لا تنسو التصويت ❤️❤️
شركة القاني..
رغم الارتباك الذي كان يلفه إلا أنه أخذ نفسًا عميقًا يستعيد رباطة جأشه ثم تشجع يطرق بيده المزمومة الباب المفتوح لمكتب المشرفة التي انتقلت حديثا لقسمه..
أذنت شيرين له في الدخول هاتفة
((تفضل يا قصي ادخل))
ابتسم ابتسامة مهتزة سائلًا بخفوت وهو يتقدم للداخل ويجلس على المقعد أمام مكتبها
((كيف حالك يا شيرين؟))
رمقته شيرين بنظرة نقمة مشوبة بالصرامة قبل أن تقول بنبرة مقتضبة
((لقد تأخرت لساعتين كاملتين.. هذا هو تنبيهك الثاني.. بقي لكً تبيه أخير قبل أن تحصل على إنذارك الأخير وتُفصل من الشركة يا قصي سامح))
عقَّب قصي على كلامها بطريقة ودودة
((أنتِ يا شيرين تعرفين أننا مضطرون هنا كموظفين خدمات عملاء للتبديل أسبوعيًا بين كل المناوبات.. مناوبتي في الأمس كانت مسائية، ومناوبتي اليوم صباحية.. وكإنسان فمن الطبيعي أن أتعرض لاضطرابات في الساعة البيولوجية ويفوتني موعد الاستيقاظ وأتأخر عن العمل أحيانًا..))
طالعت شيرين وجهه البشوش للحظات بصرامة ثم قالت بواجهة مشرفة حازمة دون أن تبادله الابتسامة أو الود
((أنتَ لست موظفًا جديدًا في شركة القاني يا قصي، بل تعمل هنا منذ سنتين، ويفترض بأنك تعرف أن عملك هنا في خدمة العملاء والرد على اتصالاتهم لها مشاكلها وعيوبها))
للحظات صفن بها بغير استيعاب ثم رفع إحدى جابيه يصحح لها بتردد
((تقصدين مزاياها وعيوبها؟))
أجابته بهدوء دون أن تنحسر ملامح جمودها
((لا.. لقد قلتُها بشكل صحيح))
أومأ قصي برأسه يقول متفهمًا
((نعم فهمت.. المهم أني أريد أسبوع إجازة من إجازاتي السنوية في الأسبوع القادم..))
قاطعته شيرين بنبرة برود تفيد الرفض مسبقًا
((يمكنك تقديمها لكن لا أتوقع أن يتم الموافقة على أكثر من يومين))
احتج بجدية اكتنفته
((ولكن أنا لدي سفر ملح، وليس من المنطقي أن أسافر وأعود خلال يومين))
ردت عليه شيرين بمهنية
((قصي سامح هناك الكثير من المآخذ عليك، كان بإمكاني إخبار قائد فريقك أن يتحدث معكَ بشأن ما أقوله لكَ الآن.. لكن فضَّلت أن أنبهك بنفسي.. كن أكثر حذرًا وأقل استهتارًا حتى لا تخسر وظيفتك))
لعق قصي شفتيه بتوتر ثم نظر لها مبتسمًا
((أنتِ مشرفة صارمة جدًّا يا شيرين، أعرف بأنكِ انتقلتِ حديثًا لمنصب مشرفة في قسمنا هذا، ولكنكِ تعملين في شركة القاني منذ سنوات طويلة جدًّا، وتعرفين بأن العمل فيها في أي قسم كان يتطلب جهدًا وطاقة يكافئها راتبًا أكبر مِمَّا نستلم منهم، لذا لا بأس أحيانًا ببعض التقصير من جهتنا))
أُثار تبريره السخيف لإهماله حنقها، لكن ظلت ملامحها هادئة تمامًا دون أي تعبير يعكس ما بداخلها ثم تكلمت بنبرة جليدية شديدة الخفوت
((معظم الذي يعملون في شركة القاني يا قصي هم من طلبة الجامعات الذين يسعون إلى استغلال أوقات الفراغ التي بحوزتهم بالتوجه إلى سوق العمل للانخراط فيه، لذا راتب الوظيفة التي تقدمها شركة القاني لهم يتناسب مع ظروفهم بشكل لا يؤثر على واقعهم الدراسي، فليس من السهل أن يجدوا فرصة عمل بساعات متفرقة وأيام متباعدة.. لكن أنتَ كرجل في الثلاثينات من عمرك فلا أعرف سبب بقائك في وظيفة تعطي هذه الرواتب المتدنية.. خاصة وأن من هو في مثل عمرك ينفق على عوائل))
فتح قصي كلتا يديه يعلق
((للأسف لم أجد أي وظيفة أعمل بها إلا في شركة القاني البائسة))
ضرب في عينيها غضب عارم وهي تهتف
((إذن يجب أن تكون وظيفتك البائسة هنا رغم راتبها المتدني فهو مسعى لك، على الأقل يفي بمصروفاتك اليومية))
أدركت بأنها تجاوزت حدودها مع الموظف أمامها وأن انفعالها كان مبالغًا فيه.. فسعلت بإحراج ثم استطردت كلامها بتوبيخ مغلف بلباقة يمليه عليها موقعها في الشركة
((على كل حال أتمنى منكَ يا قصي سامح أن تتحدث باحترام عن شركة القاني، ففضلًا عن سماحها لك في العمل هنا أنتَ وأكثر من ألف موظف أخر.. هي أول مزود من نوعه لتقديم خدمات الإسناد والدعم وأحدث شبكة متكاملة من مراكز الاتصال على مستوى المنطقة))
رفع قصي أصابعه يدلك بها مؤخرة عنقه وقد لفه التوتر ليقول
((حسنًا سأفعل يا شيرين، أنا أعتذر لكِ ولشركة القاني المبجلة، لا تغضبي، لكن أريد نهاية دوامي ساعتين مغادرة..))
رفعت حاجبيها بتهكم لتقاطعه بمنتهى العملية
((متأخر ساعتين وتريد مغادرة لساعتين إضافيتين؟ طلبك مرفوض قبل حتى أن تقدمه..))
اعترض قصي بتلعثم
((ولكنني مضطر جدًّا، هناك حالة وفاة..))
قاطعته شيرين بكل ما تظهره من برود يناقض الانفجار داخلها من كثر اختلاقه حجج الوفاة للغياب
((هذه المرة إذا كان أحد جديك قد توفي حقيقة وليس اختلاقًا كما أنتَ معتاد فعليكَ أن تقدم أوراقًا رسمية تثبت وفاته ولن نكتفي بمنشور إعلاني تنشره على مواقع التواصل الاجتماعي حتى نتأكد من صدق ادعائك))
استقام من مكانه بضيق عارم وهدر بغيظ قبل أن يغادر المكان
((حسنًا يا شيرين سأذهب لأبدأ عملي وأضع السماعة ولن أغادر الشركة قبل انتهاء دوامي المحدد.. سلام))
أوصد قصي باب مكتب شيرين خلفه ثم ذهب إلى حيث يجلس مئات موظفي خدمة العملاء في قسمة أمام حواسيبهم..
جلس على مقعده خلف الحاسوب وأخرج هاتفه من جيبه يخفض رأسه خفية أن يراه أحد.. طلب رقم سهر وعندما ردت عليه قال بصوتٍ خافت حتى لا يتم الإمساك به متلبسًا في مخالفة إحدى القوانين القسم
((مرحبًا يا باربي، حبيبتي كيف حالك؟))
ردت عليه سهر بصوتها الناعم
((أهلًا قصي، لا زال هناك عدة ساعات على موعدنا..))
