لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الخامس عشر
في منزل وليد الفاره والواسع تم حفل خطوبته بشيرين وعقد قرانهما فيه.. على أن يقام حفل زفاف ضخم بعد أسابيع أمام القرية بأسرها.. على عكس هذا الاحتفال البسيط الذي ضم بعض من معارفهما..
تطلع وليد لشيرين يختلس النظر لها.. يعرفها منذ مدة طويلة وكانت خطيبته لسنوات.. لكن الآن فقط بعد أن عقد قرانه بها وصارت حلاله.. مد يده يضعها فوق يدها الناعمة وارتعاشه لذيذة تمر بأوصاله.. مهما كان هناك من غضب وانتقام وتوعد يضمره في صدره لها بعد زواجهما.. إلا أن إحساس الراحة الذي يشعر به في هذه اللحظة لا يقدر بثمن.. أخيرا سينالها وستصبح ملكه قولا وفعلا..
ألبس وليد شيرين خاتمها ببطء.. ثم تطلع لها وثغره يميل مبتسما بزهو.. تبدو فاتنة بثوبها الزاهي وتفاصيله الذهبية.. أما الكحلة التي خطتها فوق جفونها فقد أكملت مظهرها الملكي..
حدق في سواد الليل على رموش عينيها الخضراوين.. ليخيل إليه أن الليل في محراب النهار مستقر فيهما.. فيضيع الزمان والمكان من حوله..
خرج من ضياعه فيها عندما شدت يدها التي يمسكها هادرة بوجوم
((هذا يكفي، حرر يدي))
جلست شيرين باقتضاب على المقعد الطويل المذهب في حين مال وليد بوجهه منها وكأنه ينوي تقبيل وجنتها إلا أنه همس في أذنها بصوتٍ أجش غاضب دون أن تنحسر ابتسامته الرجولية الجذابة
((أزيلي واجهة العبوس حالا من على ملامحك يا كحيلة العينين، أنتِ وسط حفل عقد قرانك لا عزاء))
أدارت شيرين وجهها قليلا تنظر إلى عينيه القريبتين من عينيها ثم رسمت ابتسامة عريضة متشنجة وهدرت من بين أسنانها
((حسنا سأبتسم الآن أمام الناس، فقط من أجل مظهري))
لكن سرعان ما تنهدت وانحسرت ملامحها المتكلفة بمجرد أن ذهب وليد بحماس منطفئ نحو الصالة التي يجلس فيها الرجال.. وهي بقيت مكانها جالسة دون أن تتحرك أو تنطق بشيء للمهنئين والمدعوين حتى ينتهي هذا الحفل.. لم تكن مبتهجة أو ضجرة.. لكن كان هناك خدرٌ يسري في روحها.. لا تصدق بأنها فعلا قد عقدت قرانها على وليد وستصبح زوجته.. وكل ما فعله بها في الماضي هو ووالديّه سيبقى معلقا على أغصان أعصابها، خاصة وأن ذاكرتها تأبي محو تلك الأحداث التي أزهقت روحها في الماضي وأقسمت مرارا ألا تنساها..
.
.
مال مُؤيد لأخيه مَالك متسائلا
((لماذا لم يحضر مُعاذ أو مُصعب حفل عقد قران وليد رغم أن زوجة مُصعب جاءت مع أمي وزوجتي؟))
هز مَالك الذي بدا شاعرا بالملل بانتظار انتهاء هذا الحفل كتفيه ثم هدر
((ربما مشغولين، وربما سيعوضان الأمر على وليد في حفل زفافه، فحفل قرانه هذا على الضيق))
أومأ مُؤيد برأسه بتفكير وهو يأكل بالشوكة التي يمسكها قطعة أخرى من طبق الحلوى الذي يمسكه.. ثم تعجب
((ابن عمك هذا غريب أمره، ألم يفسخ خطبته من هذه المرأة قبل سنوات طويلة بذريعة خيانتها له كما قالت أمه؟))
تطلع يعقوب لولده ورمقه بنظرة ساخطة وهو يقول
((كل من في القرية يعرف يا مُؤيد بأن الفتاة ليست كما قالت والدة وليد عنها، خطؤها أنها لم تقل لوليد عن تقدم أحد الشباب لخطبتها أثناء انفصاله عنها، ولو أنها ليست ملزمة بذلك فلم يكن هناك أي شيء رسمي بينها وبين الشاب.. ولكن كلام والدة وليد رحمها الله وغفر لها كان السبب في الافتراء على المخلوقة وتمادي الناس في التحدث حتى عن شرفها.. أنا سعيد الآن أنه تزوجها، لعله يعوضها بشيء من الظلم والإجحاف الذي تسبب به لها في الماضي))
وضع مُؤيد الطبق الذي كان يأكل منه على المنضدة أمامه متذمرا
((بكل صراحة أنا لست مهتما كثيرًا، وأشعر بالتعب، أريد العودة للنوم بما أني أديت واجبي وانتهيت))
رفع يعقوب حاجبيه يقول بغير رضا
((هل جئت لتجلس فقط نصف ساعة وتغادر من باب تأدية الواجب! أين هو فرحك لابن عمك الوحيد الآن؟ ألم تندم يوم وفاة يحيى رحمه الله على عدم قربك منه وتمنيت لو يعود الزمن حتى تقوي من صلتك به؟ الآن لو حدث لا سمح الله شيء لوليد أو لك ستندم مجددا على كل تقصيرك تجاهه))
