الفصل 34 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
9
كلمة
4,254
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

دلفت نورين إلى مجلس النساء حيث حماتها تجلس حاملة صينية بها فنجاني قهوة عربية مركزة..

تقدمت قليلا تسير فوق السجادة السميكة التي كتمت صوت خطواتها فلم تشعر بها زاهية الواقفة أمام نافذة المجلس الواسعة المطلة على الحديقة بينما تضع الهاتف بالقرب من أذنها..

وضعت نورين الصينية فوق الطاولة ثم انتصبت قامتها وتقدمت خطوة باتجاه حماتها.. لكنها ضيقت عيناها وهي تمعن النظر في وجه حماتها الظاهر على الزجاج العاكس فتجد وجها غريقا بالحزن..

فغرت نورين شفتيها بتعجب تنوي سؤال حماتها قبل أن يصدح صوتها بانفعال ثابت للشخص الذي تتحدث معه أخيرا

((إذن لا خطط مستقبلية في بالك عن العودة للبلاد حتى بعد تخرجك يا مَازن؟))

وصلها صوت ابنها قائلا بصوتٍ منهك يتلمس تفهمها

((نعم يا أمي، أريد أن أبقى في الخارج وأعمل هناك بدون أن أعتمد على نقود أبي، أريد أن أكون عصاميا وأبني نفسي بنفسي))

صدر صوت مستهزئ من زاهية! من يريد أن يكون عصاميا ولا يعتمد على نقود والده! مَازن! ابنها هي مَازن! لكن ورغما عنها عادت تقول له بحرقة قلب

((ألا يمكن لك أن تكون عصاميا إلا في الخارج يا مَازن؟))

بدت أنفاس مَازن تائهة وهو لا يعرف ماذا يجيب أمه وبماذا يتحجج أكثر.. إلا أنه حسم أمره بعزم وتصميم

((للأسف لن ينفع إلا في الخارج لقلة فرص العمل وضعف الرواتب مقارنةً بتكاليف الحياة اليومية في بلادنا))

قالت زاهية بصوتٍ متحشرج

((لقد اقتنعت بسفرك يا مَازن وسمحت لك بالذهاب فقط لأنك أقنعتني بأنه أمر مؤقت، سينتهي بمجرد إنهائك دراستك، لكن يبدو أن الأمر سيطول أكثر..))

صمتت قليلا قبل أن تستطرد بنبرة تخنقها العبرة وغصة البكاء

((لكن ألم تفكر قبلا كيف ستصمد زوجتك على رحيلك طوال هذا الوقت؟))

بدت مترددة فيما ستضيفه ولكن قست على قلبها المغمور بأمومة خالصة.. وعلى ابنها على حد سواء وهي تقول بجدية واحتدام

((أنت أناني يا مَازن، تسير وراء نزواتك في الخارج ولربما متزوج وتخفي عنا الأمر بينما تترك زوجتك تقوم بمسؤوليات الأم والأب معًا لابنتك الوحيدة.. وبالمناسبة أنا أدرك كذب ياسمين عليّ بشأن تواصلها معك، وأنا أعذرها، فهي لا ترغبك لأنك ترفض العودة وترفض أيضًا استقدامها عندك متعذرا بحجج واهية..))

صمتت زاهية وهي تلهث بروحٍ تذوي ببطء.. ولم يصلها أي صوت من ابنها.. فأطبقت عينيها بشدة ثم همست أخيرًا بصوتٍ جامد

((هل تسمعني يا مَازن؟))

أخيرا جاء الرد منه بأن قطع الخط وفصله..

فتحت زاهية عينيها وهي تزدرد ريقها مبتلعة ألمها في جوفها وشوقها العارم لأصغر أبنائها يعذبها.. لقد أضناها بعده.. ولم تعد رؤيته على شاشة الهاتف وسماع صوته من هناك تخفف من لوعتها.. لكم تتمنى أن يعود هنا لأرض الوطن ويعيش تحت جناح والده..

