مبتعدة وتقول بفمها الممتلئ بالطعام بعد أن فقدت أي قدرة لها على تناول المزيد
((أشعر بالتخمة يكفي، كل أنتَ شيئا، ألست جائعا؟))
بل تغزو جسده الصلب آلام مبرحة من جوعه الوحشي.. جوعه لها هي.. كل ما فيه يلتهب ويثور اشتهاء لعبقها.. للسفر في سواد شعرها.. والغرق فيه.. فنظر لها كنسر يتأهب للانقضاض على فريسته.. ثم هدر بصوتٍ خطير متلاعب
((هل أفهم من كلامك أنك أصبحت مستعدة؟))
أنهت مضغ ما بفمها وتذمرت بمرح
((وهل أنا فرخة تقوم بحشوها استعداد لطهوها والتهامها!))
لفّ ذراعيه حول خصرها لتفلت منها شهقة ثم رفع جسدها للأعلى ليجعل وجهها بمستوى وجهه.. فتقول وقد غلبها انكماش فطري
((مَالك أرجوك على مهلك حتى لا تمزق الثوب))
ابتسم بحرارة وعيناه تتوحشان بالتوق المستعر هامسا
((سأمزقك أنتِ شخصيا فلا تبالي بالثوب))
حركها نحو السرير ثم أوقعها معه فوقه وهو يأسر شفتيها بعنف.. وبلحظة التقت عينهما بتواصل بصري..
نظراته لها بالرغبة المتقدة تُعلمها أنه ليس كمَالك في الماضي الذي أسرها بلطفه وحنوه ومراعاته..
أما نظراتها له تفضح خوفها الفطري من القادم الوشيك بينهما.. وكأنها تتوسل له الرفق معها..
فحثّ نفسه أن يكون بغاية الذوق والتفهم معها، وأن يعاملها كأنها لم يسبق وأن حظيت بأي تجربة قبلا معه..
ولكنه في لحظات متفرقة لم يتمَالك نفسه تماما وقد كانت سنوات طوال عجاف قبل أن يحظى بهذا القرب منها مجددا!
.
.
بعد ساعات.. في ظلام الغرفة الدامس..
اعتصر مَالك بعنف جسدها متنعما بقربها..
سمية.. صديقته.. حبيبته.. زوجته السابقة.. والحالية.. حلم مراهقته وشبابه اليافع.. أصبحت له.. قلبا وروحا وجسدا.. أما هي شعرت بجسدها يتحطم تحطما على أضلاعه فهمست باسمه متأوهة قبل أن تغمغم بوهن وبصوت ناعس
((مَالك.. أريد أن أنام فأنا منهكة.. للغاية))
أصدر ضحكة خافتة خشنة على كلامها.. لا يلومها فلم يكن معها الليلة طيبا كليا.. أغرقها بقبلات رقيقة كأنه اعتذار خجول عن قسوته معها.. ثم ابتسم بحرارة تنضح منه ليهمس بحميمية
((أعتذر لك، لكن عليك أن تعتادي على هذا قبل أن أنتقل للمستوى التالي في الأيام القادمة))
تساءلت بتعثر
((ماذا تقصد بالمستوى التالي؟))
غمغم بصوتٍ رجولي أجش قشعر جلدها
((قبل سنوات كنت أبلهًا لا أفهم شيئا لذلك كنت رقيقا بشكل كبير معك أما الآن الأمور مختلفة.. لقد حان الوقت لاكتشاف المرأة بداخلك ولن أتردد في أن أكون جريئا معك))
احتضنت سمية شفتيها بتخبط.. تذكرت كيف كانا بتلك الأشهر القليلة التي حظيا بها في زواجهم الأول لا يملان من بعضهما ولكن رغم رغبته في الاندفاع بعاطفته معها إلا أن ملامساته كانت خجولة.. مترددة.. منعدمة الخبرة.. فهو كان يستكشف هذا العالم لأول مرة.. ومعها هي.. كان بالمجمل رقيقا وطيبا معها إلى الحد أنها كانت تشعر برغبة لا تنتهي للبكاء.. وكان يتقبل خجلها وترددها بطيبة خاطر.. وبعدما ينتهي كان يضمها إلى صدره ويشعرها بأنها تمثل الدنيا ومن فيها..
لم يكن الأمر مشابه لما حدث قبل قليل حيث كانت الحرارة والعاطفة المتفجرة بينهما..
هل هناك أجرأ من ذلك؟ ماذا تبقى من شيء يمكن أن يوصف بأنه تردد قبل فعله؟
تيقظت من تفكيرها على تأوهاتها وهي تشعر به يعتصرها أكثر وأكثر.. وبدلا من أن تتذمر ابتسمت وفي قلبها يتضخم شعور عارم بالانتماء له.. والمكان الذي يجمعهما به عشها الصغير الذي لطالما حلمت ببنائه بالحب..
=============================
في إحدى الفنادق الفخمة..
خرج قصي من الحمام عاري الصدر حافي القدمين وشعره الرطب يعلن عن حمام بارد لم يطفئ ناره..
من جهة هو مشغول بقضية شيرين التي ليس لها أحد من البشر غيره.. ومن جهة مشغول بأمواله التي قاربت على الانتهاء بعد ما أنفقها على إيجار مكوثه في هذا الفندق وشراء بعض الاحتياجات التي تخصه..
ولن يستطيع طلب المزيد من المال من يوسف التافه حتى لا يتباكى أمامه بمخاوفه من علم عمه عن ذلك!
ضرب قصي الحائط بقبضته قبل أن يعاود الكرة وغضبه لا يهدأ..
عليه في غمرة انشغاله ألا ينسى سهر التي لا تزال تبيت في بيت صديقة غير مقربة لها وتعمل في مطعم شعبي إلى الآن!
عليه أن يذهب لها ويجبرها على ترك ذاك العمل والعيش في بيت عائلتها.. فالأفكار الجنونية تلاحقه دائما عن ذاك المكان الخطر على عملها فيه كامرأة!
لم تكن قد مرت ثلث ساعة حتى وجد نفسه أمام المطعم الذي تعمل فيه سهر ويدلف لداخله!
