لا تنسو التصويت يا قمرات
وقفت نورين في غرفة الحاجة زاهية بوجه منكس بينما تفرك أناملها بقوة حتى كادت أن تطحن مفاصلها من فرط شعورها بالتوتر.. لقد أخبرتها مدبرة المنزل نعمة بأن حماتها تريدها في غرفتها من أجل شيء عاجل.. وها هي تقف هنا بانتظار ما تريد حماتها إخباره لها بتوتر إذ أنه لم يسبق وأن انفردت معها منذ زواجها في مكان واحد.. لذا بدا الحال الآن مثير للارتباك فعلًا..
اتسعت عينا نورين وفغرت شفتيها قليلًا وهي تراها تُخرج من الصندوق عقدًا ذهبيًا من عدة أدوار.. ثم تقترب منها بينما ترفع العقد الذهبي.. فأحنت نورين رأسها قليلًا حتى تُلبسها إياه.. ثم أخفضت نظرها تطالع العقد ببريقه الأخاذ يتدلى منها..
أخذت زاهية تحضر أساور ذهبية وتعود لتلبيس نورين هادرة بصوتها الوقور
((لقد كانت عندي منذ مدة وكنت انتظر الوقت المناسب منذ زواجك حتى أعطيها لكِ))
انشقت ابتسامة من ثغر نورين وهي تحرك يديها مسروقة الأنفاس
((إنها كثيرة.. لن أتحمل أن اسمع الرنين كلما حركت ذراعيّ))
سكنت زاهية تنظر في عيني نورين اللامعتين بالانبهار.. ثم قالت لها بملامح غير مقروءة
((ارتدي حليك الذهبي دائمًا ولا تخلعيه.. مثل ياسمين.. ورتيل.. تعلمي كيف تكونين مثلهن))
لم تتكدر ملامح نورين لمقارنتها بهم بل تجاهلت الأمر وهي تسمع حماتها تكمل
((ستأتي بعض النساء لزيارتي في المجلس بعد قليل.. جهزي ما ستقدمينه لضيافتهم.. ثم اصعدي لجناحك لتتزيني وتتعطري وترتدي أفضل ما عندك من ملابس وتعالي لتقدمي بنفسك الضيافة لهن))
رغم أن نورين قد لاحظت أن نساء القرية تجتمع عند حماتها دائمًا كل مساء يحتسين القهوة ويأكلن المقبلات.. ولا ينقطعن أبدًا عنها.. إلا أنها تطلعت في عينيها باستغراب مغمغمه بتساؤل
((أي نساء؟))
أجابتها بهدوء
((بعض الجارات والصديقات حتى يقدمن لكِ الهدايا والنقوط بناءً على طلبهن.. فأنتِ بالنهاية زوجة ابني منذ ثلاثة أشهر، ولن أستطيع إخفاءك عنهن أكثر من ذلك))
حرّكت نورين حلقها بارتباك إلا أنها سارعت الابتسام وهي تقول طائعة
((حسنًا سأفعل.. عن إذنك))
واستدارت للخلف وقبل أن تفتح مقبض الباب جاءها صوت زاهية متسائلا
((ألا تشعرين بأي شيء مختلف هذه الأيام؟ لقد مر ثلاثة أشهر على زواجك من ابني فهل أنتِ..))
بترت زاهية سؤالها وقد أوصلت معناه لها.. فنكست نورين رأسها تجيبها بخفوت ((لا..))
لف الإحباط صوت زاهية وهي تقول لها بقنوط
((لعله خير.. لا بأس.. هيا أسرعي وتجهزي الآن))
اجتاحت مرارة خيبة الأمل نورين مثلها تمامًا.. لكن ماذا تفعل وهي مرة واحدة فقط تلك التي حصلت بينهما!
.
.
بمجرد أن خرجت نورين من عند مخدع حماتها حتى هلعت مسرعة لجناحها.. تنتقي أفضل ما عندها من جلابيب حريرية..
طلبت من سمية أن تجهز ضيافة النساء من أولها لأخرها.. فبالكاد يكفي الوقت لتتجهز هي..
اغتسلت وتزيّنت وتعطرت.. وبمجرد أن انتهت.. حتى دلفت لمجلس النساء بعد أن طرقت الباب وأذن لها بخطوات ثابتة رغم ترنحها بعض الشيء تحت ثقل ما تحمله بصينية التقديم الفاخرة والكبيرة..
راقبتها زاهية تقدم أمام كل من الضيفات كأس عصير مثلج وطبق يحوي قطعة حلوة.. وهي تدعو الله ألا تخجلها أمامهن..
أتمت نورين توزيع ما في الصينية ثم جلست بتهذيب بالغ بجانب زاهية دون أن ترفع عينيها خجلًا..
لحظات كانت حتى علت زغرودة إحدى النساء الجالسات وسرعان ما شاركنها الباقيات.. ثم بدأن بإهدائها أجمل المباركات.. لم تذكر أو تُشِر إحداهما لا من قريب ولا من بعيد كيف تم زواجها من مُصعب.. ولم يخرج من إحداهن إلا طيب الكلام من تشيد بها ومجاملة زاهية لها وبحسن أدبها وجمالها وهذا ما جعلها تشعر بالاعتزاز طوال وقت جلوسها..
في حين كانت زاهية بين كل وهلة وأخرى تطالعها بنظرات تتلألأ بالفخر ووجها الوقور يرسم ابتسامة هادئة تشع رضًا..
ولن تبالغ لو قالت بأنها أعجبتها مثل رتيل بالضبط وهي التي ظنت بأنها لن تحصل يومًا على كنة بمثل اتزانها وكياستها..
=============================
تمددت رتيل بأريحية على سريرها بينما تسمع سؤال صديقتها على الهاتف
((هل جاء زوجك مانع من عمله اليوم يا رتيل؟))
تنهدت رتيل عند نعت صديقتها اسم "مانع" لزوجها مُؤيد.. فهي بحسب وجهة نظرها مُؤيد يمنع عنها السعادة والراحة..
