لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل العاشر
وقفت رتيل في المطبخ تقوم بإعداد ذاك النوع من الحلويات الذي طلب مُؤيد منها صنعه.. هذه الأيام لا يفعل شيء إلا المكوث في البيت وطلب ما لذّ وطاب من الأطعمة التي يشتهيها.. وكأنه امرأة حامل تتوحم..
نجوم تساعدها بقدر ما تستطيع.. هي الوحيدة المتبقية من العاملات اللاتي تم صرفهن! لا بد أن مَالك لم يطردها لأنها الوحيدة التي تعامل يزيد بشكل جيد..
وقفت رتيل أمام الموقد تمسك بيدها ملعقة خشبية تحرك بها ما في القدر.. وباليد الأخر تمسك كتاب فهد تذاكر له..
وعندما شعرت بترنح من التعب والإعياء تهالكت بعذاب على مقعد بجانب فهد الذي كان يكتب الكلمات التي تلقنه إياهم.. صححت له ما كتبه وأثناء ذلك انتبهت لعبوسه الملازم له منذ أن عاد من المدرسة.. فسألته باهتمام وقلق
((هل أنتَ منزعج من شيء يا حبيبي؟))
نكس فهد وجهه يتبرم بغضب طفولي
((اليوم عرفت بأن عمي مَالك قام بإعطاء يزيد ألبوم صور لهما الاثنين سويا.. ولا أذكر أنه قام بأخذ صورة لي معه))
تدلى فك رتيل ذاهلا لما سمعته.. هل جن شقيق زوجها ليصل به الاهتمام بيزيد إلى هذا الحد؟ هل طبيعي ما يقومه به! إنه لا يكف عن إدهاشها يوما بعد يوم فيما يقوم به ليزيد! لكنها تداركت الأمر وقالت لابنها مواسية
((حبيبي فهد لا تقلق.. أنا معي هاتف وسألتقط كل يوم لك صورة وسأصنع ألبوما أجمل منهما..))
رفض فهد كليا وهو يقول بمنطقه الذكوري الذي يتسرب إليه من فكر والده
((لا أريد فأنتِ امرأة.. لن أستطيع أن أعرض الألبوم متباهيا على أصدقائي في المدرسة))
لم تعقب على كلامه بل ابتسمت له بحنو الأمومة مقترحة
((إذن ما رأيك أن التقط صور لك مع أصدقائك أو أخيك باسم؟))
لمعت عينيه بالدموع الخفيفة وهو يقول بإصرار
((أيضًا لا أريد.. أريد رجلا كبيرا أن يلتقط معي الصور..))
لوهلة شعرت بالحيرة والتخبط لكنها تساءلت
((رجل كبير؟ إذن لماذا لا تخبر والدك؟))
هز فهد رأسه برفض مجددا ثم قال
((لا أريد.. سيرفض.. أنا اعرفه.. أخبري عمي مُصعب أو مُعاذ أن يهتما بي كما يفعل عمي مَالك مع يزيد))
تنهدت رتيل بتعب ثم وعدته وهي تطبطب فوق شعره
((حسنا سأفعل))
قاطعهما في هذه الأثناء دخول نورين قائلة
((مرحبا رتيل.. كيف حالك؟))
رفعت رتيل عينين مُخيفتين نحوها ثم قالت بجفاء
((إذا لم تكوني تريدين المساعدة فلا تدخلي المطبخ))
ادعت نورين الاستغراق بالتفكير للحظات وهي تزم شفتيها ثم ابتسمت بتسلية لرتيل وقالت
((بودي حقا مساعدتك، لكن قلبي الحقود يأبى ذلك وعقلي لا ينفك عن جعلي أتذكر تلك الأيام العصيبة الأولى التي عشتها هنا عندما كنت تجبريني على العمل هنا كخادمة وفوق طاقتي يوميا))
ضيقت رتيل عينيها وكاد الشرر يتطاير منهما وهي تقول بغل مهددة ((نورين سأعد للثلاثة إذا لم تغادري من هنا، فلا تلوميني على ما سأفعله الآن بك))
كتفت نورين ذراعيها ثم قالت متحدية بصلابة
((لن أغادر.. ماذا ستفعلين؟))
ضيقت رتيل عينيها أكثر وما أن استقامت واقفة حتى انتفضت نورين من مكانها شاهقة بذعر وهي تفر هاربة من المطبخ..
.
.
أغلقت رتيل باب جناحها ثم وضعت طبق الحلوى الذي أعدته لمُؤيد فوق المنضدة بقوة.. ثم وقفت متخصرة أمام التلفاز الذي كان يتابعه زوجها باهتمام هادرة
((تفضل طبق الحلوى الذي طلبته))
غمغم مُؤيد لها بانزعاج وهو يلوح لها بيديه جانبا كي تبتعد
((ضعيه هنا واغربي عن وجهي أنتِ تعيقين مشاهدتي للتلفاز))
استدارت تغلق التلفاز من الزر المخصص له ببساطة ثم عادت تنظر لزوجها متجهمة بينما تكتف ذراعيها.. فزعق بها باستنكار وهو يعتدل جالسا على السرير..
ازدادت ملامحها تجهما وهي تتحدث بجدية
((اقضي القليل من الوقت مع فهد وباسم، بدلا من الترفيه على بنات أخوتك، اخرج مع ولديك))
استبد الغضب به مما تتحدث به فقال محذرا وهو يلوح أمامها بسبابته
((إياك يا رتيل التدخل بعلاقتي مع أي من بنات إخوتي، هدى أو دارين))
دمدمت له بغيظ يعتريها
((إذا كنت لا تريد مني التدخل فاقضي بعض الوقت مع ولديك وأخرجهم معك للتنزه أيضًا))
برر مُؤيد وجهة نظره باقتضاب
((أحب تدليل الفتيات أما الأولاد فيجب التعامل معهم بحزم بعيدا عن اللين))
حادت بعينيها عن عينيه متخاذلة إلا أنها أصرت أن تفرغ ما بجعبتها فعادت تنظر له هاتفة بانفعال
((لا أقول دلل ولديك، ولكن اقضي معهما بعض الوقت))
ضيق مُؤيد عينيه متسائلا باستهجان
((بماذا سأقضي معهما الوقت؟))
((قم بالأمور التي يحبها كل واحد على طريقته الخاصة، وخاصة فهد.. لأنه كطفل يحز في نفسه عندما يرى عمه يهتم بابن البستانية بدلا منه، ووالده يهمله))
ازدادت عيناه ضيقًا لكن النظرة فيهما تحولت إلى شيء آخر أكثر خطورة.. ثم تمهل قبل أن يهدر ببطء
((كل هذا جراء غيرتك من معاملة مَالك مع ابن البستانية!))