استغل عدم انتباه أحد ليتسلل للمطبخ بخفة حيث كانت سهر تغسل الأطباق قبل أن تنتفض ملسوعة وهي تستدير للخلف.. فأوصد الباب خلفه متسائلا باستياء ((هل تكرر هذا الأمر؟))
حاولت سهر التقاط أنفاسها وهي تسأله بصدمة
((قصي! لقد أرعبتني! ماذا تفعل هنا؟))
تجاهل ما تقوله ولف غضب غير مألوف وجهه متسائلا
((هل تكرر أمر كهذا؟ هل سبق ودخل عليك هنا في السابق أحد؟ الجنون الذي كنت تقومين به بالماضي وتحدثيني عنه لن يتكرر، إذا كانت عائلتك تسمح لك بالعمل في أماكن كهذه في كل مرة تتشاجرين فيها مع أمك فبعد الزواج مني لن يستمر الأمر هكذا))
جرأته في القدوم إلى هنا والتحدث معها كأنها لم تكتشف شيئا من كذبه المخزي عليها أثار استهجانها!
في هذه اللحظات فقط عرفت بأن أقصى درجات الثورة والاستنكار.. هو البقاء ساكنةً وهي تجيبه بفتور
((قصي أي زواج هذا وأنا أنتظر منك أن ترسل لي ورقة فسخ خطوبتنا! تخاذلي عن متابعة طلب الفسخ لا يعني أنه لن يحدث، بل أنا أنتظر عودة أبي من سفره قبل أن أنشغل بك أيها المحتال، منقب الذهب))
اضطربت ملامحه للنعت الذي وصفته به ثم قال
((حتى لو كنا سنفسخ خطوبتنا فلا يجب عليك أن تظلّي في عملك هنا، إنه مكان شعبي وقد يتحرش بك لفظيا أو جسديا أي من زبائن هذا المكان إذا كان منحلًا))
ابتسامة ساخرة تعقلت بفمها المكتنز الجميل قبل أن تخبره ببرود
((أولا أنا لا أعمل شيئًا في هذا المطعم إلا غسل الصحون وتنظيف المعدات، أي لا مجال لي للاختلاط بأي أحد.. ثانيا لا أرى أي شيء يعيب هذا العمل في هذا المطعم "الشعبي" مثلما لم يكن يعيب عملك الذي كنت تكذب عليّ بشأنه يا منقب الذهب))
عند هذه النقطة شعرت سهر بالغثيان منه.. كيف لا يشعر بالخجل من نفسه بعد أن كشفت حقيقة خداعه! لقد كذب بمنصبه المرموق في شركة عائلته فاحشة الثراء ذات الصيت المعروف.. كذب بالقصور والفلل التي يمتلكونها..
كذب بسفرياته مع أصدقائه وزملاء الدراسة من نفس طبقته الغنية.. كذب بالأناس المهمين والمشاهير الذين قابلهم.. ووصل به الأمر أن يريها صورا تدعم كذب ما يعيشه بل وأحيانا يوفرها لها لتصدق! لو كانت مكانه لدفنت نفسها في الوحل للأبد من شدة الخجل..
تطلعت له مردفه
((أنتَ إنسان مثير للشفقة، لا أصدق كيف أحببتك يوما أكثر من نفسي يا منقب الذهب!))
هنا لم ترتبك ملامحه حرجًا بل على العكس ارتسم على وجهه الاستياء وهو يرد قاطعًا بامتعاض شرس
((أنا لم أكذب ببعض الأمور يا سهر لأني منقب ذهب بل لأني أحببتك ولم تكن هناك طريقة لأحصل عليك سوى بتلفيق تلك الأكاذيب))
جاش صدرها بالغضب وهتفت
((ببعض الأمور فقط؟ أنا أشك أحيانا أن اسمك تكذب عليّ به يا قصي، أغرب أنتَ ووجهك البغيض من أمامي قبل أن أرفع صوتي وأجمع الناس علينا هنا))
رفع حاجبيه يقول بخشونة
((هل انتهي كل شيء بيننا يا باربي؟ ألا تحملين في قلبك شيئًا يشفع لي كذبي!؟))
شدت سهر على كلماتها وهي تقول
((كنت أحمل لكني قذفته بعيدا أيها المحتال، منقب الذهب))
كسا الألم ملامحه وهو ينطق أحب أسماءها على قلبه ((باربي..))
قاطعته صارخة بانفلات أعصاب
((توقف عن دعوتي بباربي، صرت أكره كل لعب الباربي بسببك، حتى أمي تتحسر على عدم زواجي من مراد فهو كان في مرحلة من المراحل يريد الانفصال عن زوجته))
أظلمت عيناه وهو يتساءل بصوتٍ خطير
((مراد؟ هل تقصدين خطيبك السابق؟))
ابتسمت سهر بلا مرح وهي تجيبه
((نعم هو.. فبرغم ثراء عائلته إلا أنه كان شابا معتدلا.. مخلصا لي رغم عدم حبه.. وأنا من ظلمته وهربت من زفافنا وأسأت لسمعته ومن قبلها سمعتي))
أغمض قصي عينيه أمامها وهو يحث نفسه على عدم الانجراف بغضبه وغيرته عليها فهي محقة بكل شيء..