ثم أجابتها برتابة
((نعم يا غنوة، لقد عاد مُؤيد وسيظل لثلاثة أيام قبل أن يعود لعمله وتجارته في المدينة))
((إذن لماذا لا تقضين معه الوقت بدلًا من الحديث معي على الهاتف؟))
((ليس متفرغًا لي، فهو يقضي معظم وقته مع أبيه وإخوته.. والآن هو على سطح المنزل لأن أخيه الكبير هنا أيضًا))
((هل يظن أستاذ مانع أنه أعزب! عليه أن يقضي الوقت معكِ ومع ولديكِ بدلًا من والدته.. لو كنت مكانك لقلبت حياته لجحيم ولمنعته من رؤية إحدى والديه أو إخوته))
عقدت رتيل حاجبيها وهي تعتدل جالسة ثم قالت مستنكرة
((هل أنتِ مجنونة يا غنوة! وما قد يضرني جلوسه مع أحد أفراد عائلته! دعيه يجلس معهم بقدر ما يريد.. أفضل من قضائه وقتا مشبوها في الخارج مع أصدقائه الذين أكرههم))
((أوه فعلا معكِ حق))
خرجت تنهيدة من غنوة وعم الصمت بينهما قبل أن تكسره وهي تتحدث بالموضوع الذي اتصلت به من أجله
((إذن.. ألن تزوريني قريبًا؟))
خرج صوت رتيل بائسًا وهي تقول بإحباط
((لا يا غنوة.. تشاجرت معه اليوم لأزور عائلتي إلا أنه رفض بشدة فقط من باب إظهار رجولته والتحدي))
تذمرت غنوة قائلة بحنق
((أوف يا رتيل.. لم أراكِ منذ زمن إلى متى سيظل الحال هكذا! اشتقت لمغامراتنا معًا))
قالت رتيل بحسرة وأسف يضربها بالصميم
((وأنا أيضًا اشتقت لتلك الأيام التي اترك فيها باسم وفهد عند عمتي وادّعي أني ذاهبة عند أمي ليومين وحيدة بينما في الحقيقة اذهب عندك في المدينة))
قالت غنوة بحذر
((هل تظنين أن مانع بدأ يشك بمسألة قدومك عندي؟))
سارعت رتيل تنفي على الفور
((لا مستحيل.. إنه فقط يتكاسل أن يوصلني لمنزل عائلتي في القرية المجاورة))
قالت غنوة باستياء
((زوجك مانع متشدد ومتعصب وضيق الأفق))
نظرت رتيل بعينيها للسقف وهي تقول بصوت يقطر ندمًا
((لا اصدق أني كنت أحبه قبل زواجي منه حبًا جنونيًا.. هل تصدقين يا غنوة أني كنت أناجي الله أن يكون مُؤيد نصيبي عندما طلبتني أمه له؟))
علت قهقهة غنوة الساخرة فأردفت رتيل وهي تعتدل واقفة من على سريرها
((سأذهب الآن لأحضر الشاي له كما طلب مني قبل قليل.. إلى اللقاء))
أغلقت رتيل الهاتف ووضعته جانبًا ثم وضعت وشاحًا أبيضا حول رأسها مغادرة للخارج..
.
.
داخل سطح المنزل العالي والواسع والمزين ببعض النباتات والمزروعات المنزلية.. كان كل من مُؤيد ومُعاذ يقفان متكئان فوق سور السطح الذي يطل على مساحات خضراء شاسعة من أراضي وبساتين القرى.. مع غروب الشمس هبّت نسمات من الرياح عليهما.. فتنفس مُؤيد الصعداء قبل أن يقول
((منذ زمن لم نجلس هكذا يا مُعاذ.. لم اعد أحب العودة للقرية إلا عندما اعرف أنك هنا))
وجّه مُعاذ نظراته لأخيه ليرد مبتسمًا
((ومَالك ومُصعب ألا تحب الجلوس معهم!))
خرجت قهقهة خشنة قصيرة من مُؤيد ثم قال
((صدق أو لا.. لكن طوال وجودي هنا لا أتحدث معهما ولا أراهما إلا صدفة.. كلاهما غارق في عمله وأصدقائه وكلاهما من النوع الكتوم الهادئ.. أنتَ فقط من اعتبرك صديقي بجانب كونك أخي))
تنهد مُعاذ بعمق واستدار يحمل شاف مياه ليرش القليل منه على أرض السطح لتبريدها بينما يهدر
((كبرنا يا مُؤيد وكل واحد سرقته الحياة بعيدًا عن الأخر وضعفت أواصر أخوتنا ولم تعد متينة كالسابق))
((معك حق))
جلس مُؤيد حيث يضع الوسائد والإسفنجات وتبعه مُعاذ بينما يسأله بهدوء
((لماذا كنت تصيح في الصباح الباكر؟ لا يجوز يا أخي أن تظل على طبعك العصبي هذا))
تمدد مُؤيد مكانه يتمتع بانخفاض درجات الحرارة والنسمات الليلية ثم أجابه
((ليس كل الرجال المتزوجين والغارقين مع نكد النساء قادرين على التحكم بأعصابهم يا أخي.. ليس الجميع محظوظين وأرامل أمثالك))
شبح ابتسامة متهكمة ارتسم على ثغر مُعاذ من كلام أخيه رغم أنه قد ضرب وترًا حساسا فيه عند ذكر امرأته المتوفاة التي كانت بالنسبة له تؤام روحه.. لكنه لم يؤاخذ مُؤيد فهو يعرف تصلُّب شعوره وضَيْق أُفُق إحساسه بالآخَرين! بل اكتفى يلكز كتفه بخشونة هادرًا
((غليظ أنتَ يا مُؤيد.. أراهن بأنك أنتَ من يصب النكد على الأخر.. وهي لها الجنة بإذن الله جزاءً لصبرها عليك))
أدار مُؤيد رأسه نحو أخيه يقول باستياء
((تريد أم فهد مني أن أرسلها لتزور أمها كل شهر.. تخيل!))
هدر مُعاذ بدهشة وتفكه
((كل شهر! هي الابنة الوحيدة لأمها.. ألا يجب عليها أن تذهب كل أسبوع؟))
رد مُؤيد عليه بملامحه الجادة الخشنة وتعابيره المتأهبة
((مُعاذ توقف أنتَ الأخر.. لا تشعرني أن أمها وحيدة لا تعيش مع ابنيها في نفس المنزل.. إذا كانت تحب أمها لهذا الحد فلم يجبرها أحد أن تتزوج وتتركها))
انكمشت ملامح مُعاذ وقال بشيء من الامتعاض
((يا أخي أنتَ ظالم.. تحرم زوجتك من أبسط حقوقها وهي زيارة أمها بين كل حين وأخر!))