وما كادت زاهية تبعد الهاتف عنها وهي ترفع هامتها المتطأطئة تعبًا وكمدًا.. حتى اتسعت عينيها قليلا وهي تتمتم بتعجب

((منذ متى وأنتِ هنا يا نورين؟))

أخفضت نورين عينيها وهي تفرك أصابعها ببعضهم في حركة أصبحت ملازمة لها عند توترها قبل أن تقول مبتسمة بتشنج وإحراج

((لقد كنت واقفة هنا منذ مدة، لكنك لم تشعري بي.. وقد جلبت فنجاني قهوة لي ولك))

ظلت زاهية ترشقها بوجومٍ شديد ثم قالت بعد هنيهة

((اجلسي هنا ودعينا نتذوق قهوتك))

انفجرت ملامح نورين بإشراق لمبادرة حماتها ثم جلستا متقاربتين ترشفان القهوة وتستنشقان باستمتاع بخارها الشهي الرائحة..

وضعت نورين فنجانها أولا ثم التفتت إلى حماتها تسألها بشيء من التوتر والتردد

((لقد تزوج ابنك ياسمين وبالكاد كان قد أتم الواحد والعشرين من سنه صحيح؟ إنه توأم مَالك وبعمره..))

لم تعترض زاهية على نبش نورين للماضي بل ابتسمت بمرارة وهي تغمغم مجيبة بتنهد

((نعم وهي كانت في الثامنة عشر من عمرها))

تساءلت نورين باستغراب عفوي

((كيف وافقتم على زواجهما بهذا السن الصغير؟))

تنهدت زاهية قبل أن تجيبها بعقل شريد

((لا أدري.. لا أدري شيء.. زواجهما كان يلفه الغموض واللبس.. لم يكن حتى مَازن قد أنهى تعليمه الجامعي..))

عقدت نورين حاجبيها تسألها

((كيف يعني؟ اشرحي لي))

ضاعت عينا زاهية في دوامات الماضي والذكريات تذبحها ببرود.. رفعت فنجان القهوة ترتشف منه ثم أجابت

((كان الغم والكآبة يلفان منزلنا بعد وفاة زوجة ابني الأكبر مُعاذ بعد صراعها الطويل مع المرض فولادتها لدارين أنهكتها.. وأردنا أنا نفرح قليلا وندخل الفرح لمنزلنا فقمنا بعد سنة بتزويج مُؤيد من رتيل، ولم يكن قد مر أشهر قليلة حتى تفاجأت بيعقوب يخبرني في نفس اليوم بأنه سيعقد قران مَازن على زميلة له في الجامعة يحبها))

أسرّ الذهول نورين للحظات قالت فيهنّ بتساؤل

((ماذا! كيف زوجه من زميلته هكذا بدون لا مقدمات؟))

عمّ الصمت بينهما وعادت زاهية ترفع فنجانها ترتشف من قهوتها السوداء وملامحها تنغلق على ألمها مجيبة

((في البداية ظننت أن زوجي يمازحني مزاحا غير مألوف فيه، لكن ملامح وجهه الصارمة والمنهكة لم تدع أي مجالا للشك في جديته))

سألت نورين بتركيز لاستيعاب ما حدث

((ألم تسأليه عن سبب قبوله أن يزوج مَازن بهذا الشكل والسرعة!))

وضعت زاهية فنجانها فوق المنضدة برنين لقى صدى بقلبها لتجيب

((أخبرني أن مَازن لاقى الرفض من عائلتها لصغر سنه.. وكان والد ياسمين يريد تزويجها من رجل آخر آنذاك لكن إلحاح زوجي عليه جعله يرضخ لطلب الزواج بشرط أن يتم على الفور دون الحاجة لإقامة احتفال أو أي شكليات أخرى، فطلبها في نفس اليوم وأقاموا حفلا بسيطا عند دارهم ثم جلبوها إلى هنا.. تخيلي بأننا لم نكن أساسا قد جهزنا أثاثا أو أعددنا جناح يليق بهما كزوجين بعد!))

أطرقت نورين بنظراتها تتمتم بحيرة

((شيء مثير للريبة..))