استقام مُؤيد من مكانه وبدأ يطلب رقما ما بينما يقول بجدية مزيفة
((أبي أنا فعلا ندمت بعد وفاة يحيى لأنه عندما مات كنت مقاطعا له لذنب أخته المنفلتة وما فعلته بأخي مُصعب، لكن وليد بالنسبة لشخص مثله أنا أفعل ما عليّ وزيادة، بل وحالي أهون من حال إخوتي))
بمجرد أن فُتح الخط حتى وضع مُؤيد الهاتف بالقرب من أذنه آمرا
((مرحبا رتيل.. سأغادر.. جهزي نفسك والأولاد ولنلتقي خارج المكان حتى أقلكم للبيت))
بالكاد جاءه صوت رتيل الساخط واضحا من ضجة الأغاني حولها
((هل تمزح؟ لم يدعو الحضور لبوفيه الطعام بعد.. هل تريد مني أن أذهب قبل أن آكل شيئا؟))
تهكم مُؤيد بشيء من الغضب
((اسكتي وغادري أنتِ والولدين قبل أن يسمعك أحد ويظن أن ثلاجتنا خالية من كل ما لذ وطاب))
اعترضت متذمرة
((ولكن أمك وزوجة أخيك ستبقيان هنا فلم علينا نحن أن نعود؟))
هتف بها بصرامة وحزم
((ليس لي علاقة إلا بزوجتي وأولادي، أريد المغادرة فجهزي نفسك ولاقيني في الخارج بعد خمس دقائق))
حاولت مجددا الاعتراض بقهر
((ولكن يا مُؤيد..))
قاطعها يحسم الجدال
((رتيل لا تجعليني أكرر كلامي، إذا تأخرت في المغادرة لدقيقة واحدة سأقسم بأغلظ الأيمان ألا أخرجكم معي لأي مناسبة مرة أخرى))
.
.
دلفت رتيل إلى جناحها بخطوات عنيفة ثم قذفت حقيبتها جانبا بقوة.. بينما لحقها فهد وباسم اللذان كانت الدموع تلطخ وجهيهما..
أخيرا جاء مُؤيد الرائق خلفهم وهو يتمتم بأغنية علقت في دماغه في الحفل الذي عاد منه مع عائلته قبل قليل..
بدأ مُؤيد يتحرر من حلته الداكنة عندما شاهد ابنه يجلس على طرف السرير ويغمر وجهه بكفيه يبدأ في بكاء صاخب.. فعقد حاجبيه يسأل ابنه الذي لا يفشل بإيجاد سبب للبكاء كل يوم بنبرة جهورية
((لماذا تبكي يا ولد؟))
رفع فهد وجهه المحتقن قائلا بحرقة طفل
((لقد أجبرتنا أن نغادر في نفس اللحظة التي قاموا فيها بعرض بوفيه الطعام في الحفل))
صدر من مُؤيد صوت فيه رنة سخرية قبل أن يصرخ به موبخا
((أيها التافه الصغير! إذا سمعك أحد في الخارج سيظن أن مصدر عشاءنا في هذا القصر هو بوفيهات الحفلات والمناسبات فإذا لم نذهب لاحتفال ننام الليل بمعدة فارغة! اسكت يا ولد واطلب من والدتك أن تعد العشاء لك))
زفرت رتيل بصوتٍ عالي ثم تقدمت من ابنها تسأله بحنو وتخفف عنه
((ماذا تريد أن أضع لك يا فهد أنتَ وأخيك على العشاء؟))
تدخل باسم الحانق يقول باعتراض
((لا نريد عشاء البيت، نريد نفس الأطعمة التي كانت معروضة بالبوفيه))
كتف مُؤيد ذراعيه يتساءل بغضب وامتعاض وهو يرفع هاتفه ينوى طلب رقما ما
((وما هو الطعام الذي كان معروضا هناك؟ هل هو نوع من أنواع الحلويات؟ أخبرني نوعه وسأطلبه الآن من إحدى المطاعم))
تذمر فهد بصوته المتهدج الباكي
((وما أدرانا ماذا كان معروضا هناك! ففي كل مرة نحضر حفل زفاف أو خطوبة تجبرنا أن نغادر قبل أن نرى ماذا يعرضون من أنواع طعام في البوفيه..))
وضع مُؤيد هاتفه جانبا يصرخ بابنه
((أيها الغبي وماذا قد يعرضون على بوفيه الاحتفالات؟ أطعمة مخصصة للفضائيين والجن؟ بالتأكيد نفس الأطعمة والمقبلات التي تأكلها هنا))
غمغمت رتيل بحنق وقد حانت نظرة منها لزوجها
((لا تنعت ابني بالغبي يا مُؤيد))
تمتم باسم بصوتٍ خافت إنما مسموع
((صديقة أمي محقة عندما كانت تسميه بـ"أستاذ مانع" فأنتَ تمنعنا حتى من التنفس))
شهق مُؤيد بصدمة ثم ناظر زوجته وهو يشير لابنه الصغير بسبابته
((هل سمعت كيف يتحدث ابنك بانعدام احترام عني؟ إنها تربيتك؟))
لوت رتيل فاهها ثم قالت معترضة
((إذا قام بفعل حسن يكون تربيتك، أما الآن فهو تربيتي؟))
صرخ مُؤيد بها بامتعاض
((صديقتي أم صديقتك تلك التي كانت تنعتني بأستاذ مانع!))