زمّت شفتيها ثم قالت حانقة
((نعم.. لأن كل الأطفال حتى ابن البستانية يجدون من يهتمون بهم إلا أولادك..))
هدأت ملامح مُؤيد واستكانت قليلا لدرجة السكون المزعج والغير معبر عن شيء وهو يمعن النظر في وجهها قبل أن يهدر أمامها بنبرةٍ خفيضة مبهمة
((هل تعرفين لماذا يهتم مَالك بابن البستانية؟ لأنه وببساطة يحب أمه فيعوض استحالة إمكانيه زواجه منها بالاهتمام بابنها، لذلك اتركي مالك جانبا ولا تعقدي مقارنات))
ترقق حاجبي رتيل ثم سألته بشك
((ولم يستحيل أن يتزوج مالك من البستانية؟))
تنهد مُؤيد تنهيدة طويلة فاقد الصبر ليجيبها بشيء من البديهيات
((لأنه لا أمي ولا أبي سيوافقان أن يتزوجها! كيف يقبلا من مدللهم مَالك الراكز أن يتزوج من امرأة تكبره بسنوات ومطلقة مرتين ولديها ابن!))
أطبقت رتيل شفتيها بتفكير ثم نبهته بفطنة
((لا تحكم من الآن فأنتَ لا تعرف ما سيحدث مستقبلا!))
عاد يستلقي على ظهره قائلا بنبرة لا تحتمل التشكيك
((لن يقدر أن يتزوجها ولو أراد.. اسمعي مني أنا..))
ثم عاد يلوح لها بيده
((ابتعدي جانبا عن التلفاز وعودي لعملك فكما قلت لك لن أوظف أحد هنا، انتهى عهد دلالك))
عاد الغل والحقد يرتسم على وجهها من كلامه وابتعدت عن التلفاز تسمح له بتشغيله منصرفة من الغرفة!
=============================
كانت الحاجة زاهية جالسة تلاعب حفيدتها الصغيرة هدى بعرائسها تستمتع بهذه اللحظات معها قبل أن تقول الصغيرة ما يستدعي استغرابها
((جدتي هل أخبرك سرا عن أمي؟))
رفعت زاهية حاجبيها تحثها على المتابعة لتكمل
((كلام أمي غير صحيح، هي لم تعطيني الهاتف في الصباح وأنا لم أتكلم مع أبي كما قالت))
تلك الخطوط الجانبية التي ارتسمت عند عيني زاهية ازدادت عبوسا لترد
((ولكن والدك قال بأنه يتحدث معك بشكل يومي.. فهل الاثنين يكذبان عليّ؟))
نظرت هدى لجدتها بوجه رقيق ملامحه شفافة قلقة وهي تتساءل ببراءة
((هل أخطأت بما قلته؟ هل يُعد هذا إفشاء للأسرار؟))
قالت الحاجة زاهية بحنو وقد أثارت حفيدتها فيها عطفا
((لا تقلقي يا حلوة.. اذهبي لوالدتك لتستعدي للنوم))
أطاعتها هدى وهي تحمل عرائسها ثم تهرول للخارج..
في حين عادت زاهية تجلس بالقرب من النافذة ثم اتكأت للخلف متصلبة الأوصال تناظر الخارج عبر الزجاج تفكر بحال أولادها.. في هذه الأيام أكثر من يشغلها أصغرهم مَازن الذي بدأت تشك في صحة كلامه عندما يؤكد عليها بأنه يتفقد حال هدى دائما على الهاتف.. هل تحرمه ياسمين من التواصل مع ابنته؟ ولكن لماذا؟ هل هذه طريقتها لتضغط عليه حتى يعود للبلاد؟ راقت هذه الفكرة لزاهية وشعرت بأن كنتها أخيرا بدأت تتصرف كما تريد..
دلف الحاج يعقوب للداخل يغمغم بالسلام بعد أن أنهى صلاة المغرب جماعة في مسجد القرية.. ثم سأل زوجته متأملا ملامحها الشاردة ((ما هي أخر الأخبار؟))
خرجت زاهية من حالة تصلبها قليلا وهي تفرد قدميها المطويتان ثم سألته مباشرة دون سابق تفكير
((هل انتهت إجراءاتك لمحاولة استقدام ياسمين عند زوجها؟ فأنا كلما راجعت مَازن بالأمر يخبرني أن أسألك أنتَ))
أشاح يعقوب بعينيه جانبا وأجاب
((هذا ما كنت أريد التحدث معك بشأنه.. فياسمين لن تسافر عند زوجها))
سألته زاهية بتوجس وعينيها تمران على ملامح وجهه
((لماذا؟ هل معنى هذا الكلام بأنه هو من سيعود أخيرا))
حافظ يعقوب على صمته قبل أن يجيبها أخيرا
((لا لن يعود مَازن لهنا حتى بعد تخرجه.. فهو يريد أن يستقر هناك ويبدأ عمله الخاص.. لذا لن يتغير شيء في حياة ياسمين أو مَازن))
هدرت زاهية بغضب
((أي مشروع عمل هذا الذي جاء به؟ لقد ترك جامعته هنا في سنته الأخيرة، وذهب ليدرس نفس تخصصه في إحدى جامعات الغرب ولم نتدخل، والآن يريد أن يستقر هناك ويفتح مشروعا خاصا به؟ لماذا لا يقوم بمشروعه هنا))
غمغم لها يعقوب قاطب الحاجبين
((اهدئي يا زاهية))
زفرت باختناق ثم غمغمت له بحزن مكتوم
((أنا فقط لا افهم حاجته للاغتراب.. والأنكى أنك تدعمه يا يعقوب في ترك زوجته ومنزله والبقاء في الغربة!))
سقط كفه على حجرها وتمتم لها بائسا بمرارة
((وماذا تريدين أن افعل إذن؟))
أغمضت زاهية عينيها بإشارة رفض وعتاب ثم وجهته
((قل لابنك بأنه لا يجوز للرجل أن يتغرب عن زوجته أكثر من أربعة أشهر إلا بإذنها فكيف هو المغترب لست سنوات! أنا لا أجبره على العودة هنا لكن على الأقل فليستقدمها عنده هو وابنته.. لماذا يرفض ذلك؟ ماذا يخبأ هناك؟))
أغمضت عينيها متنهدة للحظات ثم سألت تبغي الحقيقة
((في الظروف الطبيعية ما يمنع الرجال من استقدام نسائهم للخارج ليشاركنهم مرارة الغربة هي عدم تحمل النفقات الإضافية.. لكن في حالة ابنك ما هي حجته؟))
نظر يعقوب إليها بقلة حيلة ودمدم فاتحا راحة يديه
((لا أدري بماذا أجيبك!))
