يوم آخر.. وليلة أخرى تمضيها نورين في هذه الشقة الجديدة تجافي مُصعب في النهار وتهجره في الليل فتنام في غرفة منفصلة..
لا يكفي أن هذا العقاب الأنثوي الذي تمارسه ضده عقاب لها أيضًا.. ليهرب النوم من جفنيها طوال الليل بسبب أرقها وإشغال ذهنها بالتفكير بابنة عمه..
فهي منذ أن انفصلت عن النوم بجانبه وهي تحترق اشتياقا لشغف قبلاته.. حنانه الغامر.. عناقه الدافئ.. ذوبانها على صدره..
أكثر ما جعلها تحب مُصعب هو قوة شخصيته.. رزانته.. ثقله كرجل لا يأبه للجنس الناعم.. علاقاته محدودة بجنس حواء رغم أن عمله مختلط.. فلم تحلم إلا أن تكون كامرأة "استثناء" في حياته وفي عينيه على حد سواء..
لكن اتضح بأن مكان "الاستثناء" سبق وشُغل من قبل امرأة قبلها لا يمكن استبدالها..
لم يسبق وأن شعرت في السابق أي تهديد تجاه رشا حتى دون أن تعرف حقيقة مشاعر مُصعب الغامضة تجاهها.. لأنها كانت ضامنة بأنها لا تريد مُصعب في حياتها..
لكن تلك المكالمة التي جرت بينهما جعلتها تتشتت وقلبت تفكيرها رأسا على عقب.. فلهجة ونبرة صوت رشا لم تحمل من النفور أو الحقد شيئا.. بل كانت تتحدث معه بكل امتنان.. لطف.. اعتذار.. مدح..
انقطع حبل تفكير نورين وجفلت قليلا عندما شعرت بباب الغرفة يُفتح فأغلقت جفنيها تدعي النوم..
شعرت به يقترب منها يرفع الغطاء ليدثرها جيدا.. فأخذ قلبها ينبض وأذناها تتلمسان في صوته حنانه وهو يهمس لها
((لا زلتي مستيقظة، صحيح؟))
سرت فيها رجفة وقد شعرت بأنها في أمس الحاجة لتلك اللمسة الحانية خلال أفظع فترات حياتها.. لكنها لم ترد..
مرت لحظات قبل أن يلامس ظهرها بأنامله وقد استبد به الشوق لضمها لصدره اشتاق لنعومتها ودفء جسدها..
عقد حاجبيه وأشعل إنارة الغرفة لا نية له بالسماح لها بالابتعاد عنه ليلة أخرى.. ثم قال بحنق وسخط
((نورين متى سينتهي هذا الخصام السخيف الذي لا أجد له سببا مقبولا؟))
قطبت حاجبيها بألم وهي تعتدل جالسة ثم قالت بخفوت
((هل تجده حقا أمرا سخيفا؟ هل تجد النار والمشاعر السلبية التي تُغرق حياتي هي أمر سخيف؟))
هتف بها بشيء من الانفعالية
((لماذا تسمحين لها بالتسلل إليك؟ كل هذا من أجل تلك المكالمة التي حصلت بيننا؟))
تجهمت ملامحها وأقرت
((نعم تلك المكالمة غيرت الكثير بطريقة رؤيتي لعلاقتك بها وأبصرت عينيّ على الحقيقة التي كنت غافلة عنها))
قاطعها بلهجة قاطعة
((ليس هناك أي علاقة مريبة تستدعي التشكيك بيننا، أنا طلبت منها فقط ألا تتردد في اللجوء لي إذا احتاجت لمساعدة، فعلاقتي لم ولن تنتهي بها لمجرد طلاقنا، هناك صلة دم بيننا، هي ابنة عمي وشقيقة أعز صديق لي وأمانته! أي شيء أفعله أقدمه لها فهو أقل من واجبي))
تشدقت ساخرة بمرارة
((لا يبدو أن ما تفعله تجاهها ينحدر تحت مسمى "واجب" وحسب.. أنتَ تفهم ما ألمحُ له، صحيح؟))
انطبقت شفتاه برفض تلقائي شديد التصلب.. بالكاد استطاع بعد لحظات أن يعقب باستياء
((نعم أفهم ما ترمين لكن لا صحة له أبدًا، سبق وقلتها سابقا وأكررها الآن لك أنا لم أحب رشا يوما، حتى أثناء فترة زواجنا التي لم تصل لسنة لم أشعر بشيء من مشاعر الحب والود والقبول تجاهها، ليكن بعملك لم يسبق وأن أفشيت هذا الأمر الخاص جدًّا بي وبها إلا مرتين كلتاهما أمامك))
نظرت إلى عمق عينيه هامسة بعنفٍ ساخر
((نعم نعم أنا أصدقك، نعم أتفق في مسألة أنك لم تحبها قبل أو بعد الزواج فتصرفك هذا المتملك لا يشبه تصرف المحبين أبدًا بل تصرف ذكوري بحت، لو كنت حقا أحببتها لتمنيت لها أن تعيش مع الشخص الذي تريده، لكن ما أنا لست متأكدة منه هو مسألة رغبتك بالعودة لها))
أظلمت عينا مُصعب بشدة وهو ينظر إليها بصدمةٍ للحظة واحدة قبل أن تتحول تلك الصدمة إلى مشاعر عنيفة غاضبة منع ظهورها بشق الأنفس وهو يهمس من بين أسنانه المطبقة بتحذير
((نورين..))
ظلت على نفس الابتسامة الباردة دون أن يهتز بها شيء تزيد في إيلامه كما آلمها
((ماذا! هل أخطأت بحرف؟ أليست هذه هي الحقيقة؟ ألم تقم بالنهو على ابنة عمك رغم أنها كانت مخطوبة من رجل تحبه ويحبها؟ ألم تتزوجها رغما عنها؟))
اندفعت قبضة مُصعب لتمسك بمعصمها يجذبها إليه بقوةٍ مما جعل صدرها يصطدم به متأوهة..