لوحت رتيل بكفيها وهي تهتف بانزعاج
((مُؤيد يكفي صراخا.. رأسي يؤلمني.. في المرة الأخرى التي سنحضر فيها لأي احتفال دع الأولاد يدخلوا قاعة الرجال معك ولا تتركهم معي، لأنهم يعرضون بوفيه الطعام عند الرجال قبل قاعة النساء تكثير، وأولادك باتوا كالمشردين أقصى أمانيهم رؤية كيف يكون بوفيه حفلات الزفاف))
قال مُؤيد باستخفاف
((عندما يكبران في العمر سأفعل، أما الآن فمستحيل.. ما هو منظري أمام الرجال وأنا أجر طفلين خلفي!))
شعرت رتيل برغبة ملحة في قتله.. لكنها تمَالكت رغبتها المكتومة وباشرت تساعد ولديها في خلع حللهم قبل أن تطلب منهم الاستحمام..
في أثناء ذلك عندما تحرر فهد من قميصه الأبيض وقعت عينا رتيل بذهول على كدمة كبيرة على يده.. فهلعت تمسك ذراعه تتفحصها وهي تسأله بلهفه قلقة
((ما هذه الكدمة يا فهد؟ لم تكن موجودة قبل أن نخرج؟))
التفت مُؤيد يناظر ذراع ابنه بتوجس في حين زمّ فهد شفتيه مجيبا بحزن
((لقد وقعت على ذراعي أثناء مغادرتنا))
صرخت رتيل به موبخه بغضب دافعه القلق عليه
((كم من مرة عليّ أن أخبرك ألا تركض أو تسرع في الأماكن المزدحمة حتى لا تقع))
خرج صوت فهد مرتجفا ينذر بوصلة بكاء أخرى لكن مدافعا عن نفسه
((ألم تقولي لي بأن علينا اللحاق بك على الفور لأننا لو تأخرنا لدقيقة أخرى والدي سيحرمنا من الخروج مرة أخرى معه؟ كنت أودع أصدقائي بشكل سريع وأحاول اللحاق بك حتى لا نتأخر أكثر))
هنا أدركت رتيل أن موجة الغضب التي تجتاحها خرجت عن نطاق سيطرتها فانتفضت واقفة تثور عليه بسخط
((لقد طفح الكيل منك يا مُؤيد، أنا لن أتحمل المزيد))
هتف مُؤيد باستنكار
((هل جننت يا رتيل؟))
ضربت الأرض بقدمها بقوة وهي تزعق به تفرغ كل حنقها الذي تشع به تجاهه
((نعم جننت، عندما يصل الحال بولديك الاثنين الى هذا النحو فأنا لن أسكت أكثر، انظر لحجم الكدمة الذي تسبب بها لنفسه خوفا مما سيلاقيه منك لو تأخرنا في المغادرة! هل كنت ستخسر قدما أو يدا لو انتظرتنا نصف أو حتى ثلث ساعة؟))
ارتفع صوت مُؤيد قاصفا وهو يزجرها
((اخفضي صوتك))
غامت عينا رتيل بحقد عليه وهي تقترب منه تقول بغل
((بعرفك السينما والمطاعم عيب رغم أني أعرف بل متأكدة من أنك لا تنكب عن الذهاب لتلك الأماكن في المدينة.. لكن أن يصل الحال بك ألا تسمح لنا حتى بالذهاب والاستمتاع في المناسبات الاجتماعية مثل البشر والخلق! فلا وألف لا))
اتسعت عيناها ببريق رافض وأردفت ثائرة
((ها قد فوتنا نهاية حفل خطوبة ابن عمك بسببك، لكن فليكن بعلمك في حفل زفافه القادم أنا وفهد وباسم لن نغادر قبل أن ندخل لقاعة الطعام ومع باقي أفراد عائلتك، لن أقبل أن نغادر قبلهم))
كانت عينا مُؤيد تضيقان وتضيقان مع كل كلمة تهتف بها.. حتى بدت في آخر كلماتها كخط رفيع من الخطر والشرر.. وما إن توقفت مكانها تلهث حيث هيئت نفسها للصراخ بالمزيد من الكلمات فما بجعبتها من كلام ضده لا ينتهي.. لكن صمت زوجها الغير مألوف فيه ونظراته جعلانها تتردد.. فرمشت بعينيها ليقول أخيرا ببرود لها
((في أحلامك سيحدث هذا))
رفعت ذقنها رغم توترها الداخلي.. وهتفت
((إذن أنا لن أذهب أنا أو الولدين، اذهب لوحدك لحفل الزفاف وحيدا محرجا بدون أي رفقة إلا أبويك))
تساءل مُؤيد بلهجة أكثر هدوءً لكن أشد خطورة
((هل أنتِ واعية لما تهددينني به يا هانم؟))
كتفت ذراعيها تقول بلهجة يلفها الإصرار
((نعم أنا واعية يا أستاذ مانع، عندما نذهب لمكان ما فنحن نريد أن تستمتع ونحظى بوقت جيد مثلك تماما، ولسنا مجبرين على المغادرة لمجرد أنك تريد ذلك، أو لن نرافقك لأي مكان..))