أخذ عدة أنفاس حرقته بدلا من أن تهدئه ثم فتح عينيه يسألها
((هل أنتِ نادمة على هروبك من زفافكما قبل أكثر من عقد مضى؟))
أجابته بنفس الابتسامة التي تستشيط من غضبه
((أنا نادمة فقط على الطريقة التي فعلتها فقد سببت مشاكل له وبالأكثر لي، لكنه سعيد جدًّا مع زوجته ويحبها وهذا ما يشعرني بقليل من الراحة إزاء ما فعلته له، وأنا بالنهاية استحققت السمعة السيئة التي طالتني عند هروبي وأن أُخدع من قبل رجل مثلك))
ازدادت ابتسامة سهر اتساعا وشعرت بقلبها ينتفض برضا إيذائه.. وبرضا الانتقام من مخادع مثير للاشمئزاز بأكاذيبه مثله! ثم قالت ممعنة أكثر بإثارة غيرته
((صحيح أني لا زلت أشعر أنه ونمط حياته كانا غير مناسبين لي، لكن الزواج منه كان ليكون أفضل من حالي الآن لكن لا فائدة من التحسّر))
حدق في عينيها للحظاتٍ طويلة فتلاشت الابتسامة عن شفتيها تدريجيًا حتى اختفت تمامًا وبادلته النظر بتجهم وارتباك.. وخوف وهي تراه يدنو منها حتى وقف أمامها وزمجر بصوت مخيف ويداه ترتفعان لتمسكا رأسها بخشونة
((اصمتي يا سهر))
مال بوجهه منها وأنفاسه تخرج منه كالحمم بينما بدأت أصابعه تتخلل خصلات شعرها الذهبية قائلا
((اقتليني لكن إيّاك أن تحاولي إثارة غيرتي بهذا الشكل))
أظهرت سهر استخفافا به فشد شعرها من الخلف ليرفع وجهها إليه، فصرخت بـه
((أيها الحقير ابتعد من هنا، انطق كلمة الطلاق وافسخ هذه الخطوبة البائسة))
ثم بقوة لا تناسب هيئتها متوحشة الأنوثة والجمال ضربته على ساقه وأبعدته عنها لاهثة..
خيّم الصمت بينهما وهي تنظر إليه بعينين زجاجيتين خاليتين من التعبير ليقول بجفاء وبصوتٍ قاسٍ
((لن أفسخ أي شيء بيننا رغم الحقيقة المُرة التي عرفتها عنك وهي أنك لا تختلفين شيئا عن أمك، لا يهمك في الرجل إلا جيبه وموقعه في مجتمعها الراقي))
نظرت في عينيه مجيبة ببرود
((نعم أنتَ محق هذه هي أنا))
هتف قُصي بحدة وعذاب متفاقم يعتريه
((لا أصدق ما تفعلينه لمجرد معرفتك بأني لست غنيًا!))
ابتسمت مجددا وهي تخبره بتسلية
((بل صدق يا حبيبي واتبع مصلحتك في الانفصال عني بهدوء ولا تدفعني أن أؤذيك كما أذيتني بسرقة ثلاث سنين من عمري بإشباعي في خداعك))
ثم شهقت بافتعال كمن تذكرت شيئا وتشدقت
((قالت شيرين لي أن الموقع الإلكتروني الخاص بالقسم وشركة القاني رفع قضية تعويض عليك فضلا عن موظفين أخرين رفعوا عليك قضية بسبب وظائفهم التي خسروها بسببك.. ألا يجب أن تكون الآن بالسجن؟))
ابتسم لها بتشنج وقال
((لا تقلقي يا باربي الحبيبة الخرقاء فأنا لن أسجن))
رفعت حاجبيها بشك وقالت
((لماذا تبدو واثقا إلى هذا الحد! الشركات التي رفعت قضايا عليك هي شركات كبرى وسترحلك خلف الشمس وتدمر مستقبلك))
كتف ذراعيه وشمخ ذقنه بغرور وكبرياء قائلًا
((لقد تمت تسوية كل هذه القضايا ولن يحدث لي شيء اطمئني))
تجهمت ملامحها وتساءلت
((هل تخدعني؟ لا أصدقك))
هز كتفيه ثم قال بلامبالاة ظاهرية وهو يعرف أن شيرين في الوقت الحالي غير مسموح لها باستقبال أي زيارات
((لا يهمني.. اسألي صديقتك تلك المشرفة المتسلطة لتعرفي بأنه تم تسوية كل القضايا وخرجتُ من المشكلة كما تزال الشعرة من العجين))
تمتمت سهر بوجوم
((ولماذا قد يخرجوك وهم الآن بأمس الحاجة لأحد يصبوا عليه جام غضبهم وحنقهم من الخسارة التي لحقت لفرع شركة القاني الثاني؟))
لم تجد منه إجابة فأردفت ساخرة
((على كل حال شيرين ستحزن جدًّا فقد كانت تدعوا أمامي ليل نهار أن تنال جزائك ويزجوا بك خلف قضبان السجن))
عند هذه الجملة ضيق قصي عينيه بحقد برق رغما عنه وتمتم من بين أسنانه المطبقة
((لو كانت تعرف صديقتك المسكينة بأن دعواتها ستُرد عليها وتزج هي بالسجن لفكرت جيدا قبل أن تدعو بها!))
سألت سهر بحنق
((هل تقول شيئا؟))
تنحنح قصي يجلي صوته وفتح فمه ينوي التحدث قبل أن يفتح الباب بغتة وتظهر امرأة تهتف بهم بشراسة كمن أمسكت بهم متلبسين بفعل شائن
((سهر من هذا الرجل الذي سمحت له بالدخول هنا في المطبخ وأغلقتِ الباب عليكما؟ هذا مطعم محترم ولن أسمح بأي تجاوزات))
ذعرت سهر من سوء ظن مَالكة هذا المطعم الذي تعمل فيه وسارعت توضح موقفها هاتفة بقلق
((أقسم لك يا سيدة فريال أنه خطيبي وليس رجلا غريبا بل وعقدنا قراننا قبل ثلاث سنوات))
حامت فريال بعينيها على قصي تقيم مظهره الرجولي وهدرت وهي تلوك العلكة في فمها
((حسنا الأمر ألطف مما تخيلت، لكن حتى لو كان خطيبك فمن غير المسموح له أن يتواجد هنا.. سأخصم من راتبك بسبب هذا))
أمعن قصي النظر لتلك السيدة الخمسينية المتصابية بملابسها ومساحيق التجميل التي تلطخ وجهها والشامة التي ترسمها على يسار ذقنها المبالغ بحجمها..