حاولت أن تسحب معصمها من بين أصابعه لكنه شدد عليه أكثر وزاد من ألمها فنظرت إليه لتراه يبادلها النظر بنظرات مخيفة.. ثم همس من بين أسنانه قائلًا
((يكفي حديثا عنها لنغلق تماما هذا الحديث المقيت))
شابت نبرتها تهدج وهي تعترض
((لا تعاملني بهذا الشكل، كان عليك أن تتوقع سماع مثل هذه الكلمات من الجميع عندما قررت أن تنهو عليها))
تأجج الغضب في عينيه وهو يراها مصرة على الاسترسال فشدد قبضته على معصمها أكثر وهمس بسوداوية
((هل يمكن أن أعرف كيف سينتهي هذا الحديث بيننا؟))
اعترتها القسوة وهي ترد بصلابة
((هل بدأ أساسا؟ أنتَ لا تسمح لي أبدًا الخوض في موضوعك معها، لو كنت قد تخطيتها حقا لم خشيت من حديثنا عنه، هناك الكثير من الأمور التي أريد سؤالك عنها حتى أتأكد من أنك لا تريد العودة لها))
رغم أن عينيها لا تحيدان بعينيه إلا أنها لم تكن تعرف بأنه كان يتحطم في داخله جراء كلماتها دون أن يظهر لها إلا واجهة صامدة.. لا حياة فيها..
تمتم أخيرا بصوتٍ فاتر أجوف
((أنا لن أجيبك أكثر من ذلك، فقد تحدثتِ معي خمس دقائق فقط عنها وما لبثت أن نفثت بي هذا الكم الهائل من السم الزعاف بكلماتك فما بالك لو طال الأمر أكثر؟))
استطاعت أن تحرر معصمها من قبضته عندما حررها فتلمست العلامات التي تركتها أصابعه ببطء وهي ترمقه بغضب وتتنفس بحدة.. قبل أن تميل برأسها وتتكلم بازدراء
((أنا لن أقبل أن أكمل حياتي معك وأنا لا أعرف نواياك أو مشاعرك الحقيقية المستقبلية تجاهها على الأقل، كلماتك السابقة ليست ضمان كافي، خاصة أني لا أعرف ما يعتمل في قلبك أو عقلك الغامض))
عقب مُصعب بصوتٍ واجم
((ليس هناك شيء عندي لأقدمه لك سوى كلمتي هذه، لن يُفتح موضوع زواجي السابق مجددا وإلا لن أتساهل بهذا الشأن))
بعدما انتهى من كلامه الحازم ازداد انعقاد حاجبيه وتغيرت النظرة في عينيه وهو يلاحظ بأنها لا تزال تفرك معصمها فمد يده حتى وضعها على الأثر الذي تركته قبضته عليها.. فأسدلت جفنيها هادرة بصوتٍ جاف متوتر
((هل يمكنك أن تغلق الإضاءة ثم الباب وتخرج لو سمحت))
ضاقت عيناه وتصلبت أصابعه حول أصابعها بشدة لكنه ببرود عارم فعل ما طلبت وأوصد الباب خلفه تاركا إياها مكانها تغرق في الظلام.. ليتملكها إحساس فعلي بأنها أخطأت في تقدير الأمور معه.. فهناك حلقة مفقودة ستموت لتصل إليها ولا تعرف حتى الطريق الذي يجب أن تسلكه وهو بعيد عنها هكذا.. فهي غارقة في التخمينات وتائهة وسط غياهب ظلمة الجهل تتخبط..
ماذا يفترض أن تفعل وماذا يفترض ألا تفعل؟
=============================
ليلا..
عاد مُؤيد للقصر والإرهاق يغزو جسده بعدما انتهى من الإشراف على المزارعين بدلا من والده كما يدأب على فعله مؤخرا..
دلف لجناحه وأخذ حماما حارا.. أغلق أنوار غرفة النوم واندس بفراشه رغم الألم والدوار الذي شعر به يكتنف تلافيف رأسه.. أطبق جفنيه وهو يشعر بشيء من البرد فهمس على أمل أن تكون زوجته بالجوار
((رتيل.. احضري لي دثارا آخر))
سمع همهمات قبل أن يشعر بجسد دافئ يلتصق به ولمسات جريئة.. مثيرة.. تسارعت لها نبضات قلبه بينما يستجيب جسده الملقى بخضوع..
همهم بوهن والظلام لا زال يعم المكان
((رتيل.. ماذا تفعلين!))
ردت عليه بشغف وهي بمحاذاة وجهه
((تبدو متعبا.. دعني أريحك))
همس بتساؤل مشتت وإحساس مريب من غرابة ما تفعله يعتريه
((لكن.. أنتِ.. تبدين..))
وضعت يدها على فمه تسكته بينما تلثم وجنته بتمهل.. فأضحى صخب أنفاسه غير منتظم وهو يشعر بثغرها يغرقه بقبلات متصاعدة كخط من نار وحشي يلتهمه.. كانت تشعل نار الحاجة بداخله.. تضرب على مواطن ضعفه.. تستنزف روحه وجسده.. وأخيرا تنجذب لناره لتحترق معه.. فما كان منه إلا أن سلمها مفتاح محرابه لا يعي على نفسه..
عندما انتهي غرامهم العنيف أمسكت أول ما طالته يدها لتغطي نفسها وأراحت رأسها على صدره الذي اتخذته وسادة.. حاول بعادها بمحاولة لا تُذكر فشددت على ضمه رافضة تمامًا أن تفلته..
ببطء تدريجي تنبه عقله الغائب وأجبر جفنيه على الانفراج رغم الظلام الحالك الذي يعم الغرفة ثم همس منقطع الأنفاس
((لقد بدوت مختلفة الليلة.. رتيل))
شعرت بأنه لم يعجبه ما حدث لكن لم تسمح لنبرته هذه أن تهزها.. بل ظلت مكانها مرتمية على ذراعيه ولثمت وجنته لتلفح وجهه بأنفاسها الساخنة ثم همست
((أنا لا أفعل ما أفعله متعمدة، أريد أن أسعدك فقط))
رغم شعوره قبل قليل معها أنه يحلق بجنان النعيم بهمساتها ولمساتها.. إلا أنه وبعدما تلاشت لذة النشوة اجتاح خلاياه رويدا.. رويدا شعور بالنفور وتوقفت استجابة جسده من قربها لتعتريه بعض القوة ويرفع ذراعيها ويبعدها قائلًا
((هذه الأمور جديدة عليك!))