فغر مُؤيد شفتيه لا يصدق تحديها السافر وما زاد عليه تضامن صوت ابنه الطفولي معها وهو يقف بجانبها
((نعم نحن مع أمي))
بقي مُؤيد صارم الملامح مشتعل العين ببريق خطير وهو يقول بغضب مكتوم بينما يوزع أنظاره لهم
((ممتاز، كم أنا محظوظ بامتلاك زوجة وأولاد صالحين ومطيعين مثلكم، لكن لست أنا من أسمح لأمثالكم أن يفرضوا رغباتهم عليّ، أنا من أحدد متى نذهب ومتى نعود فقط لا غير))
ازداد شيء من خوفها من ردة فعله إلا أنها رفعت وجهها وهي تقول بأناقة مستفزة
((إذن يمكنك الذهاب إلى حفل ابن عمك وحيدا كرجل عازب))
سألها مُؤيد بلهجة خطيرة
((هل أنتِ متأكدة؟))
ردت رتيل بلا مبالاة متشحة بالمرارة والقهر
((نعم أنا متأكدة يا أستاذ مانع))
رد عليها مُؤيد بصوتٍ واضح وهادئ
((إذن سأعتذر من الآن لوليد عن ذهابي ونيابة عنكم عن الذهاب إلى حفل زفافه))
حررت رتيل ذراعيها وهي تنظر له متغضنة الجبين بلا تصديق! ازدردت ريقها ثم اقتربت منه تهتف بقهر وبعينين لامعتين تخاطب عواطفه
((لماذا تفعل هذا يا مُؤيد بنا؟ لماذا تُصر على التصرف كأستاذ مانع وتمنع عنا كل مصادر الفرح!))
رفع مُؤيد إحدى حاجبيه يردد بصرامة وحزم
((لست أنا من يسمح لامرأته وأطفاله بالتحكم به))
اقتربت أكثر منه وخرج صوتها مرتعشا وهي تهتف به باستهجان والقهر في داخلها يتفاقم صارخا
((لماذا يا مُؤيد لا نستطيع أن نحيا حياة سعيدة وهانئة خالية من تسلطك وأوامرك المجحفة التي تزيد بؤسنا!))
اهتزت حدقتي مُؤيد من كلامها دون أن تنحسر واجهة الصرامة عن ملامحه مما جعل رتيل تستطرد هاتفة
((مهما حاولنا إسعادك تقابلنا بالعصبية والبرود، أنتَ لا تحاول حتى أن تشعره ولديك بحنان الأب.. أنتَ لا تجلس ولا تضحك معنا ولا تقبل حتى أن تتناقش معنا بشكل عادي وعليك أن تكون الوحيد الذي يقرر كل شيء متعلق بنا، تستخف بآرائنا ورغباتنا.. كيف تريد من فهد وباسم أن يبرانك بعد ما تكبر إذا كنت تعاملهما بهذا الشكل! بدون مبالغة أنتَ تعامل العاملين والموظفين أفضل منا.. تتصدق عليهم بابتسامة لا نجدها منك))
ما إن انتهت رتيل من كلامها حتى كانت الصرامة تنحسر عن ملامح مُؤيد واهتزت حدقتيه لكنه لم يرمش.. أيضًا لم يستطع أن يحدد إن كان الضيق المتسلل له من جرأة زوجته أو من حقيقة كلامها الذي لا يعترف بأنه أمر مجحف لهم! فاختلس النظر إلى طفليه اللذان بدآ يبكيان ثم صرخ معترضا يخفي غضبه من نفسه لأنه كان السبب ببكائهما
((انظري للمناحة التي حصلت الآن! كل هذا لأني طلبت منكم أن نغادر الحفلة قبل عرض بوفيه الطعام؟))
عقبت على اتهامه
((بوفيه الحفلة لم يكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، لكن أنتَ مجملا لا تحب أن تسعدنا))
اتسعت عينا مُؤيد لشهقات ولديه وهما مستمران في البكاء فهتف بها بارتياع
((اجعلي الولدين يصمتان، لا أحب صوت البكاء والعويل))
إلا أنها زمّت شفتيها وأشاحت بوجها المحتقن بعيدا مما جعل مُؤيد يهتف بهما باستياء
((اسكت أيها الأحمق وأنت الآخر أيضًا، الفتيات فقط من يبكين))
زفر مُؤيد بضيق وانخفض نحو ابنه فهد الجالس على الأرض، ورفعه وهو يحتضنه بمحاولة منه لجعله يتوقف عن البكاء.. وتوقف فعلا فهد وهو يبعد كفيه عن وجهه يطالعه من بين دموعه الممتلئة بالدموع بتوجس..