رد مُؤيد بجفاء ونبرته يشوبها القسوة
((أحرمها! إنها تعيش في منزل ووضع مالي لم تكن لتحلم به في منزل عائلتها))
حافظ مُعاذ على سكون ملامحه بينما يخبره بتلقائية
((ومن قال لك ما قصدته هو المال والرفاهية! هناك أشياء لا تشترى بالمال.. كالحب والرعاية والتواد والتواصل، وهذا ما تفتقر وجوده في حياتك.. عملك لا يترتب عليه أن تضل في المدينة وتؤجر شقة هناك لتظل معظم الأيام فيها هنا والله أعلم ماذا تفعل لوحدك فيها..))
تحفزت ملامح وجه مُؤيد ليسارع بالاعتدال جالسًا ثم خرج صوته بدون أن يشعر عاليًا غاضبًا
((لحظة.. لحظة.. لحظة يا أخي أنا لا اسمح لك أن تصوِّب اتهاماتك.. مُعاذ الله أن اقترب من الحرام))
ضاقت عينا مُعاذ وهو يرمقه بنظرة مفادها عدم تصديقه.. وقال وحاجبيه يزدادان انعقادًا
((لقد رأيتك يا مُؤيد بأم عيني في إحدى الأيام بصدفة لا تصدق تجلس مع امرأة سافرة في إحدى المطاعم.. ماذا تسمي هذا؟))
اضطربت ملامح وجه مُؤيد إلا أنه حافظ على صلابته وهو يقول
((متى رأيتني؟ متى كان ذلك؟ وكيف شكل المرأة؟ هل كانت ذات شعر أشقر طويل؟ إنها إحدى عملائي ولها أصول غربية وكنا نتناقش بشأن عملنا.. إياك أن تسيء الظن بي))
صمت مُعاذ للحظة وهو يرمي أخيه بنظرةٍ سوداء ثم قال بنبرةٍ جافة تحمل بعض السخرية
((لا من رأيتها معك امرأة صهباء وشعرها قصير.. هل غيرت لون وشكل تصفيفة شعرها أم هي امرأة أخرى!))
ورغمًا عنه خرجت تلك الضحكة الخافتة منه فقال متهكمًا وهو يرفع عينيه للسماء بلا تصديق
((رباه مُؤيد.. ماذا تفعل بحياتك هناك في المدينة! الأمر أسوء مما ظننت))
شد مُؤيد على أسنانه بغيظ إلا أنه نظر بعينيه المشعتين بنظرات التهديد والغضب لأخيه.. ثم غمغم بصوتٍ خفيض وهو يرنو بعينيه المهتزتين على أخيه بينما يرفع سبابته منبها
((لن أعيد كلامي مجددًا يا مُعاذ، أنا لا اسمح لك، أنا أتعامل مع مختلف العملاء من نساء أو رجال.. والتقي بعميلاتِ من النساء في لقاءًت محترمة في أماكن عامة.. مقاهي.. نوادي.. هذه هي الأماكن التي نجلس فيها))
لم يتمكن مُعاذ من خنق ضحكة ساخرة أخرى خانته وانفلتت من بين شفتيه ليقول
((لا محترم يا أخي، محترم جدًّا، تذبحني باحترامك..))
تنهد مُؤيد باقتضاب وعاد يتمدد وينظر للسماء متمتمًا بامتعاض
((صدق أو لا هذا أمر عائد لك ولا يهمني.. كل ما في الأمر أني أحب أن أعيش حياتي بشكل جيد ولا ادّخر شيء من المتعة))
صوّب مُعاذ نظراته الساخرة عليه يرد
((نعم عش حياتك بشكل جيد.. أما عندما طلبت منك أن تسمح لزوجتك أن ترافق ابنتي للنادي نهاية كل أسبوع اعتذرت متأسفًا بأنك لا تحب أن تخرج زوجتك من البيت بشكل متكرر.. تُحِل عليك ما تحرمه على ابنتي وزوجتك))
غمغم مُؤيد بهدوء دون أن ينظر له
((يا أخي أنا حر! لا أحب أن تذهب زوجتي لتلك الأماكن.. إذا أردت مرافق لابنتك حتى تسمح لها للذهاب هناك تزوج يا أخي.. أما المرأة المسؤول عنها في حياتي فأنا حر بالسماح لها بالذهاب أو لا))
استنكر مُعاذ كلامه قائلًا
((لكن لم هذا التناقض في حياتك يا مُؤيد! ترفض ذهاب زوجتك إلى أماكن عادية ومألوفة في حين أنك تذهب وترتاد أماكن أفظع مع صديقاتك!))
رفرفت عينا مُؤيد صامتًا لوهلة كمن يستجمع سيطرته على نفسه ثم قال بجدية
((لأني رجل يا مُعاذ.. رجل ولي مطلق الحرية في تلبية كل رغباتي واحتياجاتي.. ولن يحاسبني المجتمع يومًا عليها.. بينما يقيس المجتمع مكانة زوجتي بمدى حفظها لنفسها والتزامها))
ضيق معاذ عينيه بغموض! إذن مؤيد يلتقي بهؤلاء النساء في تلك الأماكن العامة ليس للعمل فقط! هو كان لديه فكرة عن طباع وتفكير شقيقه إلا أن كلامه هذا يثير الاستياء.. فقطب حاجبيه هادرًا
((من أين تجلب هذا الكلام يا أخي؟ هل يتعامل والدنا بهذا الشكل مع أمنا؟ ألا تراه يقدرها ويحترمها ويحبها ويعاملها بالمودة والرحمة؟))
تمتم مُؤيد بضيق
((أنتَ لا تدري شيء يا مُعاذ فلا تتدخل))
إلا أن مُعاذ أكمل الحديث وهو يقول بجدية
((ألم تقل بأنك تعاني من نكدها؟ إذن دعها تذهب وتجرب ولا تحرمها من شيء، صدقني ستريحك أنتَ.. ثم هي في النهاية إنسانة بحاجة لمصادر إشباع.. كصديقات ونشاطات.. حتى يضل الحب عامرًا بينكما ولا..))