شهقت فريال قبل أن تقول
((لحظة! قلت قبل فترة أمامك يا سهر أني أبحث عن موظف ذكر كنادل هنا، فهل جاء هنا للتقدم للوظيفة؟))
تراخت ذراعي قصي وقال متداركا
((تقدم للوظيفة؟ نعم، نعم أنا بحاجة ماسة لوظيفة فأنا أساسا عاطل عن العمل.. اسمي هو قصي سامح))
رمته فريال بنظرة طويلة قبل أن تستدير متجهة نحو مكتبها الصغير
((الحقني يا سيد قصي سامح))
تبعها قصي ثم جلس على كرسي مقابل طاولتها الدائرية الصغيرة وقال يظهر حاجته الملحة
((أريد أن أعمل في هذا المطعم بأي راتب كان، المهم ألا أبقى عاطلا فلا مأوى لديّ))
عقدت سهر حاجبيها عابسة وهي تراه يستجدي عطف فريال وشفقتها عليّه بينما يتابع
((صدقيني لن أخذلك أبدًا فأنا موظف مجتهد وملتزم جدًّا ومنذ صغري معتاد على المشقة))
رفعت فريال حاجبيها ثم قالت بامتعاض
((معتاد على المشقة؟ ومن صغرك؟ عجيب))
رد قصي عليها باستغراب
((لم عجيب يا سيدة فريال؟))
لاكت فريال علكتها بشكل أسرع وهي تقول
((أعني إذا كنت قد بدأت العمل الشاق في سن مبكرة فأين أنتَ من خشونة الرجال وصلابتهم وصمودهم! أنظر إلى يداك الناعمتان خاليتان من أي خدش أو ندوب.. وكأنهما لم تذوقا يوما ويلات التعب! شعرك مصفف بعناية فائقة.. والحلة التي ترتديها ممممم.. تبدو من أغلى الماركات كنجوم السينما))
أرجع قصي رأسه للخلف وقال بحيرة
((هل هذا ذم أم مدح؟ أعني حتى أعرف أرد عليك))
أجابت ببساطة ((الاثنين))
تصاعدت حيرته وهو يتساءل
((هل هذا يعني أنك رفضتِ تعييني؟ ولكن ما ذنبي لأُرفض لهذه الوظيفة فقط بسبب أني وسيم وأنيق!))
تنهدت فريال ووضعت ساقا فوق الأخرى ثم قالت بمهنية
((لن أرفض مباشرة سأجربك لأسبوعين.. ستعمل هنا كنادل وتشارك في التنظيف، ما رأيك؟ هل ستنجح في عملك؟ فزبائن مطعمنا الشعبي هذا صعبي المراس وليس من السهل إرضاؤهم))
ضرب قصي صدره وقال مرفوع الذقن بثقة
((عملي السابق كان موظف خدمة عملاء، وسبق وأن واجهت الكثير من المواقف التي أتعامل فيها مع عميل غاضب صعب الإرضاء أو شخص غير سوي يحدثني بتطاول.. لذا لا يعتريك القلق فأنا شخص يستطيع أن يحافظ على هدوءه وصبره والوصول لمستوى راقي ومتحضر لإرضاء العملاء))
دققت فريال بملابس قصي.. وفخامة تفاصيله الغالية من ساعته.. حذائه.. ثم قالت بهدوء
((إذن راتبك سيكون أسبوعي بأجرة خمسين دينار.. أما عملك سيكون يومي لعشر ساعات باستثناء الجمعة))
جحظت عينا قصي مما يسمعه وقال
((هل هذا عمل أم استعباد؟))
رددت فريال باستياء
((عفوا يا سيد قصي سامح؟))
أحبط قصي فهو بعد كل شيء قد تعب في الأيام السابقة من البحث عن وظيفة بشهادته في هندسة الإنشاءات بعد أن رفضه الجميع لأنه بلا خبرة في مجاله الذي درسه آخر مرة قبل عشر سنوات في آخر امتحان جامعي له.. وكان سلواه أن يكون راتبه هنا جيدا حتى يعيله ويقربه من سهر..
هتف بخفوت أمام فريال
((أقصد شكرا لك على كرم أخلاقك، سأبذل قُصارى جهدي أن أكون عند حسن ظنك طوال فترة عملي هنا))
تطلعت فريال لسهر المشتعلة حنقا من قبول عمل قُصي هنا وهتفت
((سأولي لك مهمة تعليم خطيبك كل شيء يخص العمل هنا من تنظيف وتقديم وجبات))
في هذه الأثناء اقترب فتى نحيف منهم يمسك خرقة كان ينظف الطاولات بها وتساءل بينما يمسك ذراع سهر
((هل هذا الرجل سيكون الموظف الجديد هنا؟))
أجابته سهر بعفوية
((نعم يا نور))
احتلَّ الغضب وجه قصي من لمسة المراهق الصبي لسهر وتساءل بنظرات مخيفة يوجهها نحوه
((من هذا المراهق النحيل؟ هل يعمل هنا معك يا سهر؟))
همست سهر ((لا دخل لك))
لكن كل تركيز قصي كان منصبا نحو المراهق وهو يسأله بحدة
((كم عمرك يا هذا؟))
أجاب الصبي بخوف وهو يبعد يده عن سهر تلقائيا
((أر.. أربعة عشر سنة))
تطايرت شرارات التهديد من عيني قُصي هاتفًا
((أربعة عشر سنة؟ حسنا أيها النحيل لو مددت يدك ولمست خطيبتي سأكسرها لك))
لكزته سهر على كتفه وقالت
((الرجولة ليست مظهرا بل صفات يتحلى بها المرء فلا تستهزئ بنحالته))
تطلع لها يقول بحنق بالغ
((أنا لا استهزئ لكن شكله غير مريح أبدًا! سأراقب هذا الولد جيدا وإذا ما شعرت به يناظرك أو يقترب منك أيتها الباربي الخرقاء فلن أمسك نفسي عنه))
تكورت يد سهر وقالت له
((إيَّاك أن تظن أن مجاراتي لك في الحديث تعني أنى لن أرفع عليك قضية لنفسخ كل شيء بيننا، توقف عن التحدث كأني أمر يخصك))
غادرت سهر المكان وفتحت هاتفها لتتواصل مع أحد أخوال شيرين الذين لا يكفون عن الاتصال بها لتنقل لهم آخر أخبار ابنة أختهم..