لفت الحيرة ملامح مُؤيد من نظرات ابنه لتسارع رتيل التعقيب بمرارة متهكمة
((انظر كيف هو مستغرب من أحضانك! طبيعي تصرفه فأنتَ حتى لا تقضي معهما الوقت ولا يوجد بينك وبينهما أي علاقة أبوية))
هز مُؤيد ابنه الذي يحمله وهتف على مضض
((حسنا.. حسنا.. حسنا يا أولاد.. لن أطلب منكما مغادرة حفل زفاف قادم قبل أن تكتفوا بالجلوس))
توقف فجأة الاثنين عن البكاء وناظراه بدهشة هاتفين بصوتٍ واحد
((حقا؟))
ضيق مُؤيد عينيه وأنزل ابنه الذي يحمله أرضا بنزق ثم قال أمام أنظارهم المصوبة له بامتعاض
((هل هكذا أصبحت أبا نموذجيا ومثاليا؟))
لفت الدهشة ملامح الصغيرين وسارع فهد يتشبث بساق والده هادرا بلهفة
((وهل سنذهب للسينما والمطاعم أيضًا؟))
مال مُؤيد بعينه له بنظرة تحذيرية بألا يتمادوا في طلباتهم حتى لا يتراجع في كلامه فسارعت رتيل تحث ولديها على المغادرة
((يكفي يا فهد، اذهبا لغرفتكما قبل أن يغير والدكم الحبيب كلامه، غيرا ملابسكما وسألحق بكما))
أغلقت رتيل الباب خلفهما ثم تطلعت ببهجة لم تستطع كبتها فقال مُؤيد من بين أسنانه وهو يتناول مئزر الاستحمام
((هل أنتَ راضية الآن؟ أنا أعرف بأنك العقل المدبر وراء تصرفاتهما))
اقتربت رتيل من زوجها ووقفت أمامه ترفع عينيها لعينيه قائلة بدلال وهي تحيط وجهه بكفيها الناعمتين
((ولا كلمة تعبر كفاية عن مقدار حبي لك))
نفض كفيها عن وجهه بازدراء ليقول بعبوس
((حسنا سأذهب لأستحم.. ابتعدي عني))
كان يهم بأن يستدير لكنها أمسكت كتفيه تديره لها لتعض شفتها السفلى المكتنزة بأنوثة وتقول بتردد يلفه الإغواء المفتعل
((هل تريد أن أفرك لك ظهرك؟))
للوهلة الأولى أطل بوجهه شيء من الامتعاض والرفض من تصرفاتها هذه.. ورغم امتعاض ملامحه إلا أنه حدق بعمق عينيه بملامحها التي تتلون بدهاء الأنوثة وهي تُرسَم أجمل ابتساماتها.. أشعرته بأنها كالأفاعي التي تلتجئ لنعومتها حتى تحصل على غايتها.. فازدرد ريقه يقول بحنق ظاهري
((أريد أن تغربي عن وجهي أنتِ وغنجك السخيف))
اقتربت رتيل أكثر حتى كادت تلتصق به وعطرها الثقيل يغمر أنفه ويفقده التركيز.. ثم ارتفعت يداها بحذر تنتظره أن يوقفها لكنه لم يفعل.. فاستقرتا على صدره لتقول بنبرة خافتة وبصوتٍ أجش
((سأغرب عن وجهك بعد أن أتأكد من أنه لا ينقصك شيء))
تذكر هي منذ زواجها به وهو كان يضع حاجزا صلبا بينهما يمنعها من التقرب منه.. ويمنعها أن تكون له أكثر من زوجة.. وأم أطفال.. يريدها أن تكون امرأة منطوية عن العالم الخارجي وقليلة الاطلاع.. من خلال إحاطتها بصرامة قوانينه وحصونه المغلقة بأسوارها عالية..
لكن كل هذا لم يعد فعالا كثيرا معه في الأشهر الأخيرة وقد فتحت بواباته رغمًا عنه ووهنت حصونه..
امتزجت أنفاس رتيل معه بدقات قلبها الهادرة لتحيط عنقه بكفيها لتمد جسر العاطفة بدعوة مساء فاتنة الهمس
((أنا أحبك يا مُؤيد))
ورغما عنه ازدادت وتيرة أنفاسه وهو يطالع ملامحها الناعمة الفاتنة.. ولا يدري كيف اختفت يداه في كثافة شعرها حالك السواد.. ولم يعي أحدهما إلى اهتزاز هاتف مُؤيد بإشارة اتصال إحدى العميلات عنده التي كان اسمها يعلو شاشته.. "دموع"..
=============================
مدرسة القرية الثانوية للبنين..
صدح صوت الجرس عاليا ينبئ بانتهاء آخر حصص هذا اليوم الدراسي.. بعد أن غادر كل طلاب فصل مَالك وخرجوا بدأ يجمع أوراقه ويضعهم في ملفه قبل أن ينتبه على بقاء طالب واحد مكانه لم يحزم كتبه بعد ولم يتجهز للمغادرة فهتف مَالك به يسأله باستغراب
((لماذا لم تخرج من الفصل ولا زلت جالس هنا في مقعدك؟ انتهى دوام هذا اليوم!))
رفع الطالب وجهه الطافح بالعبوس يقول
((أنا مستاء من علامة الامتحان الذي سلمتنا نتائجه اليوم))
رفع مَالك حاجبيه ثم اقترب منه يقف أمامه قائلا
((لقد حصلت على ثمانية من عشرة، إنها أعلى علامة بالفصل))
هتف الطالب معترضا بصوتٍ مثقل بالحنق
((ولكن علاماتي السابقة كلها كاملة والدرجتين اللتين خسرتهما في هذا الامتحان ستحول دون حصولي على مئة من مئة في اللغة الإنجليزية هذا الترم))
ابتسم مَالك لطالبه ابتسامة جانبية ثم ناغشه
((ثمانية وتسعين علامة لا تقل روعة عن مئة))
كتف الطالب ذراعيه يقول بصوت متحشرج
((كنت أتمنى أن أحصل على مئة ودرست مادتك هذا الترم بجد واجتهاد لأحصل عليها ونتيجة هذا الاختبار أحبطت كل ما كنت أعمل عليه))
ازدادت ابتسامة مَالك وهو يرى نفسه في هذا الطالب عندما كان بعمره.. فكان على عكس أخيه التوأم على قدر عال من الذكاء وإذا استثنى حياته العاطفية فقد كان له شغف وحيدٌ يتعلق بمساعيه الأكاديمية..