قاطع مُؤيد كلامه على الفور بهدوء وجفاء
((ومن قال لك أني أحبها؟))
صمت مُعاذ لحظات باستغراب.. قبل أن يقول متوجسا بخفوت
((ألم تنتظرها سنوات حتى تنهي دراستها وتتزوجها؟ ألا تحبها حقًا؟))
أجاب مُؤيد ببرود وبساطة
((إنها فقط ابنة إحدى صديقات أمي.. وأمي من اختارتها زوجة لي))
ضيق مُعاذ عينيه متسائلا
((مُؤيد.. لم تزوجت منها إذا لم تكن تحبها؟ ألست رجلًا وقادر على اختيار أي امرأة تريد الزواج منها؟))
أوما مُؤيد رأسه ثم قال بفتور
((أعرف أني لم أكن مرغمًا على الزواج ولكن شعرت بأن عليّ فعل ذلك لإرضاء أمي.. وعائلتي.. فقط.. ثم.. ثم كنت بحاجة لتكون زوجتي وأم أولادي امرأة مطيعة.. خلوقة.. تتحمل المسؤولية.. من عائلة لها نسبها.. وأستطيع أن أثق فيها أثناء غيابي مثل أمي))
فتح مُعاذ كفيه متسائل بجدية
((ممتاز.. كل هذا فيها ولا تحبها وتتسكع مع نساء أخريات في المدينة؟))
رد مُؤيد ببلادة
((نعم لأن زوجتي كما أخبرتك تزوجتها لافتخر بها أمام مجتمعي وعائلتي وأقاربي.. ولكنها ليست هي الفتاة التي أحلم بها.. وليست حتى قريبة من صورة المرأة التي تحاكي تصوراتي العميقة))
هز مُعاذ رأسه بيأس من كلام أخيه ثم قال مستسلمًا
((لا أدري ماذا أقول لك إلا أن تحاول تغيير زوجتك لتصبح فتاة أحلامك بدلًا من التسكع مع هؤلاء النساء في المدينة))
خرجت من مُؤيد تنهيدة عميقة.. قبل أن يقول بصوتٍ صادق وثقيل
((ألم أقل لم بأنك لا تفهمني.. كيف تريد مني أن أغير رتيل وأنا تزوجتها لأنها كذلك، فشخصيتها وما هي عليه لها قالبها الذي لا يجوز أن تخرج عنه.. والا لن تصبح صالحة لفكرة أن تكون زوجة لي ولتربية أولادي.. بينما مشاعري واحتياجاتي العاطفية كلها سأذخرها لأخرى))
تغضن جبين مُعاذ باستهجان متسائلا
((تذّخرهم لأخرى؟ لواحدة من تلك النساء اللواتي تقابلهن في المدينة؟ لقد فضحت نفسك واعترفت بأن الأمر لا يقتصر معهن على لقاءًت العمل))
أغمض مُؤيد عينيه عن تأمل السماء ثم قال بهدوء يكتنف صوته
((لا، هن حقًا مجرد عميلات عندي.. أنا أتحدث عن امرأة أخرى ابحث عنها وأتمنى أن أجدها يوما))
رفع مُعاذ إحدى حاجبيه ومال بظهره يسأله
((من هي المرأة التي تتمنى أن تجدها يومًا ما؟ هل اعرف عنها شيئا؟))
هز مُؤيد رأسه وقال
((لا أحد يعرفها ولا حتى أنا، لأنها من خيالي))
ضحك مُعاذ بخفوت لا يحمل من المرح شيئا ثم قال
((مجنون.. أكاد اقسم بذلك.. هل أنتَ حقًا في الثالثة والثلاثين من عمرك؟))
لم ينزعج مُؤيد من نعته بل قال بصوتٍ غريب عنه
((نعم أنا مجنون.. لأني عندما أجد تلك المرأة فأنا مستعد لأهدم كل ما بنيته في السابق من أجلها رغم أني لم أحدد بعد ملامحها.. لكن أقسم بأني سأفعل إن وجدتها.. أريدها جميلة.. وبصفات كثيرة.. لا أظن بأني سأجد فيها كل ما أريده.. لكن على الأقل أريد أن أجد فيها بعض ما أتمنى فلي الحق في الاستمتاع))
تمتم مُعاذ بصراحة واستياء
((أشفق على زوجتك التي تعيش معك))
ساد صمت طويل بينهما لم يقطعه سوى صوت حركة الرياح مع أوراق الأشجار.. فتح مُؤيد عينيه يكسر الصمت قائلًا بنبرة فيها بحة وهو يغير الموضوع السابق
((تعال وتمدد بجانبي يا مُعاذ تأمل السماء.. بدأ الظلام ينتشر وازدادت النجوم المتلألئة تألقًا فيه))
ابتسم مُعاذ موافقًا وألقى بإحدى الوسائد ثم وضع رأسه فوقها يتمتع هو الآخر بالهواء المنعش ويسرح في هذا المشهد الرباني..
شعر مُؤيد بجفونه تزداد ثقلًا وكاد أن يغفو قبل أن يقول بصوتٍ أجش
((ما رأيك أن نصلي العشاء ثم نبيت على السطح هنا كما كنا نفعل في أيام صبانا))
لم يبدِ مُعاذ الاقتناع وهو يجيبه بصوتٍ ناعس
((إنسَ الفكرة.. لن أتحمل أن أجبر غدًا على الاستيقاظ في وقت مبكر جدًا حين تشرق الشمس على وجهي))
وخفتت أصواتهما غير مدركين للمرأة الواقفة جانبًا ورائهما متجمدة الحواس لا الجسد من كم الإهانات التي خرجت من فم زوجها أمام أخيه عنها.. كان وجهها شاحب.. الدموع متجمدة بعينيها.. يديها الممسكتين بصينية الشاي ترتجفان.. وقلبها متسارع الخفقات..
أسدلت رتيل جفونها للحظات تحاول استيعاب ما سمعته طوال حديثهما.. والذي مضمونه بأنها ليست بالنسبة لمؤيد إلا زوجة وأم الولدين وقد اختارها ليرضي مجتمعه وعائلته فقط لا غير..
ليس وكأنها تجهل هذه الحقيقة.. لكن يظل سماعها صراحة أمرًا مُرًا كالعلقم..
تعرف أن عمله لا يتطلب بقائه هنا في المدينة كل هذا.. وأن هناك غرضًا وراء استئجاره شقة هناك وعدم عودته هنا إلا عدة أيام كل أسبوعيين وكأن منزله فندق للزيارات فقط!
بل ما سبق وأثار استغرابها سابقا أنه بطبعه يحب أجواء قريته ويختنق من الازدحام والضوضاء.. ومعتاد على رائحة النباتات والعيش في الهواء الطلق! لكن هنا ليس هناك عميلات متبرجات شقراوات يستطيع الخروج معهن والتنزه من حين لأخر..