تنهد قصي ثم قاطعها يقول مبررًا
((تواصلت معكِ بهذا الخصوص، العمل اليوم المكتظ ولن أستطيع المغادرة))
لف الإحباط وخيبة الأمل صوتها وهي ترد بدلال حزين
((قصي أنا مشتاقة لكَ، لم أراك منذ الأمس، ألا ينفع أن تؤجل عملك قليلًا؟))
تنهد بعمق وهو يمرر أنامله بين خصلاته الناعمة ليقول
((للأسف لن أقدر يا باربي، أنتِ تعرفين حساسية موقعي وليس من السهل أن أدير شركة العائلة، لنتحدث ونلتقي في وقتٍ آخر))
حاولت سهر ألا تبدي الضيق وتتفهم ظرفه وهي تقول
((حسنًا يا حبيبي المُجِد.. لا تقلق.. على كل حال سألتقي بشيري بعد أن تنهي عملها اليوم))
اقترح عليها على الفور
((يمكنك أن تجتمعي معها في نفس المطعم الذي كنا سنلتقي به يا باربي))
سألته بدهشة ممزوجة بالسعادة
((أوه حقًا يا قصي؟))
ابتسم لاإراديًا لسعادتها وأكد عليها
((نعم يا حبيبي فأنا حجزته على كل حال، اطلبا ما تشاءان هناك وسأسدد من بطاقتي للمطعم فأنا عميل قديم عندهم))
لوهلة عبس قصي وهو يفكر بأنه لن يذهب مع سهر بسبب مشرفة عمله الصارمة التي ستأخذ مكانه معها! هل من العدل أن يحجز هو في مطعم له ولسهر من أجل أن يحظيا بوقت دافئ ورومانسي لتأتي شيرين في النهاية وتستولي عليه!
في حين قالت سهر له بامتنان شديد
((أوه حبيبي شكرًا لكَ اتعب أنا من لطفك الذي تغمرني فيه دائمًا، عليكَ أن تلتقي بشيري يومًا ما فأنتما لم تتقابلا إلا مرة أو مرتين قبل سنتين فقط))
توتر بشدة لا إراديًا عند حديث سهر عن شيرين! هو مقتنع بحتمية قدوم هذا اليوم الذي ستلتقي شيرين به وتعرف حقيقته! فمن المستحيل أن يعمل في نفس المكان دون أن تعرف هي أنه خطيب سهر طويلًا!
اكتسحه توتر فظيع عن هذه الأفكار إلا أنه تمَالك نفسه وهو يقول
((لا تقلقي يا حبيبتي سنلتقي أنا وصديقتك اللطيفة يومًا ما.. لكن ليس اليوم.. لاحقًا.. إلى اللقاء الآن))
اغلق الهاتف بسرعة مفكرا أن أيامه القادمة ستكون عصيبة جدًّا.. منذ عمله في شركة القاني قبل سنتين وهو يعيش في رعب شديد فقط لأن شيرين والتي تكون صديقة سهر المفضلة تعمل في نفس الشركة معه هنا.. رغم أنها كانت موظفة في قسم ومبنى آخر غيره.. فكيف الآن وبعد أن انتقلت شيرين لقسمه بل وصارت مشرفة عليه!
وبينما قصي غارق في دوامات من القلق والضيق لما يعيشه مال زميله الجالس بجانبه هامسًا له بتحذير
((اغلق الهاتف يا قصي وخبئه جيدًا، سيراك أحد المسؤولين وستأخذ تنبهيك الأخير ومن ثم الطرد!))
وضع قصي هاتفه حالًا في حقيبة ظهره ثم التفت لزميله طه الجالس بجانبه يجيبه بنفس الهمس
((لقد خبأته لا تقلق))
أشار طه لحاسوب قصي وقال له مستنكرًا عدم بدئه بعد في العمل
((حسنًا الآن سجل دخول للنظام وابدأ في العمل وتلقي المكالمات.. ماذا تنتظر؟))
امتقعت ملامح قصي ثم قلب عينيه بالسقف وقال بضجر
((لا رغبة لي في العمل.. لقد مللت.. اشعر بالاختناق رغم أني لم أبدأ بعد دوامي اليوم))
أومأ زميله طه برأسه ثم غمغم بتفهم
((الحال من بعضه، لكن أنا على الأقل طالب جامعي بمجرد أن أُنهي جامعتي حتى أجد وظيفة بشهادتي لكن أنتَ.. لا أعرف عمرك بالضبط.. تبدو على مشارف الثلاثينات.. وما زلت تعمل في وظيفة غير دائمة! بدلًا من أن تكون قد أسست قدمك في وظيفة محترمة بدخل أكثر احترامًا! وضعك صعب.. جدًّا!))
ارخى قصي جلسته على الكرسي وسأله بعبوس
((أنتَ يا طه لا زلت في الجامعة؟ إذن لماذا تعمل هنا؟ لماذا لا تركز على عيش حياتك الجامعية بين لهو ودراسة بدلًا من العمل في مثل هذه الوظيفة التي تقتل في حياتك كل أشكال الآدمية!))
أجابه طه بعفوية
((لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب، ومع تزايد أعباء المصاريف اليومية والحياتية في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة ككل وببلادنا بشكل خاص يستوجب عليّ مساعدة والدي في تقليص المصاريف المالية))
زمّ قصي شفتيه ثم قال له مشيدًا بلا مزاح
((أنتَ ابن صالح يا هذا))
عقّب موظف آخر يجلس على الجهة الأخرى من قصي ويدعى فائق ساخرًا
((بل أنتَ حالم يا طه، هل تظن بأنكَ ستجد وظيفة سريعًا بمجرد تخرجك! لقد تخرجت من كلية التجارة قبل شهرين ولم أجد فرصة للعمل إلا هنا.. فمجال خدمة العملاء هي الوظيفة الأشهر والأسهل والأكثر إتاحة لكل الخريجين الشباب ولا تطلب أي خبرة سابقة.. فقط لو تزيد هذه الشركة الخرقاء رواتبها وزيادتها السنوية))
لوح قصي بيديه وهو يقول
((هذا ما كنت أقوله للمشرفة شيرين قبل قليل..))
برزت عقدة بين حاجبي فائق وهو يقول
((وهل هناك شيء بيدها تلك المشرفة الخرقاء الصارمة! إنها موظفة مثلها مثلنا لكن براتب وصلاحيات أعلى بقليل))
التفت قصي له بتحذير مطل من عينيه.. فبعد كل شيء تظل شيرين أعز صديقة لسهر.. ثم قال له بجدية تامة خالية من أي ود أو مزاح
((لا داعي للتحدث عنها بهذا الشكل فكما قلت هي موظفة مثلها مثلنا ولا صلاحية لها في التحكم في الرواتب))
ظهر الامتقاع على وجه فائق والتفت لجهاز الحاسوب أمامه يضع السماعة فوق رأسه يكمل عمله متجاهلًا الرد على قصي.. بينما يقول الأول
((نعم؟ حقًا يا قصي هي ليست مذنبة بل الحق كله يطول على أصحاب شركة القاني ومسؤوليها الحقراء فهم يقومون على تنمية أعمال عملائهم من خلال خفض التكلفة عليهم، من خلال وضع تكاليف تشغيلية متدنية للموظفين))
هز قصي كتفيه لصحة ما يقوله زميله ثم سجل دخوله المتأخر للنظام ووضع السماعة فوق رأسه يبدأ عمله..
أخذ أول مكالمة يبدأ فيها العميل الكلام بما يكيل له الاتهامات ويصفه بالمتقاعس عن عمله.. وبعد دقائق من الاستماع لشكوى العميل لم يجد قصي أن يفيده إلا بالنصيحة الشهيرة لموظفي خدمة العملاء
((اعد تشغيل الجهاز يا سيدي وسيعمل))
بدأ العميل يقوم بما أخبره قصي به وبعد أن نجح الأمر سأله بفظاظة
((هل ستتكرر هذه المشكلة في المستقبل؟))
قال قصي من بين أسنانه ببلادة
((لحظة سيدي.. دعني انظر في المستقبل لأتأكد قبل الإجابة))
علا صوت العميل وهو يقول بامتعاض
((أيها الموظف لو كررت مزحة كهذه مجددًا فسأرفع شكوى عليك))
تأسف قصي منه على مضض قبل أن يغلق العميل المكالمة
((أعتذر منكَ سيدي))
وهكذا تابع يأخذ المكالمات على مدار اليوم..