ظلت على حالها وهي تهمس
((أريدك يا مُؤيد أن تعلمني ما تحب وما تكره، أريدك أن تعلمني ما ترغب أن أفعله من أجلك، هل تحب أن أرقص لك بالغلالة التي كنت ألبسها قبل قليل؟))
كأنها في جملتها الأخيرة ضربت فيه وترا حساسا فنفض ذراعيها عنه على الفور هادرا باشمئزاز
((رتيل؟ ماذا تهذين؟ هل جننتِ؟))
تراجعت بصدمة وهي تضيء المصباح الخافت
((أنا أريد أن أرقص لزوجي.. ماذا فيها!))
هاج بها باستنكار
((هل هذا هو قول امرأة محترمة أم رخيصة؟ لو تمتلكين ذرة كرامة لما عرضت الرقص عليّ كأنك تروجين لنفسك أمامي كجسد وسلعة))
كانت عيني رتيل تتسع تدريجيا بصدمة من ملامح الخيبة التي كست وجهه.. لكنها ردت بعد لحظات ببطء كمن تحدث متخلفا وبطيء الفهم
((مُؤيد، أنا لم أقل بأني أريد أن أمتهن مهنة الرقص كمصدر رزق، بل قلت بأني أريد أن أرقص لك.. أنتَ، زوجي.. حلالي.. لأني أريد أن أسعدك.. وأعفك..))
قاطعها باعتراض مشمئز
((ألا تقدرين أن تسعديني بعيدا عن التصرف برخص! هل هناك شيء أكثر ابتذالا من رقص امرأة أمام رجل حتى لو كان زوجها؟ ألا يمكنك التحلي ببعض الكرامة؟))
زمجرت به بعصبية وقد ضاق ذرعها
((مُؤيد أنتَ مجنون))
ضيق مُؤيد عينيه يغمغم بصوت خطير
((بدأت تشككينني بتصرفاتك مؤخرا، من أين تتعلمين هذه الأمور؟ هل تدخلين لمواقع مشبوهة على الأنترنت؟))
اتسعت عينا رتيل بذهول من الاتهام الذي علا ملامحه ومن دون أن تعي على نفسها ضربت صدره بقوة عدة مرات هاتفة بسخط ولوعة
((تبا لك ولمن يريد نيل رضاك، الحق عليّ أنا))
دفعها عنه أكثر بشيء من النفور رغم ارتجاف عضلات ذراعيه التي لا تزال واقعة قليلا تحت تأثيرها الآسر
((لقد بدوت كامرأة أخرى، امرأة لا أحبذ وجودها في داخلك، أنتِ أم أولادي لا يجب عليك التصرف بهذا الابتذال))
التهبت وجنتيها غيظا مما قاله وتشنج فكها.. ثم عاتبته
((أنا فقط كنت أتصرف أمنحك تِبعا لما أشعر به، كنت أحاول أن أطلق العنان لنفسي معك كعاشقة..))
توترت ملامحه لكنه قال بشيء من العدوانية فيما ينهض من رقاده
((أي عشق هذا الذي يكون بين الأزواج! توقفي عن محاولة التصرف كامرأة أخرى مقيتة لا تشبهك.. ثم ألم تخبريني قبل أيام أثناء مشاجراتنا بأنك تكرهيني فكيف تحولتِ فجأة لعاشقة؟ أتفهم أن المرأة عاطفية ومزاجية لكن أنتِ فقت حدود المعقول.. اثبتي على رأي ومشاعر غير متناقضة لأسبوع واحد على الأقل! إلا إذا كان ما تفعلينه له غاية ألا أمنعك من زيارة أمك والمبيت عندها بعد آخر شجار حصل بيننا؟ لا تقلقي يمكنك الذهاب لها متى ما أردت ومقدار ما شئت، لكن توقفي عن التصرف على هذا النحو))
لم تجد رتيل ما تفعله إلا أن تغادر الغرفة بعيدة عنه..
تنهد مُؤيد بحرارة وبؤس وهو يلعن نفسه على استجابته لما فعلته معه..
رفع كفيه يمسح صفيحة وجهه وهو يفكر كيف كان ليكون منظره أمامها لو عرفت بأنه أحب وتجاوب مع كل ما فعلته وقد شعر بها كامرأة جريئة حرة.. مسيطرة على كل نبضة وحركة تخرج منه!
.
.
أما رتيل فقد ولجت لغرفة أخرى في جناحها وأوصدت الباب خلفها بينما وتيرة أنفاسها تتصاعد في تزايد..
عليها أن تيأس من محاولة تغيره.. مهما تفعل سيظل مُؤيد أناني وغير مهتم باحتياجاتها.. مشاعرها.. رغباتها كأنثى.. لطالما كان لا يظهر أي استعداد لتلبية ما تريده ولا يلتفت سوى لاهتماماته واحتياجاته.. بل هو غير مهتم بقول أي إطراء لها، بما تحب أن تسمع من كلام يزيد من ثقتها بنفسها ويشعرها بأنوثتها.. إنه لا يحترمها ولا يراها أساسا..
لذا عليها من الآن وصاعدا فقط أن تهتم بسعادتها الشخصية وملذاتها كما يفعل هو..
لن تلوم نفسها على ما فعلته قبل قليل وهو الذي سبق وعبر أمامها ببرود بأنه يتمنى لو كان هو من تزوج بنورين.. فقد كان عليها بعد شجارهما الأخير استمالته حتى لا يمنعها من الخروج من هنا..
نعم لقد قررت أن تتراجع عن قرارها وتعود لزيارة غنوة والمبيت في بيتها..
أغمضت رتيل عينيها وقلبها يتمزق من فرط ألمها بينما تتذكر عندما فتشت هاتفه في احدى المرات لتجد في ضمن سجل البحث الذي قام بالاطلاع عليه موضوع عن ملابس الراقصات الشرقية.. لا بد أنه لا يغض البصر في الخارج ومولع بملابس الرقص الشرقي على النساء أين وكيف ما كنّ.. إلا هي. زوجته.. حلاله.. أم ولديه.. هنا يظهر التزمت والعقد والتشدد والانغلاق عليه..
=============================
وقف وليد أمام المرآة يعدل قميصه الأسود ويرتدي سترة حلته السوداء مكتفيا بتمشيط شعره بأصابعه قبل أن يدلف لغرفة النوم فيجد شيرين تقوم بآخر اللمسات على ثيابها المعدة للخروج..