شعرت رتيل بنفسها يضيق فاستدارت للخلف تغادر المكان كله بخفة خطواتها.. وما أن ابتعدت كفاية حتى أخذت نفسًا عميقًا..
.
.
دخلت رتيل المطبخ شاردة الذهن بدون أن تنتبه على المتواجدين فيه ووضعت صينية الشاي فوق الرخام..
تصاعد رنين الهاتف للمرة الثانية فارتأت أن ترفعه وتفتح الخط على المتصل والذي كان زوجها.. مُؤيد
((أين أنتِ يا رتيل؟ الم أخبرك أن تعدي الشاي قبل ساعة؟))
همست بصوتٍ فاتر أجوف
((سأعده الآن واعطيه لأحد غيري ليجلبه لك))
وصلها صوته صارخًا باقتضاب
((لم تعديه حتى الآن؟ هيا أسرعي سنغفو قبل أن يجهز))
أغلقت رتيل الهاتف بغل وأمسكت إبريق الشاي تفرغه بحقد في حوض الغسيل تحت أنظار نجوم التي جاءتها مستهجنة تقول
((لماذا ترمين ما في الإبريق يا سيدة رتيل؟ ألم يعجبك طمع ما أعددته؟))
التفتت رتيل بوجهها الواجم تضع عينيها بعيني العاملة الشابة التي تعمل عندهم
((لم يعجبني كمية سكر الشاي.. أعديه مرة ثانية يا نجوم وأنا من سأضع السكر فيه بنفسي))
أومأت نجوم رأسها بطاعة لرتيل قبل أن تشهق متألمة من لكزات والدتها منال التي قالت لها من بين أسنانها تؤنبها بقسوة
((نجوم أيتها البلهاء هل عليّ أن أضل أعلمك كيف تعيرين مقدار السكر في الشاي حتى؟))
مطت نجوم شفتيها وهي تمسد بيدها مكان الضربة قبل أن تبدأ بوضع إبريق آخر مملوء بالماء فوق الموقد..
دخلت مدبرة المنزل نعمة للمطبخ لتتسع عينيها ويرتسم الضيق على وجهها وهي ترى مَالك يأخذ مكانًا في زاوية المطبخ بهدوء بينما يجلس يزيد فوق الطاولة يجهز له عصيدته المفضلة..
اقتربت نعمة من منال هامسة ونظرها لا زال مصوبًا لمَالك
((ماذا يفعل السيد مَالك هنا يا منال؟))
حدجت منال سمية التي كانت تقف بجانبها بنظراتها وأجابت نعمة
((لا شيء.. ابن الهانم سمية مكتئب وهو هنا يطيب بخاطره لأنه يخشى أن يذهب لنومه حزينًا وبمعدة فارغة))
ازدردت سمية ريقها وقد فهمت من نظراتهما لها ولمَالك برفقة ابنها عما يتهامسن.. لكن اقتربت نعمة منها توبخها هامسة بحدة
((كم مرة عليّ أن أقول لكِ ألا تدخلي المطبخ يا سمية؟ عملك في حديقة المنزل وحسب.. وابنك الشقي لا تجلبيه معكِ ليفتعل المشاكل ويشغل السيد مَالك))
شيء من الحرج والألم غشي ملامح سمية لما تسمعه من حدة وكأنها مذنبة تستحق التوبيخ.. فرفعت أنظارها لنعمة متمتمه
((أنا ومنذ مدة طويلة لا أدخل المطبخ أبدًا إلا لمساعدة نورين بين الحين والآخر.. وكنت سأغادر لأعود لبيتي وقد تأخر الوقت لولا أن السيد مَالك تمسك بيزيد))
هدرت بها نعمة بحزم
((هم زوجوها من أحد أولادهم حتى تخدمهم لا لنخدمها نحن.. ألا تعرفين أن قريبها هو من قتل يحيى ابن شقيق الحاج يعقوب عامدًا متعمدًا؟))
وأيّدتها منال قائلة وهي تومئ برأسها
((لقد قيل لنا من قبل الحاجة زاهية والسيدة رتيل ألا نعاملها هنا إلا كخادمة فلا تعصيها بما تفعلينه))
تمتمت سمية بهمس تتلمس عطفهم على نورين
((نورين فعلًا طلبت مني ألا اسبق اسمها بكلمة "سيدة".. وانا لا أقوم إلا بمساعدتها في المطبخ فقط ببعض الأمور لأنها ما تزال صغيرة على كل هذا))
ظهر السخط على وجه نعمة ولم يعجبها ما سمعته من سمية إلا أنها ابتعدت عنها متوجهة نحو مَالك هاتفة بصرامة
((كفى يا يزيد.. لقد أتعبت السيد مَالك.. هيا قم يا ولد بلا دلال))
قال مَالك بهدوء يكتنف صوته دون أني يعطي انتباهه لها
((دعيه يا نعمة.. لقد أنهيت الآن صنع العصيدة أخيرًا))
أمعنت نعمة النظر في يزيد الذي كان يخفض بصره حتى لا يواجهها وقد أدرك رغم صغر سنه بأنها لا توده ولا تحبذ تواجده هنا.. ثم قالت لمَالك
((أنا أحفظه منذ صغره إنه يحب أن يتظاهر بالمرض ولفت الانتباه لأقل شيء يحدث له.. إنه يتدلل ويتصرف كطفل صغير لا كابن ست سنوات))
صوب مَالك نظراته الحادة لنعمة قائلًا بخفوت
((توقفي يا نعمة.. ولا تفسدي شهيته قبل الأكل.. وجهه باهت.. وهو مريض))
تخصرت منال تلوك فاهها قبل أن تتمتم كمن تحدث نفسها ولكن بصوتٍ مسموع
((عند هذا الولد يزيد والد حي يرزق فلماذا لا يتدلل عليه هو بدلًا من غيره!))
رفرفت سمية بعينيها تمنع عبراتها المتجمعة من الخروج.. لقد طفح الكيل وعليها بالفعل ألا تخطوا بقدمها لمطبخ الحاج يعقوب مجددًا.. فالجميع هنا من أصحاب المنزل والعاملين فيه لا يطيقون تواجدها أبدًا فيه.. وكانت تهم بأخذ يزيد من مَالك إلا أنها سمعت نعمة تقول بنبرة هادئة
((سيد مَالك بدأت مؤخرًا تتردد كثيرًا على المطبخ.. وهذا لا يجوز.. أنا أتحدث من أجلك أنتَ))
كانت نظرات نعمة الصارمة متحدية لمَالك الذي ضيق عينيه..