=============================
جلست شيرين على مقعدها مقابل سهر في المطعم وكل ما فيها مأخوذ بتصميمات المكان الفخم الذي يتناغم برشاقة مع الإضاءة الهادئة والموسيقى المريحة التي تبعث السلام في النفس.. لكنها انتشلها صدوح صدح صوت رنين هاتفها لتجد شاشته يعلوها اسم "الرائد مُعاذ"..
اختلست النظر لسهر أمامها ولوهلة شعرت بالتردد في الإجابة عليه أمامها.. فرغم بروده وجفائه معها إلا أنه في الفترة الأخيرة وعقب لقائها به في المطعم ازدادته معاملته معها سوءً.. فهي من تبادر في الاتصال به دائمًا.. ومع ذلك فهو لا يرد عليها في معظم الأحيان وإن رد يتحدث بإيجاز وبرود كمن يتهرب من أي فرصة تتيح لها خلق موضوعًا للنقاش معه..
كادت أن تقسم في أيام والدها الأخيرة بأنه يكن لها الكثير من مشاعر الإعجاب ولولا علاقتها في الماضي من وليد لكان هو من طلب يدها للزواج في حياة والدها.. لكن معاملته ونظرته الآن مختلفة كليًّا.. يتصرف وكأنه مقدم على موته لا الزواج..
هل من الصحيح لها أن تمضي قدمًا في هذا الزواج رغم كل ما يبديه ويظهره لها؟
قررت أن تجيب على الاتصال قبل أن ينتهي رنينه
((مرحبًا مُعاذ.. كيف حالك؟))
رد بجفاء وبرود لها كعادته مؤخرًا
((لقد اتصلتِ بي عدة مرات في الصباح، هل هناك أي شيء؟))
اختلست شيرين مجددًا النظر لسهر أمامها والتي كانت تصغي لمكالمتها بكل اهتمام.. ثم عادت لمُعاذ تجيب بشيء من التلعثم
((نعم اتصلت بكَ.. كنت أريد.. أعني كنت بحاجة أن أسألك إذا ما كان اتصل بكَ أحد أخوالي واستفسر عن شيء بخصوص عقد القران فقد سبق وتحدثوا..))
قاطعها مُعاذ بنفاذ صبر
((قلت لكِ اتركي مسألة أخوالك لي فأنا من سأتحدث لهم، هل هناك شيء آخر؟))
أغمضت شيرين عينيها بينما لعابها أصبح كغصة مسننة يصعب ابتلاعها.. ثم قالت بعد لحظات بوجه محتقن من شدة الإحراج
((لا أحتاج شيئًا آخر))
وكأنها الكلمة التي كان بانتظارها فما كان منه إلا أن سارع في غلق الهاتف على وجهها دون أن يتفوه بكلمة إضافية..
هتفت سهر على الفور باستياء
((لا يعجبني هذا الرائد المغرور، فهو يتصرف بثقل شديد معكِ، لا أريد إحباطك لكني اشعر بأنه ليس هناك أمل فيه، لن يتحول زواجكما الصوري الي طبيعي أبدًا، فهو لا يبدِ أي رغبة بكِ))
أطرقت شيرين بعينيها ثم قالت وهي تمسد كفها براحتها الأخرى ((ربما..))
ظلت سهر تنظر لها باستغراق، تتأمل ملامحها البائسة بغير رضا.. ثم سألتها
((هو أرمل صحيح؟))
أومأت شيرين تجيبها بخفوت
((نعم منذ ثمانية سنين، لديه ابنة في الثانية عشر من عمرها اسمها دارين))
قالت سهر بعفوية ما خطر على بالها
((ربما لا يزال يعشق زوجته المتوفاة ولا يتقبل امرأة وإلا فما الذي يجبر زوج مثله على العزوبية طوال هذه المدة!))
تراخت أجفان شيرين مع تراخي رأسها كأنها تتأوه من وجع شوكة جديدة انغرزت فيها إلا أنها قالت بصراحة
((ربما.. وهذا ما يجعلني أحبه.. إخلاصه لزوجته حتى بعد وفاتها شيء مؤثر.. وعاطفي))
قالت سهر هي تستغرق بالتفكير
((هو شيء مؤثر فعلًا، ولكن إن استمر طويلًا فلن يكون جيدًا بالنسبة لكِ وسينعدم أي امل لك معه.. المهم ما أخبار وليد؟ ألا يزال يزعجك؟ أحيانًا أشعر بالقلق والخوف عليكِ، يبدو بأنه رجل واصل ومتجبر))
انتفضت شيرين فجأة عند ذِكر سيرة وليد لتسحبها من دوامة أفكارها من مُعاذ.. فغمغمت بغل من بين أسنانها المطبقة
((هو كذلك، ولكن الرائد ليس أقل منه، لن يستطيع وليد مَسّي إذا ما كان مُعاذ هو زوجي، حتى عشيرته التي يتغنى بها لن تفيده بشيء إذا كان خصمه هو الأخر واحد منهم))
مطت سهر شفتيها لتقول بنبرة شديدة الوطأة
((حسنًا بدأت أتفهم لِمَ اخترتِ مُعاذ، أسبابك ليست عاطفية ولكنها معقولة))
أطلقت شيرين زفرة طويلة ثم قالت
((ستأتي العاطفة بعد الزواج صدقيني، فكل شيء فيه يشجع على الحب.. وسامته.. مركزه.. اسم عائلته.. شهامته ودماثة خلقه))
هزت سهر كتفيها وقالت
((مع ذلك يا شيرين أنا لا أستطيع أن أخدعك وأقول بأني متفائلة بذلك الرائد))
تغضن جبين شيرين بالضيق وتساءلت
((وماذا قد أفعل الآن؟))
مالت سهر للأمام تنصحها
((أظن بأن عليكِ أن تطلعيه على رغبتك الحقيقية، أخبريه بأنكِ تشعرين بالأمان معه وأخبريه عن ملاحقة وليد لكِ.. وبأنكِ تريدين أن يكون زواجك منه طبيعيًا.. وبأنكِ لم تحبينه بعد ولكنك ستقدرينه وستبذلين ما بوسعك من أجله.. المواجهة الصادقة هي حل مشاكلك..))
هزت شيرين رأسها نافية تقول بإصرار
((لا سهر مستحيل، لو أخبرته كل ذلك فلن يوافق، كنت أشعر في البداية أنه منجذب ومعجب بي لكن الآن لا أرى منه تجاهي إلا الجفاء والبرود، لذا لو أخبرته عن وليد، فسيحاول إبعاده عني بدون أن يتزوجني..))