تجمدت ملامحه وهو يسألها بصوتٍ محايد
((إلى أين ستذهبين؟))
انتفضت وهي تلتفت إليه شاهقة حيث يقف عند الباب يرشقها بنظرات مدققة غير مقروءة.. تمَالكت نفسها وشمخت بذقنها لتواجهه.. تمنحه نظرات مباشرة لا تظهر خوفًا أو ترددًا.. تجيد للغاية إخفاء ضعف كسرها وقلة قدرتها.. ثم قالت
((سأذهب لعملي.. آخر يوم إجازة أعطيت لي كانت في الأمس))
مطّ وليد شفتيه ثم قال بهدوء
((حسنا يمكنك الذهاب للعمل أو إلى أي مكان تريدينه، ليس وكأنك هنا سجينة.. بل نحن زوجين طبيعيين))
تجاوزها وهو يذهب للخزانة يخرج ملفات تخص عمله عندما وصله صوتها جافا متوترا
((ليس وكأنك تستطيع منعي من الخروج من العمل.. لقد اشترطته عليك))
رد وليد بلامبالاة جلية
((لو أردت ألا تذهبي للعمل فسأفعل ذلك ولن آبه لأي شروط سبق وألزمتني بها قبل الزواج..))
تألقت عيناها بالحقد والغضب وهي تفهم قصده عن خداعها بأمر والد سهر الذي أكد لها في آخر حديث دار بينهما بأنه فقد الأمل بإقناع قريب سهر أن يتبرع لوالدها إلا لو لجأ للإجبار.. وهذا ما لن تقوم بطلبه أبدًا..
خطفت ببالها ذكرى معاشرة وليد الأخيرة المهينة لها.. انعصر قلبها ومرارة الإهانة والذل في روحها عالقة..
لكنها عافرت لتتجاوز مرارة الذكرى وأغلقت جفنيها وهي تسحب نفسا عميقا ثم زفرته بضيق وكل زفير يذكرها بأن وليد هو أحقر وأدنأ رجل عرفته في حياتها.. لكن لن يطول الأمر قبل أن تنتقم منه..
استدارت على عقبيها للخارج حتى لا تضطر أن تدخل في نقاش محتدم أو شجار معه.. عليها أن تنجح في مسايرته وبقائه على ظنه بأنه انتصر عليها حتى ينضج الانتقام الذي تعده له على نار هادئة..
تقدمت من سيارتها تدخلها ثم تقودها بهيئة الفخر المزيفة لتذهب للعمل.. لكن قبلا عليها أن تذهب لمكان أخر..
=============================
بهدوء طرقت سمية القادمة من الحديقة الخلفية باب المطبخ قبل أن تدلف للداخل متسائلة بتهذيب
((هل أنتِ بحاجة لأي مساعدة يا سيدة نعمة؟))
التفتت نعمة الجالسة وحدها في المطبخ ترتشف من كوب قهوتها بوجوم لسمية لتقول بتحفظ
((لا داعي لقول "سيدة" لي بعد الآن، فأنا مجرد مدبرة منزل وأنتِ من ستتزوجين أحد أبناء صاحب هذا القصر))
تمتمت سمية بحزن وقد انحسرت ابتسامتها
((ما زال مبكرا الحديث عن الزواج، ربما لا يحدث..))
عقدت نعمة حاجبيها وازداد وجهها وجوما فدعت سمية للدخول والانضمام لها لاحتساء القهوة.. فقدمت لها فنجان قهوة بينما تتساءل
((لماذا قد لا يحدث؟ أعترف بأن رغم معرفتي أن السيد مَالك يريدك إلا أن آخر ما توقعته أن يطلبك للزواج، لكنه حدث وأخذ مباركة والديّه))
تناولت سمية فنجان القهوة منها بامتنان ثم قالت ببهوت
((يمكنك القول بأنهما وافقا على مضض، لكن أنا لست متأكدة إذا ما كان عليّ أن أجاريه ونتزوج، يجتاحني بين الحين والآخر شعور يدفعني لرفض عرض الزواج))
سألت نعمة باستنكار مستهجن
((أتقصدين أن الرفض قد يأتي مِن قبلك أنتِ؟ هل أنتِ مجنونة!؟))
تنهدت سمية ببؤس وقالت بشرود
((أنتِ لا تفهمينني))
شابت نبرة نعمة الصرامة وهي ترد
((بل أفهمك يا سمية لكني لا أريدك أن تخسري هذه الفرصة الثمينة بسبب تفكيرك السخيف، ابن سيد هذا القصر الضخم يريد الزواج منك، بل يلاحقك من أجل أن تقبلي به، لا تفقدي عقلك وتُفكري ولو مجرد التفكير بالرفض))
رفعت سمية عينيها بتعجب لها
((أتظنين ذلك؟ لكن ماذا بشأن..))
قاطعتها بحزم تقول
((لا تُلقي بالًا لفارق السن ما دامت الرغبة موجودة من كلا الطرفين هو لن يكون حائلًا وحاجزًا دون إقامة حياة زوجية سعيدة بينكما.. نعم أعرف أن الرغبة نابعة من كلاكما..))
فغرت سمية شفتيها قليلا دون أن تحيد بنظرها عن نعمة لتكمل الأخرى بمنطقية
((ما دام مَالك مُحبًّا لك راغبًا في الزواج منك نصيحتي أن تبدئي بالتفكير في مصلحتك ومصلحة يزيد والموافقة على الزواج في الحال..))
بدا أن سمية مركزة في الحديث فرفعت نعمة فنجانها ترتشف منه ثم واجهتها بواقعية وحكمة
((إذا أردتِ رأيي فحتى لو لم يكن مَالك ابن الجاه والنسب والمكانة لدفعتك أن توافقي عليه لعلك تظفرين بشيء من منافع الزواج خير من أن يفوتك الأمر كله، فإذا قُدر سيرزقك الله منه ابنًا يكون ليزيد سندًا وعزوةً، وفي نفس الوقت يرعاك معه عند كبر سنك))
ثم رفعت حاجبيها تستطرد متسائلة بشك
((لا بد أن أب يزيد متزوج وعنده أولاد صحيح؟))
أخفضت سمية وجهها وضمت قبضة يدها في اليد الأخرى وتصلبت بتحفز كما تفعل في كل مرة يتم ذكر زوجها الثاني الوهمي والذي ما هو إلا مَالك..