رفعت زاهية بغتة رأسها بشموخ وقالت بحسم صارم منتهٍ

((قد يتناهى لعقل أي أحد يعرف بقصة ابني بأنه قد أخطأ معها لذا وافق والدها على تزويجها منه وتم الأمر على عجل دون أن يدعوا أحد.. لكن مُحال.. أنا من ربيت ابني وأعرف أنه من المستحيل أن يقرب الحرام أو يمسه))

شهقت نورين في نهاية حديث حماتها وهي تفهم ما ترمي له لتسارع نافية بلهفة وهي تلوح بيديها

((من المستحيل أن أفكر هكذا، لم أظن به هذا السوء))

تنهدت زاهية وهي تقول بنفس الصرامة

((أنا قلت لك هذا الكلام تحسبا فقط، لأنه حتى أنا خطر على بالي والعياذ بالله بسبب ظروف زواجها مثل هذه الظنون، ولولا أن يعقوب أقسم لي أغلظ الأيمان أن مَازن لم يمسها ولم يقترب منها قبل عقد قرانهما، لربما ظل للشك مكان في قلبي، لكن الحمدالله تربيتي في ابني لم تخيب..))

تنحنحت زاهية بوقار قبل أن تقول بحزم

((ولكن يا نورين إياك ذكر هذه التفاصيل أمام أي أحد))

أومأت لها نورين بتفهم وهي تربت بلطف فوق كفها وقد اتضح لها شيء من غموض علاقة ياسمين بمَازن الذي لم تراه حتى الآن ولا مرة!

=============================

في مكتب مُعاذ..

حيث هو منهمك في كتابة تقرير ما طرق أحد الضباط الذي يرتدي زيا تقليديا الباب ثم تقدم منه يقول بتفكه

((اليوم هو إجازتك ومع ذلك تعمل يا حضرة الرائد، إذا كنت مصرا على عدم الزواج حتى هذا العمر، فأنا أعرف مكانا يمكننا أن نقضي فيه وقتا مسليا مع أجمل الفتيات في الإجازات.. ما رأيك يا حضرة الرائد؟))

توقف مُعاذ عن الكتابة ثم رمق الضابط صقر الذي يعمل تحت إمرته من بين رموشه بنظرات يتطاير منها الشرر قبل أن يصيح به بصرامة

((هل أنتَ واعي لم تدعوني له؟))

انحسرت على الفور الشقاوة الظاهرة على ملامح الضابط صقر وهو يبدي ندمه سريعا

((أعتذر منك يا حضرة الرائد.. كنت أمازحك))

همّ مُعاذ بتعنيفه بالمزيد من الغضب المكبوت في داخله.. إلا أنه تمَالك أعصابه بشق الأنفس قبل أن يهز رأسه له بمعنى أن يغرب من أمام وجهه..

شد الآخر جسده ورفعه في حركة رأسية قبل أن يؤدي التحية بكفه

((تمام يا حضرة الرائد))

غادر المكتب وهو يقفل الباب خلفه مما جعل مُعاذ يطيح بكل ما أمامه على المكتب أرضا.. هدأ للحظات يتنفس بانفعال قبل أن يجلس بإجهاد ثم يغمر وجه بكفيه..

لا يصدق كيف فجر كل الغضب المكبوت بداخله دفعة واحدة وصاح قبل قليل بصوتٍ أفزع كل من وصله..

رغم أن الضابط تجاوز حدوده في المزاح إلا أنه لم يكن يستدعي الأمر أن يتعامل معه بهذا الجفاء والاحتدام..

وهو يعرف أن سبب الغضب المندلع في صدره هو أن اليوم يصادف حفل خطبة وليد وشيرين البسيطة..

هو الآن رائد يعمل داخل مؤسسته وخلال دوامه الرسمي وعليه أن ينسى كل شيء عدا ذلك..