ألحت عليها سهر مكررة
((إذا كنتِ تشعرين بأن لا رغبة له بكِ فالأفضل ألا تُقدِمي على هذه المهزلة من البداية))
قالت شيرين بنفس إصرارها وبعينين زائغتين
((لا يا سهر.. بل سأمضي قدمًا نحوه، وبعد ذلك فأنا متأكدة من قدرتي كامرأة أن أسحره بعد زواجنا، سيحبني وأنا أيضًا سأحبه، فكما سبق وأخبرتك كل شيء فيه يشجع على الحب، أشعر بقبول رهيب تجاهه، وسأنسى وليد، سأنسى الرجل الوحيد الذي أحببته في الماضي فأنا لا أُكِن له حاليًا إلا كل الشر والكره والحقد))
ضاقت عينا سهر قليلًا ثم قالت بنبرة يشوبها القلق
((الكره هو الوجه الآخر للحب يا شيرين، عليكِ أن تلغي وليد من حياتك ولا تشعري بأي شيء تجاهه، لا حب ولا كره حتى تنسيه))
قالت شيرين بقلة الحيلة تغمرها
((لا أستطيع يا سهر أن أمحي كل مشاعر المقت تجاه وليد وأتوقف عن كرهه، فهو من لوث روحي وجعل الكره والحقد يتغلل فيها على مدار السنين بكل ما فعله بي))
كانت شيرين فعلا قد قامت بحظر وليد، فهي قررت أن تبيع كل ما تملكه بما فيه سيارتها، وتدخر كل أموالها في البنك مع ما تبقى من مدخراتها حتى تستطيع دفع تعويضات لموكله.. وستبقى في عملها وتبقى تدخر المزيد من المال إذا قام هؤلاء برفع قضية أخرى ضدها مستقبلًا..
سارعت تنفض هذه السيرة وتستطرد
((الرائد مُعاذ أخبرني بأني سأنتقل إلى شقته في المدينة وأعيش معه تحت سقف واحد.. فهو لن يقبل أن أبقى على ذمته وأعيش في بيت ناس أغراب))
بهت وجه سهر قليلًا ثم قالت متشككة
((نحن لسنا أغراب يا شيري.. لكن أصدقيني القول هل قبلتِ أن تحطي من قدرك بهذا الشكل وتطلبي الزواج منه خجلا من أن تبقي في بيتي؟ إذا كان هذا السبب فعائلتي تعتبرك ابنة لنا ولن أقبل أي نقاش..))
قاطعتها شيرين بصلابة رغم صوتها المهزوز
((سهر لا.. الموضوع ليس موضوع بيت ولا حتى مال، ولا يمكن أن يكون سبب طمعي في الزواج منه هو ثروته! أنا أيضًا أعمل في وظيفة مرموقة ولدي راتب عالي نسبيًا.. وأنتِ تعرفين أني كنت لأملك الآن في حسابي البنكي ثروة صغيرة لولا المبالغ الهائلة التي دفعتها ولا زلت أدفعها لعائلة ذاك الصبي بعد القضايا التي رفعوها عليّ.. لذا ثقي بي ودعيني أمضي فيما أخطط له))
أذعنت سهر لرغبتها فازدردت شيرين ريقها بصعوبة..
وبمجرد أن أحضر النادل الطعام لهما حتى تطلعت تسأله بتهذيب
((عفوًا.. هل يمكن أن ترشدني لدورة المياه؟))
أجابها النادل وهو يشير للمكان بيده
((نعم بالتأكيد يا سيدتي، دورة المياه الخاصة بالسيدات من هناك ثم انعطفي يسارًا))
دلفت شيرين إلى دورة المياه وأغلقت الباب خلفها بملامح صارمة لامبالية.. ثم انهارت باكية خلفه بصوتٍ مكتوم خشية أن تنال من عين أحدهم نظرات الشفقة..
بدا واضحًا بالنسبة لها أن الأشفاق والاحتقار كانا يلفان ملامح سهر طوال حديثها عن خطتها المثيرة للشفقة عن الرائد إلا أنها جاهدت ألا تظهر هذه المشاعر جلية حتى لا تحرج من نفسها أكثر.. لقد اتضح بأنها كانت في أخر أيام حياة والدها الأخيرة مجرد متوهمة بائسة عندما ظنت بأن ذلك الرائد يُكِن لها شيء من الانجذاب أو القبول..
شعّت عينا شيرين المحمرتين بالإصرار والعزيمة فهي لن تتراجع... أبدًا لن تتراجع.. هي جميلة وستبذل جهدها لتكون أجمل أمامه.. ستجعله رغمًا عنه يضعف ويستسلم أمامها..
ستذهب لأفضل صالونات التجميل وسترتدي ثوبًا أجمل من الذي سبق وحجزته مع سهر ليوم عقد القران.. ستذهله وتجعله غير قادر على إبعاد ناظريه عنها ويطلب بنفسه ودها من أول ليلة!
.
.
تململت سهر مكانها بانزعاج من تأخر عودة شيرين فقد بدأ يبرد الأكل.. تنهدت بضجر ثم تناولت هاتفها وبدأت تتصفحه..
رفعت حاجبياها بدهشة عندما وردها اتصال لترد عليه بلهفة تقول
((مرحبًا قصي كيف حالك؟))
وصلها صوته هادئًا
((أنا بخير سهر.. كيف حالك؟))
عبست ملامحها وقالت
((عندما تدعونني بسهر أعرف أن هناك شيء لا يسر ستقوله))
ضحك بخفوت ثم تنهد قبل أن يقول لها بشيء من الاعتذار
((نعم وهذا بالفعل ما سأقوله.. لن أستطيع أخد إجازة لمدة أسبوع لنسافر لذلك المكان الذي وعدتك به مع عائلتك بسبب عملي، تعرفين أن تقع مسؤولية شركة كاملة على عاتقك ليس سهلًا وسيكون من الصعب أخذ أي إجازة في الأشهر القادمة))
غمغمت ببؤس متفهمة
((نعم معكَ حق!))
رد عليها بصوته الدافئ القوي
((على كل حال بما أني اشتريت التذاكر وانتهى الأمر فيمكنك السفر مع والديك بدوني))
لفّ إحباط وقنوط صوتها وهي تقول
((ولكن ستكون رحلة تعيسة من دونك، ثم لمن سأعطي التذكرة الرابعة؟ شيرين أيضًا لن تستطيع الذهاب معنا بسبب عملها))
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخبرها
((اعطيها لأي أحد.. ربما لإحدى صديقات والدتك لتذهب هناك بشكل منفرد عنكم))
ردت عليه بتلقائية
((حسنًا سأخبر أمي أن تعطيها لإحدى صديقاتها فأنتَ تعرف بأن لها مكانتها ورزانتها بين صديقاتها الراقيات..))
لم يستطع قصي بهذه اللحظة إلا أن يقاطعها قائلا بضجر
((يا إلهي كم أمقت عالم سيدات المجتمع الراقي التي تتواجد أمي فيه مثل أمك! إنهن مجموعة من النساء المنافقات اللاتي لا يعرفن إلا النميمة والمجاملات الكاذبة في مناسبتهن وحفلاتهن الخيرية..))
شعرت سهر بشيء من الضيق من فكرة بأن هذه المرة هي الأولى تقريبًا التي يتحدث فيها عن أمه فهو نادرًا ما يجلب سيرتها أمامها بل وحتى هي الآن لم تلتقِ بها.. عندما استرسل
((لكن أنا ممتن أن زوجتي المستقبلية ليست منه))
ابتسمت سهر عند مديحه.. فهو وهي متشابهان إلى أقصى الحدود..