موقفها سيكون مخز جدا حينما يعرفون.. تبا لها! لماذا جارت مَالك في هذا الأمر!
غمغمت نعمة باستدراك وتيقظ
((حسنا وصلتني الإجابة دون أن تقوليها، لا بد أنه متزوج ورُزق بالكثير من الأطفال، مع ذلك لم يسأل مرة أو يطلب رؤية ابنه أو يُعرفه على إخوته، لذا لا خير يرتجى منه، أنتِ يتيمة وشبه مقطوعة من شجرة فلا تجعلي ابنك يعيش ما تعيشينه))
لم تعقب سمية على كلامها لكن ظهر عليها شيء من التردد وهي تتساءل
((لكن ماذا لو..))
حثتها نعمة على الإكمال
((ماذا؟))
تنهدت سمية قبل أن تقول بخفوت متشائم
((ماذا لو مر العمر عليه، وعليّ أنا أيضًا.. وفقدت جمالي المتواضع هذا.. وهرمت.. وقرر هو.. لا أدري.. انسِ وحسب..))
خرجت آخر الكلمات من سمية خافتة وهي تقرر في النهاية ألا تفكر في الموضوع من الأصل.. لكن قالت نعمة بفطنة وهي تكمل عنها
((أتخشين في المستقبل أن يتزوج بأخرى أصغر؟))
أومأت لها سمية بعينين بائستين معذبتين لتتابع نعمة بتلقائية
((هل هناك شك في هذا؟ بالتأكيد سيفعل إذا أحس نفسه أنه لا يزال صغيرًا حين يتقدم بكِ السن، هذا لا غبار عليه، ليس في الأمر ما يدعوكِ إلى الانقباض من هذا الزواج))
ثم مالت نعمة نحوها تحثها بحزم أمومي
((لكن حتى هذا الوقت عليك إنجاب أطفال منه بقدر ما تستطيعين حتى تربطيه بك وتحرصي أنه لن يتخلى عنك لاحقا))
شحب وجه سمية لما سمعته ولوهلة فغرت شفتيها دون أن تقدر على النطق بكلمة واحدة بل ظلت على حالها متسمرة كشبحٍ على وشك الاختفاء.. رغم أن ما قالته نعمة هو منطق بديهي إلا أن وقعه عليها صعب جدًّا.. فغمغمت بمرارة لاذعة
((كلامك قاسي، ولا يمكنني تخيله يا سيدة نعمة))
كان صدرها قد بدأ يهبط ويعلو بانفعال خفي بينما تخبرها نعمة مصححة
((بل واقعي يا سمية، لذلك ينبغي أن تكوني أنت عاقلة حازمة في كيفية كسبه منذ أن تتزوجي به وألا تجعليه يندم على قراره، وأن تكوني كذلك مستعدة لتحمل ما قد يظهر من نتائج على فارق هذا السن))
نأت سمية بوجهها عن نعمة تقول بصوتٍ مختنق
((استأذنك المغادرة.. إلى اللقاء))
ودعتها نعمة باستغراب وهي تعود لترتشف من قهوتها بينما تراها تستقيم واقفة.. وبمجرد أن أدارت ظهرها لاهثة بوجهٍ أحمر وعينين متقدتين نارًا حتى رفعت هاتفها تكتب رسالة بانفعال وتسرع
"مَالك أعرف بأني سبق وغيرت جوابي مئة مرة.. لكن الآن حقا أنا أشعر بأني أريد أن أرفض موضوع الزواج.. لكنني موافقة على أن تخبر عائلتك بشأن موضوع يزيد.. سأدعمك"
لم تنتظر منه رد وهي تعيد الهاتف لجيبها وتمضي قدما نحو منزلها بينما تغطي فمها المرتعش بيدها شاعرة أنها ستسقط مغشيًا عليها لو فكرت مجددا بإمكانية حدوث ما قالته نعمة..
استحالة أن تتحمل هذا.. ليس لأنها سبق ومرت في هذه التجربة.. بل لأنها لا تتخيله من مَالك.. خاصة بعد كل هذه المشاعر التي أجبرها على التسرب داخلها..
ذهبت تجلس تحت إحدى الأشجار في الحديقة ولمحات من ماض قريب أخذت تتتابع على عقلها..
عندما كانت متزوجة من كامل.. حينما أراد أن يفاتحها بموضوع زواجه من أرملة أخيه..
بدأ كل شيء حيث سألها بعد عودتها من العمل في الحقل لساعات طوال
((هل يؤلمك ظهرك كثيرًا؟))
((نعم لقد تعبت كثيرًا، خاصة وقت الظهيرة تحت الشمس الحارقة))
((ألف لا بأس عليكِ يا زوجتي الحبيبة، لا تصدقين كم أنا ممتن لامتلاكك، فعلا خير متاع في الدنيا هو المرأة الصالحة التي تعين زوجها على أمور دينه وتحثه على المحافظة عليها وترغبه بها وتأمره بالطاعات))
((كل هذه المبالغة في المدح فقط لأني قمت بشؤون الحقل جميعه لوحدي رغم أنها ليست أول مرة! غريب أمرك يا عزيزي))
((الأمر ليس متعلق بعملك في الحقل وحسب بل بكِ أنتِ، أنا متأكد يا سمية بأني لو تزوجت أربع نساء فلن تكون واحدة منهن بمثل غلاكِ ومحبتكِ، هذا ليس كلامي وحسب بل كلام جميع أفراد عائلتي، كلهم متفقون بأنه ليس هناك أجمل من الزوجة الأولى فهي الأصل والحب الأول))
بدأت نبضات قلب سمية تتسارع وشفتاها ترتجفان..
فرّت كل الألوان من وجهها الذي لم يعد نابضا بالحياة وهي تفهم مقدمة كلامه التي يمهد فيها لقتلها.. ببطء..
لم يعد هناك مجال للتجاهل أو التجاوز.. حاولت أن تتماسك لكنها فشلت، دون وعي بدأت تنزلق الدموع منها قبل أن تتحول لشهقات ثم إلى نحيب..