فقالت سمية بصوتٍ متحشرج وهي تمد يدها لابنها
((يزيد تعال.. هيا تعال.. لنذهب الآن للبيت))
تطلع يزيد في ملامح وجه أمه التي نبأته بألا يجرؤ حتى بالاعتراض فهذا امر جدي ولا يتحمل تذمره الطفولي.. إلا أنه اخفض وجهه الشاحب من إعيائه وتمتم بتبرم طفولي
((أمي.. أنا مريض وسأتناول من العصيدة أولًا))
اتسعت عيناها من رفض ابنها لتقول بعينين صارمتين وهي تقترب منه أكثر
((يزيد هيا تعال))
رجاها بصوته المتعب
((أمي.. لا أريد.. دعيني أضل أكثر قليلًا))
رشق مَالك كل من نعمة ومنال بغضب يستعر من خضرة عينيه لما تسببا بقوله من كلام جعل سمية تقرر أخذ يزيد بعيدًا..
كانت سمية التي تحمل يزيد تهم بالخروج من المطبخ من الباب المطل للبستان في الخارج تزمنًا مع دخول نورين المطبخ هاتفة باسمها بصوتٍ مفعم بالبهجة.. فالتفتت سمية باستغراب تسألها
((ما بكِ يا نورين؟ هل انتهت زيارة النساء عند السيدة زاهية؟))
تقدمت نورين منها بلهفة وابتسمت ممتنة وهي تقول بصوتٍ لطيف
((لا ولكن استأذنت الخروج.. لقد أعجبتهن الضيافة شكرا لكِ يا سمية.. أتعبتِ نفسك كثيرًا أثناء مساعدتي رغم أنه ليس من واجبك))
ابتسمت سمية ترد بصوت أجش
((لا تقولي هذا، أقل من واجبي))
تدخلت منال قائلة بوقاحة
((طبعا أقل من واجبك.. فالحاج يعقوب خيره عليكِ وعلى الكل))
لم يكن مَالك راضي عما تفعله سمية من تطوع بمساعدة نورين حتى لو كان بطيب خاطر فهي هنا ليست خادمة..
لكن الأنكى من ذلك أنه كان ساخطًا على كل العاملين في منزلهم وهو يراهم يسيئون معاملتها بهذا الشكل رغم لطفها البالغ مع الجميع.. وبالرغم من الغضب الكامن بداخله اكتفى يردع منال قائلا بصوتٍ مقتضب
((توقفي عن كلماتك السامة هذه))
إلا أنها ردت مغمغمه بلامبالاة أو احترام لابن سيد المنزل
((لم أخطئ بشيء مما قلته يا سيد مَالك))
بدأت نورين تمرر يدها فوق شعر يزيد الناعم تداعبه وقد بدا الإعياء جليًا عليه.. في حين أخذت نعمة نفسًا طويلًا لم تزفره.. فوجود مَالك هنا في المطبخ يعيق عملها هنا ويقلل من هيبتها.. هي ليست راضية أبدًا عن تواجده هنا وكانت تفكر بإخبار والدته سيدة هذا المنزل عن كثرة دخوله للمطبخ والتدخل في سلطتها في تدبير أمور المنزل والعاملين فيه..
أنهت نجوم صنع الشاي وتطلعت لرتيل التي كانت تقف مائلة ومتكأه على الرخام بينما تكتف ذراعيها.. ذهنها.. عينيها.. وكل ما فيها شارد لعالم آخر وكأنها ليست هنا ولم تشهد كل ما حدت قبل قليل.. فهتفت نجوم باسمها عدة مرات قبل أن تنتبه رتيل متجهمة لها لتقول نجوم بلطف
((لقد أنهيت الشاي يا سيدة رتيل.. تفضلي))
قامت رتيل بتعديل الوشاح وهي تقول باقتضاب
((ضعيه هنا ريثما أضع السكر في داخله وأحركه))
أومأت نجوم وابتعدت فأخذت رتيل صينية الشاي وفتحت إحدى العلب التي كانت تحوي ملح ووضعت أطنانًا منها داخل إبريق الشاي..
عقدت منال حاجبيها وهي تناظر بصمت وذهول ما تفعل رتيل بدون أن تفهم غايتها قبل أن تسمعها تنادي نورين بصوتٍ جهوري قائلة
((نورين اذهبي وأرسلي الشاي لزوجي وأخيه في سطح المنزل))
استدارت نورين لها تقول لرتيل بتعابير حازمة وقد اكتفت من استعبادها كما أن الخوف لا يزال يدب بداخلها من وجودها في نفس المكان مع مُؤيد
((اذهبي أنتِ واجلبي لهما الشاي.. لم أنا؟))
شهقت رتيل وهي ترى نورين تتحداها بصلابة فهتفت فيها بحدة
((عندما أقول شيء عليكِ أن تنفذيه بلا أي نقاش.. وعليكِ طاعتي))
تحدتها نورين بسفور وردت بثبات ((لا أريد))
توحشت ملامح رتيل وهي تزعق فيها بينما لا تزال تحمل صينية الشاي
((هل تقولين لي لا صراحة؟ هل هذه بوادر تمرد؟))
لم تتراجع نورين رغم الخوف الطفيف الذي دب فيها لتقول
((زوجك أنتِ اذهبي واخدميه))
تدخلت منال التي فهمت خبث مقصد رتيل فزجرت نورين هادرة وهي تقبض على مرفقها بقسوة
((قالت لكِ السيدة رتيل أن تذهبي بالشاي لهما فوق فافعلي بدون أي نقاش))
التفتت نورين تنظر لها قائلة بخشونة وهي تحولت تحرير ذراعها
((لا أريد.. ولا اسمح لكِ بالتحدث معي بهذا الشكل))
ناظرت سمية مَالك الذي لوح لها برأسها أن تتدخل قبل أن تبدأ النساء في عراك.. فأنزلت سمية ابنها الذي كانت تحمله وتقدمت منهن قائلة بينما تبعد يد منال التي تمسك ذراع نورين برفق
((منال حرري يدها سيقع الشاي الساخن الذي تمسكه السيدة رتيل عليها))
ناولت رتيل صينية الشاي لمنال تمسكه بيد واحد بينما تهتف بسمية
((لا تتدخلي وابتعدي.. أنا لا أسمح لكِ))
كانت أنظار سمية كلها موجهة على صينية الشاي التي تحملها منال بيد واحد متذبذبة الحركة لتقول
((سيدة رتيل أرجوكِ انتبهي سيسقط الشاي عليها))
نظرت رتيل لنورين تأمرها مجددًا بتعنت
((اصعدي بالشاي فوق ولا تثيري أي فضائح هنا))
تأجج غضب نورين من طريقة معاملة رتيل لها المستمرة لها.. وشعرت بأنها نالت كفايتها فصرخت وهي تقوم متهورة بدفع الصينية التي تمسكها منال قريبة منها ليتهاوى أرضًا صارخة
((دعيه يسقط لترتاحي يا رتيل))
ابتعدت النساء كلهن شاهقان وقد تناثرت قطرات من الشاي المغلي عليهن..