=============================
كان مُعاذ يجيء ويذهب بعنف مكبوت بداخله، شعر صديقه بغضبه المكتوم فرمقه بجدية وهم بالحديث قبل أن يصدح صوت مُعاذ الغاضب وهو يمسك كرسي ويضعه قبالة صديقه
((مُمارسات الرتب الصغرى من الضباط مثيرة للاستفزاز))
سأله صديقه بفطنة
((من تقصد؟ الملازم الأول حمد؟))
فتح مُعاذ أول زرين من سترته فلمع سلساله الفضي الخاصة ببطاقة تعريفه الإلكترونية حول حدود رقبته بينما يجيب
((نعم فحمد لا زال ضابطا برتبة ملازم أول ويتصرف بهذا الشكل فكيف سيكون حاله عندما يصل إلى رتبة العميد أو اللواء؟))
تنهد صديقه قبل أن يقول بجدية
((معك حق فمنذ الوقت الذي أنضم حمد إلى مباحث السجون وأنا لا أذهب ناحية الإدارة إلا ورأيته حاملا للكرباج يضرب به المساجين الجنائيين))
غمغم مُعاذ بخشونة وغضب
((ليس به عقل هذا المجنون يظن أنه ملك الكون كله فقط بسبب معارفه في هذا المجال))
وافقه صديقه هادرا
((نعم فقد ورث هذه الأخلاق والتجبر القميء من عمه الذي كان نقيبا أيضًا ويفعل مثل ما يفعله، ولكنه صار الآن أسوأ منه.. ولولا أني أمنعه عن المساجين هنا وإلا لكانوا رأوا منه أسوء أيامهم))
ثم مال برأسه وضيق عينيه متابعا بتحذير واهتمام
((المهم يا مُعاذ احذر منه فهو ليس سهلا أبدًا لو وضعك في باله، فمن الحكمة الحذر في التعامل مع شخص ينحدر من عائلة أصحاب مراكز مخيفة مثل عائلته))
لم يعرف مُعاذ ماذا يرد عليه ولكن ارتأى نسيان الأمر فالآن حان وقت عطلته المعتادة التي يستغلها في العودة للقرية وزيارة عائلته..
=============================
عصرا.. بعد خفوت أشعة الشمس الحارقة..
ذهب الحاج يعقوب مع أولاده الأربعة لزيارة قبر يحيى..
دلفوا من مدخل المقبرة الأيمن.. وهناك تلوا جميعا الفاتحة عليه ودعوا له..
التفت مُعاذ لمُصعب الذي يعرف أن هذا القبر كان في وقت من الأوقات مكانه الدائم والوحيد الذي يشعر به بالراحة.. يراه يقتلع الأعشاب التي نبتت على القبر ويرشه بالماء ثم ينظف الشاهد الحجري الصغير المعرف عن صاحب القبر من الغبار والتراب الذي علق به خلال فترة غيابه عن القبر..
استحضر مُصعب وجه ابن عمه يحيى الذي رحل عنهم وهو يتمتم
((لقد كنت يا يحيى الأخ المفضل والأقرب لي، ولا يقتلني شيء كرحيلك المفاجئ دون مقدمات، الملتقى بيننا الجنة بإذن الله))
ثم التفت لأخيه الذي شعر بنظراته وقال بشجن الماضي
((فقده عظيم عليّ، لم يؤلمني يومًا إلا في موته))
ابتسم مُعاذ له قائلا
((إذا دعوت فاذكر الله يجمعنا به بالفردوس الأعلى وتصدق عنه كثيرا))
ثم مدَّ يده يحيط كتف أخيه يسانده ويؤازره ليقول مُصعب وهو يناظر شاهد القبر
((لنقرأ يا مُعاذ الفاتحة مرة أخرى على روح صاحب القلب النقي والابتسامة المريحة.. إليه أخي يحيى رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته))
دعا الاثنان مع باقي إخوتهما أن يرحم من صار في جوف أرضه ولم يعد بينهما سوى الدعاء.. ثم عاد مصعب يلتفت للقبر كأنه يحدث الراحل أو يبوح له ببعض الأسرار.. فراق يحيى له لا زال يتعب قلبه.. ورحيله كان أصعب ما قد مرّ به.. لكن على كل حال الحياة تستمر والصبر لا بد وأن ينتهي.. وللعمر وقوف..
والآن أخيرا يستطيع أن يقول بأنه تحرر من ذاك الذنب الذي كان لا ينفك من وقت لآخر بتكشير أنيابه أمامه..
استقام من مكانه ورأى كوكبة مشكّلة من الأولاد ذوي الوجوه التي لوحتها الشمس يطوفون بين القبور لأخذ حصتهم من الزيارة فأعطاهم النقود.. ثم سار للخارج بجانب مُعاذ الذي غمغم بخفوت
((تمنيت لو أخذت معي دارين لتزور قبر أمها أيضًا))
قال مُصعب بهدوء
((ولكنك تذهب معها لتزورها أكثر من مرة في الشهر!))
تنهد مُعاذ قبل أن يعقب
((حتى لو زارته كل يوم لن يكون كافيا بالنسبة لطفلة عاطفية مثلها، فموت سناء بالنسبة لدارين كان فقد للعطف والحنان، وانحسار للرعاية والعناية التي كانت تلاحقها، وافتقار لليد الحانية التي كانت تلامس شغاف قلبها))
ابتسم مُصعب وعلق
((سناء كانت غالية عليك، يكفي أنك لم تتزوج بعد وفاتها لأكثر من تسع سنوات))
((نعم معك حق فإليها كنت أفضي إذا اشتد عليّ الحوالك وبها كنت أستعين وأعول إذا انتابني أي ألم به كرب أو حزن.. كانت الأقرب إلى روحي ونفسي بعد أن اقترنت بها بذلك الميثاق الزوجي))
عند كلام مُعاذ عن زوجته الراحلة ذكَّر مُصعب نفسه بالإضافة التي عوضته عن صديق عمره في حياته.. ألا وهي زوجته..