غمغمت زاهية بإجهاد وصدر متألم
((أحيانا أشك أن السبب الكامن وراء انعزالها هو وقوعها تحت ضغوطٍ إضافية من ابتعاد زوجها عنها، وجعلها فريسة لمسؤوليات لا قبل لها بها))
ثم عادت تنظر من خلال النافذة تواصل همسا حائرا
((لكن على كل حال سأبحث في أمره وأتمنى أن يكون ما أظنه ليس صحيحا!))
تغضن جبين يعقوب متسائلا
((إلى ماذا تلمحين؟))
سألته بوضوح مباشرة وحدقتيها تهتزان
((هل هو متزوج هناك يا يعقوب؟))
لفه الارتباك عند سؤالها هذا لكن آثر أن تصدق هذا الأمر حتى تتوقف عن البحث عن مَازن فقال بثبات مفتعل
((وإذا كان متزوج، أليس رجلا ولا يستطيع العيش دون أن يعف نفسه؟ ما المشكلة في ذلك؟))
التفتت إليه بحدة تقول بانفعال مكتوم
((بل مشكلة كبيرة وفيه ظلم لزوجته.. لأن من حقها أن تتمتع بمعاشرة زوجها كما يتمتع هو بمعاشرة غيرها))
غمغم يعقوب بضيق
((زوجته راضية بغيابه ومتنازلة عن حقها في المبيت خلال هذه الفترة الطويلة، ثم هو تركها في مكان آمن لا يخاف عليها فيه، فلا حرج عليه))
ارتجفت شفتاها لا تجد ردًا أمامه في البداية قبل أن تغمغم
((حتى لو كانت زوجته راضية فعليه أن يعدل بين الزوجتين، والتسوية بينهما في النفقة والكسوة والمبيت.. كيف سيحقق العدل بين زوجتيه وإحداهما تقيم معه بشكل دائم.. والأخرى يراها أياما معدودة خلال سنوات!))
عاد يعقوب يلتفت بهيئته الوقورة لها قائلا
((لا داعي للنقاش في أمر لسنا متأكدين منه أساسا))
هزت رأسها له وهي تعود لتشرد في النافذة..
=============================
أطلق مُصعب تأوهاته في أحلامه بينما يهلوس بكلمات غير مفهومة.. منذ لقائه الأخير مع وليد وشقيقه مُعاذ وقد انقلب حاله رأسًا على عقب.. وكلمات وليد القاتلة تطارده في أبشع كوابيسه التي يلوم فيها نفسه بأنه كان السبب في موت يحيى لأنه من أرسلن لفض تلك المشاجرة بدلا منه.. وماضيه مع طليقته رشا وابنة عمه عند زواجه منها..
رغم أن وليد يعرف تماما حقيقية كل شيء.. حتى حقيقته مع رشا يعرفها هو ومعاذ دونا عن الباقي.. يعرف حقيقة أن رشا كانت تعاني من بطش والدها ويئست من أن يوقف أخيها يحيى أو أحد أعمامها والدها عند حده.. فلجأت له لكونه صديقا مقربا من يحيى قبل أن يكون ابن عمها وطلبت منه أن يتزوجها بعُرف النهوة لأن والدها مُصِر على تزويجها من صديقه كبير السن بعد أن أصبح شريكه في تجارته وسيعقد قرانه عليها قريبا رغما عنها.. فما كان منه إلا أن يستجيب لتوسلاتها وإلحاحها وفرض النهوة عليها أمام كل وجهاء وأهل القرية بشكل مفاجئ..
بالطبع اعترض عمه أمام الجميع بحجة أن ابنته مخطوبة لصديقه وتحبه.. لكن ولأن عُرف النهوة الجائر كان أقوى منه لم تلاقِ أيًا من اعتراضاته صدى عند أحد..
ورغم أن رشا تعرضت للكثير من التعنيف الجسدي والمعنوي من والدها بعد أن لامس موافقتها عليه إلا أن الزواج بينهما تم..
لم يبالِ مُصعب أبدًا ولم يهتم بسمعته أمام الناس وهو يظهر أمامهم بواجهة ابن العم الظالم الذي يفرق ابنة عمه عن خطيبها الحبيب ويتزوجها رغما عنها بإحدى تقاليد مجتمعهم البالية.. وهو المعروف عنه أخلاقه الحسنة وسمعته الطيبة..
بعدها بدأ فصل جديد من حياته مع رشا مثقل بالبرود والجفاء.. فمهما حاول أن يبني معها جسور تواصل بينهما ويزرع الود أو القبول في حياتهما يجد صدا منها!
أخيرا.. لم يتوقع أن ترد له معروفه بعد أشهر من زواجهما بأن تطلب الطلاق في يوم وفاة والدها.. تحديدا بعد ثالث يوم من عزاه! لكنه مع ذلك استجاب لطلبها مع وعد صادق لها بأنه لن يبوح لأحد بسر هذا الزواج حتى لو ترتب عليه أن يكمل حياته دون يصحح ظنونهم الخاطئة نحوه حفاظا على سمعتها..
لكن من جهتها لم تبذل أي جهد للحفاظ على هذه السمعة عندما سافرت خلسة للخارج عند والدتها بمجرد أن انتهت عدتها دون علمه أو حتى علم أخيها يحيى..
كان جسد مُصعب يهتز أثناء نومه كأنه يصارع شيء ما حتى أن حالته هالت نورين وهي تراه يتنفس بصعوبة والعرق يتفصد من جبينه.. يهذي بكلمات غير مفهومة.. عن ابن عمه.. وأيضا.. ابنة عمه.. ورغم حنقها اللاإرادي إلا أنها جلست جواره برفق على حافة السرير ثم مدت يدها لتلامس شعره توقظه على مهل
((مُصعب.. مُصعب استيقظ))
لم يستجب لها فبدأت تهزه بشكل اقوى وتناديه ليفتح عينيه أخيرا بتثاقل بتنهيدة حارة ((هل مات حقا؟))
عقدت حاجبيها لا تفهم سؤاله لكنها توقعت أن يكون له علاقة بيحيى ابن عمه.. كما أدركت أن مُصعب لم يستيقظ تماما بل لا زال يهذي فهزته بخفة وصوتها يصطبغ بلهفة واضحة
((مُصعب أنتَ تحلم..))