رفع مُعاذ وجهه وشرد بعقله بعيدا وهو يتكئ على ظهر مقعده ويعود للتفكير بشيرين.. تشدق بعينين تلمعان قسوة.. لم يغفو له جفن منذ أن جاءت بطاقات الدعوة له بسبب الأفكار المقيتة التي كانت تعصف بعقله.. لقد عرفت حقا كيف تتلاعب به وتستغله لتنتقم مما فعله وليد بها.. ونجحت! فهو لم يخبر وليد عن خطتها بالزواج منه زواجا صوريا أبدًا.. لأنه وببساطة مُعاذ.. ابن عشيرة الكانز.. ابن دار الرفعة والشأن.. لم يكن ليتصرف إلا بما يتناسب مع مبادئه وهيبته وشرف نفسه وطيب أصله..

ثم ليس وكأنه أحبها أو شعر بشيء تجاهها..

كل ما في الأمر أنه شعر بشيء من الميل لها فلم يجد أفضل من أن يتزوجها حتى يكون سندا لها في وحدتها وضعفها من جهة.. وتكون هي له واجهة أمام الناس ينجب منها ذرية ويعف كرجل حاجاته التي أنكرها على نفسه بعد أن توفت حبيبته سناء.. فالدوائر الاجتماعية من حوله غير متفتحة وتمارس ضده ضغوطا تقليدية دون أن تستوعب بأن اختياره بعدم الزواج هو خيار شخصي.. وهو لم يعد يتحمل نظرة المجتمع له كرجل في السابعة والثلاثين من عمره لا زال أعزبا ومحاصرته بالأسئلة..

كلمَ لا تتزوج وقد مرّ على وفاة زوجتك سنوات؟ هل تعاني مشكلة ما؟ هل تسلك طريق الحرام لتعف نفسك؟

لكن على كل شيء أن يتغير وعليه أن يفكر جديا بإخبار والدته أن تبحث له عن زوجة..

قاطعت طرقات صقر نفس الضابط السابق على الباب خلوة مُعاذ.. والذي ما إن سمح له بالدخول حتى دلف للداخل يؤدي التحية العسكرية قبل أن يقول بارتباك

((حضرة الرائد، هذه المرة جئت لأشكو لك تصرفات طائشة للملازم حمد))

اتسعت عيني مُعاذ بدهشة قبل يغمضهما وهو يخفض رأسه بإنهاكٍ حتى استند به لكفه وهو يغمغم بخشونة

((ذاك الملازم الأول يسبب لنا مشاكل كثيرة ويظن بأنه ملك زمام الكون.. تبا له))

رفع مُعاذ رأسه للضابط أمامه يسمعه يضيف

((كل يوم عن يوم وتصرفاته تصبح أكثر تهورا ونزقا، لا ينقص إلا أن يعلق بعض المساجين ويضربهم بالكرابيج))

احتدمت ملامح مُعاذ وفغر شفتيه ينوي التحدث قبل أن يفاجئ بتشدق شخص يصدر من رجل يدلف للداخل

((هل تشكوني للرائد مُعاذ مجددا الآن؟))

بدا في الضابط صقر شيء من الهلع من تصرفات الملازم حمد.. فهو يعرف بأن هذا الملازم السادي ليس عاديا.. ولديه من الوساطات والمعارف ما يؤهله لفعل ما يشاء هنا سواء بزملائه أو المساجين دون أن يرف له جفن..

انتفض مُعاذ من مكانه على الفور وقد ثارت ثورته من انعدام احترام الملازم حمد أمامه.. ثم صرخ فيه بقوة فيغدو وجهه كوجه أسدٍ غاضب

((قف باحترام عندما تدخل هنا أيها الملازم الأول))

ارتجف شيء من الملازم الأول حمد وهو يطالع بوجوم مُعاذ.. يتأمل وقفته الصلبة بملابسه العسكرية التي تظهر جسده العريض القوي بمهابة فخمة الرجولة..

تنحنح متماسكا يذكر نفسه بأنه ليس مجرد ملازما أول..

لكنه تحلى بشيء من الحذر أمام الرائد الذي يقف أمامه..