ففي أيام وفاة يحيى الأولى كان يتكسر يوميا بسبب الحزن الذي لفَّه ويشعر أحيانًا أن حياته صارت بلا معنى.. كأن عالمه من دون ابن عمه المقرب ليس لها لون أو طعم للمتعة.. فيعيش أيامه بتفكير متكرر ثابت.. الأيام نفسها ولكنها تتدحرج ببطء.. وتأنيب الضمير يغرس أنيابه المُكشرة داخل جوفه المفرغ من الأساس.. لكن كل هذا انتهى تدريجيا مع اللحظة التي دخلت فيها نورين حياته..
بمجرد أن غادروا المكان قال يعقوب
((المقبرة أصبحت عملاقة وتأكل يوميا المزيد من قطع الأراضي المجاورة.. أذكر عندما دفنت والدتي رحمها الله قبل أعوام طويلة كان قبرها بجوار السور لكن الآن بينها وبين السور شوارع وأحياء من الموتى))
قال مَالك معقبا بعد دقائق صمت
((مُؤيد هو الوحيد الذي صدع رؤوسنا بالثأر بالدم وانظروا له كيف تخاذل عن القدوم لزيارة يحيى معنا))
حدج يعقوب بنظراته الغاضبة مَالك الذي ما يفتأ في كل فرصة أن يذم مُؤيد ثم قال
((إنه مريض بالمشفى وله عذره، لكن عتبي على ابن أخي وليد))
طبطب مَازن على كتف والده هادرًا بسخرية
((أبي وليد مرفوع عنه القلم))
=============================
تهالكت رتيل على فراشها فاتحة عينيها وبدت في أضعف حالاتها.. منذ أيام تعيش كالأموات بعد أن خسرت كل شيء في حياتها.. حياتها السابقة.. زوجها.. ولديها..
هل كانت زيارات غنوة للترفيه عن نفسها تستحق أن تخسر كل شيء من أجلها؟
وهل يحق لها لوم زوجها إن صدقَّ كذبة امتلاكها لعشيق تبيت في بيته بالأيام! الحقيقة هي أنه لن يلوم أحد مُؤيد على تفكيره ذاك حتى لو قتلها بحكم أنه أمسك بها متلبسة بجريمة الخيانة! بل هو مشكور أنه لم يخبر السبب الحقيقي لعائلتها..
كون مُؤيد دائما قاسي ومنشغل عنها ومقصر في حقها لا يخولها أن تفعل ما فعلته.. ليت الزمان يعود فقط!
فجأة دبت الحياة فيها وانتفضت مكانها ما إن صدح صوت هاتفها عاليا وقد شكت أنها ياسمين أو سمية التي طلبت منهما بوقت سابق أن تتحدث مع أحد ولديها..
وقع بصرها على الشاشة لتجد أن مؤيد هو المتصل فاختلجت شفتيها..
فجأة جحظت عينيها وهي تتذكر الرسائل التي أرسلتها للحاج يعقوب! هل يعقل أنّ مُؤيد تراجع وقرر فضحها بعد أن فضحته عند والده!
ودون لحظة تردد أخرى أجابت بلهفة جزعة
((مُؤيد هذا أنتَ؟ هل وصلت الرسائل لك؟))
تكلم مُؤيد بنبرة غير مفهومة لكنها مريبة بهدوئها
((أيّ رسائل تقصدين؟))
خفت لهاثها وشكت أن ذلك الصبي ابن قريتها خدعها ولم يفعل ما طلبته منه بعد أن أخذ النقود منها.. هزَّت رأسها يمينا ويسارا تستعيد تركيزها ثم قالت بصوتها المنهك
((انسَ َكليًا أمرها، أريدك أن تعلم فقط بأني لم أخنك، أقسم لك برب العباد أني لم يسبق وأن خنتك))
أصدر صوتًا هازئا مريرا قبل أن يقول
((وهل تظنين أني كنت لأبقيك على قيد الحياة لو شككت ولو مجرد شك بسيط أنك خنتني؟ لقد استجوب أخي غنوة ودُموع وعرف منهما كل شيء وخاصة موضوع سرقة دراجة أخي، تلك التي دفعتِ ثمنها لمُصعب))
بدأت مجددا دموع الندم تأكل أحشاء قلبها وهي تجيبه متلمسة أن يصدقها
((لم أطلب منها سرقة دراجة مُصعب، ودفعت ثمنها لأخفف قليلا من الذنب الذي أشعر به تجاه سرقتها لأني من أخبرتها عن مكانها، لكن لاحقا قلت في نفسي بما أنها سرقت وانتهى الأمر فعليّ الاستمتاع بالدراجة أثناء وجودي عندها))
أسبل مُؤيد جفنيه مبتسمًا بلا حياة ليقول بصوت سقيم
((على كلٍ علاقتنا انتهت كليًا بعد أن اكتشفت ما كنت تفعلينه خلف ظهري، فلست امرأة تصلحي أن تكوني زوجة أو أم أستأمنها على بيتي وعائلتي، وغنوة تم القبض عليها بالفعل بتهمة سرقة دراجة أخي وتقضي محكوميتها، لكن اتصلت بك لأفهم ماذا رأيتِ في تلك المدعوة غنوة لتفضلي أن تخاطري بزواجك بل بحياتك كلها والذهاب للمبيت عندها كلما حانت لك الفرصة؟))
ازدردت رتيل غصة مسننة قبل أن تجيبه بوهن
((لن تفهم سبب رغبتي في الذهاب عندها.. لكن رفقتي مع غنوة كانت تزود من شعوري بالانتماء لنفسي، تعزز سعادتي، تقلل الضغط القابع عليّ، فمعها فقط كنت أكسر الحياة النمطية والمتزمتة الخانقة التي أحياها بسببك.. هي من ساعدتني في بناء ثقتي بنفسي وتقديري لذاتي التي كانت تتلاشى))
صمتت والعبرة تخنقها قبل أن تكمل
((أنتَ حتى لست لطيف المعشر يا مُؤيد، أما هي فمن سني وكانت تحرص على الإنصات لمشاكلي، ومعرفة ما يحدث في حياتي، وتعقب على شكلي بتعليقات متفرقة موجزة لطيفة، وتبدي تعاطفها عندما أبوح لها عن الأوقات الصعبة التي أمر بها كأم وزوجة لعائلة متزمتة وضيقة الأفق، باختصار وجدت فيها كصديقة كل ما افتقدته معك أنتَ كزوج.. طبعا قبل أن تتعرى لي حقيقتها))
شعر مُؤيد باللوم والقهر ينبعثان من صوتها وهي تصارحه بالمزيد بما كان وما زال يحز في نفسها
((في الماضي كنت متحمسة لأنتهي من جامعتي وأتزوج منك لأني استبشرت بك خيرا وافترضت أني سأجد عندك الملجأ والأمان، وستكون لي بئر حكاياتي، ومن أتشارك معه كل المحطات سعيدة كانت أم مؤلمة وتنطلق بي للحياة، لم أعلم أني سأهرب من سجن عائلتي إلى سجنك، حيث تجعلني زوجة خاضعة أنتظر عودتك من المدينة مرة كل أسبوعين بعد أن تفرغ من نزواتك علَّك تتنازل وتمنحني نظرة رضا..))