تطلع لها واجما ثم تجول نظره في غرفة النوم بينما يستوي شبه جالس.. وعى على نفسه أين هو لتقول له متجهمة
((بدوت وكأنك تعايش كابوس في نومك))
أرخى رأسه للخلف عابس الملامح مغمض العينين يتمتم ((نعم.. ربما))
وضعت عدة من الوسائد وراءه ليرتاح أكثر وسكبت له كأس ماء وهي تسأله بينما يُسمع وقع قطرات الأمطار من الخارج
((ماذا كنت ترى في نومك؟))
تجرع من كأس الماء بهدوء فشعر بتحسن والماء يُصب بجوفه ليطفئ ظمأه ثم رد
((فقط كابوس مزعج))
مدت يدها لتحتضن كفه بينما تنظر لوجهه المرهق وتتساءل هامسة
((لا أدري ما بالك مؤخرا! نومك بات خفيفا بعد أن كنت تقضي معظم يومك فيه))
لم يضع عينيه بعينيها بل أغلقهما بشدة وهو يتنفس بعمق ثم هدر ((نعم مؤخرا بدأ الأرق يلازمني ويجعلني استيقظ كثيرًا خلال نومي))
تجمعت الدموع في عينيها وهي تشدد من احتضان يده
((أخبرني ما هو السبب؟))
لم يرد بل زمّ شفتيه وهو يلوم وليد في داخله!
فليس هناك أبرع من ابن عمه في إطلاق سم الكلام اللاذع.. وبعثرة كيانه كرجل وهزّ عرش السلام النفسي الذي ناله بشق الأنفس.. فأشاح مُصعب بعينيه بعيدا عن وجهها العابس هادرا
((فيما بعد نورين.. فيما بعد))
ابتسمت بشحوب لتقول بصوتٍ مرير ونظرات شاردة
((لماذا كُتبت ألا تدوم السعادة بيننا!))
رفعت يدها نحو وجنتها تمسح تلك الدمعة التي سقطت بلا وعي منها فأمسك مُصعب يدها بغتة وشد عليها وهو يقول متجهما بقلق
((ماذا تقصدين بوصلة الكآبة هذه!))
دمدمت له مباشرة
((أنتَ السبب فيها))
تجلت الدهشة على وجهه وهو يردد
((أنا! ماذا فعلت لك؟))
رأى جرحا في عينيها يمزق القلب بينما تحاول انتزاع يدها منه وهي ترد باقتضاب متعمد
((لم يدم تغيرك السحري معي إلا وقتا قصيرا متمثلا في ليلة واحدة))
قطب مُصعب حاجبيه يسألها
((ماذا تقصدين؟))
ابتلعت غصة مسننة بحلقها ثم همست تطرح جل مخاوف أفكارها المتخبطة بين جنبات قلبها
((بعد أن ظننت بأنك تغيرت معي أخيرا، عدت كالسابق بل أسوء.. ما الذي حدث معك! حتى الأرق في الليل لا يتوقف عن مبارحتك! وكأنك ندمت على عرضك في أن يكون الزواج طبيعي!))
تمتم لها بصوتٍ مجهد
((الأمر ليس هكذا..))
تشنجت قليلا وهي تقول بثبات رغم اضطراب صوتها
((مُصعب هل يمكن أن نتحدث بشيء سبق وتجاهلناه سابقا؟))
تساءل هامسا ((ما هو؟))
صمتت فجأة ثم رمشت بعينيها سائلة بتردد
((أظن بأنك لم تصدق عذريتي في تلك الليلة، وسكت عن الأمر لأنك أردت انتهاء النزاع بين القريتين، لهذا كنت تنفر مني، ونادم على تغيرك معي..))
تنهيدة حارة صدرت منه وهو يضع أنامله على شفتيها يقطع استرسالها بالكلام وقد فهم مقصدها من صوتها المختنق ثم تمتم
((أنتِ مخطئة))
دمعة حائرة تعلقت بجفنيها وهي تهمس بتهدج
((لا تنظر لي هكذا.. فرغم أن تفهمك أراحني جدًّا آنذاك إلا أنه في بعض الأحيان تناوبني الشكوك أنك قلت هذا الكلام بغير اقتناع))
تجمدت نظراته بينما اشتدت لمعة نظراتها فقال بصلابة
((لا أشك بعفتك، عدم نزفك أمر فعلا طبيعي))
وهي تظن أيضًا بأنه طبيعي، فرغم كمية الرعب والخوف الذي كانت تعيشه آنذاك إلا أن تعامل مُصعب معها في تلك الليلة هو السبب.. فقد كان لطيفا معها.. متمهلا.. ورفيقا.. ولم يقم ببدء أي شيء إلا عندما شعر بأنها مرتاحة ومسترخية..
سادت لحظات من الصمت.. وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة وصوت وقعاته يصل عندها..
تساقطت عبرة.. أو عبرتين من عينيها.. فيما همت بمسحهما على الفور وهي تقول بصوتٍ متحشرج
((لماذا تتصرف معي ببرود إذن؟))
تنهد مُصعب قبل أن يقول
((إن الذي تفسرينه بالبرود يعني بأني مرتاح معك..))
امتقعت ملامحها شاعرة برجفة في جسدها فشدها لتجلس بجانبه وهو يردد باختصار
((إذن هل يمكن أن ننهي هذا الموضوع تماما ولا تجلبيها في كل مرة تشعرين بضيقي الذي قد يكون سببه أمرا ليس متعلقا بك))
تقوست شفتاها للأسفل إلا أنها هزت راسها قائلة
((نعم))
مزق قلبه رؤيتها بهذا الشكل ضائعة.. تائهة.. وجهها شاحب وبريق عينيها خافت.. فشدد من ذراعه التي تحيط كتفها وهو يقول ((ظننت أن كونك متعلمة وفتاة ذات طموح عالي ستعرفين أنه أمر طبيعي ذلك دون الحاجة لذكر الموضوع من حين لأخر))
رفعت رأسها له ولم تقاوم جاذبية الانبهار فيه وهي تناظره ثم ابتسمت له من أعماق قلبها.. بادلها الابتسامة ثم قال لها بنبرة خاصة
((تخلصي من مخاوفك عن أفكاري، ولا يصح أن يظل ذهنك مشغولا فيه لهذه الدرجة رغم حساسيته يا نور))
استدارت نحوه تحيطه بيديها هامسة
((أريد عناقك.. أشعر بحاجة ماسة إلى دفئك))
دفن وجهه في شعرها الأشقر ومرر يده فوق ظهرها متقبلا إياها باحتواء ورغبة دون أي ذرة رفض..