كانت تهم بالرد عليه عندما وصلها من الهاتف صوت رجل آخر يهتف بكلمات غير مفهومة ساخطة في قصي فسألته باستغراب
((هل هناك أحد عندك يا قصي؟ يبدو غاضبا))
من الجهة الأخرى عند قصي الذي كان يجلس عند رواق الشجرة انتبه لقدوم قائد فريقه معتز.. فقرب الهاتف لفمه يقول بخفوت
((انتظري يا سهر قليلًا فهناك أحد يريدني في موضوع مهم يخص العمل))
أبعد الهاتف عنه يتنحنح ليجلي صوته ثم قال بنبرة لطيفة لا تخلو من غرور ذكوري يناسب رجل أعمال فاحش الثراء
((مرحبًا يا معتز.. ما الذي تريده؟))
استغرب معتز من نبرة قصي في الحديث معه إلا أنه لم يعقب واكتفى القول بتحذير
((اغلق الهاتف يا قصي وعد لعملك، لقد انتهى وقت راحتك.. تجاوزك وقت الراحة لن يتسبب في خصم راتبك وحسب بل سيجبرني أن أعطيك تنبيهك الأخير، مشرفة هذا القسم بنفسها متوعدة لك))
كان لا زال قصي يتسم بالحذر لعلمه بأن سهر لا تزال على الخط وتسمع ما يقوله هو.. فرد على معتز بنبرة رجولية لها وزنها
((لا تقلق سأفعل.. يمكنك الذهاب من هنا))
مال معتز فاهه ببلاهة من نبرة صوت وطريقة قصي في التحدث معه.. هذا الصعلوك يخاطبه وكأنه رئيسه في العمل لا العكس! لكنه مجددًا.. تجاوز الأمر وابتعد من الرواق.. في حين قال قصي لسهر مدَّعيًا الإجهاد
((مشاغل العمل لا تنتهي أبدًا حتى بعد انتهاء وقته.. هذه ضريبة أن أتسلم منصب مرموق كهذا الي أشغله حاليا))
شعرت سهر بالإطراء وهي تراه يوليها جل اهتمام ووقته حتى في أوج انشغاله في العمل.. وقالت له مودعة قبل أن ترسل قبلة شغوفة
((إلى اللقاء يا حبيبي..))
ما إن أغلقت الهاتف حتى انتبهت لشيرين تجلس أمامها مبتسمة برقة لها بعد أن عرفت بأنها تحدث خطيبها..
أمسكت شيرين الشوكة والسكين وبدأت تتناول من الطبق البارد أمامها.. وتمنت في داخلها أن يتم زواج صديقتها عاجلًا.. فبكل صدق هي لم تشعر يوما بالغيرة من صديقتها.. بل مجرد "غبطة" لامتلاكها إنسان مثل خطيبها قصي في حياتها يتحدث معها كل يوم بل في كل ساعة بحب واهتمام..
يسهر ويتسامر معها على الهاتف لساعات الصباح الأولى بينما تذوب بكلماته وهي التي لم يسبق وأن عرفت للخجل معنى إلا عندما خُطِبت لقصي..
اتسعت ابتسامة شيرين متيقظة لحقيقة أن سهر هي الشيء الوحيد في حياتها الذي اختارته بشكل صحيح.. وجميل..
فهي الكتف الذي يسندها وتميل له.. هي البئر الذي ترمي فيه أسرارها.. هي الضحكة التي تخرج من قلبها.. هي الراحة التي تلقاها بعد التعب..
=============================
تفتت قلب الحاجة زاهية وهي ترى ابنها مَالك متمدد على السرير بوجه ذابل ومرض واضح عليه لتقول بصوتٍ متحشرج وهي تمرر أناملها بحنية بين خصلات شعره
((لا بد أنكَ متعب جدًّا يا بني فأنتَ حتى في أيام مرضك لا تبدُ بهذا الذبول والضعف))
رد مالك بصوته الأجش بلا تعبير
((نعم أمي حرارتي مرتفعة قليلًا))
تناولت زاهية الكمادات الموضوعة على جبينه المتفصد عرقًا ثم وضعتها داخل الوعاء قائلة
((سأذهب لأبدل ماء الكمادات وعندما أعود أريد منكَ أن تكون قد انتهيت من تناول الطعام أمامك))
قال لوالدته بصوتٍ مجهد من إعياءه
((حلقي يؤلمني ولا طاقة لي ببلع أي شيء يا أمي))
قالت زاهية بحزم ممزوج بحنان أمومتها وهي تخطو للخارج
((حاول يا مَالك لأنه لو تطلب الأمر مني فسأطعمك بيدي، المهم أن يدخل معدتك شيء من الطعام حتى تستطيع شرب دوائك))
بمجرد أن أوصدت والدته الباب خلفها حتى مد يده يلتقط هاتفه رغم شعوره السليط بالإعياء.. ضغط على عدة خيارات ثم قربه من أذنه.. وما إن فتح الطرف الآخر الخط عليه حتى قال مَالك بنبرة مكتومة فاقدة للسيطرة دون أن يتمَالك مشاعره بحضرة صوتها
((مرحبًا يا سمية))
سألته سمية باستغراب من بحة صوته
((مرحبًا، هل حدث شيء؟))
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهه وهو يقول باشتياق
((لا وهل يجب أن يكون قد حدث شيء لأتصل بكِ))
وصله محاولاتها لأخذ نفس عميق قبل أن تقول بجفاء تلجأ له لتقطع عليه كل سبله إليها
((مَالك كم مرة أخبرتك ألا تتصل بي إلا لو حدث شيء ضروري ليزيد! غير ذلك فلا!))
صمت قليلًا وتلك الرسمية التي تتعامل بها معه بالإضافة لمحاولاتها الدائمة في وضع حواجز جديدة بينهما تحرق دمه رغم علمه بأنه الصواب.. قال لها بصوته الأجش
((أنا مريض، ولا أظن بأني قادر على الخروج من البيت أو حتى السرير في الأيام القادمة، ولم أسمع صوتك أو صوت يزيد..))
أرخت سمية التي كانت تتحدث معه على الهاتف من الجهة الأخرى أهدابها ونبضها يتصاعد برقبتها حرارة لترد ببرود قاتم
((سلامتك.. عندما تتعافى سترى يزيد.. هل تريد شيء آخر قبل أن اغلق الهاتف؟))
عبس مَالك يستنكر طريقة حديثها معه حتى بعد معرفتها بإعيائه
((لماذا تتحدثين معي بهذا الشكل؟ ما الذي تغير لتصبحي أكثر قسوة وجفاءً معي عن قبل؟))
ردت عليه بثبات غاضب محترق
((بعد آخر موقف حدث بيننا ومحاولتك التدخل في تربية ابني والتحكم به وبأمر بسيط كرحلة مدرسية رأيت بأن عليّ البدء في إعادة النظر لكل من يحيط بي، ولمن لهم بالغ الأثر في تكوين صورتي عن ذاتي ويتسببون في إشعاري بالنقص))
قرب ما بين حاجبيه يسألها
((لا أفهم كلامك.. ماذا تعنين؟))
ردت عليه بحزم
((ستصبح لدي حدود صارمة أكثر من قبل معكَ/ فليس لأني وحيدة ومطلقة ولا ظهر لي سأسمح لكَ أن تستنقص مني ومن طريقة تربيتي ليزيد رغم عدم إنكاري حقك فيه.. إلى اللقاء))
أغلقت سمية الهاتف في وجهه فصمت مَالك وقلبه يُخسَف هاويًا كصرخة رجولة موجوعة داخله..
وضع الهاتف على المنضدة الصغيرة بجانبه بقوة ثم أغلق عينيه.. في حين أظهر ذهنه له مشهد من الماضي قبل عِقد مضي.. تحديدًا قبل ثلاثة أيام من موعد زفاف سمية من خطيبها الأخرق كامل..
وقتها كان رافضًا للطعام والشراب بشكل تام حتى أن والديه أخذاه للمشفى وهناك وضعوا له محلولًا وفيتامينات لأنه فقد الكثير من جسمه.. وعندما سأله الطبيب عن السبب النفسي الذي دفعه إلى الإضراب عن الطعام والشراب تحجج بإنه في انتظار نتائج قبول الجامعة والأمر يتسبب بتوتره.. وعندما عاد بقي طوال اليوم مستلقيًا فوق السرير منهار القوى وحرارة جسده الذي يسري مرض العشق في أوردته مرتفعة..