وضع مَالك يديه في جيبي بنطاله يهمهم بتفكير قبل أن يقول له بنبرة عادية
((حسنا بما أن علامتك كانت الأعلى في الفصل، فما رأيك لو أزيد درجتين لكل الفصل وهكذا ستحصل على علامة كاملة وتبقى تطلعاتك عالية للامتحان النهائي وتحصل في مقرر اللغة الإنجليزية على مئة!))
اتسعت عينا الطالب بذهول ووقف من مكانه كمن دبت فيه الحياة فجأة ليقول بلا تصديق
((حقا؟ هل ستزيد علامتين لكل الفصل؟))
التمعت عينا مَالك بتسلية وهو يهز رأسه مؤكدا قبل أن ينبهه
((نعم ولكن لا تحلم بمثل هكذا زيادات مستقبلا))
قفز الطالب فرحا قبل أن يميل ويقبل جبينه بحركة فجائية
((أول وآخر مرة، شكرا لك يا أفضل أستاذ في المدرسة))
ضحك مَالك بخفوت على الطالب وهو يراه يقوم بتجميع كتبه ووضعهم في حقيبة ظهره بنشاط وهمة..
عندما كان بعمره لم يكن أي أستاذ ليقدم له هذا العرض السخي.. لذا هو يتفهم فرحته..
كما أنه سبق وكان يوما طالبا على مقاعد الدراسة ويعلم عظم الأثر الذي يتركه أي أستاذ في عقل وروح كل تلميذ من تلاميذه.. ولذلك يحاول مراقبة أدق تصرفاتهم ويقومها دائما! بل حتى يخجل أحيانا من زلات لسانه أو تجاهل نداء خافت من أحدهم.. فبالنهاية المعلم هي أشرف المهن وأكثرها تأثيرا على مسار المجتمع..
غادر الطالب مهرولا نحو الخارج ينوي إخبار باقي الفصل بهذه الهدية لينتبه مَالك لدخول أحد أصدقائه وزملائه الذي يعملون معه في المدرسة متهكما
((كيف حالك يا أفضل أستاذ في المدرسة؟))
خطا مَالك نحو الطاولة يلتقط ملفه ويحمله هادرا
((اصمت أيها السخيف))
خرجت ضحكة ساخرة من صديقه ثم عقب
((هذه مبادرة فريدة من نوعها أن تقوم بزيادة درجتين كاملتين لكل الفصل! ليست أبدًا من طبعك))
هز مَالك كتفيه يجيبه بحيادية
((قررت أن أتجاوزها هذه المرة من باب عدم تنفير طلابي من الدراسة عبر الأسلوب المتشدد أو التجاهل المستمر للزيادات))
تنحنح صديقه قبل أن يقترح
((ما رأيك أن نذهب فجر عطلة نهاية الأسبوع للعب كرة القدم مع باقي الرفاق؟))
صمت مَالك للحظات يزم شفتيه قبل يصارحه
((لا أدري، في الحقيقة لا رغبة لي في القيام بأي شيء.. لكن إذا كان مزاجي حينها مناسب لكرة القدم سأرافقكم))
بمجرد أن غادر الاثنين المدرسة من البوابة الحديدية الضخمة حتى تفاجأ مَالك بصوتٍ طفولي يهرول نحوه لينتبه بأنه يزيد..
ابتسم مَالك له وهو يحمله قائلا بدهشة
((مرحبا يا يزيد، لماذا جئت لهنا؟))
غمغم يزيد بفرحة
((السائق قال بأنه سيحتاج لدقائق قبل يعيدنا للبيت فجئت ألقي السلام عليك، هل أعود معك يا أبي بدلا من السائق؟))
وسرعان ما شهق يزيد وهو يصحح كلامه بتلعثم وارتباك ما إن انتبه للشخص الأخر الذي يقف معهم
((أقصد.. كنت اقصد يا عمي؟))
ازدرد مَالك غصة مريرة مسننة.. وهو ينعت نفسه بأبشع الصفات لكل ما يمر به طفله الصغير بسببه هو وسمية..