فتمتمت له بحنق كمن تذكرت شيئا
((لا تدعوني بنور لو سمحت))
ضحك بخفوت ثم ناكفها
((لماذا؟ نورا.. نوران.. نورين.. كله مشتقات نور..))
تحركت نورين من رقدتها على السرير معتدلة بجذعها تنوي الابتعاد
((سأذهب من هنا))
مال هو الأخر بجذعه يتشبث برسغها ويعود ليجتذبها عنده قائلا بمرح
((أنا أمزح معك أيتها العفريتة))
استلقي فوق السرير ضاحكا معها.. وهي رغم تجهمها إلا أنها عندما سمعت ضحكته اهتز قلبها بين أضلعها واحمر خداها لتشعر بتخبط متفجر في صدرها بينما يأتيها صوته ببحته الخاصة ساخرا
((منذ متى وأنتِ لا تتحملين المزاح يا نورين!))
تخبطت نبضاتها في اهتياج لذيذ.. وكل حواسها ابتهجت استجابة لاسمها على شفتيه ثم قالت وهي تبتسم رغما عنها ((ألم تلاحظ بأنك لم تشتري لي كتاب أخر سبق وقرأته حتى نتناقش فيه يا مُصعب؟))
ضحكت بخفوت وهي ترى الحنق يبدأ بالتجلي على ملامحه بينما يقول
((اذكري لي موضوع الكتاب مرة وأخرى وسأحطم خلية النحل التي رأيتها حقا على رأسك))
قالت له بدلال متفاخرة
((لن أهون عليك، أنا أعرف..))
قال لها بعاطفة مغيرا الموضوع وهو يداعب خصلات شعرها الأشقر
((أريدك يا نورين من الآن وصاعدا أن تعرفي بأني عندما لا أوليك اهتماما فهذا لا يعني بالضرورة أنني أُهملك، قد أكون حزينًا أو مشغولا ولا أريدك أن تغرقي معي، قد أكون غارقا في عالم أخر لا تعرفين عنهُ شيئًا.. فالتمسي لي عذرًا))
أومأت له موافقة وابتسمت له ابتسامة يشوبها الحزن لأنه لا يُعلمها شيئا عن مكنونات قلبه.. ثم دفنت نفسها أكثر فيه.. إنها تعشقه.. وتعشق نظرته وحنوه..
تسربت طيب رائحة عطرها النفاذ له وهي قابعة بين أحضانه فلم يجد نفسه إلا أنه يريد أن ينال شيئا مما تهفو إليه روحه الليلة! أبعدها قليلا عنه يرفع أنامل يده ليلامس بها وجنتها بنعومةٍ ولمعان عينيه يشع في تعبير عميق.. ثم مال بشفتيه يلتقط ثغرها بقبلة ناعمة.. ليحلق بها إلى عالم أخر..
.
.
بعد ساعات..
وعندما يأس مُصعب من أن يجد النوم له طريقا مثل العفريتة بجانبه استوى واقفا من مكانه.. أزاح الستائر عن الجدران الزجاجية العازلة عن الشرفة ليستمتع بمنظر المطر.. ثم أطرق رأسه يفكر بكلام نورين الذي قالته قبل قليل وضيق عينيه يجتذب الذكرى التي مر بها قبل سنوات.. عندما كان قد مضى على زواج سمية من كامل فقط أيام.. وكان أخيه الأصغر مَالك لا زال غارقا في دوامة من البؤس والكآبة ووجهه ذابل منطفأ وكأنه فقد عزيز له.. جلس هو في غرفة مَالك بجانبه ليحاول بيأس التخفيف عنه وإخراجه من البؤس وهو متأكد بأنه سينسى بل سيضحك على نفسه عندما يكبر ويتذكر حبه لها.. استلقى كل من الاثنين على الأريكة يتابعان برنامج ما على التلفاز بدون تركيز حقيقي.. عندما صدح رنين هاتف مَالك أثناء ذلك لكنه تجاهله كما يتجاهل معظم الاتصالات الواردة له منذ أيام..
انتبه مُصعب بأن الرقم المتصل بهاتف مَالك هو رقم غريب وغير مسجل فلكز كتف شقيقه بخشونة آمرا
((رد على هاتفك أيها الكئيب))
تطلع مَالك بوجوم له وتمتم ببلادة
((إنه رقم غريب وأنا لا أرد على الأرقام الغريبة))
((لماذا؟))
((أخشى ألا تكون أرقاما غريبة))
لكزه مُصعب مجددا بخشونة أكبر مختصرا
((فقط رد أيها المتحذلق الكئيب))
تناول مَالك هاتفه وخرجت تنهيدة مغلفة بطبقة غليظةٍ من البؤس منه قبل أن يجيب ((من معي؟))
وصله صوت أنثوي مرتعش خافت يعرف صاحبته جيدا
((مرحبا.. مَالك))
انتفض مَالك على الفور جالسا وهو يمسك الهاتف بشكل جيد..
في حين اتسعت عينا مُصعب وهو يقرب أذنه من الهاتف يسترق السمع لها بينما يقول مَالك بلا تصديق
((سمية هل هذه أنتِ؟))
وصله همسها منتحبا بصوتٍ مختنق
((نعم مَالك هذه أنا.. سمية))
شعر مَالك بقلبه يرتجف داخل أضلعه من نبرة صوتها الغير مبشرة.. ثم تسائل باستغراب
((سمية هل اشتريت هاتفا؟))
طالع مَالك شقيقه المتجهم بدهشة شديدة لترد هي
((لا إنه هاتف زوجي كامل، وانا أحفظ رقمك))
كان لا زال كل ما في مَالك يرتجف خوفا مما قد يكون حدث معها.. ما الذي يستدعيها أن تتصل به بعد أيام فقط من زواجها بكامل؟
فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال متسائلا بصوتٍ جاهد في خروجه ثابتا وهو يتمَالك أعصابه
((أوه حقا؟ ما به صوتك؟ هل أنتِ بخير؟))
تمكنت من النطق بكلماتٍ متداعيةٍ منهارة وكأنها تتكسر
((مَالك أنا سأقتل نفسي الليلة، أموت قبل أن أشهد اللحظة التي سأكون فيها سبب إخفاض وكرامة والديّ))
شحب وجهه وهو يستمع إليها واتسعت عيناه بصدمة يحدد الخوف إطارهما ثم سألها بصوتٍ خفيض خشن
((ماذا تقولين! سمية هل جننت؟ أين أنتِ الآن؟))
في نهاية حديثه انفلتت أعصابه فخرج صوته منفعلا بلهفة قلقة عليها.. فردت عليه بصوتٍ مغلف بالخزي
((كامل يتهمني بعفتي.. وأيضا..))