صمت مُؤيد لدقائق ليخرج صوته متسائلا ببهوت وفراغ
((كيف تعرفت على تلك المدعوة غنوة؟))
أغمضت رتيل عينيها على دموع ساخطة من نفسها على كل فعلته بينما تكمل بصوتها المرتعش
((غنوة كانت زميلة في مدرستي لكنها خرجت منها لاحقا، وبعد أن تزوجتك عدتُ والتقيت بها صدفة في قريتي وأخبرتني أنها انتقلت لتعيش وحيدة في المدينة بعد طلاقها.. أعطتني رقمها لأتواصل معها وفرحت بذلك رغم أني لم أكن مقربة منها، لكن بعد أن أجبرتني يا مُؤيد أن أقطع علاقاتي بصديقاتي جميعهن كنت بحاجة لأيّ امرأة أصادقها، فتواصلت معها لعلي أملئ فراغ الأيام التي كنت تتركني فيها لوحدي في قصر عائلتك بينما تكون في المدينة..))
سألها بجفاء وهو يضيق عينيه
((إذن كان الأمر مقتصرا في البداية على مكالمات هاتفية فقط؟))
أجابته بلهفة صوتها المرتعش دون لحظة تردد
((فقط مكالمات، لكن بعد أن أنجبت ابني الثاني بدأ وسواسها يتسرب لعقلي وبدأت تشجعني أن أرتب زيارة لمنزلها للمدينة بعد أن أتذرع لك بالذهاب عند أمي..))
حثها أن تكمل ببرود ((ثم؟))
زمّت شفتيها وهي تحاول السيطرة على ارتعاشهما ثم أكملت
((فعلت ما قالته وذهبت عندها ورغم أني لم أستطع أن أنام ليلًا من فرط قلقي وذعري، وإذا ما غفيت لدقائق قليلة كنت أحلم بك وبأخواتي الاثنين تجزون عنقي عندما تعرفون.. لكن الأوقات الممتعة التي قضيتها معها في التسوق وتجاذب الحديث والخروج إلى المتاحف والمعارض كانت أجمل لحظات عمري، فأقدمت على زيارتها ثانية بخوف وذعر أقل من المرة السابقة حتى اعتدت زيارتها من كل وقت لآخر كلما اشتقت لتذوق طعم الحرية والعيش كأي إنسانة طبيعية تخرج وتذهب لأماكن عادية، منذ فقط أن تعرفت على غنوة بدأت حياتي تشرق وتختلف))
غامت حدقتي مُؤيد..
هل يكذب على نفسه إن قال بأنه كان يتعجب من سعادتها في كل مرة يراها تعود من عند عائلتها؟ وربما هذا هو ما كان يجعله أحيانًا يتمادى بتجبر ويمنعها من زيارتهم، وقد كان لا يستوعب كيف تعود كل مرة مفعمة بالحياة والعنفوان!
مالت شفتاه في ابتسامة مريرة.. جعلته يبدو أكبر سنًا بعشراتِ السنوات وهو يتساءل ببطء
((إذن خاطرت بكل شيء من أجل زيارتها لأنها أتاحت لك العيش بمرح وتجربة كل ما هو جديد، ولكن بما أنه لم يكن يخفَ عليك سوء أخلاقها، ألم يسبق لك وأن فكرت ما قد تفعله بك أثناء نومك؟ ماذا إذا كانت تقوم بتخديرك وتدخل عليك رجالا أو تقوم بالتقاط صور لك؟))
شحب وجه رتيل ورمشت بعينيها تحاول استيعاب ما يقول.. وبالكاد خرج صوتها من شفتيها وهي تهز رأسها نافية ((لا مستحيل.. لا.. لا يمكن أن تكون..))
سمعت صوت ضربه طاولة بيده بينما يقصف صوته
((وكيف تعرفين بأنه مستحيل؟ هل سبق وتوقعت أن تكون متواطئة مع دموع؟ هل سبق وتخيلت أن تقول أمامي أن لديك عشيق؟ لقد فعلت ما لا يفكر به شيطان فلماذا قد يكون هذا الأمر مستبعدا؟))
الصمت الثقيل الذي تلا كلماته كان كغيمة جثمت على صدرها ووجهها يزداد شحوبًا.. فأكمل لها وصرامة صوته تخفي الألم المبرح المنبعث منه
((لقد زاد يقيني من استحالة رجوعي لك))
نعم مُعاذ أكد عليه بعد تحقيقه مع غنوة ودموع بأنهما لم يفعلا شيئا من هذا القبيل لكنه غير متقبل لفكرة عودة رتيل له!
رفعت يدها فوق فمها تخفي شهقة مفجوعة قبل أن تهمس له بألم وهي تتخبط بانكسار
((مُؤيد هل يمكن أن أسمع صوت أولادي؟ لقد اشتقت لهما وقلبي يتمزق على سماع صوتهما على الأقل))
أجابها بصوتٍ جامد لا حياة فيه
((انسِي أن لك زوجا أو أولاد، لقد تطلقنا وسأحرمك من الأولاد وسأجلب لهم أما أخرى.. وداعًا))
عندما أغلق مُؤيد الهاتف تهالكت رتيل على حافة فراشها مائلة للأمام.. فغطى شعرها ملامحها ثم تراخت يدها الممسكة بالهاتف حتى أوقعته أرضا.. وسرعان ما انهارت وهي تغمر وجهها بين كفيها تبكي بقوة..