عليه حقا أن يعجل في موضوع إطلاع والديه بحقيقة يزيد.. وبصعوبة حافظ على ابتسامته مطمئننا
((لا تقلق إنه مُدرس يعمل معي في المدرسة ويعرف بشأنك يا يزيد، لكن عد برفقة السائق مع أولاد عمك، ففهد سيحزن لو عرف بأنك عدت معي بدونه.. ثم أنا لم آتي اليوم للمدرسة بالسيارة وسأعود سيرا على الأقدام))
أخفض مَالك ابنه أرضا ورفع يده ملوحا له يحثه أن يعود مع السائق الذي كان يركن سيارته أمام مدرسة يزيد الابتدائية والمقابلة لمدرسته هاتفًا
((إلى اللقاء يا يزيد، سأراك بعد عودتي))
مد صديق مَالك يده يبعثر شعر يزيد الكثيف بود مبتسما له قبل أن يعود الصغير أدراجه.. فالتفت لمَالك يقول
((ابنك هذا لطيف جدًّا))
أومأ مَالك له وهو يضع كفيه في جيبا بنطاله ويسير معه في الطريق فعاد صديقه يضيف بنبرة ذات معنى
((مَالك، ألا تلاحظ بأنك الوحيد بين شلتنا الذي لم يسبق بكل حياتك أن خرجت وتكلمت على الهاتف مع أي فتاة؟ حتى هاتفك لم يسبق وأن ورده اتصال من أنثى إلا أمك.. ووالدة ابنك))
التفت مَالك بوجهه ينظر لصديقه أثناء سيره يستنكر
((وما الغريب في هذا؟ هل صار الالتزام تهمة؟))
أطلق صديقه تنهيدة عميقة قبل أن يقول له
((أنتَ صديق عمري وطفولتي ولست زميل عملي في المدرسة وحسب، وأنا لا يهون عليّ أن تبقى أعزب وتبقى حياتك خالية من أي لمسة أنثوية، أنتَ في الثامنة والعشرين عليك أن تفكر بجدية في الزواج))
قطب مَالك حاجبيه يقول بتأكيد
((وهذا ما أعمل عليه حاليا، لقد قررنا أنا ووالدة يزيد أن نعود لبعضنا.. في الحقيقة أنا قررت فقط من جهتي.. لكن أظن أن عودتنا لبعضنا صارت وشيكة))
تجهمت ملامح صديقه قائلًا
((لقد قالت لك بأنها لن تعود، فاحترم رغبتها، كما أنها حقا غير مناسبة لك، أدعو فقط أن يلهمك الله نسيانها وإزالة حبها من قلبك والزواج بمن تناسبك))
عكف مالك حاجبيه يقول عابسا
((لا أريد أن أتجاوزها أو أنساها، حتى لو لم تكن من نصيبي، لأنه سيكون تجاوزا حزينا باهتا))
هز صديقه رأسه بيأس وهو يعي صعوبة إقناع مَالك بما يراه هو الصواب.. فنظر مَالك أمامه وهو ما زال يسير في الطريق قبل أن يقطع الصمت بينهما قائلا بذهن شارد
((لم أستطع فعل شيء لأمنعها من الزواج أول مرة فقد كانت فتاة في عمر الورود وجاهزة تمامًا للزواج بينما أنا بالكاد قد دخلت المرحلة الجامعية، لكن الآن اختلف الوضع تماما، لقد بذلت أقصى جهدي حتى أعمل وأدخر مبلغا مناسبا يؤهلني لأكون قدر المسؤولية في الزواج))
تنهد صديقه بقنوط ثم قال
((سبب رفضها هي تلك الفوارق العمرية والاجتماعية؟))
أومأ مَالك إيجابيا قبل يجيب
((نعم، لم أستطع حتى الآن أن أحوز على ثقتها وأثبت لها بأن تلك الفوارق لن تؤثر على زواجنا))
همهم صديق مَالك يدعي استغراق التفكير قبل أن يقول
((على ما أذكر هناك معلم أيضًا زميل لنا في المدرسة تزوج من جارة له رغم أنها كانت تكبره بخمسة أعوام، وفضلًا عن فرق السن فقد كانت أرملة وأم لولد بعمر العاشرة، لكن هو تزوجها لأنه كان يبحث عن الاستقرار العاطفي والاجتماعي ولم يكن لديه آنذاك مصدر دخل ثابت، ولا إمكانية للزواج، فكان زواجه من جارته حلًا مثاليًا بالنسبة لهما، هي تكبره بالعمر وأرملة وأم لولد، لكنها خلوقة وجميلة وتملك منزلًا ومورد دخل جيد، فكان الأمر مفيدا بالنسبة له، أما أنتَ فلا أرى أي إيجابية لزواجك من تلك المرأة التي تحبها مع تلك الفوارق بينكما))
انكمشت ملامح مَالك بانزعاج مما يقصده صديقة.. في البداية ضغط على أسنانه يمنع لسانه لكنه خرج في النهاية منه منفعلا بحدة مستنكرة
((أخبرك بأني لم أحب امرأة غيرها وفي نفس الوقت هي والدة يزيد ومع ذلك ترى بأنهم أسباب غير كافية لنعود أنا وهي؟))
مسح صديقه وجهه بيأس قبل أن يعود لينظر له موضحا
((مَالك لا تفهمني بشكل خاطئ، أنا لا أكن أي ضغينة تجاه المرأة التي تحبها فأنا من الأساس لا اعرفها، ولكن بما أن الطلاق حصل بينكما، فلا داعي لعودتكما حتى لو كان هناك طفل بينكما بما أنكم الثلاثة متكيفين منذ سبع سنوات على هذا الوضع، فأنت من تلاحقك الفتيات بالعشرات لا يجب عليك أن تتزوج بفتاة بهذه المواصفات))