أظلمت عيناه وقد انحنى حاجباه قليلًا وكأنما لكمه أحدهم فلم يستطع النطق في البداية كما مُصعب الذي جحظت عيناه مما يسمعه.. ثم قال مَالك بانفعال
((مستحيل.. لو رأيتك بأم عيني فلن أصدق))
أخذت سمية تهذي بكلمات مشتتة متلاحقة
((بل صدق، ويتهمني معك، إنه يحبسني في المنزل بانتظار اللحظة التي سيفضحني بها عند والدي، قال بأنه سيفعل ذلك في الغد، وسيسترد كل قرش دفعه لقاء بضاعة معطوبة))
تمتم مَالك بنبرة صلبة
((المنحط الدنيء))
همست له بصوتٍ متعثر بيأس
((توقف عن شتمه.. اشتمني أنا.. هو الضحية وأنا الفاجرة..))
ضرب بيده على الحائط منفعلًا وهو يهتف بشراسة
((اخرســي لا تقولي ذاك عن نفسك..))
بكت أكثر وانتحبت بإصرار وهي تتابع هذيانها
((قطعة القماش لا يمكن أن تكذب، موتي هو خلاصي فأنا لن أتحمل أن ينفذ ما يهدد به في الغد))
كانت كلمتها بصوتها المرتعش تطوف برأسه وتخترق قلبه كالطعنات وهو يشعر بالألم والأذى اللذان أصاباها بما يفوق احتمالها.. فغمغم لها بصوتٍ يكسوه الرجاء
((سمية توقفي.. اهدئي أرجوكِ))
هتفت بانهيار ((عليّ أن أموت، لكن أنا أجبن من أن افعلها وسأرى أبي يدفن وجهه في الوحل بسببي))
كلامها البائس ونبرتها الواهية أقلقت مُصعب أيضًا عليها والذي كان لا يزال يحاول استيعاب ما يسمعه.. فهمس على الفور في أذن مَالك
((أخبرها أن تنتظر.. ستأتي سناء.. لتساعدها))
سمعته يأخذ نفسًا وكأنه يحاول أن يجلي حلقه ثم أخبرها بصرامة
((سمية أرجوكِ اهدئي الآن.. سأذهب لأخبر سناء.. سناء زوجة أخي مُعاذ.. وهي ستأتي لمساعدتك..))
زاد انتحابها وهي تخبره برجاء ممزوج بالخوف
((لا تفعل أرجوكَ.. لا أريدها أن تعلم))
انتصب مَالك واقفا على الفور وقال مهرولا للخارج
((إياكِ أن تتحركي من مكانك.. ستأتيك سناء حالا))
غمغمت له من بين بكائها برجاء مُلّح
((لا تخبرها، لن أتحمل بؤس وهوان أكثر من هذا))
همس لها والبريق الحزين في خضرة عينيه يشاركها أنّاتها قبل أن يغلق الخط
((أعدكِ أن كل شيء سيكون بخير.. ثقي بي))
.
.
فتح كامل باب منزله يضيق عينيه ثم سأل بحذر وهو ينظر لوجوه الثلاثة الواقفين أمام بيته
((ماذا تفعلون هنا يا سيد مُصعب؟ هل حصل شيء))
تطلعت زوجة مُعاذ لوجه كامل ولاحظت بأن وجهه هو الأخر شاحب نحيف والظلال القاتمة تظلل ما تحت عينيه المرهقتين الذابلتين.. فتنهدت قبل أن تقول بصلابة وثبات
((أنا هنا لأزور سمية، لم أراها منذ زواجكما قبل أيام.. هل يمكن أن أدخل عندها والاطمئنان عليها لو سمحت؟))
عقد كامل حاجبيه وقد شك بمعرفتها ما حدث رغم جهله عن الطريقة! فهو لم يسمح لسمية بالحديث مع أحد أو الخروج ريثما يفكر كيف سيكون تصرفه وردة فعله! حتى عائلته وعائلتها لم يسمح لهم بالقدوم.. فرد بصوتٍ أجوف مبحوح على سناء أخيرا وهو يتطلع بوجوم على الشابين خلفها
((ولكن ماذا يفعل السيد مُصعب ومَالك هنا؟))
أجابته ((لقد طلبت منهما أن يحضرا وينتظراني في الخارج معك.. فليس من المعقول أن آتي لهنا وحيدة))
.
.
كانت سناء قد ذهبت مع سمية لتقصد معها عيادة طبيبة معروفة بعد أن طلبت سيارة أجرة لهما.. في حين مُصعب عرض على كامل أن يوصله للمشفى وجاء مَالك معهما رغما عن اعتراضات أخيه العديدة! وهناك قبل أن تدخل سمية غرفة الطبيبة رفع مَالك وجهه يتأمل مظهرها.. تسير بجانب سناء بخطواتٍ ثقيلة مجهدة.. وجهها بدا وكأن آلاف الأعوام قد أضيفت إلى عمرها الأصلي وتركت آثارها فوق تضاريسه.. كتفاها متهدلين بعزمٍ مشتت كتلك النظرة في عينيها الحزينتين المكلومتين.. لم يسبق له أن رآها في كل حياته أكثر بؤسًا وهشاشة من تلك اللحظة!
استغرق الأمر دقائق قبل أن تخرج الطبيبة التي كانت تكشف عليها وتنادي زوجها وسناء للداخل.. ومرت دقائق أخرى أطول قبل أن تخرج الطبيبة ثم تتجاوزهما دون أن تلقي نظرة عليهما أو تطمئنهما بكلمة..
ولم قد تفعل تتحدث بخصوصيتها مع شابين لا تعرف أساسا سبب وجودهما في عيادة نسائية!