لقد خسرت عائلتها وكل ما كانت تملكه من أجل سعادة مؤقتة تتمثل بيومين أو ثلاثة كانت تقضيهم عند غنوة في الماضي.. والآن ورغم أن مُؤيد عرف بمعجزة غير متوقعة حقيقة براءتها فقد خسرت كل شيء.. أضاعت كل شيء بيدها ولم تحمد الله على الحياة المقبولة التي كانت تعيشها..
تصاعد صوت نحيبها بمرارة.. وتمنت لو يعود فيها الزمن فلا تفعل ما كانت تفعله عند غنوة ولكن هيهات.. هيهات..
=============================
بتنهيدة طويلة وقفت شيرين وانتصبت قامتها وقامت بمد كلا ذراعيها أفقيًا حتى لامست نهايات أصابعها الحائط في هذه الغرفة الصغيرة ذات الإنارة الخافتة..
لا تصدق أنها ومنذ أسبوعين قابعة هنا في هذا الحبس الانفرادي مساحتها ثلاثة أمتار طولا وما يقرب المتر والنصف عرضا.. دون أن يُسمح لها بالمشاركة في النشاطات الترفيهية أو حتى التحدث مع باقي النزيلات.. وإذا ما خرجت من هذه الزنزانة لساعة أو اثنين تكون مكبلة بالأصفاد وبالأغلال حول أقدامها مع مرافقيها..
بالطبع هذا إذا ما خرجت من هنا فحتى التريض وتعريضها لأي مؤثرات خارجية غير مسموح أثناء فترة المكوث في الحبس الانفرادي ليزيد الشعور بثقل الزمن والملل الذي لا ينتهي..
فلم تجد إلا تشجيع نفسها على أن تكون قوية الإرادة وصاحبة مخيلة هادفة تستغلها بشكل صحيح حتى لا تجن هنا.. فكانت تقوم بتعزيز مخيلتها الذهنية لتتخيل نفسها تشاهد المارة وهم يهرولون، ويركبون الدراجات الهوائية، ويتزلجون على ألواح التزلج..
اللعينون منعوها حتى من الزيارات.. فلم ترَ قصي أو أخوالها الذين عرفوا ما حل بها عن طريق سهر..
هي مرة واحدة فقط تحدثت مع المحامي الخاص بها..
لا تظن بأنها ستخرج من هذا المكان القاسي المملوء بالتعسف والاستغلال والصدمات النفسية ذات شيرين الذي دخلته..
رفعت رأسها تناظر النافذة المغلقة بشبابيك حديدية مضاعفة وبدأت تشتم نفسها لتذمرها سابقا بصغر العنبر المتواجدة فيه.. فبعد هذه التجربة الزنزانة المتكدسة بعشرات الأشخاص هي أرحم من هذا الحبس الانفرادي..
على الأقل في ذاك العنبر كانت ولبعض الوقت تتحمل الوضع بفضل قدرتها على نسيان أنها سجينة.. لكن هنا وحيدة داخل غرفة مظلمة لا يوجد بها الحد الأدنى من متطلبات الحياة ومع غياب أبسط الحقوق وأبسط طرق السجناء في التحايل على الوقت، فكيف ستنسى؟
هزّت شيرين رأسها وهي تأكد على نفسها أنها وبمجرد عودتها للعنبر ستعتذر من رفيقاتها على فظاظتها وقلة احترامها لهن سابقا..
سمعت صوت من الحارسة تنبهها بقدوم أحد الضباط..
فتحت الحارسة الباب على شيرين التي غطت شعرها ليأتي ذلك الضابط.. فسألته شيرين باندفاع
((هل اليوم سيكون الأخير هنا في الحبس الانفرادي وتنتهي فترة حرماني من التريض والزيارات أم في الغد؟))
قال الضابط بهيئته المقيتة لشيرين
((ومن قال لك أن هناك نهاية لحبسك الانفرادي هذا؟ بإمكاني الآن وبكل بساطة أن أكتب عنك تقريرا وإذا ما تم الموافقة عليه سنمدد فترات الحبس الاحتياطي لك.. لذا ربما لا يكون هناك خلاص من وضعك هنا))
هتفت به شيرين بانفلات أعصاب
((لا يمكنك فعل ذلك، فأحكام قانون الإجراءات الجنائية تقيد مدة الحبس المنفرد))
قال الضابط بنبرته الشيطانية بما جمد الدم في عروقها
((ومن سيدري بذلك؟ أنتِ ستبقين هنا في هذه الغرفة المغلقة المظلمة لوقت غير محدود، ستحرمين حتى من حساب الأيام وسيمتد هذا الجحيم طويلا..))
هزت رأسها برفض وقالت مهددة بصوتٍ باكي
((سأوصل لمحامي كل هذا الكلام))
أفرج الضابط عن ابتسامة منفرة ليقول
((قولي له ما تريدينه))
خرج الضابط مبتعدا في حين همد رأس شيرين والدنيا تدور من حولها بضياع.. أغمضت عينيها.. لا أحد قد يدرك ما تمر به من آلام تدفن روحها في عذاب لا ينتهي..
أحست بضيق أنفاسها.. فاعتصرت أهدابها ومسدت على صدرها المُطبَق عليها ويخنق أنفاسها.. لتشعر فجأة بسكاكين تضرب بطنها بعُنف ونيران تأكل أوردتها..
فتحت جفنيها بتثاقل تأخذ نفسًا عميقًا سرعان ما قصرته حينما شعرت بوخز شديد أسفل ظهرها.. وتشنجات في بطنها.. اختض جسدها بعُنف وهي تهمس بإعياء
((هل يسمعني أحد! أنا لست بخير))
لكن شعرت بنفسها تفقد الوعي تزامنا مع نزيف حاد يخرج منها..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!