حاول أن يقترب كامل منها إلا أنها نفضت يدها هاتفة بقهر واستنكار
((لماذا! لماذا! لماذا! فقط قل لي لماذا تريد أن تفعل هذا بي بعد كل ما فعلته وضحيت به ولا أزال أفعله من أجلك! لم أعد أشعر بصدق حبك لي.. أتمنى لو يعود بي الزمن للخلف حتى أرفض طلبك للزواج مني ولا أضيع سنوات عمري في انتظارك، بدل أن تفكر بعلاجي ومعرفة سبب تأخر حملي تشغلني بأعمال الأرض والحقل كأنني رجل، فتجعلني أحرث الأرض وأزرع وأبني الجدران، بالإضافة الى أعمال المنزل وغيرها وتنشغل أنتَ برعاية أرملة أخيك!))
هزت سمية رأسها تنفض عنها باقي هذه الذكرى الأليمة المريرة تزامنا مع الشعور بأحدهم يقترب منها..
رفعت وجهها ولم يكن غير مَالك.. الذي وقف أمامها متجهما يقول وهو يرفع الهاتف يشير إلى الرسالة التي وصلته منها
((هل هذا ما توصلتِ إليه بعد كل هذه الفترة؟))
أجابته سمية والدموع تحتشد بعينيها
((نعم فأنا أفضل أن أبقى عزباء لآخر عمري على أن أعيش معك ومع مخاوفي المريعة، أنا لن أغفر لك لو تردد قلبك في حبي أو شعرت بأني مجرد نزوة لاحقا))
نظر إليها بوجه غير مقروء وقال ببرود يظهر عدم تأثره بضعفها ومخاوفها أو حتى دموعها
((ليس عندي ما أقوله لك الآن لكن زواجنا سيبقى كما هو ولن يتغير فقد تعبت من إقناعك))
غادر مبتعدا عنها دون أن يتفوه بأي كلمة تاركا دموعها تسيل بضعف أفلت زمامه..
=============================
في عيادة الطبيبة..
بعد أن عرفت شيرين أين تقبع عيادتها ذهبت إليها وجلست أمام الطبيبة تقول بارتباك
((أنا متأكدة بأنك تقولين بينك وبين نفسك بأنه "لا يمكن أن يكون الزوج هو المذنب بانتهاك المرأة؛ فهي زوجته، وقد منحته الرضا الزوجي بالأساس، ولا يمكنها التراجع عنه" لكنه تزوجني بالخداع وأنا كنت أريد الطلاق منه قبل أن يقترب مني ففعلها عنوة ظانا منه بأنه سيمنعني من طلبه هكذا!))
ابتسمت لها الطبيبة بتعاطف وقالت
((لا داعي للتبرير فأنا لا حق لي بالتدخل في حياتك، لقد طلبتي مني أن أكتب لك تقريرا بما اقترفه وسأفعل هذا))
ازدردت شيرين ريقها ثم قالت بصوتٍ مخنوق
((شكرا لأنك كنت ذكية كفاية للحد الذي لم تحاولي فيه معاتبته على ما فعله أو توبيخه فهذا كان سيجعله أكثر قسوة معي))
تنهدت الطبيبة الطيبة ثم قالت بصوتٍ عذب
((لا تقلقي بعدما رأيت ما فعله عرفت بأني مهما تكلمت وحاولت الشرح له فلن يكون للأمر فائدة فلا بد أن زوجك نشأ على ممارسة العنف، وعلى فكرة أن المرأة وُجِدَت من أجل إرضاء ملذاته ورغباته وعليها الإطاعة دونَ أي ممانعة.. لقد مررت بالكثير من الرجال من هذا النوع حيث الزوج لا يأخذ بعين الاعتبار مشاعر زوجته ولا يقدّر ظروف تجاوبها، فهو يقدم على ضربها وتحقيرها وبعد ذلك يصحبها إلى غرفة النوم، بينما من المفترض أن يتم تبادل المشاعر بين الطرفين))
لكن شيرين لم تجد أمامها إلا أن تسرد ما حدث معها حرفيا حتى تكتب لها كل ما قد تحتاجه من أوراق وتقارير طبية تساعدها على الطلاق منه.. كانت الطبيبة متعاونة معها جدًّا وجهزت لها كل ما هو مطلوب..
خرجت شيرين من العيادة وعلى الفور انتشلت هاتفها من حقيبتها لتتصل بسهر التي ما إن جاءها الرد حتى قالت باقتضاب
((أخيرا تنازلت يا شيرين واتصلت بي؟ هل يعقل أن وليد تغير معك للأفضل إلى الحد الذي جعلك تبيعين كل الدنيا ولا تريدين رؤية أحد غيره!))
أطلقت شيرين نفسا عميقا ثم قالت بصوتٍ مبحوح
((سهر حبيبتي ركزي فيما سأقوله، سأرسل لك رسالة بعنوان عيادة طبية، أريد منك أن تحضري عندها بعد ساعتين وتستلمي الأوراق التي ستعطيها لك، خبئي الملف الذي يحتوي هذه الأوراق جيدا عندك فأنا لا أستطيع أخذها معي.. أيضًا عديني بأنك لن تفتحيها وستنتظرين حتى أخبرك أنا كل شيء))
ترددت سهر قبل أن تتساءل
((شيرين أنتِ تخيفيني.. ماذا يحدث؟))
لكن شيرين كانت مضطرة ألا تخبرها شيئا في الوقت الحالي فسهر لو عرفت ستغضب بل ستفقد عقلها وحينها ستتصرف باندفاع والتعامل مع شخص بمكر وليد يتطلب الهدوء.. فقالت بحزم
((فقط عديني يا سهر بأنك ستثقين بي ولن تحاولي الضغط عليّ لمعرفة ما يحدث قبل أن أخبرك بنفسي))
رغم عدم ارتياح سهر لها رضخت بشكل مبدئي..
أغلقت شيرين هاتفها وهي تحاول استعادة رباط جأشها قبل أن تذهب الآن لعملها.. عليها التركيز فيه فهو آخر ما تبقى لها.. كما عليها من الآن أن ترفع طلبا لنقلها إلى الفرع الآخر في العاصمة!