فابتسم تلك الابتسامة المقيتة قبل أن يتشدق بفجاجة

((ماذا الآن؟ أخبرتني أن أتوقف عن سياسة العقاب الجماعي للعنبر كله وتوقفت، هل هناك من شيء آخر بحاجة أن تزجرني وتوبخني عليه؟))

هدئت ملامح مُعاذ دون أن تظهر أي تعبير يعكس ما بداخله ليهتف به بنبرة جليدية

((إياك أن ترفع يدك على سجين هنا، والا فلا تلومنّ إلا نفسك))

ثم تقدم مُعاذ منه يكمل بنبرة ذات مغزى

((نصيحتي لك ألا تغتر كثيرًا في نفسك وقوتك، فربما ينتهي بك المطاف واقعا في كارثة أو مصيبة تضيع مستقبلك وتذل نفسك، أو حتى تضعك في السجن))

أنكر حمد كلامه واستهجانه ورفضه من فرط التهور القابع في داخله

((أنا ينتهي بي الأمر مسجونا!))

ارتفع حاجب مُعاذ من فجاجة وقاحته واستخفافه ثم مال برأسه نحوه يحدق به بنظرات غامضة للحظات قبل أن يقول بهدوء قاتم

((أعذرك فما زلت في أوج شبابك، لكن ستدرك عظمة هذه المعاني وقيمتها في سنوات نضجك وعقلك، عليك أن توازن بين اعتدادك كضابط بنفسك وقوتك في الحق، وبين تواضعك للناس وانكسارك أمام رب الناس، فأنتَ في النهاية حارس للقانون وليس أول من يخرقه))

شدّ حمد على أسنانه ولم يرد على مُعاذ المزعج بالنسبة له.. فرغم كل وساطته وخلفيته الاجتماعية والعسكرية التي لا يستهان بها إلا أن الرائد أمامه حاد وصريح لا يخشى في الحق سلطان ولا غفير.. وليس من الحكمة أن يتورط معه..

=============================

في مكتب وليد..

توتر فك وليد.. تحشرجت أنفاسه.. أغمض عينيه لينقر بظاهر إبهامه على جبهته وشيء به يثور كما اعتاد عند فورة أعصابه..

قاطع أخيرا الرجل الذي يتحدث معه على الهاتف بجفاء

((كن واضحا معي يا هذا.. ما الذي تريد أن تصل له بعد هذه المقدمة الطويلة؟))

بدا الرجل على الهاتف خائفا ومرتبكا وهو يجيبه بصوت أجش خفيض

((أريد أن أخبرك بأني تراجعت عن التطوع للتبرع لقريبي السيد فايد أبا سهر))

ضرب وليد بكفه منضدة مكتبه يثور هائجا ليقف بتحفز وهو يصرخ به

((لماذا أيها الأحمق؟ ألم أخبرك بأني سأدفع عنك من حر مالي كل تلك الغرامات عليك؟))

تلعثم الرجل من على الطرف الأخر قبل أن يجيب بتوتر

((لقد قرر الطرف الآخر مسامحتي على كل شيء مقابل التزامي بدفع كل ما تكبدوه من خسارات مالية، وأقاربي مستعدون لدعمي ماليا، لذلك لا حاجة لي الآن لمساعدتك يا سيد وليد))

هتف وليد بسخط وشراسة

((أيها الأحمق، والد سهر هو قريبك، حتى لو كان دون مقابل، ألن ترغب في التبرع له بجزء من كبدك وإنقاذ حياته؟))

ازداد التوتر المشوب بصوت الرجل وهو يقول بنبرة أقرب للتوسل

((لا.. لا أريد يا سيد وليد، ثم.. ثم إن فكرة التبرع بشيء من جسدي تثير ذعري))

استنكر وليد بنبرته الهائجة

((مما قد تخاف أيها السخيف؟ كبدك بشكل عام لن يتأثر لو تبرعت فخلاياه ستجدد وترمم نفسها بنفسها))

ازدرد الرجل ريقه قبل أن يقول بصوتٍ مرتجف

((لا أريد يا سيد وليد، لقد سمعت من أحد زملائي بأنه قام بها وحصل له ردّ فعل تحسّسي كمضاعفات للعملية نتيجةً للتخدير وتشكّل فتق في بطنه وندبات في جلده، هذا غير أن شعوره بالألم والانزعاج لم يختفي بسرعة))