إلا على سمية كان نصيبها أن سقط الشاي كله على يديها فأجفلتها شهقة ملتاعة لتخرج منها صرخة ألم من حرارة الشاي الساخن..
تصلبت نورين ورتيل مكانهما بصدمة لما حدث لها.. وخرجت باقي شهقات النساء عاليًا..
هلع مَالك نحوها يسألها والذعر عليها يملأ عينيه
((سمية.. سمية هل أنتِ بخير؟))
خرجت الكلمات منها متشنجة بينما تغمض عينيها من شدة ألم ما تشعر به
((أوه.. يا إلهي.. يدي))
أمسكتها نعمة من مرفقها على الفور وجرته نحو صنبور المياه لينسكب الماء عليها بينما ترفع كميها..
هال مَالك منظر جلد يدا سمية الحمراوين بفعل الشاي الساخن الذي انسكب فوقهما.. فهو الأدرى بمدى رقة وحساسية بشرتها..
دمعت عينا نورين وتزايدت وتيرة أنفاسها بخوف لأنها كانت المتسببة لما حدث لها..
دخلت الحاجة زاهية المطبخ ومعها إحدى الجارات التي كانت عندها لتسأل فزعة
((ماذا يحدث هنا؟ أصواتكم وصلت عنا))
كانت في هذه الأثناء تقترب نورين من سمية بمحاولة الاطمئنان على يدها الموضوع تحت الماء البارد إلا أن صوت مَالك يردعها علا هاتفا
((ابتعدي عنها.. كل ما حدث لها بسببك أنتِ))
خرج صوت نورين مرتعش وهي تقول معتذرة بارتباك
((لكن لم أقصد.. كنت أريد أن ارميه أرضًا لا عليها))
لم يرأف مَالك بها وهو يستمر بجزرها
((ابتعدي من هنا إذن))
اتسعت عينا زاهية بذهول من ردة فعل ابنها.. بل من سبب وجوده هنا.. شتّت نظرها للفوضى الحادثة في المطبخ ثم نظرت لرتيل التي كانت تقف مكانها تسألها
((ماذا حدث هنا؟))
أخفضت رتيل وجهها وكان كل ما فيها متشنجًا ومثقلا بالذنب..
خافت منال عليها أن تعترف فتدخلت قائلة بمسكنة ومكر
((كما ترين يا حاجة الحاجة زاهية، طلبت السيدة رتيل من نورين جلب الشاي إلا أنها رفضت وقامت برميه أرضًا وسكبت ما فيه على سمية))
بالكاد تماسكت نورين وهي ترى نظرات زاهية والجارة التي جاءت معها.. كن يرمقنها بسخط وخيبة أمل.. ومن فرط الإحراج الذي كان يجتاحها لم تقدر على النطق بشيء..
اقتربت زاهية من سمية التي كانت تغمض عينيها تكتم ألمها بصعوبة لتسألها
((هل يداكِ بخير الآن؟))
أومأت سمية برأسها تقول بشق الأنفس
((نعم بخير.. الحق عليّ أنا من تدخلت ودفعت يدها فانسكب عليّ))
نظرت زاهية بطارف عينها لابنها مَالك بانزعاج لبقائه هنا بينما تراه يجلس على الكرسي وهو يُجلس يزيد المرتاع على أمه فوق حجره ويده يمررها فوق ظهر الصغير ليهدئه.. ثم عادت تنظر لسمية المتألمة قائلة بصرامة لا تناسب الموقف
((إذن لا تتدخلي أبدًا مرة أخرى حتى لا يحدث أمرًا مماثلًا لهذا مجددًا))
وكما توقعت قال مَالك وتدخل معترضًا
((أمي لقد أصيبت بحروق ربما تكون من الدرجة الثانية وأنتِ تلومينها هنا!))
قالت الجارة التي جاءت مع زاهية
((ماذا تفعل يا مَالك هنا؟ من غير اللائق تواجدك هنا مع النساء.. غادر مع الطفل))
وقف مَالك من مكانه وهو لا يزل يحمل يزيد
((سأذهب بها للمشفى ليتفحص الطبيب حالتها))
جحظت عينا زاهية لعرض ابنها الجريء الذي قاله الآن.. فعضت على شفتها قبل أن تردعه
((مَالك اخرج من هنا ودعني أرى أنا يديها.. لن تحتاج لطبيب))
استجاب مَالك على مضض وخطى نحو الخارج.. في حين قالت نعمة وهي تغلق صنبور المياه
((لا تقلق لا تبدو إصابة بالغة تستدعي ذهابها للمشفى.. سأضع الدواء المخصص للحروق واضمد يدها وسينتهي الأمر))
اقتربت نورين من سمية هامسة
((أنا أسفه حقًا لم أقصد ما فعلته))
رفعت سمية نظرها قائلة بنبرة ودودة متسامحة رغم تألمها
((لا دخل لكِ أبدًا، الخطأ خطئي))
عندما كان مَالك خارجًا من عتبة باب المطبخ إلى الداخل اتسعت عيناه متمتمًا
((مُصعب؟ هل جئت من العمل؟))
ظل مُصعب الواقف مكانه يطالع ملامح أخيه الأصغر سنًا المضطربة.. والى الطفل الصغير الذي يحمله مرتعش الجسد دليلًا على بكائه.. فعقد حاجبيه يسأله بصوتٍ فيه بحة
((ما الذي يحدث في المطبخ يا مَالك؟))
التفت مَالك ينظر لداخل المطبخ.. إلى حيث تقف نورين.. ثم قال بجفاء إلى أخيه
((زوجتك سكبت الشاي الساخن على سمية))
اتسعت عينا مُصعب لما سمعه وتحفز يدخل على الفور للمطبخ هادرًا بنورين بحدة
((ماذا فعلتي؟))
اتسعت عينا نورين اللتان تلمعان بالدموع وهي ترى زوجها يقف أمامها فازدردت ريقها وبدت من هيئة وجهها كطفلة مذنبة.. فتطوعت منال لتجيب مُصعب بازدراء
((رمت إبريق الشاي متعمدة أرضا فانسكب على سمية))
شعرت زاهية بالحرج مما يحدث الآن خاصة مع تواجد جارتها معها شاهدة.. فقالت بصوتٍ مقتضب لابنها
((خذ يا مُصعب زوجتك وابتعدا من هنا))
عاد مُصعب يطالع نورين وهي تحبس أنفاسها خوفًا وجزعًا.. وخزيًا.. ولوهلة ترنحت في وقفتها وهي ترى وجهه يتصلب وملامحه تشتد.. بدت ملامحه في هذه الحظة قاتمة..