ثم خرجت زوجة أخيهما فاندفع مَالك نحوها بلهفة قلقة
((ماذا حدث؟ ماذا قالت الطبيبة؟))
ابتسمت سناء ببهوت وهي تطمئنه وكأن له علاقة بها
((لقد قالت بأنها لاتزال عذراء وغشاء مثل هذا النوع لا يتمزق بسهولة، وقد يستمر إلى الولادة الأولى))
شد مُصعب على أسنانه وهو يقول مغتاظا
((كما توقعت من ذاك المتخلف الذي تزوجته..))
تطلع مَالك لهما بشر قائلا بعزم
((سأجعل تلك الطبيبة تدون تقريرا عن حالتها وتعطيني إياه حتى نقاضي كامل الحقير الذي طعن في عرض زوجته وحبسها لأيام يخفيها عن الجميع ليتسنى له تعذيبها، لقد أذلها وأهانها وعليّ أن أقتص لظلمها))
ثم تسربت شحنات الانفعال له وهو يستطرد قائلا بينما يهم لدخول تلك الغرفة
((ماذا لا زال يفعل في الداخل؟ سأذهب لألقنه درسا))
أمسكه مُصعب من مرفقه بقوة يعيده هامسا بشراسة
((على رسلك أيها الأحمق، إلى أين أنتَ ذاهب؟))
توقف مَالك مكانه واستطاع أن يتطلع من فتحة الباب على من في الداخل.. ليرى سمية جالسة على أريكة ومرتمية على صدر زوجها كامل.. مغمضة العينين.. تبكي كطفلة صغيرة متأذية بينما هو يضمها إليه بذراعه ويريح ذقنه فوق رأسها هامسًا بكلمات يهدهدها ويعتذر لها راجيا مغفرتها.. وهي كأنها تتشبث به رغم جرحها منه.. تختبأ في صدره من ظلمه وشكه.. تشكوه إليه.. تلومه وتلفظ روحها بين يديه...
تمتم مَالك بتخبط ودهشةٍ أفلتت عقال غيرته ونظره لا يزال مصوبا نحوهما
((انظر له كيف يعانقها يا مُصعب، وكأنه لم يكن هو من قام طوال الأيام السابقة بمعاملتها بلا أي إنسانية فضلا عن قذفها بعرضها.. وفي نفس ليلة زفافهما))
هز مُصعب مرفقه الذي يمسكه وتمتم له يعيده لواقعه
((وما شأننا يا مَالك! لا يحق لك أن تفعل أي شيء إذا لم تشتكي هي.. أنتَ تتحدث عن امرأة متزوجة وتتدخل بينها وبين زوجها.. يُقطع رقاب الرجال في أمور كهذه، كيف ستتصرف لو عرف والديّ اللذين يتفاخران دائما بهدوئك ونضج سنك بالنسبة لعمرك بما تفعله!))
كان قلب مَالك يتفتت بالألم لهذا المشهد بل فارت مشاعره بجموح لتنهش صدره.. وشعر مُصعب به فأطبق بيده بقوة مشددا على مرفقه بينما قالت سناء التي اقتربت منهما
((أعرف أن ما قام به غير إنساني لكن الرجل بدا لي في حالة يرثى لها.. وجهه عندما كان يتحدث مع الطبيبة كان مثقلا بالألم والذنب والندم.. لا بد أن همساتها الباكية الآن تنساب مذبوحة في أذنيه))
تطلع مَالك لها يقول بوجه معذب
((هل تمازحيني؟ لا يمكن أن تعود له بعد كل ما فعله بها من امتهان وازدراء! ألم ترِ مظهرها قبل قليل فقد بدت كمن لم تأكل أو تشرب شيئا منذ حينها!))
عقدت سناء حاجبيه تقول بجدية
((لا بد أنها هي الأخرى واقعة في صراع مرير بينها وبين نفسها في أن تسامحه وتكمل حياتها معه أو تتركه فلا تزد الأمور تعقيدا يا مَالك..))
غمغم مَالك بنبرة مستهجنة
((يتوسل لها؟ بعد ماذا؟ بعد أن غرس سكينه في روحها وطعن في شرفها وحبها وثقتها))
ثم عاد يطالعهما داخل الغرفة ليرجعه مُصعب بصرامة وهو يهز مرفقه بقوة
((مَالك لا تتعدى على خصوصيتهما.. إنه زوجها.. لا شرع ولا عادات تبرر ما تفعله الآن))
أيدته سناء وهي تحثه بجدية
((مَالك إياك أن تتدخل فيما لا يعنيك ولا يحق لك.. ولننسى نحن الثلاثة ما حدث الآن))
زم مَالك شفتيه وهو يشعر بصحة ما يقولانه رغم الغضب المستعر الذي يجتاحه في هذه اللحظة ورغبته العارمة لقتل كامل وهو يجد ما فعله بسمية غير مبرر..
بدأت أنفاسه ترتفع وهو يعافر ليتركها في حالها للأبد ويبتعد عنها.. فنفض مرفقه من يد مُصعب بقوة واستدار يهرول مسرعا مغادرا..
وفي خارج المشفى وقف يرفع رأسه للسماء من فوقه ثم أغمض عينيه يستقبل حرقة الشمس بإرادة جادة في أن تحرق كل ما فيه بما فيها من مشاعر وعاطفة ليست في محلها..
عليه أن يعي ويدرك بأنها قد عقدت قرانها وتزوجت من رجل آخر ولم يعد يحل له أن يفكر بها حتى في خيالاته ونومه!
ومنذ آنذاك حاول مَالك قدر الإمكان ألا يفكر فيها أبدًا وكان يسمع أحيانا من زوجة أخيه سناء بأن سمية تعيش سعيدة مع زوجها كامل وعلى خير ما يرام.. وأنه بالفعل يعوضها بصدق لينسيها قسوته وظلمه السابق لها..
=============================
في شركة القاني..
كان قصي جالس على مقعده أمام الحاسوب يستقبل المكالمات من العملاء كما يتطلب عمله منه كموظف هنا.. استقبل مكالمة أخرى يبدأ بالقول
((مساء الخير يا سيدي.. معك قصي من..))
((موقعكم لا يعمل))
((لا تقلق يا سيدي.. هل يمكن أن تزودني برقم..))
((ألا تفهم؟ أخبرك بأن موقعكم لا يعمل بجهازي))
لم تنحسر ابتسامة قصي البشوشة وكأن العميل أمامه وهو يكمل الحديث بلطفه المعتاد والمفروض عليه
((حسنًا هل يمكن أن تعطيني رقم..))