صرخ به وليد متشدقا بسخرية قاتمة

((هل أنتَ مجنون؟ هذه الأضرار هي نفس الأضرار التي تنتج بسبب أي عملية جراحية))

لم يجب الرجل بشيء فعم الصمت بين الاثنين لا يسمع إلا وتيرة أنفاس وليد المنفعلة في تزايد.. فأغمض عينيه للحظات ليقول بتشدد من بين أسنانه

((أين أنتَ يا هذا؟))

ازدادت وتيرة أنفاس الرجل ارتعاشا وخوفا من وليد.. يخشى بطشه بعد أن نقض عهده معه.. لكن سلامة نفسه كانت أكثر أهمية.. فردد على نفسه بأنه يعيش في بلدة أخرى وبأن وليد لن يصله بسهولة.. فتشجع قائلا بثبات مزيف

((أعتذر منك.. ولكن لا أريد.. سامحني))

بمجرد أن انقطع الصوت نظر وليد للهاتف أمامه وسرعان ما جحظت عيناه وتسمر مكانه وهو يدرك بأن الآخر أنهى المكالمة.. سارع يقوم بالاتصال عليه مجددا ليجد أن الخط بات مفصولا..

لم يجد أمامه إلا أن يرمي ما طالته يده من أوراق وأدوات أرضا يهدر بلهاث عصبي

((تبا لك))

جلس وليد على كرسيه يغمض عينيه وهو يهز ساقه بعصبية.. لقد بحث بجد عن أقارب سهر الذين يعيشون في الخارج وحاول أن يطلب منهم واحد واحدا إجراء الفحص اللازم للتبرع لوالد سهر.. وما إن وجد أخيرا الرجل الذي يملك فحوصا متطابقة وتصح عليه شروط التبرع حتى استغل حاجته للمال مقابل التبرع بجزء من كبده لوالد سهر.. وعندما وافق استطاع بطرقه الخاصة تزوير التقرير الطبي الذي أعطاه لشيرين ليظهر لها بأنه هو المتبرع.. كان ليقول لها بعد زواجهما وضمانه لها أن المتبرع قريب سهر لا هو.. لكن لولا جهوده الحثيثة في البحث عنه وإجباره على الفحص والتبرع لما فعل ذلك..

فتح وليد عينيه وبريق العزم يتوهج من عينيه.. ليترك كل هذا جانبا.. مبدئيا فشيرين لا يجب أن تعرف بأي شيء قبل أن يتم الزواج!

لقد حاول الانتقام بعد ما عرف أنها فعلته بالسابق وتركها في نفس يوم زواجهما وكان يريد المضي بحياته ونسيانها ولكن قلبه فشل في ذلك.. وعليه أن يوقن بأن روحه وقلبه على حد سواء لن تجدا السلام إلا إذا تزوجها وصارت ملكه.. وحينها يمكنه الثأر منها لكل ما فعلته ثم العيش معها حياة طبيعية كأي زوجين..

=============================

كان يزيد مستغرقا في حل واجباته عندما دلفت والدته لغرفته وهي تتحدث على الهاتف هادرة

((نعم يا مَالك أنا بالفعل أنهيت نقل العلامات ووضعتهم بمغلف بُني وناولتهم لنجوم لتعطيهم لك))

أسقط يزيد القلم من يده وانتصبت أذنه وهو يرخي قبضته الأخرى عن كتابه بينما تتابع والدته

((لا شكر على واجب.. طابت ليلتك))

وضعت سمية هاتفها على منضدة جانبية ثم أمسكت جهاز التحكم عن بعد تشغل التلفاز وتقول

((أنهِ يا يزيد نسخ درسك حتى أراجع ما كتبته، لقد اقترب موعد نومك))

استوى يزيد واقفا من على كرسيه الصغير واتجه إلى حيث تجلس والدته على الأريكة يسألها ببراءة

((هل ستتزوجين يا أمي من أبي مجددا؟))