آنذاك عندما كان ابن الثامنة عشر فتح عينيه ينظر للسقف الأبيض لدقائق طويلة قبل أن ينتشله من شروده طرقات باب غرفته فأذن للطارق الدخول ثم قال وهو على نفس وضيعته
((ضعي يا منال الحساء جانبًا، أريد شرب شيء الآن))
بخلاف ما توقعه وصله صوت مختلف ناعم يعتريه القلق
((أنا سمية يا مَالك))
اعتدل مَالك جالسًا على الفور بصدمة دون مراعاة لحالته الصحية جعلت منه يغمض إحدى عينيه ويشهق ألمًا وهو يشعر بشيء يفتك رأسه.. حتى أن المنديل البارد الذي كان موضوعًا فوق جبينه المتعرق سقط أرضًا..
فتح عينه الأخرى وهو يقول دون إدراك إن كانت أمامه فعلًا أم أنه يتوهم
((سمية! ماذا تفعلين هنا؟))
ردت عليه وهي تتحاشى النظر في صوب عينيه بصوتها الذي كان كالبلسم عليه بينما لا تزال تحمل صينية الحساء
((سمعت أنكَ مريض بشدة فأخذت الحساء الذي كانت تعده منال لكَ وجلبته لأطمئن عليكَ، فربما تكون هذه المرة هي الأخير قبل حفل زفافي من كامل))
همس لها مَالك متسائلًا بصوتٍ مضطرب كما ذهنه
((المرة الأخيرة للقائنا؟ لماذا!))
صمتت ولم يعرف ما يدور في خلدها تلك اللحظة لتجيبه بصراحة بعد لحظات بحذر شديد
((كامل غضب مني وتشاجر عندما عرف بأني أعطيتك الدعوات وحذرني من التحدث معكَ أو غيرك أو حتى الدخول لهذا القصر بعد زواجنا))
أظلمت خضرة عينيه المجروحة مسبقًا بعذاب الرحيل ليدمدم بخفوت
((حذَّركِ من التحدث معي وأنتِ وافقتِ ببساطة؟))
عقدت سمية حاجبيها تقول مستنكرة
((بالتأكيد سأوافق، كيف أرفض ما يقوله وغدًا سيكون زوجًا لي!))
رد مَالك عليها بعصبية غير طبيعية وعيناه تتقدان بنيرانٍ مضطرمة
((هل تتخلين عني بهذه السهولة؟ ألا أعني لكِ حقًا أي شيء؟ الم تعتبريني سابقًا صديقًا لكِ وأخًا صغيرًا وقلتِ بأن ما بيننا علاقة عميقة.. أنتِ مخبأ أسراري وأنا أيضًا هكذا بالنسبة لكِ.. أنا من أحب الناس إليكِ.. أعرف هذا جيدًا))
ثم استرسل لها بنفس تعابيره السابقة
((ثم أنا بنظرك وبنظره لستُ إلا مراهقًا يصغرك بسبع سنوات فلماذا قد يمنعني من التواجد بحياتك بعد أن يتزوج منكِ! إلا أذا لم يكن عنده ثقة بكِ! أو عندكِ أنتِ ثقة بنفسك!))
كانت آخر جملة في حديثه بنبرة ذات معنى لم تستطع سمية أن تستنبطها فتنهدت ثم قالت بصبر دون انفعال
((الأمر ليس هكذا))
هتف مَالك بها وكل عصب فيه يرتجف غضبًا
((بلى هو هكذا.. ثم أنتِ أليس لديكِ شخصية؟ كيف تسمحين له أن يملي شروطه عليكِ؟ لو كان يحبك لما طلب منكِ أن تقطعي علاقتك بي نهائيًا))
اتسعت عيناها لوهلة من طريقة كلامه الهجومية.. فتسلل الحزم لملامحها وهي تسحب نفسًا عميقًا ثم قالت بجدية
((مَالك.. أنصت لي.. أنتَ تعني لي الكثير.. وعلاقتنا مميزة.. لطالما كنت بجانبي وقت حزني.. ولطالما ساعدتني عندما كنت أقع في المشاكل.. أنتَ ملم بكل شيء يتعلق بي.. ولكن كنت أسمح لكَ أن تأخذ هذه المساحة في حياتي لأني لم أراكَ إلا مراهق وفتى يصغرني بالكثير لكن الآن أرى خطأ استمرار هذا الود بيننا.. فأنتَ لم تعد ذاك المراهق الصغير.. انظر لنفسك يا مَالك أنتَ تفوقني طولًا.. ربما بعشرين سنتيمترًا.. ومن يراك يظن أنكَ في سني.. لا يصح أن تتواجد هذه الأريحية بيننا.. حتى لو لم يطلب مني كامل ذلك كنت لأقطع علاقتي بكَ نهائيًا))
ازداد وجه مَالك الشاحب شحوبًا لما سمعه منها.. وهو يدرك في صميمه صحة ما تقوله! أما هي تابعت حديثها الصائب وأكملت قائلة
((ثم إن الأمر لا يتعلق بكامل بل أي رجل في العالم مهما كان متفتحًا لم يكن ليقبل أن يكون لزوجته صديق رجل ويرافقها في السراء والضراء، ليس لقصور في عقله بل لأنه لا يجوز وغير مشروع، لا كبرياء الرجل ولا كرامته ولا دينه يسمح بذلك.. وخاصة أن علاقتنا هذه وطيدة جدًا جدًّا.. حتى الحيوانات تتقاتل أن اقترب ذكر من أنثاها فكن حيادي يا مَالك أرجوك في هذا الأمر وضع نفسك في مكان كامل فأنتَ رجل مثله))
ساد صمت ثقيل بينهما.. وشعر مَالك بالذنب الشديد بعد أن استرد شيء من صوابه وعقله الذي يميز له الصواب من الخطأ.. لكنه ورغم كل شيء لا يتمنَ في حياته أكثر من بقائها فيها ورؤيتها من حين لآخر.. فقد زهد بكل شيء وهو قابل أن يكتفي فقط بأن يستمتع بهذا الحب من طرفة لوحده فقط.. ولا يطمع كثيرًا أن تبادله فيه.. نعم.. هو راضٍ وسعيد بما يصله منها من مشاعر رقيقة بريئة واهتمام وخوف عليه كأخ صغير.. ولا يريد أن يتلاشى بعد زواجها فهي لن تستطيع حتى رؤيته!
احمر وجه مَالك وبدا كأنه يصارع في داخله بين حبه لها وبين ما هو صواب وصحيح.. يمنعه ألف تهديدٍ وتحذير رغم ثوران مشاعره وفي نفس الوقت يتزايد الضغط عليه دون أن يظن بأنه قادر على ترويض مشاعره.. فعادت سمية تقول له برجاء
((يا مَالك تفهمني أرجوك.. أعرف أن الأمر شائك.. ولكني حتى وضعت نفسي مكان كامل.. ووجدت بأنه لو امتلك صديقة مقربة جدًا منه فسأجن.. لن أتحمل هذا وستأكلني الغيرة عليه مهما بدت العلاقة بريئة بينهما))
قست ملامحه بهذه اللحظات إلا أنه أخفض نظره أكثر وأكثر كطفل مذنب في تفكيره من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه..
خفق قلبها بقوة تأثرًا به لكنها قالت له بعبوس تحاول إقناعه أكثر
((مَالك عندما تصبح في عمر الزواج، هل تعتقد بأن خطيبتك سترضى أن أبقى في حياتك بحجة أني مجرد صديقة وأكبرك في السن؟ بالتأكيد لا.. بل ستشعر بأني أشاركها في زوجها وستراني عدوتها اللدودة حتى لو كنتُ لا أقارن بها بشيء))
ارتفعت عينا مَالك لها بحذرٍ شديد.. وحركه التهور والسخف ليقول بصوتٍ هادئ خال من أي مشاعر ظاهرة إلا التردد مندفعًا بأنانية
((حسنًا إذن.. لن أتزوج من أي امرأة أخرى لأجلك فافعلي أنتِ نفس الشيء ولا تُتِمي زواجك من أجلي))
عقّبت سمية على كلامه بفتور وهي تضع الصينية فوق المنضدة
((العمر يمر بي بسرعة وعليّ أن أفكر بعقلانية بدلًا من سماع ترهاتك، لست مجنونة لأختار أن أبقى بلا زواج من أجل أي أحد))
أشاح بوجهه عنها بألم هي مصدره.. تذبحه من الوريد للوريد.. اهتزت عضلة فكه وهو يغلق عينيه لثوانِ قبل أن يقول من بين أنفاسه اللاهثة بفعل انفعاله الآن رغم مرضه
((لن تحتاجي أن تبقي بلا زواج للأبد، أنا في الثامنة عشر، انتظري القليل.. القليل فقط وسأتزوجك أنا))
أرخت فكها وهي تنظر له بلا تصديق لتتمتم بخفوت باهت
((تتزوجني؟ هل أنتَ مجنون!))