ارتفع صوت مَالك محذرا بالكاد يمنع مزيدا من نيرانه الاندلاع بوجه صديقه
((اسكت.. أنا لست بحاجة لرأيك))
اندفع صديقه يقول وهو يرفع كلا كفيه
((مَالك سبب حنقي من عودتك لها هو فقط لأن قصتك مشابهة لابن خالي، لا أقدر ألا أسقط ما مر به عليك))
سأله مَالك دون رغبة حقيقية بمعرفة قصته
((ما به ابن خالك هذا؟))
تنهد صديقه بأسى لا يعرف كيف يبدأ قبل أن يسرد عليه
((ابن خالي ذاك كان مثلك يحب امرأة تكبره سنا ومطلقة تزوج منها ومن دون التفكير الجدي بالعواقب، لا سيّما أن والديه عارضا بشدّة علاقته معها، لكنه وعلى حسب ما قاله لاحقا فقد كان أعمى حين قرر الزواج منها، ليس عيبًا فيها هي، ولكن لأن الواقع المحيط يفشي رفضه لمثل هذا الزواج فملامح وجه زوجته كبرت فجأة حتى أن الناس اعتقدوا أنها أخته الكبرى، وكذلك فإن المشاكل بين زوجته وأمه كانت تلاحقه باستمرار، ليكتشف متأخرًا بعد نار الحب والتمرد على الواقع سيصبح الطلاق نهاية لا محالة لها، هو الآن يلوم نفسه على الزواج لأنه عاند الجميع، وبات الآن مطلقًا))
عقد مَالك حاجبيه يقول
((أنا متأسف لما مر به ابن خالك، ولكني الآن ناضج والتمرد لأجل التمرد ليس شيء مألوف في شخصيتي، أما بالنسبة لفارق العمر فالسعادة الزوجية لن تقاس وفق معياره))
انزعجت ملامح صديق مَالك فهدر باستياء
((إنه قرارك وأنت مسؤول عنه، لكن عليك أن تعرف بأن عالمنا الشرقي محكوم بمعايير محددة على عكس نقيضه الغربي في اختيار شريك الحياة ومن الصعب قهرها، وإن فعل الرجل ذلك فسيكون ضحية لقراره، إلى أن يؤول الزواج إلى الانفصال))
لكز مَالك كتفه بقوة من دون أن يعي وهو يزجره
((أيها السخيف، لم نتزوج بعد وتأمل انفصالنا الثاني))
شهق صديقة من قوة ضربته ورفع يده يدلك مكان الضربة مدمدما بصوتٍ محتقن
((أمزح.. أمزح معك..))
لوح مَالك بكفه التي شعر فيها بشيء من الألم من قوة ضربته قبل أن يقول بجدية تكتنفه
((لا أريد منك إلا أن تتمنى لي حياة هنيئة معها لأخر العمر))
ناكفه صديقه مازحا
((بعد حديثنا هذا لا يسعني أن أقول إلا أنك فعلًا تحبها ومخلص جدًا لحبها، وإما أنك أبله.. أيهما أقرب لك))
مال مَالك إليه مجددا يحاول أن يضربه لكن هذه المرة بنظرات أكثر وعيدا إلا أن صديقه هرول من أمامه صارخا بمرح
((ليكمل كل واحد منا الطريق لوحده))
=============================
شركة القاني..
بمجرد أن وصل قصي إلى شركة القاني حتى ركن سيارته الفارهة في المكان البعيد بشكل جزئي عن الشركة كعادته منذ أن بدأ العمل فيها.. فلا ينقصه أن تبدأ الشكوك والنظرات تصوب نحوه بتزايد عن كيفية امتلاك موظف مثله براتب متدني هكذا نوع من السيارات بل وتبدليها بأفضل منها بين كل حين وأخر..
رفع هاتفه يتصل على سهر مجددا للمرة الألف فقوبل اتصاله بالتجاهل كما سابقه من اتصالات.. هل ستطول فترة ابتعاد سهر وخصامها هذا؟ لأنه لن يستطيع التحمل أكثر.. بل كل ما يفعله ويعيشه من صعوبات من أجلها..
زفر بحنق هو يغمر وجهه بكفيه يمسحه بإجهاد، يا له من شوق لرؤيتها اللحظة لا يعادله قوة إلا شوق الزواج بها..
نعم هو يريد أن يتزوج منها ويعيش معها تحت سقف واحد برغبة تفوق رغباتها.. لكن ما بيده حيلة..
عمه يظل يؤجل بوعوده فلا يسعه هو الأخر إلا بتأجيل وقت إفصاحه بالحقيقة لها ولأمها.. ولكن بما أن عمه لا يبدِ حاليا أي نية بتحقيق وعوده عليه أن يخبرها الآن كل شيء!
لو كانت أمها امرأة أكثر تفهما وأقل جشعا لكان حاول أن يشرح لها موقفه..
رفع قصي وجهه وتناول حقيبة ظهره وهو يترجل من السيارة ويغلق الباب خلفه بقوة.. وقف أمام باب قسمه ثم رفع بطاقة تعريفه الإلكترونية يمررها في المكان المخصص ليفُتح الباب الزجاج الضخم له ويتجاوزه للداخل..
زفر بحنق وهو يجلس خلف حاسوبه يبدأ عمله المقيت في عالم "السماعة" حيث يبدأ في تلقى الاتصالات كموظف خدمة العملاء ويتحمل أمام العملاء أخطاء وفشل كافة الإدارات..
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!