=============================
تطلعت ياسمين باستغراب إلى حماها شارد الذهن ومتجهم الملامح والذي كان لا يركز في حديث ابنتها هدى رغم أنه من طلب رؤيتها.. فتساءلت بعفوية
((تبدو مخطوف الذهن يا عمي، هل هناك شيء؟))
جفل الحاج يعقوب على صوتها.. ثم قال بهدوء وقاره
((نعم أنا كذلك.. عقلي مشغول قليلا بابن أخي وليد فقد وصلني حديث غير سار عنه، المهم كيف حال هدى؟))
تمتمت له وهي تربت فوق رأس هدى المشغولة بتجميع مكعباتها
((إنها بخير))
أومأ بعقوب برأسه ثم استحث رزانتها
((ياسمين لا أريد أن أوصيك بِحَثّها على التواصل مع والدها، اعرف أن مَازن ارعن ومقصر بحقكما لكن أمه قلقة من عدم اهتمام ابنته بالسؤال عنه))
بتر يعقوب كلامه عند تصاعد رنين هاتفه.. وما إن أخرجه وتطلع للمتصل حتى قال متعجبا
((ابن الحلال عند ذكره يبان..))
تجهمت ملامح ياسمين عندا عرفت أن المتصل زوجها.. في حين ردّ يعقوب بتجهم وهو يضع الهاتف على أذنه
((أخيرا حنيتَ علينا يا مَازن وتنازلت لإزالة الحظر عن أرقامنا بل والاتصال علينا؟))
وصله صوت مَازن منفعلا حانقا
((هل تعرف يا أبي من أين أحدثك أنا الآن؟))
عقد يعقوب حاجبيه يقول
((من المشفى ربما؟))
خيمّ الصمت بينهما لا يسمع إلا صوت اضطراب أنفاس مَازن الثائرة.. وياسمين التي فغرت شفتيها قليلا مذهولة من وجود مَازن في المشفى.. فتحدث الأخر أخيرا هاتفا وقد بدا الاضطراب مسيطرا على كلامه
((إذن أنتَ تعرف ما حل بي ومع ذلك تتحدث معي ببرود؟ لماذا تتعامل معي وكأنكم وجدتموني عندما كنت رضيعا أمام باب الجامع! أليس مَالك تؤامي! لماذا تفرقُ في المعاملة بيننا وتحبه وتقدره وتفخر به وانا لا..))
لم يتعاطف يعقوب مع ابنه بل رد بكل صرامة
((كن بمثل نصف حكمة ورزانة وهدوء مَالك وأعدك أن أعاملك أفضل منه.. وعلى كل حال لقد قال لي مُعاذ بالحادث الذي حصل لك..))
أغمض مَازن من الجهة الأخرى عينيه للحظات يستعيد رباطة جأشه ثم قاطع والده باضطراب وألم
((نعم يا أبي لقد كاد سائق مخمور أن يصطدم بي لولا انعطافي في أخر لحظة للجهة الأخرى واصطدامي في الشجرة))
تنهد يعقوب بعمق ثم تساءل
((المهم الآن.. كيف حالك؟))
ازدادت أنفاس مَازن من الجهة الأخرى اضطرابا.. لم يشعر باي اهتمام صادق أو خوف من جهة والده..
فهتف به باستهجان وقهر متشعشع في أنحاء جسده
((هناك رضوض كثير بجسدي.. كل ما يحدث لي بسببك يا أبي.. بسببك أنتَ ها أنا قابع في وحيدا لا أجد من يناولني شربة ماء في حالة العجز التي أنا فيها، أنا لم أستطع تكوين صداقات وعلاقات موثوقة وعميقة في بلاد الاغتراب لذلك سأعود بمجرد تماثلي للشفاء))
شاب صوت يعقوب الغضب وهو يستنكر
((هل عدنا للنقاش لنفس الموضوع؟ لماذا لا تفهم بأني أرسلتك هناك مصلحتك! لديك شهادة من أكبر الجامعات هناك))
رد مَازن بتحدٍ سافر
((أنا لا أناقشك بل أخبرك ما انوي فعله، سأعود للبلاد وانتهى الأمر بمجرد أن أتماثل للشفاء.. سلام))
امتقعت ملامح يعقوب عند أخر ما قاله ابنه قبل أن يغلق الخط عليه..
بالكاد استطاعت ياسمين كتم ملامح الشماتة للبؤس الذي يعيشه زوجها هناك وهي تزم شفتيه ثم تقول مصطنعة الحزن عليه
((يبدو أن مَازن حقا مصاب فضلا عن تعاسته هناك.. شفاه الله))
تمتم يعقوب بصوتٍ بدا مجهدا بالتفكير
((أمين.. أمين يا ابنتي..))
استقامت ياسمين واقفة بهدوء تسحب نفسها لجناحها..
أغلقت الباب خلفها واستلقت على ظهرها فوق سريرها بينما تبعد مشغولات الخياطة والتطريز جانبا.. تستذكر بذهن متيقظ كل ما مرت به بسبب مَازن..
كانت في الثامنة عشر عندما كان حلم حياتها أن تلتحق بكلية اللغات.. وتتخصص في اللغة الإنجليزية..
كانت الأمور تسير بشكل جيد في بداية التحاقها الجامعة حتى بدأ أكثر من شاب من نفس شلة مَازن يعترضون طريقها بغية ودها.. فتردعهم بواجهة الصرامة..
حتى أنها في أخر مرة لم تتردد في شكاية أحدهم لأمن الجامعة متسببة بفصله لسنة دراسية كاملة ولم تتراجع عن شكوتها رغم تهديداته الواضحة والمباشرة بأنه سينتقم منها.. فما كان من ذاك الشب صديق مَازن إلا أن ينفذ تهديده، فصار ينتظر الوقت الذي تخرج فيه من منزل عائلتها ليطاردها..
لم تتجرأ أن تلجأ للمحاكم والشرطة لان ما فعله لم يتعدَ التحرش اللفظي والمطاردة.. ولعدم رغبتها أن تدخل نفسها في هذه المتاهات حتى لا تعلم عائلتها أي شيء عمّا تواجهه من ذاك الشاب في الجامعة وبالتالي يجبروها على تركها ويحول ذلك دون إكمالها تعليمها الجامعي! حتى قامت من ظنتها زميلة مقربة منها بدعوتها لتناول طعام منزلي أعدته.. فلبت دعوتها الملحة لتشعر بعد دقائق بدوار شديد لم تستطع معه أن تتمَالك نفسها.. فعرضت عليها زميلتها أن تسير معها للاستلقاء تحت احدى الشجر خلف مبنى الكلية والخالية من أي اكتظاظ في العادة لترتاح تحت ظلها.. وهناك أعطتها ماء وقرصين لتخفيف ألم دوار رأسها ولم تكد تتجرعهم حتى فقدت أي وعي أو إدراك لما حولها..