قال بإصرار وعينيه تقدحان عزيمة
((لماذا مجنون؟ أنا أحبك وسأكون مجنونًا لو أفلتك من يدي))
اتسعت حدقتيها ملء جفونها وهي تتمتم بنفس النبرة السابقة
((تحبني؟))
همس بحشرجة مخنوقة.. وكل مشاعره المتألمة وحرارة مرضه تهاجمانه
((نعم أحبك.. يقال بأن الروح تشرق برؤية ابتسامة من يحب، وهذا ما أشعره في كل مرة تبتسمين لي))
راقب مَالك ملامحها الساكنة لثوان قبل أن يراها تنفرج لتنفجر ضاحكة حتى أدمعت عيناها..
هنا انسحب الدم منه كالمرض وهو يقول بتحفز
((لماذا تسخرين مني! أنا سأتزوجك حقًا وأريد منكِ أن تنتظريني))
رفعت أناملها تمسح عينيها وهي تقول من بين ضحكاتها التي بدأت تخفت بشكل تدريجي
((لطالما شعرت أنكَ تبادلني مشاعر جميلة من أجل صداقتنا هذه لكن لم أتخيل أنكَ تحبني، أنا لا أراك إلا أخ صغير.. صحيح أن عقلك يكبر من هم في جيلك لكنكَ تظل أمامي هكذا وعليكَ ألا تراني أكثر من أخت كبرى لكَ))
عاودت النظر لساعة يدها أمام عينيه المحترقتين لتهكمها من مشاعره وهي تقول على عجل
((عليّ الآن أن أعود للبيت، لم أنهي بعد استعدادي للزواج))
قاطعها وهو يزعق فيها وقد أطل من عينيه الغضب والقهر
((ولكني لا أراكِ أختًا كبيرة.. بل حبيبة لا أريد الزواج إلا منها.. أنا أحبك.. أحبك بكل جوارحي))
رفعت عينيها تناظر وجهه وتنتبه لأنفاسه المتلاحقة المتعبة التي بفعل مرضه.. أو ربما مشاعره الموهومة! طال حوار الروح وصمت اللسان بينهما.. وشعرت بأنه يصارع بين عقله وقلبه.. بين مشاعره وبين واقعه..
فأغمضت عينيها للحظات تحاول استعادة رباطة جأشها ثم قالت مبتسمة ببهوت
((ثق بي يا مَالك بأنكَ في المستقبل ستحب عشرات الفتيات غيري وستضحك من نفسك على ما قلته قبل قليل..))
لم يرد على الفور إلا إنه ما إن رآها تسير نحو عتبة الباب حتى قال
((أبدًا.. لن أفكر بغيرك.. وسأظل أحبك حتى آخر عمري))
التفتت برأسها له فاغرة الشفتين قليلًا دون أن تجد ما تقوله أمام ملامحه التي تضج باختناق نار الغيرة وعتاب القلب وهو يسترسل لها بصوتٍ أجش خافت
((أرجوكِ لا تتركيني أتجرع الموت بفراقك!))
لكنها قاومت ضعفها تجاهه وهي ترد عليه بقسوة
((لقد جئت فقط لأتفقد مرضك وبما أني اطمأننت بأنكَ بخير، سأغادر))
قطَّب جبينه في استنكار جمّ يقول بصوتٍ حاد وعنفوان رغم إعيائه
((أنا واقع في الحب، لستُ بخير))
زفرت بقوة وهي ترفع يدها إلى جبهتها الباردة محدقة في السقف بعينين مضطربتين.. ثم قالت له بنفاذ صبر
((بل موهوم بذلك، وهذا أمر طبيعي يمر به جميع الأولاد الذين بسنك.. الأمر فقط أنكَ حساس))
عقد حاجبيه يقول بغضب
((سمية توقفي عن السخرية مني))
حولت نظرها له تقول
((مَالك أنا أعشق كامل ومكتوبة له منذ سنوات والآن فقط استطاع أن يُكِّوِن نفسه وثلاث أيام قبل أن نعقد قراننا ونتزوج.. على كلٍ.. أنا لن أقول لأحد شيئا عن كلامك السخيف، لأنكَ ستنسى بعد أسابيع أو أشهر ولن يكون من الجميل أن يُذَكِّرك أحد بهذا الأمر.. إلى اللقاء))
كانت قد خرجت من غرفته وهمت في إغلاق الباب خلفها عندما قال لها هاتفا
((أنتِ تتوهمين حبه، لم أراكِ يومًا تتحدين عنه وعن حبك له بل كنتِ أحيانًا تنسين بأنكِ ستتزوجين منه فأمضيت فترة الخطبة دون أن تتحدثي معه أو تريه))
شعرت بالغضب من تشكيكه بحبها لمن سيكون زوجها خلال أيام.. هي تملك الكثير من المشاعر العميقة لمَالك لكنها لا تضاهي حبها تجاه كامل بشيء..
لجمت سمية غصبها منه واكتفت أن تقول
((لا تكثر يا مَالك من كلامك السخيف هذا، لو سمع الحاج يعقوب ما تقوله لقتلك حرفيًا، فليس رجل صالح من يخَبَّبَ أمرأه على الرجل الذي سيكون زوجًا لها أو يخطُبُ على خِطبةِ أخيه))
صفقت الباب خلفها بقوة وابتعدت.. أما هو فأصابته نوبة من البكاء الهستيري ودفن نفسه تحت غطائه يبكي بدموع مراهق عاشق حبه الذي سيضيع من بين يديه.. شعر بارتجاف أوصاله بينما يفكر بطريقة ليمنع هذا الزواج ويبقيها له لكنه لم يتوصل إلى نتيجة بالرغم من الأفكار التي كانت تتراكض وتتسارع في رأسه!
فهل يضرب بكل المنطق عرض الحائط ويخطفها بمنتهى الأنانية؟
كادت هذه الفكرة أن تشع حرفيًا بعقله وتتداخل حتى تتعمق وينفذها.. لكن لا.. مستحيل.. لقد خيَّب ظنها وخسر احترامه لنفسه.. ولا يجور عليه أن يتجاوز حدوده أكثر من ذلك..
وفي يوم زفافها صمّت أصوات المفرقعات والزغاريد المنطلقة من منزلهم أذانه فضل لساعات يضع يديه على أذنيه.. لم يستطع أن يفعل شيئًا.. لم يستطع رؤيتها وهي تخرج بفستان الزفاف كما طلبت منه متأملة.. لكن حاول ترويض كل ما يشعر به وهو يخبر نفسه بأن عليه أن يكون في أقصى سعادته من أجلها.. طالما تزوجت من الرجل الذي تريد أن تتزوجه.. ورجى أن تعذره لاحقًا على حبه لها وأن تقبل اعتذاره الذي لن ينطقه لها لأنه أحبها.. دون أن يقصد..