فغرت سمية شفتيها قليلا متعجبة مما سمعته من ابنها وهي تحرك رأسها نحوه.. فكرر يزيد سؤاله بشيء من التردد

((أمي هل ستعودين له أم لا؟))

جفلت سمية التي كانت شاردة في النظر له وسارعت تغلق التلفاز ثم تحمل ابنها وتجلسه في حجرها متسائلة

((هل فهمت شيئا من حديثي مع مَالك عصر اليوم؟))

أومأ يزيد برأسه وقال بيأس

((نعم أمي سمعته وفهمت بأنك ترفضين العودة له))

انتبهت سمية لتقوس شفتي ابنها بعبوس، فسألته سمية بصوتٍ متحشرج

((هل ستكون سعيدا لو عدت له؟))

حطت ببصرها على عينا يزيد اللامعتين تتلمس فرحته البريئة والفائضة لمجرد معرفته باحتمالية عودتها لأبيه!

بينما هز يزيد رأسه بلهفة متمنيا من صميم قلبه

((نعم، نعم هذا ما أحلم به يا أمي أن نعيش نحن الثلاثة في مكان واحد))

أشرق وجه يزيد وهو يتوقع موافقة أمه وارتسم على محياه أجمل ابتسامة صادقة.. رقيقة.. مُشبعة بالبراءة.. وملوثة بالحزن.. حزن اُطعم بالإصرار على نيل أمنياته البسيطة بالعيش بين أحضان والديه!

لكنها خيبت ظنه وهي تحدثه بشيء من التردد

((ربما لا نتزوج.. لذلك لا أريد أن أعشمك بشيء لست متأكدة منه))

انحسرت البهجة من وجه يزيد وهو ينكس نظره أرضا ويهز رأسه متفهما.. فتجمعت الدموع في عيني سمية بينما تلك الخيبة الطافحة على وجه ابنها البريء تخدش جدار قلبها..

كانت تشعر حرفيا بنيران تحيط قلبها قبل أن تكويه بها..

كرهت نفسها وكل جزء بها.. ليتها كانت تليق بمَالك.. ليت تلك الفوارق بينهما لم تكن موجودة..

وقتها لما كانت رأته أخا وصديقا فقط! وقتها لما قبلت أن تتزوج غيره من البداية! وقتها لم يكن يزيد ليعاني النبذ من طرف عائلة والده الذين يجهلون حقيقته!

تفاقم بهوت وجه سمية ونصال وجع وحيدها وألمه يفتت جدار صلابتها.. وبشق الأنفس أخفت شهقة بين شفتيها بينما تهدر بصوتٍ متهدج وهي تغمر وجه ابنها بكلتا يديها

((لكن حتى لو لم نعد يا يزيد لبعضنا فعليك أن تعرف بأن والدك يحبك، هو أفضل أب في هذا العالم، إنه دائما ما يبذل جهده لإسعادك، عليّ الاعتراف بأني لم أتوقع منه ربع ما يفعله كأب لك، ومهما أفعل أنا له كرد جميل فسيكون قليل بحقه، أنا حقا ممتنة له لأنه باهتمامه ومسؤوليته نحوك خفف من ذنبي تجاهك))

توهجت عينا سمية وهما تمران على صفحة وجه ابنها العابس.. ثم غمرت أصابعها في شعره المموج الكثيف الذي ورثه من مَالك.. بينما ورث لونه حالك السواد منها.. إنه يماثل مَالك شكلا وشخصية! صحيح أن الهدوء لطالما كان متأصلا في مَالك على عكس يزيد المشاغب لكن كلاهما يملكان نفس صفة التمرد والصلابة والعناد..

ابتسمت بحنو وهي تفكر بأنه سيكون في منتهى الوسامة كأبيه بمجرد أن يكبر في العمر أكثر.. قبل أن تخرج من شرودها على صوت طرقات الباب.. فاعتدلت واقفة تتجه نحوه وما إن فتحته حتى جحظت عيناها بغير تصديق وهي تتمتم ذاهلة

((أنتَ؟ كامل؟ لماذا جئت لمنزلي؟))

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...