ولم تستفق إلا بعد يومين في إحدى الفنادق مجردة من الملابس دون أن يتبين لها ما إذا تعرضت لاعتداء أم لا..
تواصلت مع إدارة الفندق والشرطة منهارة لأنها لا تتذكر شيئا مما حل بها.. سجلت الشرطة ادعاءاتها وكان أول متهم في القضية هو "مَازن الكانز".. حيث غرفة الفندق مسجلة باسمه وهو من حجزها ليومين..
أفضت هي كل ما حدث للشرطة وهم أوكلوا إلى رجال المباحث مهمة القبض على المُبلغ عنه من خلال البيانات التي أرفقتها إدارة الفندق في بلاغها..
ونتيجة التحريات والاستقصاءات المكثفة تمكنت الشرطة من تحديد مكان تواجد مَازن وتوقيفه.. لكن لم يكن ذلك كافيا لاتهامه بعد أن تم عرضها على الطبيب الشرعي الذي أكد أنها لم تتعرض لأي اعتداء أو شيء ينال من شرفها أو عِرضها..
تم تسجيل قضيتها كقضية جنائية تحت مسمى خطف.. وتحرى رجال المباحث أكثر وبحثوا في كاميرات موضوعة داخل وخارج الفندق.. وبعد ثلاثة أيام عادت الى منزل ذويها الذين لم يصدقوا كلامها واتهموها بالخديعة والكذب.. وادعوا أنها اختلقت قصة التخدير والخطف لرجال الشرطة لتبرر وجودها في الفندق الذي ذهبت بمحض إرادتها له مع شاب للفجر..
عاملوها كخاطئة وفاجرة.. وصل بهم الأمر أن يربطوها بالسرير لأيام.. لجأوا للعنف معها من ضرب مبرح وصفع وركل وتجويع وحبس بطريقة جعلت الموت أمنية لها للتحرر من كل ما تعانيه..
وبعدها بمدة تفاجأت بوالد مَازن الذي كانت تبدو عليه الهيبة والوقار يحضر لمنزلهم ويخبرهم بأن ولده اعترف له بأنه كاد لديه فكرة عمن فعل ذلك وأفصح عن أسمائهم للشرطة.. مقرا بأن ابنه ملام لأنه كان يعرف عما يخطط له أصدقاؤه لفعله بها ولم يبلغ أحدا..
وأضاف بأن أولئك الشباب أوقعوا به ليكون المتهم الوحيد عقابا له على عدم مشاركته معهم..
لم تبدُ رواية الحاج يعقوب ومَازن منطقية أو معقوله لعائلتها لكنه عرض عليها الزواج بابنه بعد أن عرف بأنها قد تركت الجامعة وتعاني مع عائلتها بسبب ما حدث لها..
فوافق أبيها على عرض الزواج هذا على أن يتم في سريعا وألا يرى بعده وجهها هي أو مَازن أمد الدهر.. مع بقاء وعيده بأنه سينتقم من مَازن ورفاقه على حد سواء متى ما سمحت له الفرصة على ما فعلوه بها..
اختلجت شفتا ياسمين وازدادت وتيرة أنفاسها بينما تشق صرخة ألم صدرها عند هذه الذكرى..
لقد أذاقتها عائلتها بسبب شكهم بها شتى أنواع وأصناف العذاب للحد الذي جعلها تقبل أن تتزوج من مَازن الذي كان جزءً مما تعيشه لينتشلها من جحيم عائلتها!
وهكذا صارت بين ليلة وضحاها مُتبرأ منها من قبل عائلتها ومتزوجة من شاب لا تعرف عنه شيء إلا أنه مستهتر وشغوف بمصادقة رفاق السوء ومغامرتهم!
وبدأت تعيش في نفس المكان مع عائلته الغريبة المتشددة.. في قرية لم يسبق وأن وطأتها قدمها من قبل.. تظل في القصر كالميتة بلا روح.. لا تخرج من جناحها ولا تتحدث مع أحد.. ولا تجد غير مَازن الذي اضطرت أن تُفعل زواجها منه لتصب عليه وبال سخطها وغضبها وتعتبره مسؤولا عما حدث لها مثله مثل باقي رفاقه! فلو فضح خططهم الدنيئة لما فعلوا ما فعلوه بها..
فقد تسببوا في خسارتها عائلتها للأبد وتبرؤهم منها.. في خسارتها شهادتها الجامعية.. في خسارتها أحلامها وطموحها..
بسبب ما حدث قطعت كل اتصالاتها مع العالم الخارجي بمن فيهم صديقاتها وأقاربها الذين استهجنوا زواجها المفاجئ دون سبق دعوات أو علم.. حتى انتقدوا عجرفتها في مقطعتها لهم بعد زواجها..
ولم تمر أشهر على زواجها منه حتى علمت بأنها تحمل طفله في أحشائها تزامنا مع وصول أخبار بأن والدها تمكن أن يصل للشباب الذي قاموا باختطافها والانتقام منهم بإرسال من يقوم بضربهم ضربا مبرحا ولا يبقِ فيهم عظمة سليمة..
فحاول الحاج يعقوب تشجيع ابنه بالسفر للخارج حتى لا يناله من والدها من ناله باقي رفاق السوء.. لكن في قرارتها تعرف أن والد مازن أراد نفيه للخارج حتى لا يظل يثير المشاكل له بما قد يؤثر على سمعته ومظهره أمام الناس..
أخرجت ياسمين نفسا مرتجفا وهي تعود لأرض الواقع..
من الاستحالة أن يكون النسيَان التام لكل هذا مُمكنًا وكل هذه الذكريات مُكدسة في روحها.. فرغم أنها دائما ما تحاول خلال السنوات الماضية دفنها لألّا تستذكرها.. لكن غالبا ما تنتصر تلك الذكريات لتقوم بالتسلل لذهنها..
الآن وبعد أن سمعت عن حادث مَازن وأصغت لتذمره المستاء بأذنيها لوالده شعرت بالراحة تتسلل لصدرها..
بدا صوته المقهور.. المستاء.. الناقم.. بأنه يعاني أكثر مما كانت تتخيل.. أنه يستحق.. نعم يستحق..
هي الآن شامتة به وما يتعرض له.. فهذا دين ويُسدد..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!