=============================
بمجرد أن انتهت صاحبة الصالون من زينة وجه شيرين حتى ابتعدت تنظر لوجهها مشيدة بعملها بكل فخر
((ما شاء الله يا عروس تبدين في غاية الجمال والبهاء، وعينيكِ المكحلتين هما ما يزيدانك فتنة وجمالًا))
إطراء العاملة في الصالون بعينيها الكحيلتين جعل شيء من الضيق والانزعاج يتجلى على ملامحها لتعبس بتلقائية..
هذ ما يدعوها دائمًا وليد به!
وافقت سهر على كلام العاملة مؤيدة
((معكِ حق فعينيّ صديقتي يليق عليهما الكحلة وتكسبهما حجمًا أكبر وجمالًا وجاذبية))
تضرجت وجنتي شيرين بالخجل من هذا الكم الكبير من الإطراء من سهر فلكزتها.. لكن سهر هدرت بعتاب بينما تبارحهما صاحبة الصالون لتنشغل بعميلة أخرى
((لماذا لم تحجزي جلسة تصوير لي ولكِ؟ ألن أهمك بعد زواجك؟))
نظرت لها شيرين تمط شفتيها بعبوس ثم قالت
((أيتها البلهاء سأقيم الكثير من جلسات التصوير لكن الآن أريد من زواجي أن يتم بدون أي مشاكل))
التفتت شيرين تنظر للمرآة أمامها وهي تستقيم من جلستها فتبتسم فرحًا وعيناها تتألقان بالبهجة..
كانت ترتدي فستانًا يلف جسدها بنعومة حتى أسفل خصرها ثم يتسع الحرير وينساب حتى الأرض..
شيء فيها كان يشع بالتفاؤل لأن الرائد مُعاذ أخبرها بأنه قد حجز فندقًا لأسبوع لها.. لم قد يحجز أي رجل أسبوعًا كاملًا في الفندق من أجل زواج صوري إلا إذا كان يمتلك خطط أخرى!
سألتها سهر بفضول وهي تراها غارقة في سعادة عارمة
((ماذا لو طلب يا شيرين منكِ أن تسكني في القرية عند عائلته بعد أن يعرفوا بزواجكم؟ فأنتِ بت تكرهين أجواء القرى ولا نية لكِ للعودة هناك))
قالت شيرين بعفوية
((لا أدري يا سهر، لقد حجز لنا بفندق واسع لأسبوع، باقي الأمور سنتناقش فيها لاحقًا))
قالت سهر وهي تكتم ابتسامتها المبتهجة بالسعادة لأجل صديقة عمرها ((هذا أفضل))
تنهدت شيرين ثم قالت بصوتٍ حيادي
((ربما أكون قد بالغت في تشويه صورة قريتي السابقة أمامك لما لاقيته من ظلم مجحف بحقي من قبل معظم أهلها عندما ألغى وليد زفافنا، ولربما البعض منهم ليسوا أناسًا لطيفون ولا يبذلون الكثير من الجهد في التعبير عن سعادتهم ومحبتهم لمن حولهم لكنهم ليسوا بهذا السوء))
تمتمت سهر بتردد وهي لا تعرف ماذا تجيب ((ربما))
شردت عيني شيرين بخضرة الحنين وهي تقول بصوتٍ يغمره دفئ الماضي
((قريتي التي كنت فيها قبل أن ترحل عائلتي كانت على عكس المدينة.. فهناك لم تكن مواعيد زيارة ولا إتيكيت بل كان أهل كل بيت يشربون الشاي وقت الضحى وكل من أراد المشاركة فهو مرحّب به.. الحقيقة ورغمًا عني اشتاق لها، واشتاق لأهلها الطيبون منهم.. لن أمانع أن أعود للعيش هناك.. ولكن بالطبع كزوجة للرائد مُعاذ فقط))
خرجت شيرين من شرود ذهنها وهي تنتبه لرنين هاتفها الموضوع فوق المنضدة.. فتناولته وهي ترى اسم مُعاذ يعلو الشاشة
((أوه إنه مُعاذ يتصل بي..))
قالت سهر بلهفة وهي تمسك حقيبة شيرين الصغيرة
((هيا.. هيا سارعي في الخروج))
ألقت شيرين السلام على صاحبة الصالون التي كانت منشغلة مع مساعداتها بزينة وجه عروس أخرى في حين هي خطت برزانة نحو خارج الصالون حيث يركن مُعاذ سيارته..
بمجرد أن لمح مُعاذ شيرين تخرج من الصالون المتفق عليه حتى ترجل من السيارة يدمدم بخفوت لها
((مرحبًا شيرين..))
لا تعرف لماذا قلبها أخذ يدق بسرعة هكذا وهي تتطلع لوجهه عن هذا القرب.. تتعلق نظراتها للحظات بلحيته الكثيفة التي يتخللها قليل من الشيب قبل أن تنكس نظرها خجلًا وهي تقول بحياء ((أهلًا مُعاذ))
في حين لم تكن سهر تشعر بالرضا وهي تراه يقف أمامهن بملامحه المتجهمة هذه.. لم يبدُ حتى أنه حاول أنه بذل أي جهد ليبدو مظهره في أفضل حال.. بل بدا كمن هو ذاهب لجنازة مجبرًا.. فتنحنحت من مكانها تجلي صوتها قبل أن تقول بنبرة غلفها البرود
((سأذهب معكما للمحكمة، هل جلبت شهود؟))
التفت مُعاذ لسهر وقد ازداد انعقاد حاجبيه ثم رد عليها بخشونة مريبة
((بهذا الشأن أريد أن أتحدث معكِ يا شيرين ولكن ليس هنا، في البداية اصعدا السيارة))
استقلت سهر السيارة في المقعد الخلفي قبلها بجرأة.. أما شيرين فشعرت بوجود خطب ما وريبة إلا أنها لحقت بسهر تجلس بجانبها وصعد مُعاذ السيارة أخيرًا خلف عجلة المقود..
عندما شغل المحرك استرقت شيرين النظر للمرأة الأمامية لتطالعه.. بدا وجهه متصلّب وعيناه لا ترفّان.. وكأنه يحمل في داخله كلامًا لها سيتسبب بتوترها.. لكنها ارتأت أن تتجاهل هذه الأفكار السلبية وألا تسمح لشيء في إفساد هذا اليوم، رغم أنه بدا غير مبشرًا فهو لم يكلف نفسه ولو لثانية في امتداح مظهرها الفاتن بكلمة أو تأمل جمالها..
ظل الصمت الثقيل يلف الأجواء داخل السيارة حتى أوقفها مُعاذ أمام إحدى الفنادق بهدوء مريب لا يقطعه إلا صوت مرور السيارات المسرعة على الطريق العام.. فتغضنت ملامح سهر بتوجس لتسأله دون تروي
((ألا يجب أن نذهب للمحكمة أولًا؟))
صوت سهر المستفزّ لأعصابه كما وجودها الآن بينهما جعله يستدير نصف استدارة للخلف لهما يقول
((هل يمكن يا سهر أن تتركينا أنا وشيرين نتحدث لدقيقة واحدة هنا منفردين؟))
توترت شيرين أكثر وهي تنصت لكلامه.. لكن قالت سهر بشيء من الانفعال وقد شعرت بشيء خاطئ فيه
((شيرين ستخبرني ما ستقوله لها حرفيًا فاختصر على نفسك وتحدث أمامي، لماذا توقفت هنا؟))
نظر مُعاذ حوله قليلًا بانضباط انفعالي ثم أغمض عينيه مستعيذًا من الشيطان.. فليتجاهل مسألة وجود سهر المزعجة طالما أن الأمر يريح شيرين..
فتح عينيه يقول بصوتٍ باهت كما ملامحه المجهدة
((لا أظن أن علينا يا شيرين المضي قدمًا في هذا الزواج))
بدأ صدر شيرين يعلو ويهبط بينما تنظر إليه غير مصدقة وكأن ما قاله معضلة صعبة الفهم..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!