حاولت ترطيب شفتيها وفغرت شفتيها قليلًا تجاهد النطق بأي شيء وتبرير موقفها إلا أن صوت مُصعب جاء بصوتٍ جاف قاسي وهو يأمرها
((اصعدي فوق))
ثم توجه نحو والدته وسمية وقال لنجوم
((أحضري لي يا نجوم علبة الإسعافات الأولية ودعيني أرى يداها يا أمي))
بدأ مُصعب يوجه والدته ونعمة للإجراءات اللازم فعلها على يد سمية بدًاء من وضع مرهم علاج الحروق حتى تضميده وقال في النهاية مطمئنًا سمية
((لا تقلقي لن يترتب عن الحرق ضرر كبير وسيشفى من أسبوعين إلى ثلاثة فقط لا تحاولي التخلص من الفقاعات التي ستظهر على سطح الجلد))
ثم نظر إلى أخيه الذي كان لا زال واقفًا عند عتبة المطبخ يطمئنه بعينيه عليها.. وكأنها تخصه.. ورغم ذلك لم يكن مَالك مطمئنًا.. فمع أن مُصعب أكد أن إصابة يديها لا تحتاج الذهاب للطبيب.. إلا أنه في النهاية ليس طبيبًا مختصًا.. بل مجرد ممرض.. لذا تمنى لو يصحبها إلى طبيب مختص..
استدار مَالك للخلف يخرج متجهًا نحو الدرج ليصعد نحو غرفته وهو لا يزال يحمل يزيد إلا أن نداء رتيل أوقفه مكانه..
التفت لها باستغراب يراها تقول على استحياء وخجل مما فعلته قبلا
((لقد تبرعت نجوم أن تنام في منزل سمية لتهتم بها بسبب إصابتها.. اعطيني يزيد وسأذهب به لغرفة باسم وفهد لينام معهما))
وكانت رتيل قد مدت ذراعيها لتأخذ يزيد.. شعر مَالك بتصلب الصغير بين يديه بإشارة أنه لا يريد أن يذهب معها..
وكيف يذهب أو يرتاح تجاهها وهي لم توفر في أي مرة سابقة أن تعبر عن سخطها وكرهها لابن البستانية في أن يكون بنفس منزلة ابنيها..
فقست ملامح مَالك وهو يخبرها بجفاء
((لا يريد.. سأفرش له مكانًا في غرفتي وسينام عندي عدة أيام حتى تشفى يدا أمه))
اتسعت عينا رتيل وظلت متجمدة مكانها.. لا من طريقة جفاء مَالك في الحديث معها قبل أن يغادر.. بل بسبب ما قاله..
هي ليست أول مرة ينام يزيد معه في نفس الغرفة.. بل سبق وذهب في رحلات عديدة وقام باصطحابه معه.. لكنه يظل غريبًا عنه.. فكيف تأمنه سمية بابنها إلى هذا الحد!
تصاعد رنين هاتف رتيل لتتسع عينيها وهي ترى زوجها صاحب الصوت ففتحت عليه الخط قائلة بخشية على الفور قبل أن تعطيه مجالًا للحديث.. أو للصراخ
((الآن.. الآن سأصعد بالشاي لكم.. انتظر عشر دقائق حتى أعده، بمعيار سكر صحيح))
جاءها صوته العاصف بغضب
((إلى الآن لم تحضري الشاي؟ إلى الآن؟))
لكنها أغلقت الخط في وجهه فورًا وهي تسرع الخطوات عائدة للمطبخ..
.
.
قامت زاهية بتوديع زوارها وعندما مرت في البهو وجدت نورين تقف أمامها بينما تقول بكلمات متعثرة
((عمتي أرجوكِ اسمحي لي أن أبرر موقفي.. أنا لم أتعمد رمي الشاي الساخن على سمية..))
قاطعتها زاهية وملامح قاسيه ترتسم على وجهها
((اغربي من أمام وجهي، لقد خيبتِ ظني بكِ وأفسدتِ زيارة النسوة لي))
إلا أن نورين ظلت واقفة مكانها كاللوح الخشبي.. لا تريد الحراك قبل أن تبرر نفسها..
فنظرت لمُصعب الجالس على أريكة سوداء أنيقة موضوعة في المنتصف يدفن وجهه في يديه.. باديًا الإنهاك عليه.. ربما بسبب العمل.. فقد عاد توًا منه دون أن يجد مجالًا للاستحمام أو تغير ملابسه..
لم تراعي زاهية وضع ابنها وهي تهتف به بحزم
((خذ زوجتك ولا تريني وجهها يا مُصعب))
أبعد مُصعب يديه عن مرمى وجهه يناظر نورين هادرًا بينما يقف في مكانه ((اصعدي خلفي))
لكنها ظلت مكانها تهز رأسها نفيًا وهي تنظر للأرض
((رتيل هي من تسببت بكل هذه الفوضى في المطبخ قبل قليل))
لكن مُصعب لم يهتم بكلامها فاقترب منها يمسك ذراعها هادرًا ((سنتحدث فوق))
انتفضت نورين وهي تشعر بيده تقبض على ذراعها بقوة قبل أن يجرها خلفه ولم تجد أمامها إلا أن ترضخ لأمره وتسير خلفه مجارية خطواته الواسعة والسريعة.. وكل ما فيها كان مستسلمًا حتى عبراتها المتساقطة على وجنتيها كانت تنزلق بصمت..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!