قاطعه العميل صارخا بنفس العصبية التي بدأ فيها المكالمة
((الآن أريد منه أن يعمل.. شغّله من عندك حالا))
أغمض قصي عينيه يحاول ألا تنفلت أعصابه.. فهو كموظف خدمة العملاء عليه أن يتمتع بمهارات اتصال مع العملاء وعليه أن يكون دائما قادرا على المساعدة حتى لو واجهه عميل غير سوى أو حدثه بعصبية.. بل حتى لو تطاول عليه العميل عليه أن يحافظ على هدوءه وصبره وأن يصل لمستوى راقي ومتحضر لإرضائه..
((في البداية أود أن أسألك يا سيدي، ماذا يحدث عندما تحاول الدخول للموقع؟))
أجابه العميل ببساطة
((لا شيء.. إنه فقط لا يعمل))
((نعم أنا أفهمك ولكن ما هو الخطأ..))
قاطعه العميل بفظاظة
((أخبرتك بأنه لا يعمل، ألا تفهم؟))
بشق الأنفس تمَالك قصي نفسه وهو يقول بلطف
((هل يمكن يا سيدي أن تحاول كتابة اسم الموقع الإلكتروني على متصفح الإنترنت وتخبرني ما يظهر عندك؟))
((يظهر لي مستطيل طويل فارغ.. هل اكتبه فيه؟))
((نعم يا سيدي))
((كتبته وظهر لي الموقع))
كان قصي يمارس أقصى أنواع التحمل والصبر وهو يقول بصوتٍ مغتاظ
((هذا يعني بأن الموقع يعمل يا سيدي))
((هل تكذبني؟ أنا أخبرك بأنه لا يعمل))
((اكتب أي شيء واضغط على محرك البحث وستجد بأنه قد بدأ يعمل يا سيدي))
((نعم نعم.. ها هو الموقع بدأ يعمل..))
وقبل أن يسمح لقصي بالرد عليه كان يقفل الخط في وجهه..
.
.
بمجرد أن انتهت نوبة قصي في عمله حتى أزال سماعته من فوق رأسه.. وسجل خروج من الموقع ينهي عمله البغيض وهو يشعر ككل يوم بألم في جميع مفاصله من إثر الجلوس لساعات طويلة على الكرسي وببحة في صوته لعدم مضي دقيقة عليه دون التحدث..
أمسك بتكاسل حقيبة ظهره يجرها بيده لا يمتلك القوة يجرها بينما يغادر.. وقبل أن يخرج من القسم حتى عقد حاجبيه عندما ناداه قائد فريقه معتز
((قصي.. تعال هنا للحظة.. أنا بحاجة لتوقيعك))
اتسعت عينا قصي بصدمة.. توقيع؟ التوقيع يحتاجه قائد الفريق معتز فقط بحالة تم إعطائه تنبيه أو إنذار!
استدار قصي وخطا بغضب نحو معتز يغمغم بانفعال
((لماذا تريد أن تعطيني تنبيها يا معتز؟ ماذا فعلت؟ لم افعل شيء وبالتالي لن أوقع على شيء! وإذا ما فكرت أن توقع عني سأشتكي عليك وأنا لا امزح))
طالع معتز تهديد قصي باستهانة قبل يتشدق متهكما
((هون على نفسك فلن أوقع عنك، بل ستوقع أنتَ ورغما عنك على التنبيه الذي تستحقه، لكن بما أنه قد مضى ثلاث أشهر على احدى إنذاراتك وقد تلاشى من سجلك فلن تطرد بسبب هذا التنبيه.. لا تقلق))
اعترض قصي من بين أسنانه المطبقة
((ولماذا ستعطيني تنبيه من الأصل؟ أنا ملتزم أكثر من أي فترة مضت طوال فترة عملي وأتحامل على نفسي حتى لا انتهك أي قواعد هنا))
تطلع معتز له بتشفي يتلذذ بقهره كما كان يعذبه بعدم التزامه في السابق ثم قال ببساطة
((باختصار سبب تنبهيك هذه المرة هو تقييم العملاء المنخفض لك في نهاية المكالمات))
اهتزت أنفاس قصي وذهوله يبلغ قمته فغمغم
((ماذا! تقييم منخفض؟ وما ذنبي أنا بتقييمهم؟ ألا يكفي أنهم يروني كموظف هنا فرصة لتصفية الحسابات مع الموقع الإلكتروني، بل يتعاملون معي بعصبية وتعالٍ ويحملوني مسؤولية أخطاء باقي الموظفين!))
رسم معتز تلك الابتسامة المستفزة المتشمتة بينما يشده نحو الحاسوب
((أتفهم استيائك لكن هذه هي سياسة شركة القاني، الآن وقع على تنبهيك))
سكنت تعابير قصي ثم أرخى أهدابه وهو يشعر بأنه فعلا لا مناص له من أخذه للتنبيه ولن يفيده الاعتراض أكثر.. فتنهد بحرقة خرجت من جوفه محملة بقهر سنتين من العمل في شركة القاني بينما يمارس على نفسه حدوده القصوى من ضبط النفس للالتزام في العمل هنا وبذل اقصى جهده وهو الذي لم يسبق وأن امتهن وظيفة في حياته! ثم بكل آلية قام بإجراءات توقيعه على التنبيه على الحاسوب..
أخيرا انتصب واقفا وطالع معتز المتشمت به بعينين بليدتين يبصق الكلمات المرصوصة داخله
((تبا لها من سياسة، وتبا لشركة القاني، وتبا لهؤلاء العملاء الأغبياء الذين يظنون أن الاستبيان الذي يحصلون عليه بعد أي مكالمة لهم هو تقييم للموقع الإلكتروني لا تقييم لمدى رضاهم عن الموظف الذي رد على كل الأسئلة!))
وعلى الفور استدار يضع حقيبته على كتفه بعنف ليجد معتز يهتف به بصوتٍ عالي
((لا تنسى أن تأتي غدا على الموعد حتى لا تأخذ تنبيها آخر يا قصي))
إلا أن قصي الذي كان يطحن ضروسه من شدة الغيظ قرر أنه وبكل استهتار لن يحضر غدا.. ولا بعده..
ولا الذي بعده..
سيُعطي لنفسه من تلقاء نفسه إجازة أسبوع ليسافر مع سهر إلى تلك الإجازة التي كان سيفوتها بسبب قراره الأحمق في الالتزام بالعمل هنا.. طالما العمل بجد والتزام يعطي نفس نتيجة غيابه وتسربه فلا داعي لبذل جهد لا طائل منه!
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!